1. الوفاء الدّائم

    الوفاء الدّائم عضو مهمّ

    683
    106
    43
    الدّولة:
    تونس
    الولاية:
    بنزرت
    المستوى الدّراسي:
    خيار آخر
    الاختصاص:
    -
    المهنة:
    -

    التكرار و أثره في إنتاج الدلالة: قراءة في نصوص أبي القاسم الشابي

    الموضوع في 'بحوث و دراسات' بواسطة الوفاء الدّائم, بتاريخ ‏28 مايو 2013.

    التكرار وأثره في انتاج الدلالة.. قراءة في نصوص أبي القاسم الشابي


    إعداد الباحث: معمر عبدالحميد سلطان الشميري
    ظاهرة التكرار في شعر ابي القاسم الشابي:
    تهدف هذه القراءة الى الكشف عن ظاهرة التكرار في شعر ابي القاسم الشابي، تلك الظاهرة التي ظهرت بشكل جلي في شعره، والتي ترتبط -الى حد ما- ارتباطاً وثيقاً بنفسية الشاعر، وبناء حياته، اذ يقوم التكرار على جملة من الاختيارات الاسلوبية لمادة دون اخرى، ولصياغةٍ لغويةٍ دون اخرى، مما يكشف في النهاية عن سر ميل الشاعر لهذا النمط الاسلوبي دون غيره.
    كما نحاول -من خلال القراءة- التعرف على محاور التكرار وانماطه عند ابي القاسم الشابي، والتي تمثلت في تكرار الكلمة، وتكرار الحرف، وتكرار اللازمة، وتكرار البداية، ودور هذه المحاور في بناء الجملة على اختلاف اشكالها عند الشاعر، وإلى أي مدى كانت هذه المحاور قادرة على تكوين سياقاتٍ شعرية جديدة ذات دلالاتٍ قويةٍ ومثيرة لدى المتلقي تعمل على جذب انتباهه، وشده، ليعيش داخل الحدث الشعري الذي يصوره الشاعر.
    كما تحاول هذه القراءة ان تكشف عن البناء الفني الدقيق للتكرار الذي انتجته عبقرية الشابي في النص الشعري، حيث ورد عنده في اتجاهين:
    الاول: الاتجاه الرأسي.
    الثاني: الاتجاه الافقي.
    كل ذلك ليجعل منه اداةً جماليةً تخدم النص الشعري، فتمنحه القوة، والفاعلية والتأثير.
    تكرار الكلمة:
    تشكل الكلمة المصدر الاول من مصادر الشابي التكرارية، والتي تتشكل من صوتٍ معزولٍ، او من جملةٍ من الاصوات المركبة الموزعة داخل البيت الشعري، او القصيدة بشكل افقي، او راسي.
    الحب جدول خمرٍ من تذوّقه
    خاض الجحيم ولم يشفق من الحرقِ
    الحب غاية آمال الحياة فما
    خوفي اذا ضمّني قبري وما فرقي
    فهو يعلي من شأن الحب، ويؤكد على قيمته، لانه ذات فضيلة تطهّر النفوس، وهذا ما يسعى اليه الرومانسيون في التأكيد على حب الانسان للانسان، فكانت ثورتهم على مجتمعاتهم، لخلق مجتمع مثالي ينشدونه في فردوسهم المفقود يقوم على دعائم من اهمها: الحب الصافي، فهو غاية كل البشر، ولهذا اتخذ التكرار الشكل الرأسي الذي يحرص فيه على خلق صورة شعرية جديدة لكل صورة تكرار.
    ولكنه قد يخضع للتداعي، ويستسلم لصورة من التكرار للاسماء، لا داعي لها، يمكن ان يستعاض عنها، وعندئذ يستقيم الايقاع الشعري، يقول:
    الكون كون شقاء
    الكون كون التباس
    الكون كون اختلاف
    وضجة واختلاس
    سيان عندي فيه السرور والابتئاس.
