1. سمر

    سمر عضو

    233
    52
    28
    الدّولة:
    تونس
    الولاية:
    بنزرت
    المستوى الدّراسي:
    جامعي
    الاختصاص:
    عربيّة
    المهنة:
    طالبة

    أبو القاسم الشابي ناقدا

    الموضوع في 'بحوث و دراسات' بواسطة سمر, بتاريخ ‏26 مايو 2013.

    أبو القاسم الشابي ناقدا
    ريم العيساوي



    تتعلق المسالة بأهم عمل نثري تنظيري لأبي القاسم الشابي ، وهو محاضرة "الخيال الشعري عند العرب " تلك المحاضرة التي صدّرها بكلمة تكشف قلقه المعرفي بموضوعه والتي وضعها في إطار الصراع بين الماضي والمستقبل حين قال: "لقد أصبحنا نتطلب حياة قوية مشرقة ملؤها العزم والشباب ، ومن يتطلب الحياة فليعبد غده الذي في قلب الحياة . أما من يعبد أمسه وينسى غده فهو من أبناء الموت "
    نشرت هذه المحاضرة في كتاب ، طبعة أولى عن دار المعارف للطباعة والنشر _ سوسة – تونس ، في 202 صفحة سنة 1998 .وجاء الكتاب في سبعة أبواب ‘ بعد الإهداء وكلمة المؤلف والتمهيد والمقدمة بقلم الأديب زين العابدين السنوسي عالجت أبواب الكتاب نشأة الخيال في الفكر البشري وأقسام الخيال – الخيال الشعري والأساطير العربية – الخيال الشعري والطبيعة في الأدب العربي – الخيال الشعري والمرأة في الأدب العربي – الخيال الشعري والقصة في الأدب العربي - فكرة عامة عن الأدب العربي – الروح العربية .
    لا يخفى على الناس أن شاعرية أبى القاسم الشابي ذاع صيتها شرقاً وغرباً . أخفت شاعريته آراءه النقدية على الكثير ، رغم أن اهتمامه بنقد الشعر وقضاياه ورؤيته النقدية كانت واضحة تتخلل قصائده التي حدد في الكثير منها جوهر الشعر ورسالة الشاعر ودور المثقف في الحياة والمجتمع . كما تحدث في مذكراته عن قضايا لها علاقة بالنقد .
    ولا يخفى على الجميع علاقة الشابي برائد حركة أبولو، الشاعر أحمد زكى أبو شادي الذي تيقن من موهبته فطلب منه مقدمة لأحد دواوينه ، فكان الشابي من رواد هذه المدرسة وليس من تلاميذها كما يعتقد البعض .
    وما يؤكد شخصية أبى القاسم الناقد محاضرته "الخيال الشعري عند العرب " التي ألقاها سنة 1929 م بالمدرسة الخلدونية بتونس العاصمة ، وهى المؤلف الوحيد الذي نشر في حياته ، مقارنة إلى ديوانه :
    " أغاني الحياة " الذي طبع بعد موته بأكثر من عشرين سنة . وهذا الديوان يضم 110 قصيدة ومقطوعة والذي أشرف على طباعته أخوه محمد الأمين الشابي .
    وكتابات الشابي النثرية متنوعة تضم : 1- الخيال الشعري عند العرب .
    2- رسائل مع معاصريه في تونس ومصر وسوريا
    3- يوميات ( 30 يومية )
    4- مجموعة من المقالات والمحاضرات
    5- كتاب "شعراء المغرب" من خلال وثيقة نادرة :80 صفحة
    6- خواطر أدبية واجتماعية
    تناول الشابي في كتابه " الخيال الشعري عند العرب" قضايا نقدية عديدة منها الخيال والطبيعة والمرأة حاول في هذا المصنف دراسة الروح العربية وإبراز مميزاتها . وصرح بهدفه منه : "حسبه تلبية رغائب الكثيرين من الشباب الناهض المستنير" . تبرز من خلال هذا الكتاب شخصية الشابي الناقد والتي ظلت سنينًا غامضة بسبب تقصير الدارسين والباحثين مقارنه إلى ما حظي به الشابي شاعرا من اهتمام بمئات الدراسات والبحوث . والحقيقة أنه لولا رؤيته النقدية ولولا مرجعياته النظرية المتأصلة فيه لما كان رائد حركة التجديد الشعري والمؤسس لمشروع شعري جديد .
