1. salma

    salma عضو مهمّ

    988
    120
    43
    الدّولة:
    تونس
    الولاية:
    نابل
    المستوى الدّراسي:
    جامعي
    الاختصاص:
    علوم
    المهنة:
    طالبة

    اللوحة الضائعة في معلقة طرفة بن العبد

    الموضوع في 'بحوث و دراسات' بواسطة salma, بتاريخ ‏15 يونيو 2013.


    اللوحة الضائعة في معلقة طرفة بن العبد

    د. عبد الحق حمّـادي الهوّاس


    كتاب اللوحة الضائعة يقع في 219 صفحة ، لمؤلفه الدكتور عبد الحق حمّـادي الهوّاس، طبع دار الفتح للدراسات والنشر، عمان- الأردن 2003م.
    وقد كشفت هذه الدراسة عن أن الشاعر لم يمت في عمر يقارب الستة والعشرين عاماً كما ذهبت الدراسات وإنما عاش عمراً طويلاً قد يكون تجاوز الستين سنة، لكنه هجر قبيلته هجرة طويلة انقطعت فيها أخباره حتى ظُنّ أنه قد مات، ثم عاد مرةً أخرى إلى قبيلته، وهذا ما يفصح عنه شعره جليّاً وكذلك سيرة حياته.
    ويقول المؤلف في تعريف اللوحة الضائعة:
    لا نعني سقوطها من المعلقة أو مخطوطاتها، أو أننا عثرنا عليها، ولم يعثر عليها غيرنا فأخرجناها لأول مرة مما قد يتبادر للذهن؛ لا ، وليت الأمر كذلك لكان أسهل عملاً وأقل مشقة، وإنما نقصد بها تلك الأبيات التي لم يعطها الباحثون قدامى أو محدثين حقها أو مكانها في المعلقة؛ بل إن بعضهم أسقطها، وآخرون قالوا فيها كلاماً أساء لشاعرها، واللوحة هي:


    وبَرْكٍ ، هجودٍ قد أثارت مخافتي نواديَها، أمشي بعضبٍ مُجردِ
    فمرتْ كهاةٌ ذاتُ خيفٍ جُلالةٌ عقيلةُ شيخٍ كالوبيل يلنددِ
    يقول وقد ترّ الوظيف وساقُها ألست ترى أنْ قد أتيت بمؤيدِ
    وقال: ألا ماذا ترون، بشارب شديد علينا بَغيُهُ متعمِّدِ
    فقال: ذروهُ إنما نفعها له وإلا ترُدوا قاصي البَرْكِ يَزْددِ
    فظلَّ الإماءُ يمتللْنَ حُوارها ويسعى علينا بالسَّديف المُسرْهدِ

    ثم يشرح الباحث جهده في هذا الكتاب بقوله:
    أعترف بأنني عشت رحلة جميلة ومؤلمة مع طرفة بن العبد ، أحسست بإحساسه وفكرت بعقله، ورصدته في معظم المواقف التي مرّ بها وأثرت فيه.