    فتكراره لكلمة «الكون» في صدر البيت وعجزه، حاول ان يخلق منه ما سماه البلاغيون برد العجز على الصدر، للتأكيد على اهمية الكون وتناقضاته، كي يحاول خلق ايحاءات وايقاعات موسيقية جديدة، ففرع وقسم في انواع الكون، لانه يبحث عن كون آخر اكثر طهراً وعفّة.
    ويقول من قصيدته «الكآبة المجهولة»:
    كآبتي خالفت نظائرها
    غريبة في عوالم الحزن
    كآبتي فكرة مفردة
    مجهولة من مسامع الزمن
    كآبتي شعلة مؤججة
    تحت رماد الكون
    سيعلم الكون ما حقيقتها
    ويطلع الفجر يوم تتفجر
    نجد الشاعر هنا يكرر كلمة «كآبتي» بشكل يعكس الحاح الشاعر للتأكيد على تفرده وتميزه حتى في عالم الحزن، لان كآبته ثابتة لا تتغير، بينما كآبة الناس عابرة متغيرة.
    تكرار الفعل:
    اما تكرار الفعل: فقد كان له حضور فاعل عند الشاعر، وذلك لتزاحم الاحداث التي مرت به في حياته، وكثرة المصائب والهموم التي واجهته منذ الولادة، حتى الموت.. فكان الفعل اكثر قدرة على التعبير عن هذه التحولات الزمانية باشكالها المختلفة، لنقل تجربته الخاصة به، لتثير احساساً لدى المتلقي، وتكسب الشاعر جمهوراً متعاطفاً.. فالشاعر بشر يتحدث إلى بشر، ويعمل جاهداً ليعثر على اجود الالفاظ في اجود نسق، لكي يجعل تجربته تعيش مرة اخرى لدى الآخرين.
    لقد سعى الشابي من تكرار الفعل، الى ان يجعل منه حدثاً فاعلاً، سواء اكان ماضياً ام حاضراً ام مستقبلاً، ليستوعب جزئيات حياته وهمومه وآلامه بتراتب وتناسق في شكل الكلمة وحروفها، فتلاحم اجزائها ومخارجها، تعني توحد الرسالة التي تحملها الشاعر، فيلغي دور الفاعل والمفعول الظاهري، ويغيبهما في ذاته، فتتماهى هذه الفاعليات، وتنصهر في ذات الشاعر، ليؤكد قوته وتصميمه على احداث التغيير، ويقول:
    لكنني سمعت رنتها
    بمهجتي في شبابي الثمل
    سمعتها فانصرفت مكتئباً
    اشدو بحزني كطائر الجبل
    سمعتها أنه سيرجعها
    صوت الليالي ومهجة الازل
    سمعتها صرخة مضعضعة
    كجدول في مضايق السبل
    سمعتها رنة يعانقها
    شوق الى عالم يضحضحها
    فقد كرر الشابي الفعل «سمعتها» مرات متتالية بنغمة موسيقية واحدة، وتشكيل اسلوبي موحد «فعل+ فاعل+ مفعول به» وعمل على ربط هذا المكون الاسلوبي بمميز يستوعب ذات الشاعر وهمومه «انة+ صرخة+ رنة» بشكل يتفق مع آلام الشاعر وهمومه وصرخاته التي يسعى للبحث لها عن مخرج وتنفيس، لانه الوحيد الذي يسمع شكوى نفسه وعذاباتها منذ الولادة، ولذلك جعل من كل فعل من هذه الافعال وسيلة للتأكيد على هذا المعنى لاظهار التجبر والارادة القوية، ليحول هذه الصرخات والانات الى اشواق وآمال تسمو فوق الجسد والروح، لتنقل وعي الناس من الجهل الى النور عبر هذه التناغمات الموسيقية المتشابهة التي تستوعب غربته واغترابه، وقد ساعده على ذلك ايضاً اعتماده على الطبيعة، ولجوئه اليها، ليجعل من هذه الصور اكثر فاعلية وقدرة على احداث التغيير «طائر الجبل» صوت الليالي، كجدول، ...الخ» وهذا اللجوء الى الطبيعة، وانعتاقه الى اسرارها وجمالها، جعله يتخذ بعض صور التكرار للتعبير عن رؤيته الخاصة تجاه عالم الغاب بعيداً عن الوصف والرصف، بحثاً عن الحرية والفرح والمثال الذي يسعى اليه، لذلك نراه يصر على اداء هذه الرؤية باسلوب معين، وبكلمات تثري هذه التجربة، وتنمي التفاعل بينه وبين المتلقي، ويقول:
