1. جلال البحري

    جلال البحري نجم المنتدى

    1,461
    530
    113
    الدّولة:
    تونس
    الولاية:
    بنزرت
    المستوى الدّراسي:
    دراسات معمّقة
    الاختصاص:
    أدب عربي
    المهنة:
    أستاذ

    حضارة حديثة مسألة الاستبداد عند روّاد النّهضة العربيّة الحديثة: الدّرس الأوّل

    الموضوع في 'السّداسي الأوّل' بواسطة جلال البحري, بتاريخ ‏21 ديسمبر 2014.

    السّنة الأولى: إجازة عربيّة
    كليّة الآداب بمنّوبة
    [​IMG]

    حضارة حديثة
    المسألة الأولى
    السّداسي الأوّل
    السّنة الجامعيّة: 2014 - 2015

    - درس عام -
    مسألة الاستبداد عند روّاد النّهضة العربيّة الحديثة
    الدّكتور: محمّد بن الطيّب

    الدّرس الأوّل
    الاستبداد في اللّغة: اسم لفعل استبدّ
    يُقال استبدّ به أي انفرد به، و استبدّ الأمر بفلان غلبَهُ فلم يقدر على ضبطه، و استبدّ بأمرِه غلبَهُ على رأيه فهو لا يسمع إلاّ منه.
    قال ابن منظور في لسان العرب: " استبدّ فلان بكذا أي انفرَدَ به "
    و في حديث عليّ بن أبي طالب: " كنّا نرى أنّ لنا في هذا الأمر حقّا فاستبددتم علينا "
    يُقالُ استبدّ بالأمر يستبدُّ به استبدادًا إذا انفرد به دون غيرهِ. فالاستبدادُ بالشّيء استحواذٌ عليه و استفرادٌ أي امتلاكه بغير حقّ.
    الاستبداد = الانفراد + الاستحواذ = الغلبة بغير الحقّ
    و على صعيد الفكر يكون الاستبدادُ الانفرادُ في الرّأي فيما تجب فيه المشورة
    فإذا كان معنى الاستبداد في اللّغة العربيّة هو الانفراد بالشّيء، يكون الانفراد بالحكم استبدادا به. و هذا هو المعنى الذّي درج المفكّرون و الكتّاب على قصده عند استعمال كلمة الاستبداد عند حديثهم عن أسلوب في الحكم مُستهجن ( أسلوب بغيض / هجين ) و هو الاستبداد في إدارة شؤون النّاس.
    يُعدّ رِفاعة رافع الطّهطاوي من أوّل روّاد النّهضة الأوائل ممّن قدّموا فهما حديثا للسّياسة و للعلاقة بين الحاكم و المحكوم و نقل التّجربة السياسيّة الفرنسيّة في كتابه " تلخيص الإبريز في تلخيص باريز " و شرحها و أسهم في إرساء أهمّ المفاهيم السياسيّة الحديثة كالحريّة و الوطن و الإدارة و وظائف الحكم. و فهم أنّ النّهضة السياسيّة لا تكون إلاّ بتقدّم الحاكم و المحكوم و ميّز بين السّلط الثّلاث: التشريعيّة و التنفيذيّة و القضائيّة. و دعا إلى المُلك المقيّد بالقانون.
    و لئن رأى الطّهطاوي أنّ الحكم في مصر لا يمكن أن يكون بيد الشّعب و قبِل بسلطة الحاكم، فإنّه ألحّ على الحدّ الذّي تضعه له القواعد الأخلاقيّة. فالشّريعة فوق الحاكم و لا بُدّ أن تكون العلاقة بين الحاكم و المحكوم قائمة على حسن الطّاعة من جانب المحكومين و حُسن الإرضاء من جانب الحاكم.
    يقول الطّهطاوي: " فالملكُ يتقلّدُ الحُكومة لسياسة رعاياهُ على مُوجب القوانين "
    و قد ندّد بالملك الذّي يستعبد رعاياه، فقال: " إنّ الملوك الذّين لا يهمّهم سوى أن يرهبهم النّاس فيستعبدون رعاياهم لجعلهم أكثر خضوعا إنّما هم وباء الجنس البشريّ "
