1. salma

    salma عضو مهمّ

    988
    120
    43
    الدّولة:
    تونس
    الولاية:
    نابل
    المستوى الدّراسي:
    جامعي
    الاختصاص:
    علوم
    المهنة:
    طالبة

    لغة الضّاد مقالات في ظاهرة التقديم و التأخير في اللغة العربيّة

    الموضوع في 'فضاء الحضارة العربيّة الإسلاميّة' بواسطة salma, بتاريخ ‏18 مايو 2013.

    التقديم والتأخير في اللغة العربية:
    مفهوم التقديم والتأخير :​
    يراد بالتقديم والتأخير أن تخالف عناصر التركيب ترتيبها الأصليّ في السياق فيتقدَّم ما الأصل فيه أن يتأخَّر ويتأخَّر ما الأصل فيه أن يتقدَّم . والحاكم للترتيب الأصليّ بين عنصرين يختلف إذا كان الترتيب لازمًا أو غير لازم ، فهو في الترتيب اللازم ( الرتبة المحفوظة ) حاكمٌ صناعيٌّ نحويّ ، أمَّا في غير اللازم ( الرتبة غير المحفوظة ) فيكاد يكون شيئًا غير محدَّد ، ولكن توجد بعض الأسباب العامَّة الَّتي قد تفسِّر الترتيب الأصليّ – بنوعيه – بين عنصرين ، وهي مختلفة في اعتباراتها ، فمنها ما اعتباره معنويّ ، ومنها ما اعتباره لفظيّ ، أو منطقيّ ، أو صناعيّ ، ومن أهمّ هذه الأسباب :
    1- أن تكون العلاقة بين العنصرين علاقة المحكوم عليه بالحكم ، فمقتضى الأصل أن يتقدَّم المحكوم عليه ويتأخَّر الحكم ، كتقدُّم المبتدإ على الخبر .
    2- أن تكون العلاقة بينهما علاقة العامل بالمعمول ، فمقتضى الأصل أن يتقدَّم العامل ويتأخَّر المعمول ، كتقدُّم الفعل على المفعول .
    3- أن تكون العلاقة بينهما علاقة المقدِّمة بالنتيجة ، فمقتضى الأصل أن تتقدَّم المقدِّمة وتتأخَّر النتيجة ، كتقدُّم فعل الشرط على جواب الشرط .
    4- أن تكون العلاقة بينهما علاقة الكلِّ بالجزء المقتطَع منه ، فمقتضى الأصل أن يتقدَّم الكلُّ ويتأخَّر الجزء ، كتقدُّم المُستثنى منه على المُستثنى .
    5- أن يكون تقدُّم عنصرٍ ضروريًّا لحفظ تقسـيمٍ معلوم من اللغة بالضرورة ، كتقدُّم الفعل على الفاعل ؛ لما عُلم من وجود جملة فعليَّة تقف جنبًا إلى جنب مع الجملة الاسميَّة مكوِّنةً معها أساسًا ثنائيًّا لورود الجمل .
    وللتقديم والتأخير علَّة هي الرتبة ، فالرتبة مبدأٌ نحـويٌّ لولاه لم يكن ثَمَّ تقديمٌ ولا تأخير ، فما الرتبة ؟ وما أنواعها ؟
    الرتبة قرينةٌ نحويَّةٌ من قرائن المعنى ، يمكن تعريفها بأنَّها جزءٌ من النظام النحويِّ ” يحدِّد موقع الكلمة من بناء الجملة ” ويفرض لكلمتين بينهما ارتباط أن تأتي إحداهما أوَّلاً والأخرى ثانيًا ، ويمتنع العكس إذا كانت الرتبة محفوظة ، أمَّا إذا كانت الرتبة غير محفوظة فيجوز أن تتقدَّم إحدى الكلمتين في تعبيرٍ وتتأخَّر في تعبيرٍ آخر من غير اتِّصاف أحد التعبيرين بالخطأ النحويِّ .
    وهناك تجاذبٌ بين الرتبة والإعراب ، فالرتبة في اللغات غير الإعرابيَّة تُحدِّد الوظيفة التركيبيَّة لأجزاء الجملة ، أمَّا في اللغات الإعرابيَّة فتظهر مرونة الرتبة وإتاحتها حرِّيَّة الحركة لتلك الأجـزاء ؛بسـبب تكفُّل الإعـراب بتحديد الوظيفة التركيبيَّة لها ، فإذا خفي الإعراب انتفى ذلك ووجب الالتزام بالرتبة .
    والفرق بين الرتبة المحفوظة وغير المحفوظة أنَّ الترتيب السياقيَّ للكلمات في حالة الرتبة المحفوظة يُراعى في نظام اللغة وفي الاستعمال ، ولا يقع خلافه إلاَّ موصوفًا بالخطأ النحويِّ ، أمَّا في حالة الرتبة غير المحفوظة فترتيب الكلمات في السياق أصلٌ افتراضيٌّ اتَّخذه النظام النحويُّ ، وقد يُحتِّم الاستعمال – حسب المقام والغرض – خلافه بتقديم المتأخِّر .
    ويُوصَف العنصر المتقدِّم في الرتبة المحفوظة بأنَّه متقدِّم وجوبًا – ومن ذلك تقدُّم الموصـول على الصلة ، والموصـوف على الصـفة ، وحرف الجرِّ على المجرور ، وغيرها– أمَّا في الرتبة غير المحفوظـة – كالَّتي بين المبتدإ والخبر ، والفاعل والمفعـول به ، والضمير والمرجع ، وغير ذلك – فالتقديم والتأخير اختيارٌ أسـلوبيٌّ جائزٌ للمتكلِّم بحسـب ما يعبِّر عن غرضه ويُفهِم معناه المقصود.
    وقد يُلغى هذا الاخـتيار وتُحـفَظ الرتبة ؛ إمَّا لاتِّقاء لبس ، كما في ( ضرب موسى عيسى ) ، أو لاتِّقاء مخالفة القاعدة ، كما في (رأيتُكَ) ، فانتقال الرتبة من دائرة الرتبة غير المحفوظة إلى دائرة الرتبة المحفوظة أمرٌ وارد .
    والفرق بين الرتبة المحفوظة والرتبة غير المحفوظة هو عينه الفرق بين الواجب والجائز في النحو ؛ فالتقديم في الرتبة المحفوظة حكمٌ تركيبيٌّ نحويٌّ صِرف لا مجال فيه لاختيار المتكلِّم ، فهو إمَّا جارٍ على القاعدة بحفظها ، أو مخالفٌ للقاعدة مخلٌّ بسلامة التركيب بإهماله لها ، أمَّا الرتبة غير المحفوظة فالتقديم فيها أمرٌ اختياريٌّ يمكِّن من التصرُّف في العبارة ؛ لأنَّه يصبح وسيلة أسلوبيَّة تُستجلب بها المعاني وتُقلَّب العبارة لتناسب مقتضى الحال ، ولهذا دار البحث البلاغيُّ في علم المعاني حول الرتبة غير المحفوظة .
    مخالفة الأصل فيهما :
    ينطلق الحـديث عن التقـديم والتأخير من منطلـق الرتبة الَّتي منها – كما أسلفت – رتبة محفوظة لا تُخالَف إلاَّ خطأً وانحرافًا عن النظام السياقيِّ ، ورتبة غير محفوظة قد تُراعَى وقد لا تُراعَى .
    والترتيب الَّذي جعله النظام النحويُّ أصلاً في الرتبة غير المحفوظة لا يُسأل عن علَّته في غالب الأحيان ، وإنَّما يُسأل عمَّا جاء على خلافه : لمَ خالف ؟ وما الغاية من الخلاف ؟ فالتقديم والتأخير نوعٌ من التصرُّف في التركيب والعدول عن أصل ترتيب عناصره لغاية بيانيَّة معنويَّة ، وهذا التصرُّف لا يكون اعتباطًا لغير علَّة وإلاَّ كان جورًا على التركيب ومعناه وإفسادًا للكلام بأسره .
    حاصل القول في ظاهرة التقديم والتأخير ( الجائز ) أنَّها تفتقر إلى أمور :
    الأوَّل : تحديد الأصل في ترتيب عناصر التركيب .
    الثاني : تحديد العدول عن الأصل في هذا الترتيب .
    الآخر : البحث عن علَّة هذا العدول وتأثيره في المعنى والدلالة .
    أغراض التقديم :
    للتقديم أغراض متعدِّدة متنوِّعة ، يتعيَّن أحدها بحسب العنصر المقدَّم ، وبحسب المقامات والأحوال ، إلاَّ أنَّ الغرض الأوَّل من تقديم عنصرٍ ما هو كون ذكره أهمّ من ذكر باقي أجزاء الكلام ، والعناية به أكثر من العناية بذكر غيره ، وهو ما عبَّر عنه سيبويه بقوله في الفاعل والمفعول : ” … يقدِّمون الَّذي بيانه أهمُّ لهم وهم ببيانه أعنى ، وإن كانا جميعًا يُهِمَّانهم ويعنيانهم ” ، وجعله الإمام عبد القاهر قاعدةً للتقديم بقوله : ” … لم نجدهم اعتمدوا فيه شيئًا يجري مجرى الأصل غير العناية والاهتمام ” ، إلاَّ أنَّه أكَّد أنَّ الاقتصار على العناية والاهتمام لا يكفي لبيان سبب تقديم لفظٍ ما ، بل يجب أن يُفسَّر وجه العناية فيه وسبب أهمِّيَّته الَّتي جعلته يتقدَّم في حين تأخَّر غيره .
    وما دام القول بالعناية وحدها لا يكفي فقد ذكر العلماء من الأغراض ما يُعدُّ وجوهًا لهذه العناية ؛ ففيها تفسيرٌ لها وتعليل ، وليس فيها حجرٌ على غيرها من الأغراض ؛ فلكلِّ سياقٍ خواصُّه ، ولكلِّ تقديمٍ أسراره .
    وممَّا ذكروه من أغراض تقديم الخبر المفرد على المبتدإ :
    1- التخصيص ، كأن يقول أحد : زيد إمَّا قائم أو قاعد ، ” فيردِّده بين القيام والقعود من غير أن يخصصه بأحدهما ” ، فالردُّ عليه يكون بتقديم الخبر لتخصيص المبتدإ به ، فيقال : قائمٌ هو
    2- الافتخار ، نحو : ” تميميٌّ أنا ” ، فتقديم الخبر هنا ” يُفهَم منه معنى لا يُفهَم بتأخيره ” ، وهو الافتخار – أو غيره كالتخصيص في مقام آخر – فيجب التقديم مراعاةً للمعنى والغرض .
    3- التفاؤل أو التشاؤم ، مثل : ناجحٌ زيدٌ ، ومقتولٌ إبراهيم .
    ومن أغراض تقديم الخبر الظرف والجارّ والمجرور :
    1- الاختصاص ، نحو قول الله تعالى : ﴿ لَهُ الْمُلْكُ وَلَـهُ الْحَمْدُ ﴾ ، فالغرض من التقديم هنا بيان ” اختصاص الملك والحمد بالله عزَّ وجلَّ ” لا بغيره . ويجب التنبيه هنا إلى أنَّ التقديم للاختصاص ليس مقصورًا على كون المقدَّم ظرفًا والمؤخَّر مبتدأ ؛ فقد ” كاد أهل البيان يُطبقون على أنَّ تقديم المعمول يفيد الحصر ، سـواء كان مفعـولاً أو ظرفًا أو مجرورًا ، ولهذا قيل في ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ : معناه : نخصُّك بالعبادة والاستعانة ” .
    2- التنبيه من أوَّل الأمر على أنَّ الظرف خبرٌ لا نعت ، كما في قول الشاعر : له هـممٌ لا منتهى لكبارها وهمَّته الصغرى أجلُّ من الدهر فإنَّه ” لو أخَّر فقال : هممٌ له ، لتُوُهِّم أنَّه صفة ” ، فقدَّم الخبر للتنبيه وإزالة الوهم .
    ولتقديم المبتدإ على الفعل أغراض كثيرة ، منها :
    1- التخصيص بالخبر الفعليِّ ، نحو : أنا سعيتُ في حاجتك ؛ لإفادة الانفراد بالسعي وعدم الشركة فيه .
    2- تحقيق الأمر وإزالة الشكِّ ، نحو : هو يعطي الجزيل ، فليس الغرض هنا ادِّعاء اختصـاصه بذلك دون غيره ، وإنَّما الغرض تأكيد المعنى في نفس السامع .
    3- تعجيل مسـرَّة السامع أو مسـاءته ، نحو : خليلك عاد من السفر ، ونحو : الكئيب يزورك اليوم . وغير ذلك من الأغراض .
    قيمة التقديم والتأخير :
    ظاهرة التقديم والتأخير – شـأن الظواهر السـياقيَّة الأخرى كالحذف والزيادة وغيرها – مظهرٌ من مظاهر شجاعة العربيَّة ؛ ففيها إقدام على مخالفة لقرينة من قرائن المعنى من غير خشـية لبس ، اعتمادًا على قرائن أخرى ، ووصولاً بالعبارة إلى دلالاتٍ وفوائد تجعلها عبارةً راقيةً ذات رونقٍ وجمال .
    والقيمة البيانيَّة للتقديم والتأخير مرتبطةٌ بالجائز منه ، ومرهونةٌ بحسن استعماله على وفق مقتضى الحال ، والوعي باستعماله في موضعه ، وإلاَّ كان عبثًا لا قيمة له ولا فائدة بل ربَّما يؤدِّي إلى إفساد المعنى .
    والأغراض الَّتي تتفتَّق عنها ظاهـرة التقديم تبيِّن ثراءها وكثرة فوائـدها ، وكونها منبعًا ثرًّا لرقيِّ الأساليب وارتفاعها في البيان . فلا عجب حين نرى احتفاء الإمام عبد القاهر الجرجاني بهذه الظاهرة في قوله عن بابها : ” هو بابٌ كثير الفوائد ، جمُّ المحاسن ، واسع التصرُّف ، بعيد الغاية ، لا يزال يفترُّ لك عن بديعة ، ويفضي بك إلى لطيفة ، ولا تزال ترى شعرًا يروقك مسمعُه ، ويَلطُف لديك موقعُه ، ثم تنظر فتجد سبب أن راقك ولطف عندك أن قُدِّم فيه شيءٌ وحُوِّل اللفظ عن مكان إلى مكان ”
    أعجب بهذه المشاركة Mohamoha
  2. salma

    salma عضو مهمّ

    988
    120
    43
    الدّولة:
    تونس
    الولاية:
    نابل
    المستوى الدّراسي:
    جامعي
    الاختصاص:
    علوم
    المهنة:
    طالبة
    التقديم و التأخير في بلاغة العرب