    كبليني بهاته الخضل المرخاة
    في فتنة الدلال الملول
    كبلي بكل ما فيك من عطر
    وسحر مقدس مجهول
    كبليني يا سلاسل الحب افكا
    ري واحلام قلبي الضليل
    كبليني فانما يصبح الفنان
    حراً في مثل هذي الكبول
    «فكبليني» تفيد الانعتاق في عالم الطبيعة، لذلك نراه يشكل هذا التوحد الاسلوبي توحداً في المشاعر والاحداث، لتشكل صوتاً يروي في اعماق هذا الغاب الساحر، لا يستطيع اي فعل اخر ان يقوم مقامه، وان يعطي هذه القوة المؤثرة في نفس المتلقي.
    تكرار الحرف:
    لقد كان شعر الشابي في معظمه شعراً يعتمد على موسيقى راقصة، فكل حرف يوحي لك نغمة موسيقية مميزة، لا تستطيع ان تفلت من اسارها، ولهذا فان الحكم الذي يمكن ان نصدره على قصيدة، يمكن ان نعممه على معظم قصائده، لاعتمادها على الموسيقى الداخلية والخارجية، يقول من قصيدة «اغاني التائه»:
    كان في قلبي فجر ونجوم
    وبحار لا تغشيها الغيوم
    واناشيد واطيار تحوم
    وربيع مشرق حلو جميل
    كما نجده يكرر حرف الواو في قصيدته «يا موت» حيث كرر هذا الحرف اربعاً وعشرين مرة يقول:
    يا موت قد مزقت صدري
    وقسمت بالارزاء ظهري
    ورميتني من حالق
    وسخرت مني أي سخري
    وقسوت إذا أبقيتني
    في الكون اذرع كل وعر
    وفجعتني في من أحب
    ومن اليه ابث سري
    حيث يواصل تكرار الحرف الواو في بداية السطر الشعري بشكل مكثف، وكانه بذلك يعرض ما آلت اليه حاله بعد وفاة والده بشكل مفصل متصل بتتابع اسلوبي يرتبط كل «واو» بحدث معين، يعكس من خلاله صورة من صور حياته أو «رميتني، وسخرت، وقسوت».
    كما جعل من تكرار الحرف نغمة موسيقية، تنقل القارئ إلى جو النص، والى طبيعة الموقف الذي عاشه الشاعر، فجسد من خلال الكاف كشفاً واضحاً لتجربة الشاعر الانفعالية، كما في قوله من قصيدة «صلوات في هيكل الحب»:
    عذبة انت كالطفولة كالاحلام
    كاللحن كالصباح الجديد
    كالسماء الضحوك كالليلة القمراء
    كالورد كابتسام الوليد
    فكانت «الكاف» تكشف عن حلقات متتابعة متصلة لمرحلة عاطفية خاصة، عاشها الشاعر وهذه المراحل متلاحقة مترابطة، لكنها تشكل في بنائها وحدة موسيقية، وايقاعية مستقلة، «كالطفولة، كالصباح الجديد...» هذا الايقاع، هو ايقاع نبضات قلب الشاعر، وزفراته التي كان ينفثها تجاه محبوبته، لان الصوت يجسد الاحساس، ويجعل السامع يستشعر المعنى بطريقة مباشرة، ويقول من قصيدة «قلب الشاعر»:
    كل ما هب وما دب وما
    نام أو حام على هذا الوجود
    من طيور وزهور وشذى
    وينابيع واغصان تميد
    وبحار وكهوف وذرى
    وبراكين ووديان وبيد
    وضياء، وظلال، ودجى
    وفصول، وغيوم، ورعود
    وثلوج، وضباب عابر
    واعاصير، وامطار تجود
    وتعاليم، ودين، ورؤى
    واحاسيس، وصمت، ونشيد.
