1. الوفاء الدّائم

    الوفاء الدّائم عضو مهمّ

    689
    107
    43
    الدّولة:
    تونس
    الولاية:
    بنزرت
    المستوى الدّراسي:
    خيار آخر
    الاختصاص:
    -
    المهنة:
    -

    الشاعر الجاهلي وقبيلته

    الموضوع في 'بحوث و دراسات' بواسطة الوفاء الدّائم, بتاريخ ‏16 مارس 2012.

    الشاعر الجاهلي وقبيلته

    صادف أن قرأت خلال الأسبوعين الماضيين ثلاث مقالات، لثلاثة كتاب، من أقطار عربية مختلفة أحدها العراق، تجرد الشاعر الجاهلي من أحاسيسه وهمومه الإنسانية، وتصفه بأنه ( صوت القبيلة وبوق دعايتها ) أو ما هو قريب من هذا الوصف. ولكي تؤكد هذه المقالات سلامة هذا الوصف تستعيد أفكاراً مبسطة شائعة مفادها أن القبيلة كانت تفرح حين يظهر بينها شاعر من أبنائها، لأنه سيكون الناطق بلسانها، والمعبر عن مفاخرها، والذائد بشعره عن عزتها وكرامتها. ولكنني أحسب أن فهم العلاقة بين الشاعر الجاهلي وقبيلته ضمن هذه الحدود فهم مغلوط، أو هو ناقص في أحسن الأحوال، وقد يكون ناجماً عن نقص في الاطلاع على الشعر الجاهلي، أو قصور في قراءته، والأخذ بأفكار شاعت حوله، وصار بعضنا يرددها بخفة، ويبني عليها أحكاماً جائرة لا تخلو من استخفاف بالشاعر الجاهلي واستهانة بوعيه وإنسانيته وقدراته الإبداعية .
    إنني أعني هنا الشاعر الجاهلي المحترف، ولا أعني الشاعر الذي يقول البيت والبيتين أو المقطوعة والمقطوعتين، في مناسبة عابرة ثم يمضي في سبيله. أجل، أعني هذا الشاعر وأقول : صحيح أن المجتمع الجاهلي كان مجتمعاً قبلياً، وأن الشاعر كان ابن قبيلته وكان يفخر بها ويذود عنها في شعره، ولكنه لم يكن بوقاً لها، كما يقال اليوم، بل كان عميق الإحساس بذاته بدوياً كان أم شبه بدوي. وصحيح أيضاً أن القبيلة كانت تعتز بابنها الشاعر، ولكنها لم تكن تفرض إرادتها عليه وتلزمه بالفخر بها والتنديد بأعدائها بأوامر صادرة من زعمائها وسادتها، كما قد يتخيل بعض الجهلة. وأعتقد أن أصدق وصف يمكن أن نصف به هذا الشاعر هو أنه : شاعر ذاتي، لا يصدر في شعره إلا عن نفسه وأحاسيسها وهمومها ومشاغلها، وهو كذلك حتى عند الفخر بقبيلته والتنديد بأعدائها وخصومها، والدليل على ذلك هو الشعر الجاهلي نفسه، وليس الأقاويل المتداولة من غير روية واطلاع .
    فلو أخذنا مثلاً القصائد الجاهلية العشر الشهيرة، ومنها المعلقات السبع، لوجدناها قصائد ذاتية بالرغم مما في بعضها من فخر وهجاء ومديح. فمعلقة امرئ القيس مثلاً قصيدة ذاتية من ألفها إلى يائها، فهي كلها تتحدث عن أيام لهوه وعبثه وتمتعه بشبابه وسلطانه. وكذلك معلقة طرفة بن العبد، فهي تتحدث عن همومه الخاصة ومشاكله وما تعرض له من ظلم ذوي قرباه، وعن إحساسه بالموت وفراره من هذا الإحساس إلى الخمر والنساء والصيد. أما قصيدة عبيد بن الأبرص (البائية) فقد قالها بعد أن استضعفه أحدهم لفقره ومنعه من ورود الماء ثم اتهمه بمعاشرة أخته، قالها عبيد بعد هذا الحادث، وعبر فيها عن أحزانه وحكمته في الحياة. وأما معلقة عنترة فهي فخر بنفسه وبشجاعته وإقدامه، وكفى بذلك شهادة على ذاتيتها. وكان النابغة الذبياني يدافع عن نفسه في معلقته، ويرجو عفو ملك الحيرة النعمان بن المنذر عن تهمة اتهم بها، فهي كالأخريات قيلت بدوافع ذاتية خالصة .