    لقد دعا أبو القاسم الشابي في "الخيال الشعري عند العرب " إلى تجاوز المفاهيم السائدة والموروثة وثار على نظرة العرب المقدسة للشعر والأدب وهى دعوة تتجاوب وقتها مع ما دعا إليه ميخائيل نعيمة في كتابه النقدي " الغربال " وما دعا إليه عباس محمود العقاد وإبراهيم عبد القادر المازني وطه حسين في المشرق ، لكنها ثورة الشابي فيها من الحماس والانفعال إلى الحد الذي صدمت به الأوساط الثقافية في تونس آنذاك وقد عبر زين العابدين السنوسي في مقدمته للكتاب عن هذه الصدمة بقوله :
    " قام في مصر وسوريا والعراق وتونس أفذاذ من النقاد يضعون أصابعهم على مواضع الألم ويبرهنون على مواقع النقص والضعف ولكن هذه العملية تختلف عن السابقة لأنها لا تكتفي من مس القديم بالبناء حوله والإضافة عنه بل هي تقدم رأسا على تشذيب العصا المباركة وهدم أنحاء بعينها من الهيكل المقدس مما يثير صرخات الشيوخ وضجيج المحافظين "
    كما كشف زين العابدين السنوسي عن أثر المحاضرة في نفسه :" لما سمعت المحاضرة لأول مرة خرجت من قاعة الاجتماع مهتم العقل أكثر مما كنت منبسط النفس بل يمكنني أن أقول إني خرجت من تلك الجلسة منكمش النفس واجفها ، مع أنى كنت ممن صفقوا لأكثر مقدماتها والمعجبين بدعامتها ولغتها الشعرية الصريحة بل كنت أنا نفسي الذي قدم حضرة المسامر منوها بنبوغه الباكر ووجهته في التجديد الأدبي " .
    لكن زين العابدين السنوسي عندما خفت وطأة الصدمة على نفسه أقر بأنه خير لعواطفنا أن يصدمها أبناؤنا بأقلامهم من أن نبقى في غفلتنا مستسلمين لكل ما تعودنا به حتى يصدمنا الدهر، والدهر لا يهادن ولا يرحم .
    أما الأديب محمد الحليوي فقد صرح في كتابه " مع الشابي" قائلا :إن المطابع التونسية لم تخرج حتى اليوم أثرا فنيا يعادل كتاب "الخيال الشعري عند العرب" في عباراته الشعرية ولغته النقية وأسلوبه البليغ إنه طرفة فنية أكثر منه بحثا علميا يملي على مؤرخ الأدب نظرياته وأحكامه .
    واتفق الدارسون على أن هذا الكتاب يمكّن الباحث من فهم تجربة الشابي الإبداعية في شمولها ويكشف عن مرجعيات تجربته وتعدد روافدها ، وقد أبرز نهم الشابي للقراءة فبدا أثر جبران خليل جبران والمدرسة الرومانسية ومدرسة المهجر إضافة إلى مصادر الأدب القديم ،والآداب الأجنبية القديمة اليونانية ، يعكس هذا الكتاب الأسس الخصبة المتحكمة في تجربة الشابي الإبداعية باعتبارها منطلقه الفكري وأسس قيمه الجمالية.
    أما الأستاذ المنجي الشملي ، فيقول :" إنّ الكتاب يحمل قلقا نقديا ، يحمل تساؤل الشابي عن قيمة الأدب العربي القديم بالنسبة إلى الآداب الأخرى ، وهذا التساؤل دليل على حيرة فلسفية قد لا يخلو منها كل من أخلص إلى تراث أمته ورام تغذية ثقافتها برحيق فكري جديد ".
    الرؤية النقدية من خلال "الخيال الشعري عند العرب :
    حلل أبو القاسم الشابي في القسم الأول من الكتاب : الخيال نشأته في الفكر البشري وما كان يفهم منه عند الإنسان الأول ،عارضا رأيه في الخيال باسطا له في نقط ثلاث :
    النقطة الأولى: كون الخيال ضرورة لا غنى عنه ولا تقل ضرورته عن عناصر الحياة الأخرى وضروري لعقل الإنسان ولشعوره وما دام الخيال مصدر الطبع فهو عنصر خالد فينا .
    النقطة الثانية : تلخص في أن استعمال الإنسان الأول للخيال لم يكن يعنى منه المجاز الذي نذهب إليه نحن بل يعتقد اعتقادا كاملا في أنه الحقيقة و قد وضّح الشابي هذه الحقيقة بقولة : رأيتم هذا المجهود الخيالي العظيم ، الذي يبذله الإنسان لإرواء نفسه وهو يحسب أنه الحق الأول الذي لا ريب فيه وإلا فهل كان يطمئن إليه ويقيم له فروض العبادة وهو يعلم أنه من زخرف الخيال الشارد ووحي الأوهام المعربدة ؟ *
    والطريف في النقطة الثانية هو عرض الشابي إلى أنواع الخيال وقد قسمه إلى قسمين ، قسم يتفهم به الإنسان مظاهرالكون ومعايير الحياة وقسم يظهر به ما في نفسه من معان لا يفصح عنها الكلام العادي المألوف ، وهذا القسم الثاني من الخيال يتولد عنه نوع ثان من الخيال وليد الحضارة ورقي الإنسان ، وسماه الخيال اللفظي وحصر وظيفته في تجميل العبارة وزخرفتها .