    هنا في هذه الابيات، نلاحظ تكرار حرف العطف «الواو» ويريد الشاعر من هذا التكرار أن يوحي لنا أو أن يخبرنا بأن قلبه سمح وكبير يريد من خلاله ان يحوي الوجود.
    تكرار اللازمة:
    يعمل تكرار اللازمة على ربط اجزاء القصيدة، وتماسكها ضمن دائرة ايقاعية واحدة وكانها قالب فني متكامل في نسق شعري متناسق تجعل القارئ لها يحس بأنها وحدة بنائية، ووحدة موسيقية ذات ايقاع واحد.
    لقد استخدم الشاعر تكرار اللازمة في شعره بشكل غير ثابت، ولا مستقر، شأنه في ذلك شأن حالته النفسية المضطربة، فتراوحت اللازمة عنده بين تكرار العبارة وبين تكرار البيت الشعري، متفاوتة في عدد مرات التكرار مع احداث تغيير طفيف في هذه القوالب، يقول الشاعر:
    يا رفيقي واين انت
    قد اعمت جفوني عواصف الايام
    حيث نجده يكرر اللازمة «يا رفيقي» مرة اخرى بعد اثنتي عشرة بيتاً، يشرح فيها عذاباته وآلامه، كي ينفس عما في نفسه لهذا الرفيق الذي وجد فيه المنقذ الاعظم، فيقول:
    يا رفيقي ما احسب المنبع
    المنشود الا وراء ليل الرجام
    ثم يكرر هذه اللازمة بعد بيتين مرة، وبعد اربعة عشرة بيتاً مرة اخرى، فيقول:
    يا رفيقي لقد ضللت طريقي
    وتخطت محجتي اقدامي
    فيجعل من هذه المسافات بين صور التكرار دائرة يتحرك فيها ليشرح لرفيقه ما اصاب الكون من فساد، فاصبح جحيماً.



    لقد عمل الشابي على الربط بين أجزاء القصيدة من خلال هذه اللازمة، يقول من قصيدة «الكآبة المجهولة»:
    أنا كئيب، أنا غريب
    كآبتي خالفت نظائرها
    غريبة في عالم الحزنِ
    كآبتي فكرة مغرّدة
    مجهولة من مسامع الزّمن
    لكنني قد سمعت رنّتها
    بمهجتي في شبابي الثملِ
    سمعتها فانصرفت مكتئباً
    أشدو بحزني كطائر الجبلِ
    سمعتها أنه يرجعها
    صوت الليالي ومهجة الأزلِ
    كآبة الناس شعلة ومتى
    مرت ليالٍ خبت مع الأمدِ
    أما اكتئابي فلوعة سكنت
    روحي وتبقى بها الى الأبدِ
    أنا كئيب، أنا غريب
    فالشاعر هنا، كرّر اللازمة (أنا كئيب، أنا غريب) مرتين شكل منها مساحاتٍ واسعة، وفضاءات ممتدة داخل النص الشعري، حتى أننا نلمح معاني هذه الكلمات ودلالاتها في كل سطر شعري مع اختلاف في الأنماط الأسلوبية المستخدمة، ولم يكتف بأن يجعل من اللازمة افتتاحية وانطلاقة لثورته وتمرده، بل جعل منها رابطاً قوياً بين مطلع النص ومركزيته، فكثف هذه اللازمة في بؤرة النص، يقول:
    كان في قلبي فجر ونجوم
    وبحار لا تغشيها الغيوم
    وأناشيد وأطيار تحوم
    وربيع مشرق حلو جميل
    كان في قلبي صياح وإياه
    وابتسامات ولكن واساه
    آه ما أهول اعصار الحياة
    آه ما أشقى قلوب الناس آه
    كان في قلبي فجر ونجوم
    فإذا الكل ظلام وسديم
    كان في قلبي فجر ونجوم
    فجاءت اللازمة (كان في قلبي فجر ونجوم) قوية لها صداها منذ بداية تكرارها في كل شطرٍ شعري، جسد فيها ماضيه المشرق الجميل الذي فقده، بعظم المصائب التي لحقت به، حيث كانت حياته صافيةً، وربيع حياته حلو جميل.