    ولو جئنا إلى القصائد الخمس الأخرى التي انطوت على فخر وهجاء ومديح (أعني معلقات : الحارث بن حلزة، وعمرو بن كلثوم، وزهير بن أبي سلمى، ولبيد بن ربيعة، والأعشى ميمون بن قيس) ورجعنا إلى الظروف التي قيلت فيها لتكشف لنا البعد الذاتي العميق في كل منها. فقصيدتا الحارث بن حلزة وعمرو بن كلثوم مثلاً قد تبدوان أكثر التصاقاً من سواهما بالشأن القبلي، ولكن هذا ليس إلا ما يظهر على السطح، أما في العمق فشأنهما شأن آخر. ولكي يتضح لنا ذلك علينا أن نعرف قصة كل منهما والظرف الذي قيلت فيه، ومن دون ذلك يكون حكمنا عليهما حكماً من الخارج .
    ينتمي الحارث بن حلزة إلى قبيلة بكر بن وائل، وكانت هذه القبيلة قد دخلت في حرب ضارية مع شقيقتها قبيلة تغلب، هي حرب البسوس، حتى أصلح بينهما ملك الحيرة الطاغية، عمرو بن هند، وأخذ عليهما مواثيق، واشترط على كل منهما أن ترهن عنده ثمانين (وقيل سبعين، وقيل مئة) من أبنائها، فإذا عدت إحداهما على الأخرى سلم أبناء القبيلة العادية لغريمتها. وكان هذا الملك يستخدم هؤلاء الرهائن في حروبه وغزواته، فأهلك الحر الشديد رهائن تغلب في إحدى هذه الغزوات، فما كان منها إلا أن تطالب بكراً بديتهم، فأبت بكر، وكادت القبيلتان تعودان إلى الحرب مرة أخرى، ولكنهما احتكمتا أخيراً إلى عمرو بن هند نفسه، وأتت كل منهما بمن ينطق باسمها أمامه، فجاء عن تغلب عمرو بن كلثوم، وجاء عن بكر هرم، أحد بني ثعلبة. ولكن هذا الأخير لم يحسن الدفاع عن حقوق قبيلته، وأغضب عمرواً بن هند بما قاله في مجلسه، وكاد حق قبيلة بكر أن يضيع، فنهض عندئذ الحارث بن حلزة وأنشد قصيدته دفاعاً عن حقوق قومه، فأحسن ونجح في الانتصاف لهم، فانصرف عمرو بن كلثوم ومن معه من قومه خائبين غاضبين .
    إن دافع الحارث بن حلزة في قول هذه القصيدة هو ذاتي قبل أن يكون قبلياً. فهو لم يكن مكلفاً من قبل قبيلته بأن يتحدث في هذا المجلس، ولم يكن عمرو بن هند ليقبل بحضوره في مجلسه أصلاً، لأن به برصاً، ولأن هذا الملك كان لا يحب النظر إلى من به سوء، ولكنه نهض يدافع عن قبيلته عندما أخفق الناطق بلسانها في الدفاع عنها، وبدأ يلقي قصيدته من وراء حجاب، فلما سمع منه الملك أمر برفع الحجاب وأدناه منه. ومن يدري، فلعل ابن حلزة أراد بما بادر إليه أن يظهر في قبيلته، وأن يتقرب من الملك، أو أنه لم يهن عليه أن تخذل قبيلته ويغمط حقها فبادر يدافع عنها. ولم لا ؟ فقبيلته هي بيته وأهله، بل هي وجوده نفسه، والدفاع عن القبيلة في ذلك العصر هو دفاع عن الذات والمال والعرض، فعزة الفرد يومئذ من عزة قبيلته وأمنه من أمنها وكرامته من كرامتها، والدفاع عنها واجب كالدفاع عن الوطن اليوم .
    أما قصيدة عمرو بن كلثوم فالدافع الذاتي فيها أكثر وضوحاً، برغم ما فيها من غلو في الفخر بالقبيلة، وبرغم أن الشاعر استخدم فيها ضمير الجمع (نحن) إمعاناً في التعبير عن التصاقه بقبيلته واعتزازه بها وبمآثرها. فلو عرفنا قصة هذه القصيدة والدافع المباشر إلى قولها لاكتشفنا أنها قصيدة ذاتية بامتياز. فعمرو بن كلثوم لم يكن مجرد شاعر من شعراء تغلب، بل كان سيدها. وقد قال قصيدته بعد أن اختط عمرو بن هند خطة لإهانته والانتقاص منه بحضور جماعة من قبيلته. فقد دعاه ليستضيفه، وطلب منه أن يأتي بأمه ليلى بنت مهلهل بن ربيعة لتكون في ضيافة أمه هند. وكانت الخطة أن تهين هند (أم عمرو الملك) ليلى (أم الشاعر) على مسمع منه، وهذا ما كان، ولكن ليلى لم تقبل الإهانة، فقامت وصاحت (وا ذلاه، يا لتغلب !). فهب الشاعر وامتشق سيفاً معلقاً في رواق الملك لم يكن ثمة غيره، وضربه على رأسه فقتله، وهب من كان معه من قومه فانتهبوا ما كان في الرواق وساقوا معهم نجائب الملك وعادوا جميعاً من حيث أتوا .