    التقديم و التأخير في بلاغة العرب
    عبد الكريم الدخيسي

    1- تقديم لابد منه :
    لقد شرف الله اللغة العربية وخصها بالعديد من الميزات ولعل أهمها كونها اللغة التي نزل بها خاتمة كتبه السماوية .. وهي إلى ذلك تمتاز بتنظيم تركيبي عجيب ، جعل نظامها اللغوي فريدا من نوعه لدرجة أنك إذا أردت أن تعوض الكلمة الواحدة في التركيب بكلمة غيرها ، يستحيل أن تجد مثلها في ذلك الجمال واللطف الذي تميزت به تلك الكلمة في ذلك التعبير ، سواء من حيث لفظها أو أداؤها المعنى المراد والمقصود بعينه.
    وقد تعددت مباحث اللغة العربية ، وتناولها علماؤنا بالكثير من التفصيل ، لدرجة يمكن أن نقول معها إن بعض المباحث والأبواب قد قتلت بحثا ، ولكن الذي يختلف في هذه البحوث ، أو هذه المعالجات هو اختلاف درجة تناول المبحث أو الموضوع المتناول ، فقد يتناوله النحوي والبلاغي والفيلسوف والمنطقي وغيرهم ، كل من زاوية رؤيته ، وحسب الأهداف التي سطرها ، والتي يريد تحقيقها من تناوله لذلك الموضوع . والتقديم والتأخير من الموضوعات التي نالت حظا وافرا من الحديث سواء من قبل النحويين أو من قبل البلاغيين الذين أولوها اهتماما زائدا لشرف اللغة التي يدرسون نظمها وتركيبها .
    و سندرس هذا الموضوع في إطار تناولنا للمسند والمسند إليه[1] المعتبران ركنين أساسين في الجملة العربية.

    2- تعريف التقديم والتأخير :
    عندما نسمع `التقديم والتأخير` نعرف أننا بصدد الحديث في ترتيب عناصر الجملة العربية .
    والجملة العربية إما فعلية وإما اسمية ، فإذا كانت فعلية فترتيب عناصرها واضح ، والفعل هو المقدم في الترتيب على الأصل . أما إذا كانت اسمية واستوى طرفا التركيب وكانا معرفين معا ، فقد اختلف في أيهما يمكن أن تصدر به الجملة ، وأيهما تجعله خبرا ، فأما النحويون فلم يتعرضوا للتحديد ، بل تركوا للمتكلم الخيار ، وأجازوا أن يكون كل منهما هو المبتدأ والثاني هو الخبر ، ويعربون المقدم مبتدأ والمؤخر خبرا ، " لكن البلاغيين بحثوا الأمر بحثا فكريا منطقيا دقيقا ، ناظرين إلى حال المخاطب ، وما هو الأعرف لديه من ركني الإسناد اللذين هما من المعارف " [2].
    ومن هنا يأتي التعريف الذي يُعرًّف به التقديم والتأخير وهو :"مخالفة عناصر التركيب ترتيبها الأصلي في السياق ، فيتقدم ما الأصل فيه أن يتأخر ويتأخر ما الأصل فيه أن يتقدم . والحاكم للترتيب الأصلي بين عنصرين يختلف إذا كان الترتيب لازما أو غير لازم ، فهو في الترتيب اللازم ( الرتبة المحفوظة) حاكم صناعي نحوي ، أما في غير اللازم ( الرتبة غير المحفوظة) ، فيكاد يكون شيئا غير محدد، ولكن هناك أسبابٌ عامة قد تفسر ذلك الترتيب "[3].
    3- فائدة التقديم والتأخير :
    للتقديم والتأخير فوائد جمة تعبر عن مدى سعي العربية إلى تحصيل جمال التعبير والصياغة قبل كل شيء ، ولو كان ذلك على حساب الترتيب الذي وضعه الأولون لتراكيبهم .
    يقول عبد القاهر الجرجاني رحمه الله متحدثا عن فائدته: " هذا باب كثير الفوائد ، جم المحاسن ، واسع التصرف ، بعيد الغاية ، لا يزال يفتر لك عن بديعة ، ويفضي بك إلى لطيفة ، ولا تزال ترى شعرا يروقك مسمعه ، ويلطف لديك موقعه، ثم تنظر فتجد سبب أن راقك ولطُف عندك ، أن قدم فيه شيء وحول اللفظ من مكان إلى مكان "[4].
    وقد تحدث غيره عن قيمة هذه الظاهرة في اللغة العربية بل وصفها بأنها" مظهر من مظاهر شجاعة العربية ؛ ففيها إقدام على مخالفة لقرينة من قرائن المعنى من غير خشية لبس ، اعتمادا على قرائن أخرى ، ووصولا بالعبارة إلى دلالات وفوائد تجعلها عبارة راقية ذات رونق وجمال"[5].
    4- أقسام التقديم:
    قسم الإمام الجرجاني التقديم إلى نوعين :
    1- " تقديم على نية التأخير : وذلك كل شيء أقررته مع التقديم على حكمه الذي كان عليه وفي جنسه الذي كان فيه ، كخبر المبتدأ إذا قدمته على المبتدأ، والمفعول إذا قدمته على الفاعل :)منطلقٌ زيدٌ( و)ضرب عمرا زيدٌ(.
    2- تقديم لا على نية التأخير ، ولكن على أن تنقل الشيء عن حكم إلى حكم ، وتجعل له بابا غير بابه وإعرابا غير إعرابه ، وذلك أن تجيء إلى اسمين يحتمل كل واحد منهما أن يكون مبتدأ ويكون الآخر خبرا له فتقدم تارة هذا على ذلك وأخرى ذاك على هذا ، ومثاله ما تصنعه بزيد والمنطلق ، حيث تقول مرة : ) زيدٌ المنطلقُ( وأخرى )المنطلقُ زيدٌ(. فأنت في هذا لم تقدم المنطلق على أن يكون متروكا على حكمه الذي كان عليه مع التأخير ، فيكون خبر المبتدأ كما كان ، بل على أن تنقله من كونه خبرا إلى كونه مبتدأ ، وكذلك لم تؤخر زيدا على أن يكون مبتدأ كما كان بل على أن تخرجه عن كونه مبتدأ إلى كونه خبرا." [6]
    ويضرب الجرجاني أمثلة أشد وضوحا على نماذج للتقديم بقوله :" وأظهر من هذا قولنا ضربتُ زيدا وزيدٌ ضربتُه ، لم تقدم زيدا على أن يكون مفعولا به منصوبا بالفعل كما كان ، ولكن على أن ترفعه بالابتداء ، وتشغل الفعل بضميره ، وتجعله في موضع الخبر له " [7]
    5- أغراض التقديم والتأخير :
    هناك العديد من الأسباب والدواعي لتقديم المسند على المسند إليه لعل السبب المقدم عليها جميعا أن ذكره أهم من ذكر غيره، قال سيبويه في الكتاب " وإن قدمت الاسم فهو عربي جيد، كما كان ذلك عربيا جيدا ، وذلك قولك : زيدا
    ضربت، والاهتمام والعناية هنا في التقديم والتأخير سواء ، مثله في ضرب زيد عمرا وضرب عمرا زيد"[8] .
    وهو ما أشار إليه الجرجاني بقوله:" واعلم أن لم تجدهم اعتمدوا فيه شيئا يجري مجرى الأصل غير العناية والاهتمام. قال صاحب الكتاب وهو يذكر الفاعل والمفعول : كأنهم [إنما] يقدمون الذي بيانه أهم لهم وهم ببيانه أعنى، وإن كانا جميعا يُهمانِهم ويعنيانِهم "[9].
    وقد عدد الإمام جلال الدين القزويني أسباب الورود التي نتحدث عنها وذلك بعدما ذكر تقديم المسند إليه،قال فلكون ذكره أهم من ذكر غيره ، فذلك:
    أ‌- لكونه الأصل ولا مقتضى للعدول عنه.
    ب‌- لتمكين الخبر في ذهن السامع لأن في المبتدأ تشويقا إليه ..
    ت‌- لتعجيل المسرة أو المساءة للتفاؤل أو التطير .
    ث‌- لإيهام أنه لا يزول عن الخاطر ، أو أنه يستلذ به ، وقد يقوم المسند إليه بنحو ذلك من الأغراض .
    ج‌- قد يقوم المسند إليه بغرض تخصيصه بالخبر الفعلي ، وقصر هذا الخبر عليه ... . [10]
    وعلى هذه الأسباب مدار التقديم والتأخير ، وقد تكون هنالك أغراض أخرى تدعو إلى التقديم أو التأخير ، قد نعرج عليها فيما يلي من عناصر ، ضاربين لذلك أمثلة توضيحية .
    أ‌- الأغراض البلاغية لتقديم المسند:
    1- التخصيص والقصر :
    نحو قوله تعالى : (لله الأمر من قبل ومن بعد )
    وقول الشاعر :
    عذبة ٌ أنتِ كالطفولة
    2- التفاؤل بما يسر المخاطب:
    نحو : ناجح أنت – نجحت العملية الفدائية / الجراحية
    3- إثارة الذهن وتشويق السامع :
    مثل قوله تعالى :( إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب ) (آل عمران/190).
    4- التعجب :
    مثل : لله درك!
    5- المدح :
    مثل : نعم البديل من الزلة الاعتذار
    6- الذم :
    مثل : بئس الرجل الكذوب.
    7- التعظيم :
    نحو :عظيم أنت .
    8- مراعاة توازن الجملة والسجع :
    نحو :(خذوه فغلوه ثم الجحيم صلوه) (الحاقة:30-31).
    ب‌- الأغراض البلاغية لتقديم المسند إليه:
    يقول السكاكي :"وأما الحالة التي تقتضي تقديمه على المسند فهي : متى كان ذكره أهم ، يقع باعتبارات مختلفة : إما لأن أصله التقديم ولا مقتضى للعدول عنه ، ...، وإما لأنه متضمن للاستفهام ، .. وإما لتضمنه ضمير الشأن والقصة .. وإما لأن في تقديمه تشويقا للسامع إلى الخبر ليتمكن في ذهنه إذا أورده..." [11].
    وهناك من ذكر غير هذا فتأمله
    1- التشويق إلى الكلام المتأخر:
    نحو قول الشاعر :
    ثلاثة ليس لها إياب الوقت والجمال والشباب
    2- تعجيل المسرة:
    نحو قوله تعالى :(جنات عدن يدخلونها) (الرعد:23، فاطر : 33، النحل : 31).
    3- تعجيل المساءة:
    مثل :السجن عشرون عاما لقاتل الطفلة .
    4- للتبرك به:
    نحو :الله سندي . ونحو : الله غايتنا والرسول قدوتنا والقرآن دستورنا والموت في سبيل الله أسمى أمانينا.
    5- تقوية الحكم وتقريره[12]:
    مثل :( والذين هم بربهم لا يشركون) (المؤمنون:59).
    وبالعودة إلى ما كتب حول الأغراض البلاغية من التقديم والتأخير .. في كتب البلاغة قديمها وحديثها نلاحظ أن هناك عددا آخر من الأغراض نضرب عنها صفحا ونكتفي بما قلنا .
    6- مواضع التقديم والتأخير:
    أ‌- ما يجب تقديمه ولو تأخر لفسد معناه:
    1- تقديم المفعول به على فعله، كقولك : زيدا ضربت ، وفيه تخصيص له بالضرب دون غيره[13]. وهذا الذي ذهب إليه المؤلف رأي أغلب علماء البيان.
    2- تقديم خبر المبتدأ عليه نحو: قائم زيد ، ..فإنك إذا أخرت الخبر فليس فيه إلا الإخبار بأن زيدا قائم لا غير من غير تعرض لمعنى آخر من المعاني البليغة [14].
    3- الظرف، والغالب أنه يرد للدلالة على الاختصاص كقوله تعالى : (إن إلينا إيابهم ثم إن علينا حسابهم)
    (الغاشية 25-26)[15].
    4- الحال فإنك إذا "قدمته فقلت : جاء ضاحكا زيدٌ فإنه يفيد أنه جاء على هذه الصفة مختصا بها " [16].
    5- الاستثناء في نحو قولك : " ما ضربت إلا زيدًا أحدًا ، فإنك إذا قدمته فانه يفيد الحصر"[17] .
    والملاحظ أن استفاضة الإمام عبد القاهر الجرجاني في البحث عن بالشواهد والأمثلة سواء القرآني منها أو الشعري للتدليل على هذه الأغراض إنما كان المراد به إثبات الحضور القوي لهذه النماذج التي ادعى البعض من البلاغيين أن الغاية الأولى من التقديم والتأخير هي الاهتمام فقط . ولعل المتفحص لكتاب الدلائل يلحظ هذا الكم الهائل من الأمثلة التي ساقها المصنف رحمه الله .
    ب‌- ما يجوز تقديمه ولو تأخر لم يفسد معناه :
    ويقصد به كل كلام ورد فيه ذكر لشيئين أو أكثر ، وجاءت المذكورات متتالية ، فإن ترتيبها ذاك يكون لغاية معينة، وغالبا ما يكون الترتيب بذكر الأشرف فالأشرف ، ولو قدم المتأخر ما كان ذلك معيبا ، أو لو عكس الترتيب ما أخل بمعنى العبارة.انظر قوله تعالى فيما يلي : ( وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا السماء)( يونس:61) وقوله تعالى:( لا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض)(سبأ:3). فقدم سبحانه مرة الأرض وفي آية أخرى قدم السماء والترتيب كما قلنا إنما يكون بحسب رغبة المتكلم لا غير ، أو كما يقول صاحب الطراز :" فأنت ههنا بالخيار، فإن شئت قدمت المفضول لما له من المناسبة لمطلع الكلام ، وإن شئت قدمت الفاضل لما له من رتبة الفضل "[18].
    وقد قسم الجرجاني رحمه الله مواضع التقديم إلى ما يلي :
    أ‌- الاستفهام :
    " "الاستفهام بالهمزة "، فإن موضع الكلام على أنك إذا قلت :"أفعلت؟" ، فبدأت بالفعل، كان الشك في الفعل نفسه ، وكان غرضك من استفهامك أن تعلم وجوده.
    وإذا قلت :" أأنت فعلت؟" فبدأت بالاسم ، كان الشك في الفاعل من هو ، وكان التردد فيه"[19].
    ولا يخفى أن الغرض الحصول على إقرار من المخاطب بأنه الفاعل للذي تستفهم عنه [20]. أو كما قال الجرجاني :" واعلم أن الهمزة فيما ذكرنا تقرير بفعل قد كان ، وإنكار له لم كان ، وتوبيخ لفاعله عليه" [21]. وقد يكون الاستفهام بالهمزة لإنكار أن يكون الفعل قد كان من أصله . ومثاله قوله تعالى (أفأصفاكم ربكم بالبنين واتخذ من الملائكة إناثا إنكم لتقولون قولا عظيما) (الإسراء:40)[22].
    ب‌- النفي :
    "إذا قلت :" ما فعلت" ، كنت نفيت عنك فعلا لم يثبت انه مفعول ، وإذا قلت :" ما أنا فعلت " كنت نفيت عنك يثبت أنه مفعول"[23]. وإذا قلت :"ما زيدا ضربت " فقدمت المفعول ، كان المعنى على أن ضربا وقع منك على إنسان، وظن أن ذلك الإنسان زيد ، فنفيت أن يكون إياه."[24]
    وعلى خلاف ما ذهب إليه البلاغيون فهناك من لا يرى أن يلحق بباب التقديم والتأخير في البلاغة العربية تقديم أداة النفي على اللفظ الدال على العموم ، ولا العكس أي تقديم اللفظ الدال على العموم على أداة النفي ، يقول: " فهذه قضية فكرية تتصل بأصل بناء الكلام في أدائه للمعاني ، وهي ترجع إلى قاعدة "سلب العموم أو عموم السلب " فإذا سلط النفي على العموم لم يلزم منه نفي جميع الأفراد ، لأن المنفي حينئذ هو العموم لا جميع أفراده ، وإذا سلط العموم على المنفي بأداة النفي فإنه يدل حينئذ على نفي جميع الأفراد " [25]. مثل : ليس كل إنسان كاتبا ( بتسليط السلب على العموم معناها أن بعض الناس ليس كاتبا ، وهذه جملة صادقة) ، ولكن " كل إنسان ليس كاتبا" بتسليط اللفظ الدال على العموم على الجملة المنفية المسلوبة ، وكأنك تقول لا أحد في الناس هو كاتب ، وهذا الحكم لا يصدق ، أي هو كاذب .
    جـ- الخبر :
    وهو نوعان أحدهما ظاهر غير مشكل :" وهو أن يكون الفعل فعلا قد أردت أن تنص فيه على وجه واحد فتجعله له ، وتزعم أنه فاعله دون واحد آخر ، أو دون كل أحد"[26].والثاني أن لا يكون القصد إلى الفاعل على هذا المعنى ولكن على أنك أردت أن تحقق على السامع انه قد فعل ، وتمنعه من الشك ، فأنت تبدأ بذكره ، وتوقعه أولا – ومن قبل أن تذكر الفعل – في نفسه .. ومثاله قولك "هو يعطي الجزيل "[27].
    د – غير ومثل :
    وهما مما يرى تقديمهما في الكلام ، وقد ذكر علماء البلاغة العربية ان هاتين الكلمتين غير ومثل" تلازمان التقديم في التراكيب البلاغية إذا أريد بهما الكناية عن الشخص الذي يجري الحديث عنه "[28] .وذلك نحو قول الشاعر أبي فراس الحمداني :
    بلى، أنا مشتاق وعندي لوعة ولكن مثلي لا يذاع له سر
    ونحو قول أبي تمام :
    غيري يأكل المعروف سحتا وتشحب عنده بيض الأيادي"[29]
    ونحو قول المتنبي في قصيدة يعزي فيها عضد الدولة ابا شجاع في عمته :
    مثلك يًثني الحزن عن صوبه ويسترد الدمع عن غربه
    ولم أقل "مثلًك" أعني بــه سواك يا فردا بلا مشبـــه[30]