    فلا يحقّ للملك أن يمنع النّاس حقوقهم: " كلّ عضو من أعضاء جمعيّة المملكة يرخص لهُ أن يتمتّع بجميع مباحاة المملكة فالتضييق عليه في ما يجوز فعله بدون وجه مرعيّ يُعدّ حرمانا لهُ من حقّ، فمن منعه من ذلك دون وجه يكون متعدّيا على حقوقه و مخالفا لأحكام وطنهِ "
    و لكنّ الطّهطاوي لم يُخبرنا من الذّي يُحدّد تلك المحظورات بالقانون أهو الملك أم الشّعب؟
    الحقّ أنّ الطّهطاوي أهمل دور الشّعب في المشاركة في الحكم.
    أمّا خير الدّين التّونسي فقد أدان الاستبداد بالسّلطة و رفض حُكم الفرد، فقال: " و المُهمّ أن لا يُطلق أمرُ الوطن لإنسان واحد كائنا من كان و على أيّ حال كان " و نادى بضرورة تقيّد الحاكم بالقانون و بمشورة العلماء و الأعيان لردعه عن عمل السّوء، و رأى أنّ المصلحة العامّة هي معيارُ الصّلاح. فقال: " و معلوم أنّ تصرّف الإمام في أحوال الرعيّة لا يخرج عن دائرة المصلحة "
    أمّا المصلحة الشخصيّة للحاكم فهي دليل الفساد. و قد ازدهرت الأمّة الإسلاميّة حين جرت سياستها على مقتضى المصلحة العامّة و تأخّرت حين تصرّف بعضهم بحسب مصالحه الشخصيّة لا باعتبار مصلحة الدّولة و الرعيّة. و الاستبدادُ عند خير الدّين هو عدمُ اعتبار رأي الجماعة، و من هنا فهو الحُكم بالهوى و المشيئة الشخصيّة و التصرّف بمقتضى الشّهوات.
    و قد جرى تطوير مفهوم الاستبداد من قبل " جمال الدّين الأفغاني " حين قال: " بالقوّة المُطلقة يكون الاستبدادُ و لا عدلَ إلاّ مع القوّة المقيّدة ". فالاستبداد يعني غياب القانون، و حتّى إن وجدت مجالس نيابيّة فذلك في رأي الأفغاني لا يعني غياب الاستبداد " إنّ القوّة النيابيّة لأيّ أمّة كانت لا يُمكن أن تحُوز المعنى الحقيقيّ إلاّ إذا كانت من نفس الأمّة. و أيّ مجلس نيابيّ يأمر بتشكيله ملك أو أمير أو قوّة أجنبيّة محرّكة لها فاعلموا أنّ حياة تلك القوّة النيابيّة الموهومة موقوفة على إرادة من أحدثها "
    فالمحاسب النيابي الحقيقي تشكّله الأمّة بنفسها و إلاّ فهو مجرّد مظهر شكليّ لا قيمة له في الواقع.
    إنّ الاستبداد هو حكم الفرد الذّي لا يُشرك الأمّة في الحكم فيظلم و يستغلّ و لا يستندُ إلى قانون مرعيّ " و الإنسان الحقيقيّ هو الذّي لا يحكم عليه إلاّ بالقانون الحقّ المؤسّس على دعائم العدل الذّي رضيهُ لنفسه " ( الأفغاني )
    أمّا ما عدا ذلك فيكون واقعا تحت ضغط الاستبداد محكوما بملك لا يُراعي القوانين، إنّما يحكم بمقتضى الهوى و المشيئة لا رقيب عليه و لا حسيب. و قد طالب الأفغاني باجتثاث دابر الاستبداد، فالملك إذا حنث بيمينه ( قسمه ) و خان الدّستور " فإمّا أن يبقى رأسه بلا تاج أو تاجه بلا رأس " ( الأفغاني )
    و هكذا يُجيز الأفغاني القيام بالثّورة للقضاء على الاستبداد، فإمّا أن يتنازل المستبدّ عن الحكم و إمّا أن يتنحّى بالقوّة.