    وفى تحليل القسم الأول من الخيال يبرز الشابي أنه أقدم القسمين نشوءا في النفس قائلا :" لأن الإنسان أخذ يتعرف ما حوله أولا ، حتى إذا ما جاشت بقلبه المعاني أخذ يعبر عنها بالألفاظ والتراكيب ، ولما مارس كثيرا من خطوب الحياة وعجم كثيرا من أدواء الدهور وامتلك من أعنة القول ما يقتدر به على التعبير أحس بدافع يدفعه إلى الأناقة في القول والخلابة في الأسلوب فكان هذا النوع الجديد من الخيال الذي عمد إليه الإنسان مختارا فكان منه المجاز والاستعارة والتشبيه وغيرها من فنون الصناعة وصياغة الكلام " ( ص27 ) .
    و لإبراز فكره أكد الشابي أن الإنسان شاعر بطبعه ولا يجمد شعوره أمام فتنة الطبيعة وسحرها ، ويبرز تفاوت الناس في إدراك الجمال والإحساس به وذلك حسب قوة الغريزة الشاعرة أوضعفها والتي تكون في كثير من الأحيان وليدة الحوادث والظروف.
    وفي مسألة العاطفة والعقل فإن الشابي يبين أن الإنسان عند ولادته لا يملك غير حسه وعواطفه ، أما عقله فهو في مهد الحياة ضعيف غير محنك بنوائب الدهر .
    والإنسان الأول قوي المشاعر متحفز للخيال بفضله فسر مظاهر الطبيعة الغامضة وعبر عما يجيش في نفسه من أفكار وعواطف وألح الشابي على فكرة أن الإنسان الأول، المعاني الخيالية أقرب إلى ذهنه من المعاني الحقيقية .
    ويؤكد في الكتاب على أن الخيال يعتبر حقيقة في أول نشأته ولا يعد خيالا ولم يميز الخيال عن الحقيقة إلا بعد أن تطورت نظرة الإنسان إلى الحياة وأصبح يعرف أن الليل والنهار والعواصف والبحار ليست أرواحا لا آلهة وإنما هي مظاهر للنظام الإلهي .
    وفى حاجة الإنسان إلى الخيال يقول الشابي : "الإنسان بحاجة إلى الخيال لأنه وإن أصبح يحتكم إلى العقل ويستطيع التعبير عن خوالج نفسه ، فهو لم يزل يحتكم إلى الشعور ، وسيظل كذلك لأن الشعور هو العنصر الأول من عناصر النفس واحتكامه إلى الشعور يدفعه ولا بد إلى استعمال الخيال لأن الشعور هو ذلك العنصر الجميل المتدفق في صدر الإنسانية منذ القديم مترنما بأفراحها متغنيا بميولها ورغباتها جائشا بكل ما لها من فكر وعاطفة ومن ضجة وسكون ومن هذا النهر الجميل تتولد خرائد الفكر وبنات الخيال" ( ص34 ).
    ويعلل الشابي حاجة الإنسان إلى الخيال لأن اللغة مهما بلغت من القوة والحياة فلن تستطيع النهوض من دون الخيال بقدرة التعبير عن خلجات النفس الإنسانية وأفكارها وأحلام البشرية وآلامها بالألفاظ .
    وفى مسألة العاطفة والعقل فإن الشابي يبين أن الإنسان عند ولادته لا يملك غير حسه وعواطفه أمام عقله فهو في مهد الحياة ، ضعيف لم تختبره الحياة ولا نوائب الدهر ، والإنسان الأول قوي المشاعر متحفز الخيال بفضله فسر مظاهر الطبيعة الغامضة وبفضله عبر عما يجيش في نفسه من أفكار وعواطف . واللغة في حاجة إلى الخيال لأنه هو الكنز الأبدي الذي يمدها بالحياة والقوة .
    وفى تفصيل الشابي لأقسام الخيال فقد سمى القسم الأول " بالخيال الفني " ويسميه الخيال الشعري لأنه فيه تنطبع النظرة الفنية التي يلقيها الإنسان على هذا العالم الكبير وهذا الخيال ضارب بجذوره إلى أبعد غور في صميم الشعور ، والقسم الباقي من الخيال سماه الشابي الخيال الصناعي لأنه ضرب من الصناعات اللفظية ويسميه الخيال المجازي .