    لازمة أخرى تجسد ثورة الانطلاق والانعتاق من الماضي المظلم الذي تعيشه أمته وبني جنسه للبحث عن فجر وصفه بالبعيد، متخذاً الطريقة نفسها التي كررها في المقطع الاول فيقول:
    يا بني أمي ترى أين الصباح؟
    قد تقضي العمر والفجر بعيد
    وطغى الوادي بمشبوب النواح
    وانقضت أنشودة الفصل السعيد
    أين نأيي؟ هل ترامته الرياح؟
    أين غابي؟ أين محراب السجود؟
    خبّروا قلبي فما أقسى الجراح!
    كيف طارت نشوة العيش الحميد؟
    يا بني أمي ترى أين الصباح؟
    أوراء البحر أم خلف الوجود؟
    يا بني أمي ترى أين الصباح؟
    فهنا نجد الشابي يجسد من خلال هذه اللازمة الحلم الجميل الذي لازال يفكر به، ويراوده في كل لحظات حياته، عبر عالم الطبيعة الذي اتخذه محراباً له يجد فيه نشوته وذاته؛ لكثرة أسرارها وجمالها، كما يرى فيها الأنيس والرفيق الذي يشعر معه، ويحس بآلامه وهمومه.
    وفي لازمةٍ أخرى يقول:
    يا موت قد مزّقت صدري
    وقصمت بالأرزاء ظهري
    ياموت قد شاع الفؤاد
    وأقفرت عرصات صدري
    وغدوت أمشي مطرقاً
    من طول ما أثقلت فكري
    يا موت نفسي ملّت الدنيا
    فهل لم يأت دوري؟
    فالشاعر، جسد في هذه اللازمة (ياموت) مشاعر الأسى والحزن واليأس وفقدان الأمل الذي يعتري حياته؛ ولذلك نراه يتعامل مع الموت كأنه شخص يناديه، ويتمنى مجيئه، لأن أجله -كما يعتقد- أصبح قريباً.
    < تكرار البداية:
    ويشكل هذا النوع من التكرار مساحة اكبر مما شكلته أنواع التكرار الاخرى، ويبدو أن ذلك يعود الى نفسية الشابي المضطربة المتوترة، التي تعتقد أن تكرار البداية، هي البداية القوية المكثفة للانطلاق والتحرر والقوة والتمرد، وهي صرخته القوية أمام الجهل والتخلف والفساد.
    لقد لجأ الشابي الى أنماط أسلوبية متنوعة، وأنماط لغوية متعددة، جسد في كل نمط نوعاً خاصاً من المعاناة، وشرح من خلالها ما يدور في نفسه من حيرةٍ وقلق واضطراب، فكانت بمثابة وسائل لاستيعاب وتخفيف هذه الهموم؛ لذلك نراه قد ركز على أسلوبي النداء والاستفهام، كما ركز على الجملة بأشكالها المختلفة. فشكل من أسلوب النداء جملة مركزية ثابتة ينطلق ليكشف عمَّا في أعماقه من خلال حرف النداء «يا» الذي تكرر في قصائده «الأشواق التَّائه»، (مناجاة عصفور)، (النبي المجهول)، (نشيد الأسى).