    7- على سبيل الختم :
    وبعد،
    يبقى موضوع التقديم والتأخير من الموضوعات التي تناولها الدارسون بالعرض والتحليل للوقوف على مدى شجاعة اللغة العربية في الخروج على المألوف الذي جاء في تركيبهم ، ولكن هذا الخروج على المعهود لم يكن ضربا من الخبط والعشوائية ، ولكن كان له ما يبرره ، وكانت له دواع اقتضاها التعبير أو المقام أو السياق الذي جاء فيه التغيير المتحدث عنه .. ومنها التقديم والتأخير .. لقد كانوا في كل ذلك يستقرئون كلام العرب من منظوم ومنثور ، وخاصة القرآن الكريم، والشعر الذي كان وسيبقى ديوان العرب، الذي أرخ لحضارتهم ، وكان خير خازن لكل أسرارهم ، وأفضل أمين عليها.
    والموضوع متشعب وواسع ، ولا يمكن أن يحصر في هذه الصفحات القليلة ،. وهو الموضوع الذي أسال الكثير من المداد .
    وكما نعرف فأغراض النحو والبلاغة وغيرها من علوم الآلة التي وضعها علماؤنا إنما كان الهاجس الأول وراءها هو خدمةً اللغة العربية للحفاظ عليها من الدخيل ، والسقيم، ومما يشوب التعبير السليم ، وبالتالي كانت كلها في خدمة القرآن الكريم الذي نزل باللغة العربية ، لغة أهل الجنة .
    فإن كنت أصبت فذلك مبتغاي والتوفيق من الله، وإن قصرت أو أخطأت فحسبي جهد المقل .
    --------------------------------
    المصادر والمراجع :
    1- الإمام يحيى بن حمزة العلوي . الطراز المتضمن لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز . تحقيق عبد الحميد هنداوي .ط1.المكتبة العصرية . بيروت .1423-2002.
    2- الإمام ابو يعقوب يوسف بن أبي بكر محمد بن علي السكاكي. مفتاح العلوم.ضبطه وكتب هوامشه وعلق عليه : نعيم زرزور.ط2 دار الكتب العلمية .بيروت 1407-1987.
    3- الإمام جلال الدين محمد بن عبد الرحمن القزويني. شرح التلخيص في علوم البلاغة ، ، شرحه وخرج شواهده محمد هاشم دويدري . ط 2 دار الجيل .بيروت 1402-1982.
    4- أبو بشر عمرو بن قنبر سيبويه .الكتاب ، تحقيق وشرح عبد السلام محمد هارون ط3 .عالم الكتب. 1403 -1983.
    5- عبد القاهر الجرجاني. دلائل الإعجاز .قرأه وعلق عليه أبو فهر محمود محمد شاكر. ط2. مكتبة الخانجي بالقاهرة. 1410-1989.
    6- عبد الرحمن حسن حبنكة الميداني .البلاغة العربية أسسها وعلومها وفنونها . ط1. دار القلم دمشق 1416- 1996 .
    7- صالح الشاعر. ظاهرة التقديم والتأخير في النحو العربي . مقال الكتروني. ينظر في :
    http://salihalshair.jeeran.com.
    8- أسامة عبد العزيز جاب الله . جماليات التقديم والتأخير في البلاغة العربية .تنظر الصفحة: http://www.alfaseeh.net/vb/showthread.php?t=39848 .
    9- عبد الهادي الفضلي: دراسات في الفعل .ط1.دار القلم بيروت .1402-1982.
    ------------------------------
    الهوامش:
    - استغرب بعضهم عدم إيلاء النحاة لموضوع الإسناد أهمية كبرى رغم ركنية العلاقة الإسنادية في الجملة العربية يقول:" لعله من المستغرب أن نجد النحاة لا يعطون الإسناد أهمية كبرى مع معرفتهم بان الكلام أو الجملة التامة –اسمية كانت أو فعلية – تتقوم من عنصري الإسناد (المسند إليه )و(المسند)، ذلك أن النحو في حقيقته هو الجملة والإعراب ، فلا يعقدون له الباب الخاص، وإنما يذكرونه استطرادا ، وقد لا يذكره بعضهم حتى من باب الاستطراد .
    هذا بعكس ما نراه عند علماء المعاني ، فقد أعطوه الأهمية المطلوبة وأولوه الاهتمام المناسب. ومن هنا لا بد للباحث في الإسناد نحويا من الرجوع إلى دراسات علماء المعاني فيه" . عبد الهادي الفضلي: دراسات في الفعل .ط1.دار القلم بيروت .1402-1982: 70.

    [2] - عبد الرحمن حسن حبنكة الميداني .البلاغة العربية أسسها وعلومها وفنونها . ط1. دار القلم دمشق 1416- 1996 : 1/356.

    [3] - صالح الشاعر. ظاهرة التقديم والتأخير في النحو العربي . مقال الكتروني بتصرف . ينظر : http://salihalshair.jeeran.com.

    [4] - عبد القاهر الجرجاني. دلائل الإعجاز .قرأه وعلق عليه أبو فهر محمود محمد شاكر. ط2. مكتبة الخانجي بالقاهرة. 1410-1989 : 106.

    [5] - صالح الشاعر. ظاهرة التقديم والتأخير في النحو العربي . مرجع سابق.

    [6] - دلائل الإعجاز: 106-107.

    [7] - نفسه : 107

    [8] - سيبويه .الكتاب . تحقيق وشرح عبد السلام محمد هارون. ط 3 .عالم الكتب. 1403 -1983: 1/ 79-80.

    [9] - دلائل الإعجاز: 107 ، وينظر نص سيبويه في : الكتاب :1/34.

    [10] - يراجع تفصيل الأمر في : شرح التلخيص في علوم البلاغة ، للإمام جلال الدين محمد بن عبد الرحمن القزويني ، شرحه وخرج شواهده محمد هاشم دويدري . ط 2 دار الجيل .بيروت 1402-1982: 40-41.