    لقد كشف الشابي في كتابه عن زاوية بحثه في الخيال فهو بحث فيه من " ذلك الجانب الذي ينكشف عن نهر الإنسانية الجميل الذي أوله لا نهاية الإنسان وهى الروح وآخره لا نهاية الحياة وهى الله " (38)
    و بحث عن الخيال الفني في مظاهر الحياة الفكرية العربية دون حصر البحث في الإبداع الشعري والنثري بل تجاوزه إلى البحث في الأساطير باعتبارها الصوت الأول الذي رن بين جنبي الإنسان والأساطير هي طفولة الشعر في طفولة الإنسان .
    الخيال الشعري والأساطير العربية :
    يستهل أبو القاسم الشابي هذا الباب من الكتاب بقوله: " لا يعرف التاريخ من الأساطير العربية إلا شيئاً يسيرا لا يستطيع الباحث أن يطمئن إليه كل الاطمئنان . وما نقل من أساطير العرب يغلب عليه الاضطراب والخلط متناثر في كتب الأدب والأخبار ويحمل الشابي الرواة مسؤولية إهمالهم لهذا الفن وعدم اهتمامهم به مثل عنايتهم بالشعر والأمثال ، وعاب على العرب إهمالهم لأساطيرهم ولم ينظم شعراؤهم الأساطير في الجاهلية كما كان شعراء اليونان والرومان يتغنون بها قبل مجيء المسيحية .
    ويرى أن القليل الذي نقله التاريخ من الأساطير العربية منها الأساطير الدينية ومنها التاريخية ويبحث في الأساطير الدينية لمعرفة حظها من الخيال الشعري ، ذلك الخيال الذي عرفه في محاولة الإنسان التعرف من ورائه حقائق الوجود وتفهم مظاهر الحياة الغامضة .
    ولا يبحث في الأساطير التاريخية لأن هذا النوع وإن كان من صنعة الخيال ، إلا أنه ليس من عمل الخيال الشعري الذي يبحث عنه .
    وعن الأساطير العربية الدينية فهو يصرح : " رأيي في هذه الأساطير ، هو أنه لا حظ لها من وضاءة الفن وإشراق الحياة ، وأن من المحال أن يجد الباحث فيها ما ألف أن بجده في أساطير اليونان والرومان من ذلك الخيال الخصب الجميل ومن تلك العذوبة الشعرية التي تتفجر منها الفلسفة الغضة الناعمة تفجر المنبع العذب ، بل إنه لا يعجزه أن يلقى فيها حتى تلك الفلسفة الشعثاء الكالحة التي تطالعه في أساطير الإسكنديناف .
    فالآلهة العربية لا تنطوي على شيء من الفكر والخيال ، ولا تمثل مظهرا من مظاهر الكون أو عاطفة من عواطف الإنسان ، وإنما هي أنصاب بسيطة ساذجة شبيهة بلعب الصبية وعرائس الأطفال ، وبقية الأساطير الدينية لا تفصح عن فكر عميق أو شعور دقيق ولا ترمز لمعنى من المعاني السامية ، إنما هي أدنى إلى الوهم منها إلى أي شيء آخر ،لا استثني من ذلك إلا أسطورة النجوم فإن عليها شيئا من وضاءة الشعر ووضاءة الخيال "ص 45



    نقد الشابي عبادة العرب الجاهلية لآلهة كثيرة كغيرهم من الأمم الوثنية القديمة ، لكنهم لم يعبدوها عن تفكير عميق لظواهر الوجود كغيرهم من أمم العالم وإنما كانت عبادتهم إما تقليدا للأجداد أو تقليداً للأمم في عبادة آلهتها . كما بين أن الباعث لتلك العقيدة الوثنية في أنفس العرب لم يكن هو "التشخيص " وإنما كان الباعث عليها عبادة الأموات احتذاءً بالأمم الأخرى . واتباع العرب لغير التشخيص هو السبب في خلوها من الخيال الشعري .
    ويربط الشابي بين بعد العرب عن الخيال الشعري والروح العربية . ويتساءل عن صنمي "أساف" و " نانلة" وهما حسب زعم العرب رجل وامرأة من جرهم فجرا بالكعبة فمسخهما الله حجرين ويرى الشابي في هذا المسخ تناقضا كيف عبدا ومسخا .