    وقد أكبرته، فقصيدته قلادة تتلألأ على مدى الأيام، لا يمل قارئها، ولا يشبع منها سامعها، وكلما أخضعها الناقد لأصول النقد كلما كشفت عن درر جديدة وبدت له وكأنه يقرأها لأول مرة، ومن هذا المنطلق كانت رحلتي مع معلقة طرفة بشكل عام، ولوحته المظلومة بشكل خاص، وقد كشفت هذه الدراسة عن:
    1- أن إشكالية الطلل في القصيدة العربية ليس تقليداًُ فنياً محضاً وإنما مادة شعرية غنية يصوغ منها الشاعر ما يراه مناسباً لغرض قصيدته وأن هذا الطلل يشير بأسلوب غير مباشر إلى مقاصد الشاعر، فهو بمثابة عنوان كبير معبر عما يكتب دونه. وأن التفاصيل التي يبني فيها الشاعر طلله، من اسم المرأة ، وجفاف الطلل، أو الدعاء له بالسقيا، أو جعله ربعاً ، أو تصوير الزهور فيه، أو تساقط الرمال عليه، وبقايا دمنه ونؤيه، وآثار الديار، وما سوده الناس، وغير ذلك وتشبيهها بشتى التشابيه، كلها إشارات تدفع باتجاه الغرض الرئيس لتكون فيه جلية واضحة، وهكذا كانت خوله رمزاً لأخوال الشاعر وظلمهم له ، وكانت بقايا الوشم في ظاهر اليد رمزاً للعلاقة الضعيفة بين الشاعر وعشيرته. كما بدا لنا أن الطلل قد يكون معنوياُ ؛ فضلاً عن أنه غدا تقليداً فنياً.
    2- أنَّ رحلة الظعائن تعبير صريح عن رحلة القبيلة، فقد نسبها الشاعر إلى جده مالك بن ضبيعة، وحرص على وضعها في بحر ليدلّ على عدم رضاه على القبيلة، وصوّر شيخ القبيلة بصورة الملاح لتلك السفن، ولكي يشير إلى موقفه منه فقد جعله يجور مرة وأخرى يهتدي، كذلك وقفنا على غرض الشاعر من صورة المفايل ، وهو يقسم كومة التراب على قسمين ليدل على حظه العاثر وإيمانه فيما بعد بهذا الأمر.
    3- وقفت الدراسة عند لوحة النسيب التي توسطت بين رحلة الظعائن ورحلة الشاعر، وتبين أنها تشير إلى امرأة وقورة تتسم بالحياء وقد اعتزلت الآخرين وذهب البحث إلى أنها أقرب ما تكون إلى صورة أمّ الشاعر ومعاناتها مع أهلها وأن أسلوب الشاعر معها كان في منتهى الاحترام والعفة وأن الفصل بين الرحلتين تتوسطه أم الشاعر بمعنى أنها هي التي تحول بينه وبين قطع العلاقة مع قومه، أو هي ما بقي له من علاقة معهم.
    4- ووقفت الدراسة على رحلة الشاعر، فرصدت فيها عدة أمور منها:
    أ- أن الشاعر قد ركز على ناقته ، وعمد على إعطائها صورة مثالية في الخلق والقوة والسرعة والنباهة والاستجابة، والأمان.
    ب- أن الشاعر قد ركبها جزءاً جزءاً بدءاً من الخلف، وكأنه يشير بذلك إلى أنه مغادر وظهره لقبيلته، ولقد كان ترتيب الشاعر لأجزاء الناقة منظماً أشبه ما يكون بلعبة الأطفال في ترتيب أجزاء صورة ما. ولوحظ أن الشاعر وقف عند العنق ليرى في صورته سفينة، وليكون العنق كسكان الملاح أو مقوده، ثم ينتقل إلى الرأس ، فيرسم صورة الجمجمة مصنوعة بدقة، ثم يبدأ بتفصيل هذه الجمجمة، من الخدّ إلى العينين إلى الأذنين، وحين أراد أن يتحدث عن العواطف انتقل إلى القلب جاعلاً مركز التوجيه في هذه الجمجمة وكأنه يتحدث عن عقل آلي ، ثم نراه يعود ليؤكد أن سفينته ناقة حية، فيتحدث عن الأنف وأنفاس الناقة مشيراُ بها إلى أنفاس الحياة.
    ج- ووقفت الدراسة على أسلوب الفخر عند الشاعر فوجدته قد توزع على عدة أماكن في القصيدة:
    - في الرحلة على لسان صاحبه الذي أبدى إعجابه بهذه الناقة المثالية بيد أنه انتابه شعور بالخوف على طرفة، فكان ذلك مجالاً لفخره بنفسه، وربما يكون هذا الصاحب هو نفس الشاعر وإحساسها بالخوف من قرار صاحبها.
    - وكان هذا توطئة لفخره بكرمه وفروسيته ، وهما عند الشاعر الجاهلي متلازمان، فالكريم لابد أن يكون شجاعاً ، وهو دفع لذلك الخوف أو محاولة للتغلب عليه.
    - ثم كان فخره بعد عتاب ابن عمه مالك، ليكشف عن أصالة سماحته، وأنها ليس جبناً، ثم كان ذلك توطئة للوصول إلى اللوحة الضائعة كما أسميناها.
    - ثم كان فخره بعد رثاء نفسه، وكان بمثابة تعديد لمناقبه، وقد يكون طرفة أول من أسس لرثاء النفس قبل موتها.
    د- ووقفت الدراسة على أسلوب الرحلة ، وغياب صور الصحراء الصعبة والمعقدة، وغياب صور الصراع ، وظهر أن صعوبة الصحراء كان ظمناً من خلال إعداد الناقة إعداداً عالياً لتكون قادرة على قطع أشدّ المفازات صعوبة، ومن خلال خوف صديقه وإشفاقه عليه، كذلك ظهر أن غياب الصراع كان مقصوداً لأن الخلاف كان في إطار الأسرة الواحدة، والشاعر ينأى عن إحداث أي ضرر بأهله وعشيرته.