    [11] - مفتاح العلوم . للامام ابي يعقوب يوسف بن ابي بكر محمد بن علي السكاكي .ضبطه وكتب هوامشه وعلق عليه : نعيم زرزور.ط2 دار الكتب العلمية .بيروت 1407-1987: 194 بتصرف

    [12] - تنظر تفصيلات أخرى لهذه الأغراض مع شواهدها في مقال : التقديم والتأخير :لمجدي حلبص

    [13] -الإمام يحيى بن حمزة العلوي . الطراز المتضمن لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز . تحقيق عبد الحميد هنداوي .ط1.المكتبة العصرية . بيروت .1423-2002: 37.

    [14] - الطراز : 38. بتصرف.

    [15] - الطراز :40.

    [16] - الطراز : 40.

    [17] - نفسه.

    [18] - فسه :43.

    [19] - دلائل الإعجاز : 111.


    [20] - نفسه : 113 . بتصرف.

    [21] - نفسه : 114.

    [22] - نفسه : 114. ينظر تفصيل وتفسير الاستفهام مع الاسم والفعل المضارع وغير ذلك في الصفحات الموالية من الكتاب.

    [23] - نفسه : 124.

    [24] - نفسه : 126.

    [25] - البلاغة العربية : 1/367-368.

    [26] - نفسه : 128

    [27] - نفسه : 128-129 . بتصرف.وينظر تفصيل الموضوع في الصفحات التالية.

    [28] - البلاغة العربية : 1/366.

    [29] - دلائل الإعجاز: 138-139.بتصرف .

    [30] - البلاغة العربية : 1/367.
    أعجب بهذه المشاركة Mohamoha
  3. salma

    salma عضو مهمّ

    988
    120
    43
    الدّولة:
    تونس
    الولاية:
    نابل
    المستوى الدّراسي:
    جامعي
    الاختصاص:
    علوم
    المهنة:
    طالبة
    ظاهرة التقديم و التأخير

    أ‌- مفهوم التّقديم والتّأخير عند النّحويّين والبلاغيّين، وصلته بالمعنى:
    لكلّ عنصرٍ من عناصر الجملة في اللّسان العربيّ موقعٌ في ترتيب بناء الجملة، وكلُّ تغييرٍ في بناء الجملة وترتيبٍ في عناصرها له دورٌ في اختلاف المعنى وتعدّده، فإذا أردنا صوغ جملةٍ نبيّن فيها مثلاً طلوع القمرِ أو عدمه، وجدنا أنفسنا أمام عددٍ من الاحتمالات، مثبتين أو نافين([1]):
    1. طلعَ القمرُ، ما طلع القمر.
    2. القمرُ طلعَ، القمرُ ما طلعَ.
    3. القمرُ طالعٌ، القمرُ غيرُ طالعٍ، ليس القمرُ طالعاً.
    4. طالعٌ القمر، ما طالع القمر.
    فهذه الجملُ كلّها جائزةٌ ، في اللّسانِ العربيّ، ولكلٍّ منها عند النحويّ تخريجٌ إعرابيّ، ولها عند البلاغيّ معانٍ مختلفة فلكلّ واحدة منها مقامٌ ، فصيغ "القمرُ طالعٌ- ما طلع القمر- ما طلعَ القمرُ" تقال في مقام الإخبار الابتدائيّ الذي لا حاجة فيه إلى التأكيد، أمّا صيغ ""القمرُ ما طلعَ - ليس القمرُ طالعاً" فتقالُ في مقامٍ يحتاج فيه الخبر إلى نوع تأكيد، فإذا لم تكن حال المخاطبِ تقتضي تأكيداً فلا داعي لاستخدام هذه الصيغ، إذْ جاء فيها إسناد الطلوع إلى القمر مرّتين، فـ"القمرُ" مبتدأ أو أصله مبتدأ، والفعل "طلعَ" مسندٌ إلى ضميرٍ يعود على المبتدأ والجملة هي خبر المبتدأ، واسم الفاعل كالفعل يحملُ ضميراً يعود على "القمر".

    فتغيير التّرتيب في أركان الجملةِ نجمَ عنهُ إضافة دلالة، فعلى البلاغيّ أن يُلاحظها لدى إنشاء الكلام، ولدى فهم النصوص البليغة الرّفيعة([2]).

    والجملة في اللّسان العربيّ تنقسمُ إلى قسمينِ:
    القسم الأوّل: الجملة الفعليّة.
    والقسم الثّاني: الجملة الاسميّة.

    والأصل في الجملة الفعليّة تقديم المسند (المحكوم به) وهو الفعل، ويلحقُ به ما يعملُ عملَ الفعلِ، وتأخير المسندِ إليه (المحكوم عليه) وهو الفاعل أو ما ينوب منابه، ثمّ تأتي متعلّقات الفعل أو ما يعملُ عمله.
    والأصل في الجملة الاسميّة تقديم المسند إليه (المحكوم عليه) وهو المبتدأ وما يتّصلُ به، وتأخير المسندِ (المحكوم به) وهو الخبر وما يتّصلُ به، وبعد ذلك تأتي متعلّقات الخبرالمماثلة لمتعلّقات الفعل، إذا كان الخبر مما يعملُ عمل الفعل، أو جملةً مصدّرة بفعل([3]).

    فالألفاظ قوالب المعاني فيجب أن يكون ترتيبها الوضعيّ، بحسب ترتيبها الطبيعيّ؛ ومن البيّن أنّ رتبة المسند إليه التّقديم لأنّه المحكوم عليه، ورتبة المسند التّأخير إذ هو المحكوم به، وما عداهما فتوابع ومتعلّقات تأتي تالية لهما في الرّتبة([4]).
    ولكن قد يعرض لبعض الكلم من المزايا ما يدعو إلى تقديمه وإن كان حقّه التّأخير؛ فيكون من الحسن تغيير هذا الكلم المقدّم مشيراً إلى الغرض الّذي يراد، ومترجماً عمّا قصد منه، ومن ثَمَّ قال في دلائل الإعجاز: إنّ هذا التقديم كثير الفوائد، جمّ المحاسن، لا يزال يفترُّ لك عن بديعه، ويفضي بك إلى لطيفه، ولا تزال ترى شعراً يروقك سجعه، ويلطف لديك موقعه، ثُمّ تنظر فتجد سبباً إن راقك ولطف عندك، إن قُدّم فيه شيء وحُوِّل اللّفظ من مكانٍ إلى مكان([5]).
    فالنّقّاد العرب المتقدّمون حين تحدّثوا عن التّقديم والتّأخير تردّدوا بين إثبات أغراضٍ نحويّة وأخرى بلاغيّة، أو لنقل إنّهم وقفوا موقفين متمايّزين أوّلهما نحويّ والثاني بلاغيّ([6]).
    ومن هنا فإنّ اختيارنا ما يتقدّم من الألفاظ وما يتأخّر منها يعود لأغراضٍ نفسيّة ودلاليّة، فإذا كان عندنا من الكلمات "زيد، وخالد، ويحبُّ، وكثيراً" وأردنا أن نصوغها في جملةٍ مفيدةٍِ كان لدينا من الاحتمالات ما يلي:
    1. زيدٌ يحبُّ خالداً كثيراً.
    2. خالداً زيدٌ يحبُّ كثيراً.
    3. يحبُّ زيدٌ خالداً كثيراً.
    4. كثيراً زيدٌ يحبُّ خالداً.
    5. كثيراً يحبُّ زيدٌ خالداً.
    6. كثيراً يحبُّ خالداً زيدٌ.
    نجد أنّ كلاً من هذه الجمل صحيحة نحويّاً، ولكلّ منها دلالته النّفسيّة المعنويّة التي تعكس غرض المتكلّم وغايته من ورائها.
    وفي قوله تعالى: {للَّهِ ملْكُ السَّمَواتِ والأرضِ}([7]) نقع على هذا الانزياح في اللّفظ الذي أدّى إلى انزياحٍ في المعنى، إذ إنّ قوله:"ملك السموات والأرض لله" يختلف من حيث الدّلالةُ والمعنى عن قوله: {لله ملك السموات والأرض} ففي الأولى يكون قد قدّم المبتدأ {ملكُ}على الخبر{للّهِ} وهو الأصل الّذي تُبنى عليه قواعد اللّغة النّحويّة ومعناه واضحٌ، ولكنّه في الثّانية عَدَل عن المعنى الأصليّ إلى معنى منزاحٍ دلاليّاً بتقديم الخبر على المبتدأ وله دلالته الّتي وقف عندها البلاغيّون وكلّ هذا التّقديم والتّأخير ليخصّص جلّ وعلا ملك السموات والأرض به ويقصرهما عليه، فلو قال: "ملك السموات والأرض لله" لاحتمل وجود إلهٍ آخر مالكٍ لهما غير الله لإمكانيّة العطف وهذا منافٍ لتعاليم الدّين والعقيدة الإسلاميّة والحقيقة الرّبّانيّة.
    وللتّقديم أحوالٌ أربع([8]):
    ‌أ- ما يفيد زيادة في المعنى مع تحسين اللّفظ، وذلك هو الغاية القصوى، وإليه المرجع في فنون البلاغة، والعمدة في هذا هو الكتاب الكريم، فلو نظرنا إلى قوله تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئذٍ ناضرةٌ، إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ}([9])، فإنّنا نجد أنّ تقديم الجّار والمجرور في هذا قد أفاد التّخصيص، وأنّ النظر لا يكون إلا لله، مع جودة الصّياغة وتناسق السّجع.
    ‌ب- ما يفيد زيادة في المعنى فحسب نحو: {بَلْ اللَّهَ فاعّبُدْ وَكُنْ مِنَ الشّاكِرِينَ}([10]) فتقديم المفعول في هذا لتخصيصه بالعبادة دون سواه، ولو أُخِّرَ لم يفِدِ الكلامُ ذلك.
    ‌ج- ما يفيد فيه التّقديم والتّأخير وليس لهذا الضّرب شيء من الملاحة، نحو:


    وكانتْ يدي ملأى به ثمّ أصبحتْ بحمد الله وهي منه سليبُ

    ‌د- ما يختلّ به المعنى ويضطرب وذلك هو التّعقيد اللّفظي أو المعاظلة الّتي تقدّمت كتقديم الصّفة على الموصوف والصّلة على الموصول ونحو ذلك قول الفرزدق:

    إلى ملكٍ ما أمُّهُ من محاربٍ أبوه ولا كانت كليبٌ تصاهرُهْ

    إذ تقديره إلى ملكٍ أبوه ما أمُّه من محارب أي ما أم أبيه منهم، ولا شكّ أنّ هذا لا يُفهم من كلامه للنظرة الأولى؛ بل يحتاج إلى تأمّل ورفق حتى يُفهم المراد.

    ب‌- أثر اللبس في منع التّقديم والتّأخير وجوازه:
    ويعدّ التَّقْدِيم والتَّأْخِير من مصادر اللَّبْس الكبرى، فالأصل فيه عدم الّلبس([11])؛ لذَلِكَ كان من وصايا النقّاد للكتّاب أَنْ يتجنّبوا ما يُكْسِبُ الكلامَ تعميةً، فيرتّبوا ألفاظهم ترتيباً صحيحاً، ولا يكرهوا الألفاظ على اغتصاب الأماكن، والنّزول في غير أوطانها؛ إذ ينبغي للمتكلّم أَنْ يعرِفَ أقدارَ المعاني، ويوازنَ بينها وبين أقدارِ المُستمعين، وبين أقدارِ الحالات([12]).
    أمّا إِذَا خيفَ اللَّبْس وهدّد القصد وأمكن للسّامع أَنْ يحمل الخطاب على غير المراد، فينتقض العهد وينحلّ العقد وتتبدّل القضيّة والحكم، فلا مناص من إيفاء اللُّغَة أقدارها وإحلال الكلمات محالّها([13]).
    يقول جبر ضومط: «فَإِذَا راعيتَ هَذِهِ الأغراض المحافظة على حسن الرصف والفاصلة، فقدِّمْ ما شئت وأخِّرْ ما شئت، على شرط أَلاَ يَقَعَ التباسٌ في الجملة ولا تقعيد؛ أمّا الالتباس، فلا يسوغ بوجه من الوجوه، ولذَلِكَ لا يصحّ في جملة "لو اشتريت لك بدرهم لحماً تأكلينه" تأخير الجار والمجرور الأوّل، وتقديم الثَّانِي عليه، ولا في جملة: {وَجَاء رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى}([14]) أَنْ تؤخّر المجرور أصلاً؛ لأَنَّ التَّأْخِير يؤدّي في الحالين إلى الإلباس»([15]).
    فالتَّقْدِيم قد يكون دافعاً للّبس أو جالباً له حسب المباحث([16]).
    فلو وقفنا عند الآية السابقة{وَجَاء رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى}لوجدنا أنّ المعنى المقصود من هذه الآية أنّ رجلاً من أقصى المدينة ساكناً فيها وينتمي إليها –قيل أنّ اسمه حبيب النجّار– جاء ساعياً إلى هؤلاء القوم الكافرين ليدعوهم أنيستجيبوالدعوة الرسل ويؤمنوا بالله الواحد الذي بيده كلّ شيء، ولو قيل((وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى المَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى)) لكان المعنى في هذا التركيب أنّ رجلاً –ليس بالضرورة أن يكون من أهل تلك المدينة– قد جاء ساعياً، وكلّ معنى من هذين المعنين مختلف عن الآخر، فامتنع التقديم والتأخير لما يحدثه من لبسٍ في المعنى المراد.
    أمّا إذا كان التقديم والتأخير لا يحدث لبساً في المعنى المراد فيجوز حينها أن نقدّم ونؤخّر بحسب المقام.