    وبتعرض إلى اختلاف الرواة العرب في اللات والعزى .منهم من يزعم أنهما نخلتان ألههما العرب ومنهم من يزعم أنهما صنمان لرجلين صالحين . ويلخص أن آلهة العرب لم تخرج عن تأليه الأموات أو تقليد الأمم الأخرى . ويرى أن عبادة المشتري والشمس أخذها العرب عن الأشوريين وكذلك عبادة تالب وآضر وهبتون وعشتار ولهذا فهي لا تشمل على فكر أو خيال . ويذكر بعض أساطير العرب التي كانوا يؤمنون بها مثل الغول والصدى والهامة وشياطين الشعراء . ويقف عند أسطورة النجوم التي تروى بصور مختلفة فمنهم من بقصها على هذا النحو :"أن سهيلا وأختيه العبور والغميصاء اجتمعوا ثم انحدر سهيل إلى ناحية اليمن بعد أن خاض نهر المجرة وتبعته إحدى أختيه فسميت عبورا ، ولبثت الأخرى مكانها فبكت لفراق أختها حتى غمصت عينها فسميت غميصاء". وروايتها الأخرى :" أن سهيلا كان فارسا جميل الطلعة ، ساحر المنظر فخانه الحظ في معركة سماوية وراء المجرة فخر صريعا تكسوه الدماء فراع أختيه مصرع أخيهما الباسل ، فعبرت إليه إحداهما نهر المجرة وظلت واجمة عند رأسه ، وفى جفنها عبرة فسميت عبورا وعجزت الثانية عن اللحاق بأختها فانهالت دموعها حتى غمصت عينها الباكية فسميت غميصاء.
    لاحظ الشابي في أساطير العرب وثنية جامدة وأوهاما لا تعرف الفكر . وأساطير الأمم الأخرى مشبعة بالروح الشعرية الجميلة زاخرة بفلسفة الحياة الفنية- آلهة اليونان وأساطيرهم آراء شعرية يتعانق فيها الفكر والخيال فكل آلهة رمز لفكرة أو عاطفة أو قوة من قوات الوجود – وكل أسطورة صورة شيقة من صور الشعر صادرة من خيال قوي وإحساس فياض يشمل الحياة .


    جعلوا للحب آلهة وللجمال آلهة وللحكمة آلهة وللشعر والموسيقى آلهة فهم ينظرون إلى الوجود من خلال أساطيرهم نظرة فنية تحس بتيار الحياة يتدفق في كل كائن .
    الخيال الشعري والطبيعة في الأدب العربي
    يعمق الشابي وصفه للجمال في الطبيعة في نص نثري قريب إلى الشعر إلى أن يخلص للقول :" إن الجمال هو القسطاس العادل الذي ينبغي أن توزن فيه نفسيات الأمم وشاعريات الشعوب وإن على حسب ما في الإقليم من جمال وروعة، تكون شاعرية الأمم . وللوسط الطبيعي عامة أثره الفعال في تكوين نفسيات الأمم وطبعها .ويخلص أن شاعرية العرب شبيهة كل الشبه بالوسط الطبيعي الذي نمت فيه وبحث الشابي عن وصف الطبيعة وحظ الخيال الشعري في الأدب بمراحله الجاهلية والأموية والعباسية و الأندلسية .واستخلص أن الأدب الجاهلي والأموي خاليان من الشعر الذي تغنى بمحاسن الطبيعة وسحرها وما وجد على قلته وندرته يخلو من الخيال وما نجده من شعر الطبيعة فإننا لا نحس فيه روح الشاعر ولا نبض المشاعر وإنما صور يعرضها الشاعر بل يتناولها تناول القاص الذي لا يحفل بجلال المشهد وجماله – يصفه كما يراه دون أن يخلع عليه نبضا من شعوره ولا إشراقا من خياله ".
    لقد كان الأدب العربي في هذين العصرين خاليا من الشعور بجمال الطبيعة والحديث عنه ، ما عدا أصوات ضئيلة خافته .
    خلاصة القول : إن شاعرية العرب شبيهة كل الشبه بالوسط الطبيعي الذي نمت فيه .
    عاش العرب في وسط لا يعرف سحر الجمال الطبيعي لذلك لم يتحدث أدبهم عن هذا الجمال ولم يتحدثوا عن الطبيعة بلهجة المعجب المأخوذ ، لأن الطبيعة لم تخلع على أرضهم من نضارة الحسن ما يحرك مشاعرهم ويفتح قلوبهم لتذوق الجمال وظل الأدب العربي على هذه الصورة إلى أن أطل العصر العباسي فتلونت الحياة الإسلامية بحضارات جديدة متباينة جمعت أجناسا وعادات وفكرا وطباعا واعتقادات جديدة على الحياة العربية قبل الإسلام ، وتحولت الحياة من شظف العيش وعنجهية البداوة إلى رقة المدينة ، في هذا الوسط المترف شب ذلك الشعر الذي يتغنى بالطبيعة وأصبحنا نسمع شعر البحتري و أبي تمام شعرا فيه دقة وعذوبة ،ظهر هذا التوجه في التغيير بجمال الطبيعة دون أن ينتشر
    مثلما انتشر في العصر الأندلسي ، ذلك أن وسط الأدب العباسي لم يكن من الجمال والروعة كما كان في بلاد الأندلس ، التي انتشر فيها حتى كاد يخفي الأغراض الأخرى .