    يقول من قصيدته «ياشعر»:
    ياشعر أنت فن الشعور وصرخة الروح الكئيب
    يا شعر أنت صدى نحيب القلب والصب الغريب
    يا شعر أنت مدامع علقت بأهداب الحياة
    يا شعر أنت دم تفجر من كلوم الكائنات
    يا شعر قلبي مثلما تدري شقي مظلم
    فيه الجراح البخل يقطر من مغاوره الدم
    فالشاعر هنا كرّر أسلوب النداء «ياشعر» واتخذه بداية وفاتحة لانطلاقته؛ ليجعل مع كل بداية صورة مستقلة تكشف عن هم الشاعر نحو مفهوم الشعر وأبعاده، وما أصابه من غربةٍ في عالم لا يفهم معناه، فيعزز من قيمته، ويعلي من شأنه، فلم يبقِ له سوى الشعر يبوح له بأسراره وهمومه وآلامه، فيسكن وجدانه؛ لذلك فقد جسد كل هذا في تتابع الصفات التي وقعت بعد أسلوب النداء (فن الشعور، صرخة الروح، صدى نحيب القلب، مدامع، دم تفجر).
    نرى الشابي عندما يود الحديث عن معاناته الذاتية جسدية، أو غير جسدية، يجسد ذلك عبر أسلوب النداء والاستفهام؛ ليعلن الرفض الخضوع والاستسلام لهذا الداء أو الوجع، فهو دائم البحث عن مخرج من هذا المأزق يقول:
    يا قلب كم فيك من دنيا محجبة
    كأنها حين يبدو فجرها إرم
    يا قلب كم فيك من كون قد اتقدت
    فيه الشموس وعاشت فوقه الأمم
    يا قلب كم فيك من أفقٍ تنمقه
    كواكب تتجلى ثم تنعدم
    يا قلب كم فيك من قبرٍ قد انطفأت
    فيه الحياة وضجت تحته الرحم
    يا قلب كم فيك من غاب ومن جبل
    تدوي به الريح أو تسمو به القمم
    يا قلب كم فيك من كهف قد انبجست
    منه الجداول تجري مالها لجم
    فالشاعر كرر يا قلب كم فيك، في بداية كل سطر شعري، وألح على هذا النمط الأسلوبي بشكلٍ راسي متعاقب؛ ليؤكد على أهمية القلب الذي يشكل مصدراً لوجعه وآلامه، فهو مصدر حياة الإنسان، وسر سعادته وشقائه، ومستودع الأسرار، أو كما يقول عنه الشاعر: كون مدهش عجيب، ويجعل كل بداية مرتبطة بصورة من الطبيعة، لتسري عنه الهموم، فهي مصدر حلمه وأنيسه الذي يشعر معه.
    ويقول من قصيدة قلت لشعر:
    فيك ما في جوانحي من حنين
    أبدي الى صميم الوجود
    فيك ما في خواطري من بكاء
    فيك ما في عواطفي من نشيد
    فيك ما في مشاعري من وجوم
    لا يغني ومن سرور عهيد
    فيك ما في عوالمي من ظلام
    سرمدي ومن صباح وليد
    فيك ما في عوالمي من نجوم
    ضاحكات خلف الغمام الشرود
    فيك مافي عوالمي من ضباب
    وسراب ويقظة وهجود
    فيك مافي طفولتي من سلام
    وابتسام وغبطة وسعود
    فيك ما في شيبتي من حنين
    وشجن وبهجة وجمود
    فيك إن عانق الربيع فؤادي
    تنثني سنابلي وورود
    فالشاعر كرر (فيك مافي..) هذا التكرر الذي عمق احساس الشاعر بأهمية الشعر، ودوره في الحياة العامة؛ ولهذا، فقد جاء التكرار بشكلٍ رأسي متوالٍ؛ ليحدث نغمة إيقاعية وموسيقية في كل بيت.
    ويقول أيضاً من قصيدة «قلب الأم»:
    في رنة المزمار في غلو الطيور الشاديه
    في ضجة البحر المجلجل في هدير العاصفه
    في نغية الحمل الوديع وفي أناشيد الرعاه
    في آهة الشاكي وضوضاء الجموع الصاخبه
    يكرر الحرف «في» ستا وعشرين مرة إلى أن يقول:
    في ظلمة الليل الحزين وفي الكهوف العاريه
    أعرفت هذا القلب في ظلماء هاتيك اللحود
    هو قلب أمك أمك السكرى بأحزان الوجود
    هو ذلك القلب الذي سيعيش كالشادي الضرير
    يشدو بشكوى حزنه الداجي الى النفس الاخير.