    إذن فالدافع إلى قول هذه القصيدة ذاتي محض، والفخر فيها فخر بالنفس قبل أن يكون فخراً بالقبيلة، بل ان الفخر بالقبيلة هنا هو فخر بالنفس، والضمير (نحن) يحيل إلى عمرو بن كلثوم أكثر مما يحيل إلى قبيلته، لأنه هو سيد القبيلة، وهو من رفض الإهانة وبادر إلى قتل عمرو بن هند. وكل غلو في الفخر جاء في القصيدة هو غلو في نظر الشاعر إلى نفسه. ولذا لا يصح أن نقول عنه : إنه كان بوق القبيلة .
    ولو نظرنا في معلقة زهير بن أبي سلمى لوجدنا نوعاً آخر من تجليات الذات الشاعرة في القصيدة الجاهلية. فزهير بن أبي سلمى كان قد رأى أهوال الحرب بين عبس وذبيان، وسمع من أخبارها ما سمع. وما كادت هذه الحرب تنتهي حتى ظهر من يريد إشعال نارها من جديد، لولا حكمة رجلين من بني غالب (وهم من عبس) هما : الحارث بن عوف وهرم بن سنان. فقد فضل هذان الرجلان الصلح على الاحتراق بنيران حرب جديدة، حين قبلا دية رجل منهم قتله رجل من ذبيان ثأراً لأخيه الذي كان قد قتل في تلك الحرب، فجاءت معلقة زهير عن هذا الحادث. وبرغم أن زهيراً مدح هذين الرجلين في أبيات قليلة من أبياتها كانت حكمته الخاصة هي الطاغية على قصيدته، بل كان مديحه للرجلين جزءاً من حكمته هذه. فهو يومئذ في الثمانين من عمره، خبر خلالها الحياة وعرف أهوال الحرب ونتائجها المدمرة على الطرفين المتحاربين، فصدر في قصيدته عن هذه الخبرة، سواء في مدحه الرجلين أم في تذكيره ذبيان بأهوال الحرب، وهو لم يكن في ذلك بوقاً لأحد أو ما يشبه البوق، بل اتخذ من هذا الحادث العرضي مناسبة للتعبير عن رأيه بالحرب والسلام، وعرض حكمته في الحياة .
    أقول : إن الشاعر الجاهلي كان ذاتياً حتى عند الفخر بقبيلته، فهو فرد من أفرادها يصيبه ما يصيبها في الحرب والسلم وفي الخصب والجدب، أي أن همومها هي همومه، ومشاكلها هي مشاكله. فهي شعبه، وهي وطنه، وهو من دونها لا حول له ولا قوة، وفخره بها هو فخر بنفسه، ولذا لا يصح وصفه بأنه (بوق) حتى لو كرس شعره كله للفخر بها، ففي هذا الوصف من التبسيط والارتجال ما يبعده عن الصواب، بل ان ذات الشاعر الجاهلي كانت تتجلى حتى في طريقة بناء قصيدته. فهو عادة ما يبدأها بالوقوف على الأطلال، أو بالنسيب والغزل، أو بوصف ظعن الحبيبة، أو بتذكر أيام الشباب، أو بغير ذلك من مقدمات ينطلق فيها جميعاً من ذاته، ويفصح عن هموم خاصة تثقل عليه. ثم ينتقل بعدها إلى وصف ناقته، وناقته هي رفيقته في حله وترحاله، وهي أيضاً (بليّته) حين يموت ويقبر، وهي عونه وشاهده في (يوم الحشر) حسب المعتقدات الجاهلية. وقد ينتقل من وصف الناقة إلى وصف مجلس شراب حضره، أو ينطلق إلى تشبيه ناقته ببقرة وحشية، أو بنعامة، أو بحمار وحشي، فيضع هذا الحيوان في موقف درامي تتجلى فيه صورة من صور الصراع من أجل البقاء، معبراً في ذلك عن خبرة من خبراته، وعن شعوره بأن هذا الصراع لا يقتصر على الإنسان في تلك البيئة الصحراوية القاسية بل