1. الوفاء الدّائم

    الوفاء الدّائم عضو مهمّ

    652
    101
    28
    الدّولة:
    تونس
    الولاية:
    بنزرت
    المستوى الدّراسي:
    خيار آخر
    الاختصاص:
    -
    المهنة:
    -

    أبو القاسم الشابي في مئويته، بين الشعر والانشقاق الفكري

    الموضوع في 'بحوث و دراسات' بواسطة الوفاء الدّائم, بتاريخ ‏17 مارس 2012.

    أبو القاسم الشابي في مئويته، بين الشعر والانشقاق الفكري

    توفيق جبر
    يسعدني ويشرفني أن ارحب بالضيوف الكرام اصحاب السعادة السفراء اعضاء السلك الدبلوماسي والاخوة الصحفيين ورجال الفكر والثقافة، والحاضرين الافاضل الذين بذلوا من وقتهم الثمين ليحيوا معنا هذه الصباحية الثقافية التونسية اليمنية.
    كما يسعدني ان اتقدم بجزيل الشكر الى الدكتور عبدالعزيز المقالح الشاعر الفذ الذي نكن له اسمى عبارات التقدير والاحترام ونعتبره من اجل رجالات الثقافة في اليمن وفي الوطن العربي، والذي يولي اهتماماً كبيراً بتعزيز التبادل الثقافي بين اليمن السعيد وتونس الخضراء، وقد فتح لنا اليوم رحاب مركز الدراسات والبحوث لتنشيط هذه الصباحية الثقافية المشتركة التي نحيي بها مائوية شاعر تونس الخالد.
    كما اتقدم بالشكر الجزيل لجميع الاخوة القائمين على المركز لما بذلوه من جهود مخلصة لانجاحها.
    لأبي القاسم الشابي الذي ولد في 24 فبراير 1909م وتوفي في 9 اكتوبر 1934م اي في سن لم تتجاوز 25 سنة، مكانة استثنائية جداً في التاريخ الثقافي التونسي، هي مكانة الرمز والقيمة الادبية العالية، التي تناطح قمم الادب والشعر، فهو شاعر الخضراء الخالد دون منازع وصاحب تجربة رائدة في مجال الحداثة الشعرية والمقالات النقدية الجريئة بالقياس الى زمن الافصاح عنها والتصريح بها بنبرة عالية وواثقة، بل وحتى صادمة.
    وبالنظر الى وزنه الشعري والنقدي الذي جعل منه الشاعر التونسي الاكثر شهرة وقيمة، فإن تونس تحتفل خلال العام الجاري بمائوية ميلاده وهي مبادرة اعلن عنها سيادة الرئيس زين العابدين بن علي، رئيس الجمهورية التونسية في اليوم الوطني للثقافة من السنة الماضية، ولقد احسنت وزارة الثقافة والمحافظة على التراث الفكري عندما اختارت افتتاح المائوية في ولاية توزر باعتبار ان الشابي مولود في بلدة الشابة التابعة لولاية توزر.
    وفي الحقيقة يمثل الاحتفال بمائوية الشابي فرصة هامة لاكتشاف الشابي شاعرا وناثرا وناقدا، خصوصاً وان تجربته جزء لصيق بتجربة الاصلاح النيرة التي عرفتها تونس في الثلاثينات من القرن الماضي، حيث ظهرت افكار التحديث والمحاولات الجادة في مقاومة الجمود والتقليد، الشيء الذي جعل تلك الفترة مرحلة هامة اظهرت الجدل الفكري الكبير الذي كان سائداً، فالاحتفال بالشابي هو احتفال بالحداثة وبالابداع وبمرحلة زاخرة من تاريخ تونس التي ظهرت فيها العديد من الرموز منها الشابي والطاهر الحداد وغيرهما.
    واذا ما اردنا التعرف على ابرز خصائص تجربة ابي القاسم الشابي، فإن النقطة البارزة في مسيرته الشعرية القصيرة التي لم تتجاوز السبع سنوات اذ لم يعش طويلاً بسبب المعاناة الكبيرة من المرض الذي قضى على حياته وهو في ال25 من عمره فإن السمة الاساسية تتعلق باهمية الاشعار التي تركها والتي اسالت القريحة النقدية لعديد النقاد حتى انه وصف بشاعر الارادة العربية، الذي كتب القصيدة الشهيرة «ارادة الحياة» التي جاء في مطلعها:
    اذا الشعب يوماً اراد الحياة فلابد ان يستجيب القدر
    ولابد لليل ان ينجلي ولابد للقيد ان ينكسر
    وتكشف اشعار الشابي عن قوة موهبته ومدى الصدق المتدفق في قصائده التي تنتصر للحياة وللانسان وللحرية وللحب وللجمال وللمرأة، وتقف بالمرصاد للاستعمار وللظلم، ونلمس في ديوان «اغاني الحياة» التزام الشابي بقضايا وطنه وشعبه واعتماده القصيدة سلاح مقاومة ضد بطش المستعمر دون ان يحجب التزامه الوطني والقومي الابعاد الرومانطقية والوجودية والرومانسية، التي نجدها في قصائد كثيرة من ديوانه الشهير اغاني الحياة، وابرزها «صلوات في هيكل الحب».