    والملاحظة الهامة التي خرج بها الشابي هي أن الشعر العباسي في وصف الطبيعة أعمق خيالا وأدق شعورا منه في الأدب الأندلسي رغم كثرته ورقي أسلوبه ودقة صورة ورغم جمال الطبيعة في بلاد الأندلس ، وهذا الرأي موضع نقاش .
    ويضرب الشابي مثالا على قوة الإحساس والصدق في وصف الطبيعة ببيت البحتري :
    أتاك الربيع الطلق يختال ضاحكا* من الحسن حتى كاد أن يتكلما !
    ويضرب مثالا على عمق الشعور بالطبيعة قول ابن الرومي :
    إذا ما أعارتها الصبا حركاتها * أفادت بها أنس الحياة فتأنس
    و شعر أبى تمام والبحتري وابن الرومي فيه عمق الخيال ودقة الإحساس بجمال الوجود مالا نجده في الشعر الأندلسي .ولم يجد الشابي في تفسير هذا التناقض سوى انغماس الأندلسيين في البذخ والترف انغماسا أطفاً حرارة الشعور وأصبحت الطبيعة في حياتهم وسيلة من وسائل المتعة لا منبعا ملهما للإبداع . "كان الشعر الأندلسي رقيقا طليا ولكنه قليل الحظ من عمق الشعور " (86)
    كل ما قاله ابن خفاجة في وصف الطبيعة فيه براعة في الوصف وجمال في الأسلوب ولكنه يخلو من عمق الخيال "شغلته اللذة واللهو عن الإفصاح عنه "(88) لا نجد حرارة العاطفة وعمق الإحساس رغم عذوبة التعبير ودقة الوصف .
    ويختار الشابي شاعرين غربيين " لا مرتين ألفونس " ( 1790-1869 ) رائد المدرسة الرومانسية الفرنسي و " غوته جوهان " ( 1749-1832 ) الشاعر الألماني لإبراز نظرتيهما إلى الطبيعة وهي أعمق بكثير من نظرة الشعراء العرب الذين لم ينظروا إليها نظرة إجلال وخشوع وإنما نظرة مفتقرة للخيال الشعري " لأنهم لم يشعروا بتيار الحياة المتدفق في قلب الطبيعة إلا إحساسا بسيطا ساذجا خاليا من يقظة الحس ونشوة الخيال ذلك الإحساس الذي يجسده شعر البحتري وأبو تمام".
    الخيال الشعري والمرأة في رأى الأدب العربي
    ينطلق من مقولة فلسفية هي "أن النفس البشرية قد خلقت من عنصر الحسن وجلبت من فن الجمال " وانطلاقا من هذه المقولة يعلل تعطش النفس البشرية إلى مظاهر الجمال .
    ويربط هذا الإحساس عند العرب الذي لم يكن لديهم إلا في المرأة ، تغنوا بمحاسنها وشببوا بمفاتنها فالعرب حسب قوله :" تجاوزوا في التغني بالمرأة كل حد حتى أصبحت اللحن الجميل في استهلال قصائدهم وهى بمثابة إلهة الشعر عند اليونان – لكن الشاعر العربي يصفها ليحدث عن منهل المتعة فنظرتهم لها مادية حسية " أما تلك النظرة السامية التي يزدوج فيها الحب بالإجلال ، والشغف بالعبادة


    تلك النظرة الروحية العميقة التي نجدها عند الشعراء الأوروبيين ، فإنها منعدمة بتاتا أو كالمنعدمة في الأدب العربي كله ، لا استثنى إلا الأندر الأقل ، على الرغم من أن أكثره في المرأة"( ص103 )
    لم يعرف الشاعر العربي تلك النظرة الفنية التي تعد المرأة كقطعه فنية من فنون السماء ... ولم يحاول أن يحس روحها الجميلة وما تحمله من معاني السعادة والحنان والأمومة هذه المعاني المقدسة في الوجود والشعراء العرب الذين تحدثوا عن جمال المرأة الروحي قليلون ولكنهم بارعون في وصف مفاتنها الجسدية . نظرة الأدب العربي إلى المرأة كنظرتهم إلى الطبيعة أو أدني . لا سمو فيها ولا خيال .