يشمل الحيوان أيضاً. وهذه كلها شؤون لا علاقة للقبيلة بها، بل هي هموم، ومشاعر، ومشاهدات، وخبرات ذاتية، تجد فرصتها في الإفصاح عن نفسها عند نظم القصيدة. ومتى ما فرغ الشاعر من هذا كله عمد إلى الفخر بقبيلته بعدة أبيات لا تشكل إلا جزءاً قليلاً من قصيدته، وكأن هذا هو آخر ما يتذكره ويريده. وقريب من هذا ما نراه في معلقتي لبيد بن ربيعة والأعشى. فالفخر بالقبيلة لم يتجاوز أكثر من أحد عشر بيتاً من معلقة لبيد التي يبلغ عدد أبياتها ثمانية وثمانين بيتاً. والفخر في معلقة الأعشى لم يتجاوز ثلث القصيدة التي يبلغ عدد أبياتها أربعة وستين بيتاً، وهو أطول فخر في قصيدة جاهلية بعد معلقة عمرو بن كلثوم .
    وبعد، فإنني لم أختر هذه الأمثلة لأنها توافق رأيي، بل لأنها تمثل الشعر الجاهلي الذي وصلنا خير تمثيل. وهي كلها تدل على أن شخصية الشاعر الجاهلي لم تكن ذائبة في شخصية قبيلته رغم علاقته الوثيقة بها، بل كانت مستقلة عنها، متميزة فيها. ولو فحصنا الشعر الجاهلي فحصاً شاملاً وعميقاً، لاكتشفنا أن شعراء هذا الشعر مهمومون أساساً بقضية جوهرية واحدة هي : قضية الحياة والموت، وهي قضية ذاتية وفردية خالصة، لها حضورها الواضح والمتنوع في نصوصهم الشعرية، ولها تجلياتها في شكلها الفني، بدءاً من الوقوف على الأطلال وانتهاء بوصف الناقة وتشبيهها بالحيوانات التي تصارع من أجل البقاء. بل قد يكون الفخر بالقبيلة أحد تجليات هذا الحضور، لارتباط وجود الشاعر الوثيق بوجود قبيلته كما قلنا. ولنا دراسة مفصلة لم تنشر بعد حول أثر قضية الحياة والموت في الشعر الجاهلي وتجلياتها فيه.
    وأخيراً لا بد من القول : إن الشاعر الجاهلي لم يكن، كما قد نتصوره اليوم، إنساناً بدائياً ساذجاً، أو سطحياً، بل كان إنساناً مرهفاً، دقيق الملاحظة، ثاقب البصيرة، عميق النظرة، مليئاً بحكمة الحياة، مشحوناً بهموم إنسانية وعذابات وجودية مضنية، وخاصة إذا طال عمره، ونضجت تجربته في الحياة، كعبيد بن الأبرص والحارث بن حلزة وزهير بن أبي سلمى ولبيد بن ربيعة وأبو ذؤيب الهذلي. وهذا الشاعر لم يكن حبيس حيّه أو صحرائه، كما يُصوَّر أحياناً، بل كان جواب آفاق ساح في الجزيرة طولاً وعرضاً، وكان يفد على الأسواق في المواسم، ويتردد على مواطن الحضارة في العراق والشام واليمن، ويخالط سكانها، ويلج حاناتها، وينادم ملوكها، وكان في كثير من الأحيان إما سيداً من سادات قبيلته أو مقدماً فيها يلتقي بساداتها ويحضر مجالسها ويشارك في وفودها، وكان له أصدقاؤه ونداماه في مجالس اللهو والشراب، وكثيراً ما كان ممن يحسنون القراءة والكتابة، وكان لكل هذا تأثير واضح في شعره ونمط تفكيره، ومن ذلك إحساسه العميق بالزمن، وحيرته المضنية إزاء مشكلة الموت، فضلاً عن صوره وتشبيهاته وخلاصات حكمته التي يقدمها في صور ومشاهد درامية أحياناً، وفي صياغات تجريدية أحياناً أخرى، حتى أصبح الكثير من أبياته أمثلة متداولة في عصره وفي العصور اللاحقة، ومنها ما هو متداول ونافذ حتى اليوم

    بقلم الشاعر العراقي: سامي مهدي
  2. ايمان اصبيح

    ايمان اصبيح عضو مهمّ

    812
    41
    28
    الدّولة:
    الاردن
    الولاية:
    اربد
    المستوى الدّراسي:
    جامعي
    الاختصاص:
    الطب البديل
    المهنة:
    كاتبة كتاب طبي
    كتبت فأبدعت