    ‌ج- الحالات التي قرّرها النّحْويّون لوجوب التقديم والتأخير:
    قرّرالنّحويّون بمقتضى القواعد النّحويّة وجوب التّقديم في أربع حالات:
    1) يجب تقديم ما له الصّدارة في الكلام العربيّ، أو ما هو مضاف إلى ما له الصّدارة.
    والأسماء الّتي لها الصّدارة في اللّسان العربيّ هي ما يلي([17]):
    ‌أ- أسماء الاستفهام.
    ‌ب- أسماء الشرط.
    ‌ج- «ما» التعجّبية.
    ‌د- «كم» الخبريّة.
    2) يجب تقديم المحصور من المبتدأ والخبر.
    3) يجب تقديم الخبرإذا كان المبتدأ نكرة لا يصحُّ الابتداء بها.
    4) يجب تقديم ما حقّه التّأخير إذا كان فيما حقّه التّقديم ضمير يعود عليه أو على شيء ممّا يتّصل به؛ وذلك لئلاّ يعود الضّمير على متأخّر لفظاً ورتبةً.


    د-الأغراض البلاغيّة للتقديم والتأخير:
    في العربيّة يتقدّم المبتدأ على الخبر، ويتقدّم الفعل على الفاعل، كما يتقدّم الفاعل على المفعول به وعلى الجار والمجرور، وسائر القيود إنّما تأتي متأخّرة في سياق الجمل.
    من الأمثلة على ذلك: "العلم نافعٌ، والبلاغة موضوعٌ مهمّ من بين الموضوعات الدّراسيّة، وربّ أخٍ لك لم تلده أمُّك، وظهر الحقّ، وإنّ الله عليمً حكيم، وجاء التّلميذ مسرعاً، واشتريت أحد عشر كتاباً...".
    هذه الأمثلة، هي من الكلام العاديّ المرتّب حسب معانيه، وحسب أصول اللّغة العربيّة، والملاحظ أنّ اللّفظ المتقدّم هو الّذي يكون له الأهمّية الأولى في الجملة، وهو الّذي يلفت النظر إليه في البدء، ويكون ترتيب الألفاظ بحسب أهمّية معنى كلٍّ منها في الجملة، فالأوّل أهمّ من الثّاني والثّاني أهمّ من الثّالث وهكذا دواليك([18]).
    ولكن قد يعمدُ أصحاب الكلام ولاسيّما الأدباء والشعراء إلى الخروج على هذا الترتيب الأصليّ؛ فيقدّمون ما حقّه أن يتأخّر، ويؤخّرون ما حقّه أن يتقدّم لأغراض بلاغيّة، فما هي هذه الأغراض؟ وما الذي يُقدّم وما الذي يؤخّر من أجزاء الجملة؟ وكيف؟([19])، وفيما يأتي تفصيلُ ذلك:

    1) الأغراض البلاغيّة لتقديم المسند إليه:
    يقدّم المسند إليه لأغراض بلاغيّة كثيرة اختلف في حصر عددها العلماء، منها([20]):
    1. إرادة إفادة اختصاص المسند بالمسند إليه، كقول الشاعر:

    وما أنا أسقمت جسمي به ولا أنا أضرمت في القلب نارا.

    2. تقوية الحكم الذي دلّت عليه الجملة وتوكيده على ما سبق به البيان.
    3. تعجيل المسرّة، لأنّ السّامع إذا قُرِع سمعه في ابتداء الكلام ما يُشعِر بالسرور هشّ وفرح به([21])نحو: "الهدى في قلوب المخلصين".
    4. تعجيل المساءة ليتطيّر السّامع ويتبادر إلى ذهنه حصول الشّر، نحو: "السجن على جهة التّأبيد حكم به عليك اليوم".
    5. الرّغبة في البدء بالمسند إليه تفاخراً، في المواطن التي يكون ذكر المسند إليه فيها يُشعر بالفخر، كقول سيّدنا عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه في غزوة خيبر:

    أنا الّذي سمّتني أمّي الحيدرة كليثِ غاباتٍ غليظ القَصَرةِ

    6. الرّغبة في الإسراع لكونه بالتبرّك، ويظهر هذا في أسماء الله الحسنى، نحو: "اسم الله اهتديت به".
    7. الإيهام أنّه لا يزول عن البال مطلوباً، نحو: "رحمة الله تُرجى".
    8. ليتمكّن الخبر في ذهن السّامع لأنّ في المبتدأ تشويقاً إله، نحو قوله تعالى: {إنّ أكْرَمكُمْ عِنْدَ اللهِ أتْقَاكُم}.
    9. الإشعار بأنّه حاضرٌ في التّصوّر لا يغيب، لذلك فهو يسبق غيره في التّعبير، فيبدأ النطق به.
    10. كون المسند إليه أمراً مستغرباً أو مفاجئاً أو نادراً أو مخيفاً، نحو: الحيتان العظمى أقبلت إلى الشاطئ، والجنّ لها مساكن في أمّ القرى، وبقرةٌ تكلّمت، وجيش العدوّ دخل المدينة.
    11. كون المتقدّم محطّ العناية والاهتمام، نحو قول الشاعر: *إلى الله أشكو صبرتي بعد كبرتي*.
    12. كون المتقدّم محطّ الإنكار والتعجّب، نحو قوله تعالى: {أرَاغِبٌ أنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيْم}.
    13. إرادة التّفخيم والتّعظيم، نحو قوله تعالى: {اللهُ نُورُ السَّمَواتِ والأَرْض}.
    14. النصّ على عموم السّلب، بتقديم أداة العموم "كل أو جمع" على أداة النّفي نحو: كلّ ما في الكون لا يخلدّ.
    15. النصّ على سلب العموم، بتقديم أداة النّفي على أداة العموم نحو:

    *ما كلُّ ما يتمنّى المرء يدركه*.

    ملحوظة: ذكر علماء البلاغة أنّ كلمتي "مثل" و"غير" تلازمان التّقديم في التّراكيب البليغة، إذا أُريد بهما الحديث عن الشّخص الذي يجري الحديث عنه. كأن تقول له:
    · ((مثلُك لا يَبخلُ- مثلُك لا يقصّر في عمل الخير- مثلُك لا يترك الصلاة المفروضة عمداً)) أي أنت لا تفعل ذلك، دون أن تريد التّعريض بغيره، مومئاً إلى أن من تعرّض به يتّصف بالبخل، أو بالتّقصير في فعل الخير، أو بترك الصلاة المفروضة عمداً.
    · ((غيرُك يُسيءُ إلى أصدقائه- غيرك لا يعاشر أهله بالمعروف-غيرُك يمنع الزكاة)) أي أنت لا تسيءُ إلى أصدقائك- وأنت تحسن معاشرة أهلك بالمعروف- وأنت لا تمنع الزكاة، دون أن تريد التّعريض بغيره، مومئاً إلى أن من تعرّض به يُسيء إلى أصدقائه، أو لا يُعاشر أهله بالمعروف، أو يمنع الزّكاة.
    · وكقول المتنبي من قصيدة يُعزّي بها أبا شجاع عضد الدّولة وقد ماتت عمّته:

    مِثلُك يَثْني الحزنَ عنْ صوْبِهِ ويَستَرِدُّ الدّمعَ عن غربِهِ


    ولم أقل "مثلك" أعني بهِ سِواكيا فـرداً بـلا مشِهِ

    والمعنى:أنت تقدر أن تعطِف وتصرف الحزن عن قصده حين يتوجه لنفسك وقلبك، بالحكمة والصبر،
    وأنت تستطيع أن تسترجع بقوّة احتمالك وبالغ عزمك الدّمع عن مجراه، وتمنعه من متابعة الجري([22]).

    2) الأغراض البلاغيّة لتقديم المسند:
    ذكر علماء البلاغة من الدّواعي البلاغيّة لتقديم المسند إذا كان الأصل فيه التّأخير أربعة أمور، بالإضافة إلى كثير من الدّواعي الّتي سبق ذكرها لتقديم المسند إليه إذا كان الأصل فيه التأخير، وكذلك غيرها من الدّواعي الّتي تتّفتّق عنه قرائحُ البلغاء الأذكياء([23]).
    1. تخصيص المسند بالمسند إليه: أي قصر المسند على المسند إليه، فلا يكون لغيره، نحو: قوله تعالى:{له الحمدُ فِي الأُولَى والآخِرةِ}.
    2. التّنبيه ابتداء دون حاجة إلى التّأمل في الكلام على أنّه خبر لا نعت، إذا كان تأخيره يوهم ابتداءً أنّه نعت للمسند، كقوله تعالى: {وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عذَابٌ عظيمٌ}([24]).
    3. أن يكون في المسند ما يدعو إلى التّفاؤل بالخير أو التّشاؤم من الشرّ، ويريد موجّه القول المبادرة بما يحدثُ في نفس المتلقّي من التفاؤل أو التشاؤم، كأن تقول لمن تريد أن يحسّ بالتفاؤل: مع أذان الفجر ولادة ابنك .
    وكأن تقول لمن تريد إثارة تشاؤمه وقد سأل متى يكون زواجه: حين تصيح البومة زواجك.
    4. إرادة التّشويق إلى ذكر المسند إليه، ويكثر هذا الدّاعي في المدح والوعظ.
    فمن أمثلته في المدح قول محمَّد بن وهب يمدح المعتصم:

    ثلاثةٌ تُشْرِق الدنيا ببهْجتِها شمسُ الضحى وأبو إسحاقَ والقمرُ

    فمن أمثلته في الوعظ قول أبي العلاء المعرّي:

    وكالنارِ الحياةُ فمِنْ رمادٍ أواخِرُها وأوّلها دُخانُ([25]).


    3) الأغراض البلاغيّة لتقديم معلّقات الفعل عليه:
    ذكر علماءُ البلاغة طائفةً من الدّواعي البلاغيّة لتقديم ما هو من متعلّقات الفعل على مرتبته، ويمكن أن تضاف إليه طائفةٌ أُخرى مما سبق عرضه في تقديم المسند إليه وتقديم المسند، وطائفة أخرى مما تتفق عنه قرائح البلغاء الفطناء.
    يُقصد من متعلقات الفعل المفعول به، والجار والمجرور، والظّرف، والمفعول المطلق، والمفعول معه، والمفعول لأجله، والحال، والتّمييز في أحوال قليلة ونادرة([26]).
    1. إرادة التّخصيص: وهو قصر الحكم (الناتج عن إسناد المسند إلى المسند إليه) على المتقدّم من متعلّقات الفعل على الفعل أو ما في معناه، ممّا يعمل عمله، وتُساعد القرائن على اكتشاف إرادة التّخصيص.
    مثل: قوله تعالى: {إيّاك نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نسْتَعِينُ} فـ{إيّاك}الأولى: مفعول به مقدّم للفعل {نعبد} و{إيّاك} الثّانية مفعول به مقدّم للفعل {نستعين}.
    وقد أفاد هذا التّقديم تخصيصَ وحصر عبادة العابد الّذي يتلو هذه الآية بالله عزّ وجلّ، المخاطب بضمير الخطاب {إيّاك} وتخصيص وحصر استعانته به إذا استعان.
    2. الاهتمام بشأن المقدّم، أو الإشعار بالاهتمام به، كقوله تعالى: {ولقدْ ءَاتَيْنا موسى الكتابَ فلا تِكُنْ في مِرْيةٍ من لِقائه وجَعلْناه هدىً لبني إسرائِيلَ* وجعلنا منهُم أئِمّةً يهدونَ بأمرِنا لمّا صبروا وكانوا بآياتنا يوقِنُونَ} فقوله تعالى: {بآياتنا} معمولٌ مقدّم على عامله وهو "يوقنون" وقدّم للإشعار بأهمية آيات الله في حياة البشر، وبقيمتها العظيمة في رحلة امتحانهم، فالإيقان بها هو الذي يُصحّح مسيرتهم ويقوّم سُلوكهم، وليس الغرض حصر الإيقان بها، فأركان الإيمان التي يجب الإيقان بها لا تقتصر على آيات الله.
    3. إرادة ردّ الخطأ في التّعيين أو الاشتراك، جواباً أو بياناً لمن ذكر أو ادّعى أو اعتقد ذلك.
    4. التنبيه على أنّ المقدّم هو مناط الإنكار أو الاستغراب أو الاستعظام أو لفت النظر أو نحو ذلك.
    كقول أبو العلاء المعرّي منكراً على من زعم أنّه يصدّق الواشي، ويُخّب السائل:

    أعندي وقد مارستُ كلَّ خفيّةٍ يُصدُّ واش أو يُخيّبُ سائلُ

    5. إرادة المبادرة إلى التلذّذ بذكر اسم المحبوب في الجملة، مثل أن يقول العاشق بشأن معشوقته هند: هنداً عشِقتُ وإنساناً بمقلتِها قلبي يُداعبُه بالضّمِّ والقبل
    6. إرادة المبادرة إلى التّبرّك بذكر اسم الرّبّ في الدّعاء مثل أن يقول الدّاعي:

    ربّي إنّي دعوْتُ وأرجو فيض رحمته وأن أنال لديه منتهى أملي

    7. إرادة التّهويل أوالتّخويف أو إلقاء الرّعب، إذا كان المتقدّم فيه ما يُخيف ويُرعِبُ، مثل: "بالحَديدِ المحميّ قيِّدوه، وإلى بئر التعذيبِ خذوه".
    8. مراعاة النّسق الجماليّ اللفظيّ، في قوافي الشعر، وسجع النثر.
    ملحوظة:إذا كان العامل منفيّاً وقدّم عليه المعمول كانت دلالة التّقديم على التّخصيص والحصر أمراً لازماً، فلا يجوز أن يُتبع الكلام بما ينقضُ هذا الحصر، فلا يُقال على نحو: "مازيداً ضربتُ ولا غيرَه" لأنّ عبارة "ما زيداً ضربتُ" تدلُّ على تخصيص زيد بعدم ضربه، لكنّها تفيد أنّه قد ضرب غيره، فتأتي عبارة "ولا غيرَه" ناقضة للدّلالة التي أفادها التّخصيص([27]).