    الشاعر العربي مجيد وبارع في وصف محاسن المرأة الجسدية ،والنظرة الشائعة في الأدب العربي كله
    على اختلاف العصور ، ويعمق الشابي رأيه بالقول :" لو تعمق الباحث في فهم الروح العربية ، لعلم أن ذلك ليس من الغرابة في شيء ، لان من طبيعة هذه الروح ألا تحيط بغير الظاهر المحسوس " (ص107 ) ويحلل أن نظرة الشعراء العرب للمرأة نظرة جائرة وتستحوذ على أدمغة العالم العربي كله .. و إن هذا الفكر لا يمكنه بحال ، أن يبصر ما وراء جسدها من حياة عذبة ساحرة وعالم شعري جميل .
    ويضيف إن المرأة لم تنل في جميع الأعصر العربية ، قسطا من الحرية الحقة يمكنها من إظهار مواهبها ويخلص إلى أن المرأة في الأدب العربي لم تظفر بنصيب من الخيال الشعري ، ولو كان يسيرا ، لأن النظرة إليها كانت مادية محضة .
    وفي تتبع الشابي الخيال في القص العربي ، فهو يراه في شعر جميل بثينة ذلك الشاعر العذري العفيف والذي حسب رأيه كان شعره أكثره قصصيا رائعا فيه من الفن والعذوبة ،فيه وحدة قصصية رائعة ، وفي شعر امرئ القيس ذلك الشاعر المستهتر بالحب ،والقصص في الشعر غير مستقل بذاته مما يؤهله لمنزلة القصص الحقيقي . أما القصص الأدبي كفن مستقل معبر عما في الحياة من حق وفن والمراد منه فهم الحياة الإنسانية وذلك الذي يقصد منه سبر جراح النفس البشرية الدامية ، والقصص المتصل بالخيال الشعري . ويضرب الشابي مثالا للشعر القصصي هي قصيدة عمر ابن ربيعة ، تلك التي استهوت عذارى مكة وشبانها وحرم الكبار روايتها وهي القصيدة التي يقول في مطلعها :
    راح، صحبي ولم أحيّ النوارا * وقليل ، لو عرّجوا أن تزارا
    ويرى أن ابن ربيعة جدير أن يسمى أبا الشعر القصصي لأنه هو الباذر الأول لبذرة هذا الفن .
    ويلخص أن حياة القصص في الشعر موجزة كعمر الورود . أما القصص في النثر ، فقد ظهر مع أواخر العصر الأموي ، عندما ترجمت قصص ألف ليلة وليلة ، فقد ألفت من بعدها قصص ذات روح عربية .
    دون أن يكون لألف ليلة وليلة التأثير الكبير، إلى أن كان فجر العصر العباسي وبترجمة ابن المقفع كتاب كليلة ودمنة وكتب أخرى من الفارسية ، هذه التراجم بعثت روحا قصصية في الأدب العربي لم تكن فيه من قبل ،فظهر فن المقامة عرف بها الفن القصصي انحطاطا ولكنه نهض ونشط على يدي أبي العلاء المعري في "رسالة الغفران " مثلت صورة من القصص الرائع وفيه من الصور الشعرية ما لا يوجد في غيره .
    ويعمم الشابي وينفي أن يكون القصص العربي من النوع الذي ينقد ويمحص ويسبر ويحلل .والقصص العربي إما يهدف إلى الإمتاع ، وإما يضرب للمثل والحكمة ، وإما يقصد به النادرة اللغوية والنكتة الأدبية ، ومن هذا التصنيف فهو ينفي أن يكون للقصص العربي نصيب من الخيال الشعري .



    وفي إبداء خلاصة رأيه في الأدب العربي ، فهو يؤكد فكرة كونه أدب مادي لا سمو فيه ولا إلهام ن ثم يستدرك الشابي بقوله :" على أنني حين لأقول هذا الذي يراه بعض الناس خطيئة لا تغفر " ثم يقر بإجادة الأدب العربي في وصف المظاهر البادية وتفوقه في هذا المجال على الآداب الأخرى ويقر بأنه كان في جميع عصوره أدبا حيا وفياضا وبعد وصف الشابي ملامح الأدب العربي عبر عصوره فهو يقر أنه لم يعد يلائم العصر الحاضر الذي تعيشه :"لم يعد ملائما لروحنا الحاضرة ، ولمزاجنا الحالي ، ولميولنا ورغباتنا (..) لقد أصبحنا نتطلب أدبا جديدا نضيرا يجيش بما في أعماقنا من حياة وأمل و شعور ، نقرأه فنتمثل فيه خفقات قلوبنا وخطرات أرواحنا وهسات أمانينا وأحلامنا ، وهذا لا نجده في الأدب العربي القديم .وفي مقارنته للأدب العربي بالأدب الغربي فهو يستخلص خلو الشعر القديم من الوحدة العضوية في التعبير وتشتت الأفكار في القصيدة القديمة والإيجاز في البيان ، أما الشعر الغربي يستقصي كل شيء ويعمق المشاعر .