    أمّا محمّد عبده فيُميّز بين الاستبداد و الاستبداد المُطلق، فيرفض الثّاني و يقبلُ الأوّل. يقول: " إنّ الاستبداد المطلق ممنوع، منابذ لحكمة الله في تشريع الشّرائع. فإنّه نبذ للدّين و أحكامه و سعي خلف الهوى و مذاهبهِ و ذهابٌ لخفض كلمة الله العليا و فرق لإجماع السّلف الصّالح من المؤمنين إذا لم يبيحوا في جميع أمورهم أن يتولّى عليهم من يُخالف الكتاب و السنّة إلى أحكام شهوته و هواه "
    غير أنّه يرى أنّ الاستبداد لا يُرفع إلاّ بعد أن يتكوّن رأي عام يستحقّ الحياة السياسيّة الحرّة. و في انتظار أن يتهيّأ النّاسُ لذلك طالبَ محمّد عبده بما سمّاه " المستبدّ العادل " " مستبدّ يكره المتناكرين على التّعارف و يُلجئُ الأهل إلى التّراحم و يقهر الجيران على التّناصف... وهل يعدم الشرق كلّه مستبدا عادلا في قومه يتمكّن به العدل أن يصنع في خمس عشرة سنة ما لا يصنع العقل وحده في خمسة عشر قرنا "
    و من المعلوم أنّ هذا الرّأي متناقض لأنّ العدل لا يكون إلاّ بمشاركة المحكومين في شؤون السّياسة و تدبير الحُكم فلا يُمكن أن يجتمع النّقيضان: التفرّد بالسّلطة و العدل.
    فالعدلُ لا يتمّ إلاّ بالمشاركة، و من ثمّة لا يصحّ إطلاقا أن تُسمّى الدّولة المستبدّة دولة متمدّنة عادلة لأنّ شرط التمدّن الأساسيّ هو إقامة العدل، و لا عدل من دون مشاركة المواطنين في تدبير شأنهم العام.
    و قد عرّف محمّد عبده الاستبداد بأنّه تصرّف واحد من الجماعة بدمائهم و أموالهم و مذاهبهم بما يُوجبه هواه و ما يقضي به رأيه سواء أكان يجري مخالفا لمصلحتهم أم موافقا لها.
    معنى ذلك أنّ المستبدّين الذّين يتحججون بمصلحة النّاس لممارسة طغيانهم و ليتصرّفوا بحسب أهوائهم و نزعاتهم الشخصيّة لا يخرجون من وصف الاستبداد إطلاقا.
    هكذا يتبيّن لنا أنّ كبار روّاد النّهضة العربيّة الحديثة عرّفوا الاستبداد بأنّه غيابُ القانون و الإعراض عن المشورة و الحكم بمقتضى الهوى و المشيئة. و ما من شكّ في أنّ هذا جانب مُهمّ من جوانب الاستبداد و لكنّه ليس الجانب الوحيد لأنّ الاستبداد كثيرا ما ظهر في ظلّ القانون مرتديا لبوس المشورة الزّائفة. و قد أدرك ذلك بعض الروّاد و إن بدرجات متفاوتة من الوعي. و النّاظرُ في كتاباتهم يتبيّن أنّ بعض أنواع الاستبداد لم تغبْ عن أذهانهم، فقد لاحظوا التّفاوت في الثروة بين أفراد الأمّة و الفساد الاجتماعيّ المستشري و أشكال التصوّف الفكريّ التّي يُمارسها بعض المتعمّمين و الشّلل التّربويّ الذّي أصاب المجتمع و أشكال التضييق على حريّات النّاس و ما إلى ذلك من مفاسد الاستبداد و نتائجه الكارثيّة. و بذلك اقترب روّاد النّهضة العربيّة بدءا من الطّهطاوي من وصف الدّاء الذّي أصابَ الأمّة و كان لا بدّ من مرور بعض الوقت إلى أن يأتي الجيل الثّاني من الروّاد فيدفع بالفكرة قُدُمًا لتُصبح أكثر نُضجا و وعيا مع الكواكبي بالخصوص.
    [​IMG]

    آخر تعديل: ‏22 ديسمبر 2014
    أعجب بهذه المشاركة rochdi nasri
  2. rochdi nasri

    rochdi nasri ضيف جديد

    1
    0
    1
    الدّولة:
    tunisie
    الولاية:
    mahdia
    المستوى الدّراسي:
    جامعي
    الاختصاص:
    عربية
    المهنة:
    استاذ