    4) الأغراض البلاغيّة لتقديم بعض معمولات الفعل في الجملة ولو تكافأت مراتبها:
    من شأن البليغ دائماً أن يتصرّف في رصف وترتيب عناصر جملته التي يُنشِئُها تصرّفاً حكيماً وفنّياًً، يراعي فيه جوانب بلاغيّة معنويّة، أو جوانب جماليّة معنويّة أو لفظيّة.
    فإذا كان لدى البليغ معنى يريد الدّلالة عليه، ولو على سبيل الإشارة، وهذا المعنى يمكن استفادته من تقديم عنصرمن عناصر جملته على عنصر آخر من عناصرها، فعل ذلك، ما لم يكن ممتنعاً في قواعد اللّغة العربيّة وضوابطها، حتى العناصر المتكافئة في المرتبة كالنّعوت فيما بينها، وكالمعطوفات المتعدّدات التي تعطف بالواو الّتي هي لمطلق الجمع، ولا تقتضي ترتيباً ولا تعقيباً، وكألفاظ التّوكيد المعنويّ، فإنّه يهتمُّ بأن يقدّم ويؤخِّر برؤىً بلاغيّة أدبيّة وفكريّة متى انقدحت لديه فكرة مناسبة، يمكن الدّلالة عليها بالتّقديم والتّأخير([28]).
    وفي مجال ترتيب عناصر الجمل في الكلام تظهر براعة كبار البلغاء والأدباء، وتتفاوت مراتبهم، وفوق كلّ القمم ترتقي جوانب الإعجاز القرآني في رصف عناصر الجملة، وترتيبها، في مجال فكريّ وبلاغيّ.
    وعلى دارس النص البليغ أن يبحث ليكتشف ما دعا منشئ الكلام إلى أن يقدّم وأن يؤخِّر، ولا سيّما حينما يأتي التّرتيب على خلاف الأصل، فمن الدّواعي هنا ما يلي([29]):
    1. أن يكون ذكر المقام أهمّ في نظر منشئ الكلام لغايةٍ ما يرْمي إليها.
    2. مراعاة التّرتيب الطّبيعي في المعاني، كأن يُقدّم في المتعاطفات بالواو اللّفظ الدّال على الإيمان على اللفظ الدّال على الإسلام، لأنّ الإيمان هو الأساس فلا يصحّ الإسلام ما لم يكن قائماً عليه.
    3. إرادة التّرقّي من الأدنى إلى الأعلى، أو العكس، أوإرادة البدء بالظّاهر، فما يتصل به، وهكذا تسلسلاً إلى الأسباب الباطنيّة الخفيّة، حتى السبب الأول، أو البدء بما هو الأساس فما يتصل به، وهكذا تدرّجاً إلى الأعلى فالأعلى حتى القمة.
    ومن أمثلة التّدرج من الأدنى إلى الأعلى قول الله عزّ وجلّ مبيّناً مراتب ودرجات المؤمنين:{ثُمَّ أَوْرَثْنا الكِتَابَ الَّذينَ اصْطَفَينَا مِنْ عِبَادِنا فمنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفسِه ومنْهُمْ مُقْتَصِدٌ ومنْهُم سابِقٌ بِالخَيْراتِ بإذْنِ اللهِ ذَلِك هُو الفَضْلُ الكَبِيرُ}([30]).والأغراض الدّاعية إلى ذلك لا تحصر، فمنها بيانٌ لفكرة ومنها ماهو الأفضل في التّعليم، ومنها ما يُحقّق فوائد تربويّة ومنها جماليٌّ فنيٌّ، إلى غير ذلك.
    ومن أساليب العرب أن يبدؤوا في المدح بالصّفة الدّنيا، ثمَّ يرتقوا إلى الأعلى فالأعلى، أو أن يبدؤوا في الذّم بالصّفة الأخسّ، ثمّ يذكروا الأخفّ فالأخفّ.
    وجاء في تعبير القرآن المجيد تقديم الأشياء الصّغيرة على الكبيرة، للدّلالة على تأكيد الشمول، من خلال الإشعار بالإهتمام بالصّغير، وأنّه ليس ممّا يُهمل ويُتَسامح بعدم العناية به، كقوله تعالى:{وكلُّ شَيْءٍ فَعَلوهُ في الزُبَر* وكُلُّ صغيرٍوكبِيرٍ مُسْتطَرٌ}([31]) فدلّ تقديم {صغير} على أنّ الشّمول في كتابة كلِّ الأفعال متحقّق دون استثناء ما يراه الإنسان صغيراً محتقراً.
    وجاء في القرآن البدء بمن يحتلّ الدّرجة العليا، فمن يحتلّ الدّرجة الّتي دونها، فمن يحتلّ الدّرجة التّالية، ومنه قوله عزّ وجلّ: {لَقَدْ تَابَ اللهُ عَلَى النَّبِيِّ والمُهَاجِرينَ وَالأَنصَارِ الَّذِينَ اتّّبَعُوه فِي سَاعَة ِ العُسرَةِ}([32]) فبدأ بالنبيّ، وعطف عليه المهاجرين، وعطف عليهم الأنصار الّذين اتّبعوا الرّسول في ساعة العسرة، مراعاةً لأفضليّة المراتب والدّرجات.
    4. التّخلّص ممّا يوهم معنى غير مرادٍ في دلالات الكلام، ومن أمثلته قوله تعالى:{وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فرْعَوْنَ يَكْتُمُ إيمَانَهُ أتَقْتُلُونَ رجُلاً قَالَ رَبّيَ اللهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالبَيِّناتِ مِنْ ربِّكُمْ}([33]).
    عبارة {مِنْ آلِ فرْعَوْنَ } نعت لـ{ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ }.
    وعبارة{يَكْتُمُ إيمَانَهُ } نعت أيضاً لـ{ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ }.
    وهذان النّعتان متكافئان في الرّتبة، فليس أحدهما أولى بالتّقديم من الآخر، لكنّ تقديم عبارة {يَكْتُمُ إيمَانَهُ} يوهِمُ أنّ الجارّ والمجرور معلّقان بالفعل "يكتم" من أنّهما معلّقان بمحذوف هو صفة لـ{ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ} فرفع تقديمها هذا الإيهام، وجاء البيان سليماً واضحاً.

    5) أهمّ الأغراض البلاغيّة للتّقديم والتّأخير عموماً:
    وخلاصة الأمر أَنّ للتّقديم والتّأخير أغراضاً كثيرة وقف عندها البلاغيّون وعدّدوها، وكلّ معنى من هذه المعاني يؤثّر تأثيراً كبيراً على المعنى الذي قصد إليه المتكلّم عبر انزياحه دلاليّاً من الصيغة الوضعيّة الأصليّة التي عدل عنها إلى أخرى تلائم السّياق الذي وردت فيه وتلائم غرض المتكلّم من ورائها، ومن هنا تعدّدت الأغراض البلاغيّة واتّسعت دائرتها وبلغت عدداً كبيراً كلٌّ بحسب الحال ومقتضى الحال ومطابقة الكلام لمقتضى الحال.
    ومن هنا فإنّ أهمّ الأغراض البلاغيّة التي وردت وذكرها البلاغيّون تتلخّص بما يلي([34]):
    1. تعجيل المسرّة: إذا كنت تريد أن تخبر إنساناً خبراً مفرحاً، كقولك: "نجاحك مضمون أيُّها المجتهد في الامتحان".
    2. تعجيل المساءة أو النّكاية: كقولك "راسب أنت في الامتحان".
    3. التلذّذ: مثل "ربحت أخيراً".
    4. النصّ على عموم السلب بتقديم أداة العموم (كل أو جميع) على أداة النفي، كقولك: "كلّ ظالمٍ لا يفلح".

    5. النصّ على سلب العموم، بتقديم أداة النفي على أداة العموم كقول الشاعر:

    *ما كلُّ ما يتمنّى المرء يدركه*

    6. الإنكار والغرابة: كقول الشاعر:

    أبعد المشيب المنقضي في الذوائب تحاول وصل الغانيات الكواعب؟

    7. التّخصيص بالمسند إليه: نحو قوله تعالى: للَّهِ ملْكُ السَّمَواتِ والأرضِ وما بَيْنَهُما}.
    8. التّشويق إلى المتأخّر: كقول المعرّي:

    غير مجدٍ في ملّتي واعتقادي نوح باكٍ ولا ترنّم شادِ

    لكنّ هذه الأغراض كلّها تنضوي تحت قولنا: إنّ المتقدّم هو الذي يتركّز الاهتمام حوله، فيلفت الأنظار إليه، والمتأخر هو الّذي يليه في الأهميّة.
    والتَّقديم والتَّأخير وجهان من وجوه البلاغة يفيدان زيادة الإيضاح، وتقوية المعنى، وتحسين الكلام وتهذيب العبارة و إغناءها بالسّلاسة والعذوبة وجمال الجرس والإيقاع.

    هـ- أثر التقديم والتأخير في توجيه المعاني وتنوّع الدلالات: "آيتانِ قرآنيّتانِ كريمتانِ نموذجاً"
    وسأَعرض تأخير الجارّ والمجرور المُمْتَنِع بسبب اللَّبْس من خلال آيتين كريمتين، وقف عندهما عُلَمَاء النَّحْو والبلاغةِ طويلاً:

    أَمَّا الأُولى، فقوله تعالى: {وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ}([35])؛ إذ جعلوها مثالاً على أَنَّ تأخير الجار والمجرور يخلّ ببيان المعنى، يقول الزّركشيّ: «فإنّه لو أخّر قوله: {مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ}، لَمَا فُهِمَ أَنَّهُ منهم»([36])؛ وذَلِكَ لأَنَّ في التَّأْخِير خيفةَ أَنْ يلتبس المعنى بغيره، فالرجل المقصود بالآية الكريمة هو من آل فرعون([37])، وقيل: كان ابن عمّ فرعون، وكان قبطيّاً([38])، وَعَلَيْهِ فَإِنَّ {مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ} متعلّق بصفة محذوفة من رجل، وَذَهَبَ السُّدِّيّ، والماورديّ إلى أَنَّ هَذَا الرجل كان إِسرائيليّاً يكتمُ إيمانَه من آل فرعون([39])، ففي الكلام على هَذَا تقديم وتأخير، والتَّقْدِيْر: "وقال رجل مؤمن يكتم إيمانه من آل فرعون"؛ فَمَنْ جعل الرجلَ قبطيّاً، فـ {مِنْ} عنده متعلّقة بمحذوف صفة لرجل، والتَّقْدِيْر: وقال رجل مؤمن منسوب من آل فرعون؛ أي من أهله وأقاربه، ومَنْ جعله إسرائيليّاً، فـ {مِنْ} متعلّقة بـ {يَكْتُمُ}، في موضع المفعول الثَّانِي له([40]). ونقل القُرْطُبِيّ عن القشيريّ: «ومَنْ جعله إسرائيلياً، ففيه بعد؛ لأَنَّهُ يقال "كَتَمَهُ أمرَ كذا"، ولا يقال "كَتَمَ مِنْهُ"، كقوله تعالى: {وَلاَ يَكْتُمُونَ اللّهَ حَدِيثًا}([41])، وأيضاً ما كان فرعون يحتملُ من بني إسرائيل مثل هَذَا القول»([42]).
    ومن يتدبّر معنى هَذِهِ الآية يدرك تماماً أَنَّهُ بالإعراب تتوضّح المعاني، وتنكشف الأغراض، فقد قدّم تعالى {مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ}، على: {يَكْتُمُ إِيمَانَهُ}؛ لئلا يظنَّ ظانٌّ أَنَّهُ متعلّق به فيلتبس المعنى، ويختلّ المقصود([43])، والَّذِي أكّد ذَلِكَ أَنَّ الفعل {يَكْتُمُ} يتعدى إلى مفعوله بنفسه، ولا يحتاج إلى حرف الجر {مِن}. ففي الآية السّابقة ثلاثة نعوت، قدّم أهمّها، وهو{مُّؤْمِنٌ}، وأخّر النَّعْت الجملة {يَكْتُمُ إِيمَانَهُ} منعاً من الالتباس، ومراعاةً لحسن النّظم معاً؛ إذ يمكنُ إجمال صورالتَّركيب الممكنة فيما يأتي([44]):
    1ـ وقال رجلٌ مؤمنٌ من آلِ فرعونَ يكتمُ إيمانَهُ.
    2ـ وقال رجلٌ مؤمنٌ يكتم إيمانَهُ من آل فرعون.
    3ـ وقال رجل من آل فرعونَ مؤمنٌ يكتم إيمانَهُ.
    4ـ وقال رجل من آل فرعونَ يكتم إيمانَهُ مؤمنٌ.
    5ـ وقال رجلٌ يكتم إيمانَهُ من آل فرعون مؤمنٌ.
    6ـ وقال رجلٌ يكتم إيمانَهُ مؤمنٌ من آل فرعونَ.
    فَمِنْ هَذِهِ الجملِ الستّ، الجملةُ الثَّانِيةُ والخامسةُ ممنوعتانِ، لوقوعِ الالتباسِ فيهما، والثَّالِثةُ والرَّابِعةُ والسَّادِسةُ جائزاتٌ بحسب اللُّغَة، إلاّ أَنَّ البلاغة تنكرهنّ لتقدّم غير الأهمّ فيهنّ على الأهمّ([45]).
    وأمّا الآية الثَّانِية، فقوله تعالى: {وَقَالَ الْمَلَأُ مِن قَوْمِهِ الَّذِيْنَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاء الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا}([46])بتقديم {مِن قَوْمِهِ}على الوصف{الَّذِيْنَ كَفَرُوا}؛ إذ جعلوها مثالاً على أَنَّ تأخير الجار والمجرور يخلّ بالمقصود، يقول الزّركشيّ: «ولو تأخّر، لَتُوُهِّمَ أَنَّهُ من صفةِ الدّنيا؛ لأَنَّهَا هَهُنَا اسم تفضيل من الدّنوّ، وليست اسماً، والدّنوُّ يتعدّى بـ "مِنْ"، وحينئذٍ يشتبه الأمر في القائلين إنّهم أَهُمْ: مِنْ قومه أم لا؟ لاشتمال التَّأْخِير على الإخلال ببيان المعنى المقصود، وهو كون القائلين من قومه... وحين أَمِنَ هَذَا الإخلال بالتَّأْخِير، قال تعالى في موضعٍ آخر من هَذِهِ السورة([47]).{فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِيْنَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ}([48])، بتأخير المجرور عن صفة المرفوع»([49])،ولَعَلَّ هَذَا، ومثلَه ما دفع الإمام مالك إلى القول: «لا أُوْتَى برجلٍ غيرِ عالمٍ بلغاتِ العربِ، يفسّرُ كتابَ اللهِ، إِلاَّ جَعَلْتُهُ نكالاً»([50]).

    وممّا سبقت دراستُهُ يتّضحُ لنا أنَّ هذه الدّراسة قد خرجت بنتائج مهمّة ومفيدة يمكن أن أجملها فيما يأتي:

    ‌أ- إنّ عناصر الجملة في اللسان العربي تأتي على الأصل الذي وُضِع لها، وقد تُخالِف هذا الأصل؛ لدواعٍ بلاغيّة عدّدها العلماء، واختلفوا في عددها، واختلفوا في تلك الدواعي البلاغية.
    ‌ب- والشرط الأساس للتقديم والتأخير ألاّ يُحدِث لبساً في المعنى الذي قُصِد، فإن أَحدَث لبساً امتنع التقديم والتأخير ووجب الحفاظ على الرتب النحوية فيتقدّم ما حقّه التقديم ويتأخّر ما حقّه التأخير.
    ‌ج- واختيار المتكلّم لما يقدّمه أو يؤخّره إنّما يكون مرتبطاً بالحالة النفسيّة والشعوريّة لديه، وبالمقام الذي يكون فيه، فلكلّ مقامٍ مقال.
    ‌د- إنّ على الدارس لهذه الظواهر لدى تحليله للقرآن الكريم، أو لشعر الشعراء، أو لغيرهما من النصوص والمقالات، أن يعرف المقام الذي قيل فيه ذلك الكلام.

    ز‌- المصادر والمراجع:
    1) القرآن الكريم.
    2) أبو حاقة، د.أحمد، البلاغة والتحليل الأدبي، ط1، دار العلم للملايين، بيروت، 1988.
    3) البيهقيّ، أحمد بن الحسين، الجامع لشعب الإيمان، تحـ. د. عبد العليّ عبد الحميد حامد، ط1، مكتبة الرّشد، المملكة العَرَبِيَّة السعوديّة، 1423هـ-2003م.
    4) الجاحظ، أبو عثمان عمرو بن بحر، البيان والتّبيين، تحـ. عبد السّلام هارون،ط5، مكتبة الخانجيّ، القاهرة، 1405هـ-1985م.
    5) الزّركشيّ، بدر الدِّين محمّد، البُرهان في علوم القرآن، تحـ. محمّد أبو الفضل إبراهيم، ط2، المكتبة العصريّة، صيدا- بيروت.
    6) سلّوم، تامر، علم المعاني قراءة ثانية للتشكيل النحوي، منشورات جامعة تشرين، اللاذقيّة، 1417هـ-1996م.
    7) السُّبْكيّ، بهاء الدين، عروس الأفراح في شرح تلخيص المفتاح، مطبعة عيسى البابيّ الحَلَبِيّ وشركاه، القاهرة، د.ت.
    8) الشَّوْكَانِيّ، محمّد بن عليّ، فتح القدير الجامع بين فنّي الرّواية والدّراية من علم التَّفسير، ضبطه وصحّحه أحمد عبد السّلام، ط1، دار الكتب العلمِيَّة، بيروت-لبنان، 1415هـ-1994م.
    9) صمود، حمادي، التّفكير البلاغيّ عند العرب أسسه وتطوّره إلى القرن السَّادِس الهجريّ، منشورات الجامعة التّونسيّة، تونس، 1981.
    10) ضومط، جبر ميخائيل، الخواطر الحسان في المعاني والبيان، لم تذكر على الكتاب دار النّشر، ولا البلد، ولا التّاريخ.
    11) القاسميّ، محمّد جمال الدِّين، تفسير القاسميّ المُسَمَّى محاسن التَّأوِيل، ضبطه وصحّحه محمّد باسل عيون السود، دار الكتب العلمِيَّة، بيروت-لبنان، 1418هـ-1997م.
    12) القُرْطُبِيّ، أَبُو عَبْدِ اللهِ مُحَمَّد، الجامع لأحكام القرآن، 1413هـ-1991م، مج8، دار الكتب العلميّة، بيروت- لبنان.
    13) الماورديّ، عليّ بن محمّد، تفسير الماورديّ (النّكت والعيون)، تحـ. السّيّد بن عبد المقصود بن عبد الرّحيم، دار الكتب العلمِيَّة، بيروت-لبنان، د.ت.
    14) المراغي، أحمد مصطفى، علوم البلاغة البيان والبديع والمعاني، ط1، المكتبة العصريّة، بيروت، 1425هـ-2004م.
    15) مطره جي، ياسر محمّد، أثر الاختلاف في الأوجه الإعرابية في تفسير الآيات القرأنية (رسالة ماجستير)، إشراف د. سامي عوض، مكتبة جامعة تشرين، اللاذقيّة، 2006-2007م.
    16) الميداني، عبد الرّحمن حسن حبنّكة، البلاغة العربيّة أسسها وعلومهاوفنونها وصور من تطبيقاتها بهيكلٍ جديد من طريف وتليد، ط2، دار القلم، دمشق، 1428هـ-2007م.


    ([1]) الميداني، عبد الرّحمن حسن حبنّكة، البلاغة العربيّة أسسها وعلومهاوفنونها وصور من تطبيقاتها بهيكلٍ جديد من طريف وتليد، ج1، ط2، دار القلم، دمشق، 1428هـ-2007م، ص145.

    ([2]) المرجع السابق، ج1، ص145.

    ([3]) المرجع نفسه، ج1، ص350.

    ([4]) المراغي، أحمد مصطفى، علوم البلاغة البيان والبديع والمعاني، ط1، المكتبة العصريّة، بيروت، 1425هـ-2004م، ص86.

    ([5]) المرجع السابق، ص86.

    ([6]) سلّوم، تامر، علم المعاني قراءة ثانية للتشكيل النحوي، منشورات جامعة تشرين، اللاذقيّة، 1417هـ-1996م، ص48.

    ([7]) سورة، المائدة، الآية 120.

    ([8]) المراغي، أحمد مصطفى، علوم البلاغة البيان والبديع والمعاني، ص86-87.

    ([9]) سورة القيامة،الآيتان 22-23.

    ([10]) سورةالزمر،الآية66.

    ([11]) مطره جي، ياسر محمّد، أثر الاختلاف في الأوجه الإعرابية في تفسير الآيات القرأنية (رسالة ماجستير)، إشراف د. سامي عوض، مكتبة جامعة تشرين، اللاذقيّة، 2006-2007م، ص169.

    ([12]) الجاحظ، أبو عثمان عمرو بن بحر، البيان والتّبيين، تحـ. عبد السّلام هارون، ج1، ط5، مكتبة الخانجيّ، القاهرة، 1405هـ-1985م، ص138.

    ([13]) صمود، حمادي، التّفكير البلاغيّ عند العرب أسسه وتطوّره إلى القرن السَّادِس الهجريّ، منشورات الجامعة التّونسيّة، تونس، 1981، ص516-517.

    ([14]) سورة يس، الآية 19.

    ([15]) ضومط، جبر ميخائيل، الخواطر الحسان في المعاني والبيان، لم تذكر على الكتاب دار النّشر، ولا البلد، ولا التّاريخ، ص65.

    ([16]) مطره جي، ياسر محمّد، أثر الاختلاف في الأوجه الإعرابية في تفسير الآيات القرأنية (رسالة ماجستير)، إشراف د. سامي عوض، مكتبة جامعة تشرين، اللاذقيّة، 2006-2007م، ص170.

    ([17]) الميداني، عبد الرّحمن حسن حبنّكة، البلاغة العربيّة أسسها وعلومهاوفنونها وصور من تطبيقاتها بهيكلٍ جديد من طريف وتليد، ج1، ص359.

    ([18]) أبو حاقة، د.أحمد، البلاغة والتحليل الأدبي، ط1، دار العلم للملايين، بيروت، 1988م، ص99.

    ([19]) المرجع السابق، ص100.

    ([20]) الميداني، عبد الرّحمن حسن حبنّكة، البلاغة العربيّة أسسها وعلومهاوفنونها وصور من تطبيقاتها بهيكلٍ جديد من طريف وتليد، ج1، ص 364.

    ([21]) المراغي، أحمد مصطفى، علوم البلاغة البيان والبديع والمعاني، ص87.

    ([22]) الميداني، عبد الرّحمن حسن حبنّكة، البلاغة العربيّة أسسها وعلومهاوفنونها وصور من تطبيقاتها بهيكلٍ جديد من طريف وتليد، ج1، ص 367.

    ([23]) المرجع السابق، ج1، ص 376.

    ([24]) المرجع نفسه،ج1، ص 380.

    ([25]) المراغي، أحمد مصطفى، علوم البلاغة البيان والبديع والمعاني، ص91.

    ([26]) الميداني، عبد الرّحمن حسن حبنّكة، البلاغة العربيّة أسسها وعلومهاوفنونها وصور من تطبيقاتها بهيكلٍ جديد من طريف وتليد، ج1، ص 381.

    ([27]) الميداني، عبد الرّحمن حسن حبنّكة، البلاغة العربيّة أسسها وعلومهاوفنونها وصور من تطبيقاتها بهيكلٍ جديد من طريف وتليد، ج1، ص 384.

    ([28]) المرجع السابق، ج1، ص 390.

    ([29]) المرجع نفسه، ج1، ص 390-395.

    ([30]) سورة فاطر، الآية 32.

    ([31]) سورة القمر، الآيتان 52-53.

    ([32]) سورة التوبة، الآية117.

    ([33]) سورة غافر، الآية28.

    ([34]) أبو حاقة، د.أحمد، البلاغة والتحليل الأدبي، 1988م، ص102.

    ([35]) سورة غافر، الآية 28.