    وفي ختام الكتاب يبسط الشابي ملامح الروح العربية مؤكدا :" أن كل ما أنتجه الذهن العربي ، في مختلف عصوره ، قد كان على وتيرة واحدة ، ليس له من الخيال الشعري حظ ولا نصيب ، وأن الروح السائدة في ذلك ، هي النظرة القصيرة الساذجة ، التي لا تنفذ إلى جواهر الأشياء وصميم الحقائق "
    ( ص 173 )
    ويوضح أن الروح العربية خطابية مشتعلة ، لا تعرف الأناة في الفكر فضلا عن الاستغراق فيه ، ومادية محضة لا تستطيع الإلمام بغير الظواهر مما يدعو إلى الاسترسال مع الخيال إلى أبعد شوط وأقصى مدى ، ولهاتين النزعتين المادية والخطابية الأثر الكبير في إضعاف ملكة الخيال الشعري في النفسية العربية ويعلل بقوله لا يمكن أن تجتمع الخطابة ودقة الإحساس في النفس إلا نادرا , لأنّ الخطابة تعتمد المزاج الناري والنظرة البسيطة والإلمامة القانعة ،ودقة الإحساس تستلزم المزاج الهادي والنظرة الطويلة المتدبرة والإحاطة الشاملة المتقصية .ويربط هذا بمنزلة الشاعر عند العرب ، فهم لا يرونه رسول الحياة للضائعين ، بين لا يفرقون بينه وبين الخطيب في الدفاع عن عرض القبيلة ، ولم يجعلوا مصدر إلهام الشاعر الوحي أو الآلهة بل جعلوا له شيطانا يلهمه شعره ، ويرجع الشابي النزعة الخطابية في النفسية العربية لقسوة الطبيعة وجفاء البيئة ، ويرجع المادية إلى شظف العيش .
    إنّ كتاب الخيال الشعري ، نص نقدي قائم بذاته ،وهو نص شاهد على شعر صاحبه وشاهد على الشعر عامة ، نص يتوالج فيه النقد الذاتي والنقد الموضوعي .لقد صاغ أبو القاسم الشابي " الخيال الشعري " كما يصوغ كل صاحب مشروع مشروعه ، ولم يكن فيه منسلا من فيلق الشعراء ، كتب الخيال الشعري
    وهو متلبس بالحالة الشعرية ، كما لو كان يقول شعرا في تنظيره للشعر ،فجاء الخطاب النقدي أقرب إلى شعرية الخطابات منه إلى نثرية النقد .
    كانت مدارات هذا النص الشاهد وفي هذا النص الميثاق ،الصورة الشعرية وهي جوهر الخيال الشعري،
    وهذا النص إذا نزلناه في سياق حضاري ، تجاوزا لحيرة صاحبه وقلقه المعرفي ، فإن جوهر القضية هي تساؤل الشابي عن قيمة الأدب العربي القديم بالنسبة إلى الآداب الأخرى ، وهذا التساؤل دليل على حيرة فلسفية .
    ولنا أن نعتبر ديوان أغاني الحياة ثمرة للخيال ، وإن ما جاء في كتاب " الخيال الشعري " كاف لإيضاح مستنداته :" وما من شيء إلا وهو تأكيد على انسجام رؤية الشابي في ما قاله عن الشعر وفي ما صاغه شعرا ، وهذه درجة المواءمة داخل العالم الشعري والوجداني لدى شاعرنا " ( د عبد السلام المسدي )
    وإن حديث الشابي عن الخيال في شعره واتكاءه على استلهامه إنما كان ثمرة من ثمرات الخيال الفني الذي جاء في نصه النقدي ومن المؤكد أن الشابي في هذا الكتاب النقدي حاول خلق المناخ النقدي الذي أراد أن يقرأ فيه شعره ، وما يمكن ملاحظته أن بحث الشابي في عناصر الخيال والأسطورة والطبيعة ، من المباحث التي ما تزال تستحوذ على اهتمام النقاد ، وأن " الخيال الشعري " هو الكتاب الذي حمل اسم الشابي إلى الشرق ولفت إليه الأنظار ، وبهذا فقد عرف الشابي ناثرا وشاعرا ، والغالب على الظن أن الشابي كان يترسم خطى العقاد حين حاول أن يتجاوز موقع الشاعر إلى الباحث في ماهية الشعر