    فالشاعر هنا جسد أوجاعه وآلامه عبر قلب الأم الصادق، ليدلل هو أيضاً على صدق حزنه، فيحدث تأثيراً في المتلقي. هذا التأثير يمتد، ويسير عبر حركة الكسر التي تظهر -في معظم الكلمات- منذ البداية الى النهاية (في ظلمة.. وفي الكهوف العارية) فجعل منها إيقاعاتٍ موسيقية متناسقةً ذات نغمةٍ حزينةٍ تنسحب داخل الأبيات بشكل متعاقب ومتلاحق ومكثف، ليعبر عن تصميمه وتأكيده على استنفاد كل طاقاته؛ كي يكون فاعلاً وحاضراً في كل الميادين، حتى النفس الأخير من حياته.

    الخاتمة:
    خلاصة هذه القراءة المتعمقة، يتبين لنا جلياً، أن الشاعر -أبا القاسم الشابي- صدر عن موقف ايجابي، يرى الى الشعر تنفيساً عن الكبت الذي يكتنف المشاعر والأحاسيس جراء الحياة وتناقضاتها.
    وشاعرنا بمذهبه الرومانسي- يتخذ من الطبيعة معادلاً موضوعياً، يسقط من خلاله أفكاره في قالب شعري، يعكس صفاء فضائه الشعري الذي ينم عن موقفه من الحياة.
    كما مر بنا، فقد وجدنا الشاعر، يستخدم الأسلوب التكراري في معظم قصائده سواء كان تكراراً ب(الكلمة، الفعل، الحرف، اللازمة، البداية) ذلك الأسلوب الذي يُبنى عن شخصيته المضطربة، فتكراره للمفردة (الكلمة) يأتي للتأكيد على قيمتها، أو للتأكيد على أهميتها، أو للتأكيد على تفرده وتميزه بها دون سواه, أما تكراره للفعل فيأتي نتيجة لتزاحم الأحداث التي مرت به في حياته، ولكثرة الهموم والمصائب التي اعترته فكان الفعل اكثر قدرة على التعبير عن هذه التحولات الزمانية بأشكالها المختلفة.
    أما تكراره اللازمة، فيأتي ليضع ترابطاً وتماسكاً بين أجزاء القصيدة ضمن دائرة «إيقاعية» واحدة، ومن خلال اللازمة، نجده يصدر عن دلالةٍ يعبر عنها مع اختلاف الحالة التي يعيشها.. ثم يأتي تكرار البداية، ذلك التكرار الذي يشكل مساحة اكبر مما شكلته التنوعات التكرارية الاخرى؛ لأنه يعمق احساس الشاعر بأهمية الشيء الذي يكرره في بداية قصائده، ودوره في أداء الرسالة التي يريد أن يخرجها الى حيز الوجود.
    تلك هي التجربة التي صدر عنها شاعرنا أبو القاسم الشابي.. والحقيقة أن من تقع عيناه على شعره، سيجد أشياء أخرى، قد يكون لها من الأهمية مالم يكن لموضوعنا, ففي شعره نماذج مستوحاة من تجربة الحياة التي عايشها مترجمة في قالبٍ شعري جميل ومتناسق.
    المصادر والمراجع:
    1-دراسات عن الشابي أبو القاسم محمد كرو، الدار العربية للكتاب طرابلس 1984م.
    2- الصورة الشعرية عند أبي القاسم الشابي، مدحت الجبار، الدار العربية للكتاب طرابلس 1984م.
    3- أغاني الحياة، أبو القاسم الشابي (ديوان)، دار الكتب الشرقية، دار مصر للطباعة، القاهرة الطبعة الاولى 1955م.
    آخر تعديل بواسطة المشرف: ‏9 مارس 2014