    هـ- لم تأخذ الدراسة بالرأي القائل بأن تعاطي الخمرة أدى إلى إفراد طرفة فضلاُ عن إهماله لإبل أخيه معبد، ورأت في وصفه لحانات الخمر مثيلاً لما هو موجود في البيئة الجاهلية، وأن الشاعر قد قضى مدة في معاناة قاسية من مقاطعة عشيرته له مما زاد في ارتياده لحانات الخمر، وتبنيه فلسفة تعبر عن هذه المرحلة التي عانى فيها من مقاطعة قومه له. تنبع من إحساسه بالقهر والغربة داخل قبيلته، وهذا أيضاً تأسيس لشعر الغربة الداخلية(1)
    5- كشفت الدراسة عن أن طرفة شاعر يميل إلى الصفاء والنقاء ويفضل اللون الأبيض، ويدعو إلى العدالة وتحقيقها ، ويكره الظلم، ويمقت البخل، ويكبر الكرم وأهله، وأن النصف الأول من معلقته يكاد يكون صورة للنقاء والصفاء.
    6- وأوضحت الدراسة أن الشاعر الذي يئس من الحصول على حقه من عشيرته، وشعر بالعجز أمام سطوة الأهل ، وحساسية الموقف ، قد ذهب إلى عشيرته، وشعر بالعجز أمام سطوة الأهل وحساسية الموقف، قد ذهب إلى الحكمة فكان للموت فيها نصيب وافر ، لأن فيه تحقيقاً للعدالة والمساواة وأن لا أحد له القدرة في الوقوف في وجهه أو الإفلات منه.
    7- ووقفت الدراسة عند محاورة الشاعر لابن عمه، وإفحامه بالحجة واعتماده على ثنائية تصوّر موقفين متضادين بين ما يجب أن يكون، وبين موقف الآخر الهارب من واجبه، وقد أظهرت الدراسة براعة الشاعر في التدرج بالموقف من القول إلى الفعل ، وإعطاء صورة للتعامل مع هذا التطور ، وواجب القريب اتجاه قريبه ضمن مفهوم القبيلة وعاداتها وتقاليدها، وحين لا يدع لابن عمه أدنى حجة في تسويغ موقفه السلبي، نراه يذهب إلى تحميل ذلك إلى حظه العاثر في هذه الدنيا مما يدفعه إلى تعويض ذلك بالفخر بنفسه وإظهار فروسيته، وأنه غير عاجز أو ضعيف وإنما تنازله ناتج عن احترامه وتقديره لأواصر القربى فكان للفخر مساحة واسعة كعامل نفسي.
    8- وقد قاده فخره ، فضلاً عن الضغط النفسي الذي يشعر به إلى رسم صورة رمزية لقومه، فجعلها بصورة مجموعة من الإبل النائمة والمطمئنة، وقد جرّد سيفه ومشى إليها بقصد إعماله فيها، لكنه تراجع حين أدرك خطورة هذه الفكرة على وحدة القبيلة وأواصر القربى ثم إنه أراد أن يظهر أنه غير عاجز عن أخذ حقه بقوة سيفه لو كان خصمه من غير قومه، وعليه فقد أقام حواراُ بينه وبين شيخ القبيلة كان نتيجته أن قطع العلاقة مع القبيلة وقرر هجرها ، متخذاً إلى ذلك أسلوباً رمزياً من خلال قطع ساق وذراع ناقة الشيخ، وهي صورة لناقة صالح عليه السلام استمدها الشاعر بأسلوب يعبر عن إتيان شيء عظيم وهو ظلم القبيلة، وكذلك هجر القبيلة في مجتمع قبلي يعيش أبناؤه على حمايتها، ولهذا أدرك طرفة خطورة موقفه فاتجه إلى ابنة أخيه معبد طالباُ منها أن تندبه وترثيه، وكأن قراره هو الموت بعينه، فكان له رثاء نفسه في حياته، وفي الجهة المقابلة ترك القوم يحتفلون بحلِّ المشكلة سلمياً ، أو على حساب شخص واحد دون أن تزداد أو تنال من الآخرين.
    9- وبعد هذا الذي تضمن أسلوب الفخر في تعداد مناقب ومآثر وخصال الشاعر ، استسلم طرفة إلى قدره ، تاركاً للزمن وحده أن يكشف حقه وأن يأخذ له حقه وأن يبصِّر الآخرين بظلمهم وجاء هذا الزمن الذي راهن عليه الشاعر في حكمة ختم بها الشاعر معلقته. وهو ما يقابل دعاء نوح عليه السلام على قومه.
    10- ويلاحظ أن الشاعر قد راهن على شيئين هما : الموت، والزمن ، وفي الاثنين العبرة معنوية ومن دون تدخل الإنسان فيهما، ولا غرو في ذلك فليس بمقدور طرفة أن يفعل شيئاُ أمام خصومه وظلم أقرب الناس له، ولا شك أن مرارة الظلم لا تضاهيها أيّة مرارة ، فكم كان طرفة مظلوماً حتى بعد موته بستة عشر قرناً ، عندما لا يُفهم الغرض من شعره، أو حين يوصف بأوصاف قاسية؟!! وسبحان الذي حرَّم على نفسه الظلم القائل:
    بسم الله الرحمن الرحيم
    (وعنت الوجوه للحي القيوم وقد خاب من حمل ظلما * ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلماً ولا هضماً) [طه: 111-112].