    ولعل قوة موهبة الشابي هي التي جعلته يقدم ابداعا ناضجاً، يحظى بالخلود خصوصاً اذا ما وضعنا في الاعتبار قصر عمر الشابي، وما يلفت الانتباه في المضامين الشعرية لقصائد «اغاني الحياة» هو ان الشاعر عرف كيف يقحم قصيدته في ارض المعركة ضد المستعمر من جهة، وتوفق في اشباع نهمه كشاعر ميتافيزيقي ورومانطيقي يهوى مخاطبة الطبيعة وتأمل الوجود والموجودات والحب والشعر.
    ويكفي في هذا السياق ان نحاول تصور ما كان يمكن ان يبدعه الشابي لو ان المرض امهله سنوات اخرى ولم يكن متعجلاً في اخراجه مبكراً من الحياة.
    النقطة الاساسية الثانية البارزة في تجربة الشابي، تتمثل في كونه صاحب رؤية شعرية واضحة المعالم تتضمن درساً شعرياً متفرداً، فهو يؤمن بضرورة التحلي بالصدق ويمارس الكتابة الشعرية باعتبارها فعلاً وجودياً، تاسيساً لواقع مغاير ولمنظومة قيمية مختلفة ترد الاعتبار والقيمة للانسان وللارادة ولحق الفرد في الحرية والكرامة ككائن خلق حرا طليقاً.
    لقد حمل ابو القاسم الشابي مشروعاً متكاملاً واخلص لتجربته الشعرية، فكان بالفعل يحترق كما سعى الى تجنب قصيدته الوقوع في لعبة الاغراض الشعرية التي عرفها الشعر العربي من مديح وهجاء، وفي هذا السياق لابد من لفت الانتباه الى ان الشابي لم يمدح احدا في قصائده ولم يرث سوى ابيه.
    كما عبرت كتابات الشابي عن مفهومه للشعر وعن تصوره للشعراء وملامحهم قائلاً في هذا الصدد ان «الشعر ما تسمعه وتبصره في ضجة الريح وهدير البحار وفي بسمة الوردة الحائرة يدمدم فوقها النحل ويرفرف حواليها الفراش وفي النغمة المفردة يرسلها الطائر في الفضاء الفسيح»، هذه هي رؤيته السامية للشعر.
    اما الشعراء الذين يستحقون صفة شعراء فهم حسب الشابي: اولئك الموهوبون الذين يسبقون عصورهم فيغنون اشهى اغاني الجمال واعذب اناشيد القلب البشري لاجيال لم تخلق بعد، وهم اولئك الذين لا يصورون عادات العصر المتغيرة المتحولة بل عادات الحياة الخالدة على الدهر، ولا يصفون احاديث الوعاظ والمتكلمين والمتفلسفين، بل احاديث نفس الانسان التائهة في بيداء الزمان ولا يعلنون اسرار القصور والمجالس، بل اسرار الازل والابد».
    وتكشف مقولات الشابي هذه عن عمق صاحبها وتأثير مدرسة ادباء المهجر عليه وعلى رأسهم جبران خليل جبران، ذلك ان الشابي الذي درس في جامعة الزيتونة والمنتمي الى عائلة علم، كان منفتحاً على تجارب هامة في العالم ومتواصلاً مع المشاهد الادبية في المشرق، حيث كان ينشر قصائده في مجلة «ابولو» المصرية.
    والى جانب «اغاني الحياة» ترك لنا الشابي محاضرته الشهيرة وهي «الخيال الشعري عند العرب» التي القاها بفضاء الخلدونية سنة 1929م وهي محاضرة مارس فيها الشابي احد اهم قيم الحداثة ونقصد بذلك قيمة النقد، ففي هذه المحاضرة اطلق الشابي العنان للنقد وللانتقاد اللاذع معبراً بذلك عن انشقاق فكري ونقدي خطير، استدعى منه جرأة غير مسبوقة وشجاعة نادرة في مواجهة الجمود والتقليد خصوصاً حين ننزل مضمون المحاضرة في سياقها الزمني.
    لقد جه ابو القاسم الشابي الذي يصنف كمجدد في الشعر الكلاسيكي عدة صدمات لمحيطه الثقافي آنذاك عندما ذكر بشكل صريح، وهو المعروف بسعة اطلاعه على الشعر العربي القديم، ان كل ما انتجه الشعر العربي في مختلف عصوره قد كان على وتيرة واحدة ليس لها من الخيال الشعري حظ ولا نصيب، وان الخيال الشعري العربي اجدب كالصحاري التي نما فيها وتدرج، بل ان الادب العربي حسب تصوره ادب مادي لا سمو فيه ولا الهام ولا تشوق الى المستقبل وانه كلمة ساذجة لا تعبر عن معنى عميق.
    ولعل المهم في كل هذه المقولات النقدية ليس مضمونها لأنه قابل للنقاش وبعضه من السهل تفنيده، بل المهم هو حالة النقد ذاتها التي تحملها وصفة الجرأة التي اصطبغت بها وهو ما يجب ان نستدينه من الشابي اليوم وغداً ودائماً، خصوصاً ان الاراء التي وردت في محاضرته المشار اليها، قد اعترف صاحبها في كلمته التصديرية للكتاب المحاضرة، بأنه يعلم ان كثيراً منها في حاجة الى الشرح والبيان والتحليل والى زيادة التمحيص والبحث الا ان الاقدار لم تسمح له بذلك.
    ان هذه الخصائص وغيرها تؤكد قيمة الشابي من خلال الدرس الشعري والنقدي الذي قدمه في فترة موجزة تشبه البرق في سرعة انقضائها، ذلك انه تميز بالصدق وبالاخلاص في ابداعه وفي الانشقاق فكرياً، وفي شجاعته على الاقدام على اخطر قيم الحداثة وقلبها النابض وعقلها العامل وهي قيمة النقد.