    ([36]) الزّركشيّ، بدر الدِّين محمّد، البُرهان في علوم القرآن، تحـ. محمّد أبو الفضل إبراهيم، ط2، المكتبة العصريّة، ج3، صيدا- بيروت ، ص149.

    ([37]) القاسميّ، محمّد جمال الدِّين، تفسير القاسميّ المُسَمَّى محاسن التَّأوِيل، ضبطه وصحّحه محمّد باسل عيون السود، ج8، ط1، دار الكتب العلمِيَّة، بيروت-لبنان، 1418هـ-1997م، ص29.

    ([38]) الشَّوْكَانِيّ، محمّد بن عليّ، فتح القدير الجامع بين فنّي الرّواية والدّراية من علم التَّفسير، ضبطه وصحّحه أحمد عبد السّلام، ج4، ط1، دار الكتب العلمِيَّة، بيروت-لبنان، 1415هـ-1994م، ص610.

    ([39]) الماورديّ، عليّ بن محمّد، تفسير الماورديّ (النّكت والعيون)، تحـ. السّيّد بن عبد المقصود بن عبد الرّحيم، ج5، دار الكتب العلمِيَّة، بيروت-لبنان، د.ت، ص152.

    ([40]) القُرْطُبِيّ، أَبُو عَبْدِ اللهِ مُحَمَّد، الجامع لأحكام القرآن، 1413هـ-1991م، مج8، ج15، دار الكتب العلميّة، بيروت- لبنان، ص200.

    ([41]) سورة النساء، الآية 42.

    ([42]) القُرْطُبِيّ، أَبُو عَبْدِ اللهِ مُحَمَّد، الجامع لأحكام القرآن، مج8، ج15، ص200.

    ([43]) السُّبْكيّ، بهاء الدين، عروس الأفراح في شرح تلخيص المفتاح، ج2، مطبعة عيسى البابيّ الحَلَبِيّ وشركاه، القاهرة، د.ت، ص66-67.

    ([44]) مطره جي، ياسر محمّد، أثر الاختلاف في الأوجه الإعرابية في تفسير الآيات القرأنية (رسالة ماجستير)، إشراف د. سامي عوض، مكتبة جامعة تشرين، اللاذقيّة، 2006-2007م، ص170.

    ([45]) ضومط، جبر، الخواطر الحسان، ص66-67.

    ([46]) سورة المؤمنون، الآية 33.

    ([47]) مطره جي، ياسر محمّد، أثر الاختلاف في الأوجه الإعرابية في تفسير الآيات القرأنية (رسالة ماجستير)، إشراف د. سامي عوض، مكتبة جامعة تشرين، اللاذقيّة، 2006-2007م، ص171.

    ([48]) سورة المؤمنون، الآية 24.

    ([49]) الزّركشيّ، بدر الدِّين محمّد، البُرهان في علوم القرآن، ج3، ص150.

    ([50]) البيهقيّ، أحمد بن الحسين، الجامع لشعب الإيمان، تحـ. د. عبد العليّ عبد الحميد حامد، ج3، ط1، مكتبة الرّشد، المملكة العَرَبِيَّة السعوديّة، 1423هـ-2003م، رقم (2090)، ص543.
    المصدر: منتديات حطين

  4. salma

    salma عضو مهمّ

    988
    120
    43
    الدّولة:
    تونس
    الولاية:
    نابل
    المستوى الدّراسي:
    جامعي
    الاختصاص:
    علوم
    المهنة:
    طالبة
    التقديم و التأخير

    أسلوب التقديم والتأخير
    الخبر : هو الجزء المكمل للفائدة , أو هو الحكم الذي يطلق على المبتدأ , وللخبر ثلاثة أنواع :

    ‌أ. الخبر المفرد : ( محمدٌ رسولُ اللهِ ) , الله أكبر , باب الدار مفتوحٌ . والمقصود بالخبر المفرد هنا أن لا يكون جملة أو شبه جملة .
    ‌ب. الخبر جملة ( اسمية أو فعلية ) : مثال الاسمية : الغضبُ آخرهُ الندمُ , محمدٌ خلُقُهُ كريمٌ ,
    مثال الفعلية : محمدٌ يقولُ الحقَ , الطالبُ يقرأُ الدرسَ .
    ‌ج. الخبر شبه جملة ( جار ومجرور أو ظرف ) : مثال :
    مثال الخبر جار ومجرور: عليٌ في الدارِ , العلمُ في الصدورِ .
    مثال الخبر ظرف : الصومُ يومَ الجمعة , الجنة تحت أقدام الأمهات .

    [​IMG] وجوب تقديم الخبر على المبتدأ :
    يتقدم الخبر على المبتدأ وجوباً في المواضع الآتية :

    1. إذا كان في المبتدأ ضميراً عائداً على بعض الخبر . مثال :
    قوله [​IMG] : [​IMG]أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا[​IMG] (24) سورة محمد .
    سؤال / في النص الكريم تقديم , دلّ عليه ذاكراً نوعه وحكم تقديمه والسبب ؟

    جواب / التقديم : على قلوبٍ , نوعه : تقديم الخبر على المبتدأ , حكمه : وجوباً , السبب : لأن في المبتدأ ضمير يعود على بعض الخبر .
    الإعراب : على: حرف جر ،
    قلوب : اسم مجرور،
    أقفال : مبتدأ مرفوع وهو مضاف . الهاء : مضاف إليه ،شبه الجملة من الجار والمجرور في محل رفع خبر مقدم للمبتدأ .

    وقولنا : للحرية ثمنها ، للجهاد رجاله.

    2. إذا كان الخبر من أسماء الاستفهام ، لان أسماء الاستفهام لها الصدارة في الكلام ، بشرط أن يأتي بعدها احد أنواع المعارف . كقوله [​IMG] [​IMG]وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى[​IMG] (17) سورة طـه .
    ما : اسم استفهام مبني في محل رفع خبر مقدم .

    وقوله [​IMG] : [​IMG]يَقُولُ الْإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ[​IMG] (10) سورة القيامة .

    وقول أبي تمام :

    أين الرواية بل أين النجوم وما صاغوه من زخرف فيها ومن كذب

    3. إذا كان المبتدأ نكرة غير مخصصة ، والخبر شبه جملة ( جار ومجرور أو ظرف) ، ونقصد بالنكرة غير المخصصة : هي النكرة غير الموصوفة أو غير المضافة .
    قال [​IMG] :[​IMG]لَهُم مَّا يَشَاؤُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ[​IMG] (35) سورة ق ، لدينا خبر ظرف .
    وقوله [​IMG]: [​IMG]فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللّهُ مَرَضاً [​IMG] (10) سورة البقرة .
    وقوله [​IMG] : [​IMG]وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ [​IMG] (5) سورة النحل .
    في : حرف جر ، والهاء: ضمير متصل مبني في محل جر ،

    دفءٌ : مبتدأ نكرة غير مخصصة ، شبه الجملة في محل رفع خبر .

    4. إذا كان الخبر محصوراً أو مقصوراً على المبتدأ ، ويكون القصر بـ :
    أ- ( إنما + الخبر+ المبتدأ المؤخر ) .
    كقوله [​IMG] :[​IMG]إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ [​IMG] (10) سورة الحجرات .
    وقولنا : إنما في البيت عليٌ .
    ب- ( أداة نفي + الخبر + إلاّ + المبتدأ المؤخر )
    كقوله [​IMG] : [​IMG] إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ [​IMG] (48) سورة الشورى .
    وقولنا : ما ناصحٌ إلا المعلمُ ، ما ناجحٌ إلا المُجّدُ .
    [​IMG] قال [​IMG] : [​IMG]إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ [​IMG] (55) سورة المائدة . وزاري
    سؤال / ما رأي النحاة في حكم تقديم الخبر ؟ معللاً .
    جواب / واجب التقديم ، لان الخبر ( وليكم ) مقصوراً بـ ( إنما ) على المبتدأ .

    [​IMG] ملاحظة : يتقدم الخبر على المبتدأ وجوباً في صيغة التعجب السماعية ( لله درُ) وذلك إذا كان الخبر مؤدياً إلى إخفاء المعنى المراد من الجملة وهو التعجب .
    قال الشاعر :
    لله درهمُ من فتية صبروا ما إن رأيت لهم في الناس أمثالا
    سؤال/ ما حكم تقديم الخبر ، وضح ذلك ؟
    جواب/ الخبر ( لله ) شبه الجملة من الجار والمجرور ، وحكمه : واجب التقديم ، السبب : لان الخبر مؤدياً إلى إخفاء المعنى المراد وهو التعجب .

    حالات جواز التقديم

    1. اذا اتصل بالمبتدأ ضمير لا يعود على بعض الخبر
    كقوله [​IMG] : [​IMG]يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا  فِيمَ أَنتَ مِن ذِكْرَاهَا  إِلَى رَبِّكَ مُنتَهَاهَا[​IMG] النازعات (42-44) .
    سؤال / فيما تحته خط تقديم بين حكمه ذاكراً السبب ؟
    جواب / تقديم الخبر على المبتدأ , حكمه : جائز , السبب: لأن الهاء في منتهاها لم يعد على الخبر ( الى ربك ) وانما عاد على الساعة .
    وقولنا : للجهاد رجالنا .

    2. اذا كان المبتدأ نكرة مخصصة ( أي مضاف او موصوف ) .كقوله [​IMG] [​IMG] وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ [​IMG] حكم التقديم جائز :لان المبتدأ نكرة موصوفة. لهم: شبه جملة جار ومجرور . عذاب : مبتدأ مرفوع . أليم : صفة العذاب
    وقوله [​IMG] [​IMG]فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ[​IMG] المبتدأ نكرة موصوفة
    وقولنا / في الصف طالبُ جيدُ

    3. اذا كان المبتدأ معرفة ولم يكن هناك لبس في الكلام . كقوله [​IMG] [​IMG] لِلَّهِ الْأَمْرُ [​IMG]
    حكم التقديم جائز. السبب لان المبتدأ معرفة.

    تقديم المفعول به على فعله

    يكون ترتيب الجملة الفعلية في اللغة العربية ( فعل + فاعل + مفعول به ) ولكن قد يتقدم المفعول به على فعله لأغراض منها : ( الاهتمام – التأكيد – التخصيص – العموم – الشمول ) ويقسم التقديم الى قسمين :

    1. وجوب التقديم :
    حالات وجوب التقديم هي :
    ‌أ. اذا كان المفعول به من الألفاظ التي لها الصدارة في الكلام مثل :
    ( أسماء الاستفهام : من – ما – ماذا – كم – أي )
    ( أسماء الشــــرط : من – ما – مهما - أيّما – أي )
    على شرط ان ياتي بعد هذه الأسماء فعل متعدي لم يستوفي مفعوله واليك الأمثلة :
    - قوله [​IMG] : [​IMG]وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَأَيَّ آيَاتِ اللَّهِ تُنكِرُونَ[​IMG] (81) سورة غافر .
    - قول الشاعر:
    أيّ محلٍ أرتقي أيّ عظيمٍ أتقي
    - وقول الآخر :
    يا دار ما فعلت بك الأيام ضامتك والأيام ليس تضام
    جميع الأسماء الاستفهامية التي وردت في الأمثلة السابقة اعربت مفعول به لانه تلاها فعل متعدي لم يستوفي مفعوله .
    الغرض او الغاية من التقديم هنا هو الشمول والعموم .
    ملاحظة :
    ( كم الخبرية ) حكمها في الاعراب نفس حكم (كم الاستفهامية) مثل قولنا :
    كم كتابٍ اشتريت . كم : مفعول به مقدم لأنه تلاها فعل متعدي لم يستوفي مفعوله .
    وقوله [​IMG] : [​IMG] أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ [​IMG] (28) سورة القصص .
    [​IMG]أَيًّا مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى [​IMG] (110) سورة الإسراء .
    [​IMG]وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللّهُ [​IMG] (197) سورة البقرة .
    [​IMG]وَمَن يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّضِلٍّ[​IMG] (37) سورة الزمر .
    جميع اسماء الشرط السابقة اعربت مفعول به لأنه تلاها فعل متعدي لم يستوفي مفعوله .
    الغرض من التقديم : الشمول والعموم .

    ‌ب. اذا كان المفعول به واقعاً في جواب (أما التفصيلية) وغير مفصول بينهما بفاصل . واليك الأمثلة :
    قوله [​IMG] : [​IMG]فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ  وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ[​IMG] (9-10) سورة الضحى .
    الغرض من التقديم : العناية والتوكيد .
    ملاحظة :
    اذا فصل بين (أما والمفعول به ) أي فاصل , فالتقديم يكون جائزاً ومثال ذلك قولنا :
    أما الآن واجبك فلا تمهل , حكم التقديم : جائز , لوجود فاصل بين (أما والمفعول به ) .

    ‌ج. اذا كان فعله فعل أمر مقترن بالفاء الواقعة في جواب أما المقدرة , واليك الأمثلة الآتية :
    قوله [​IMG] : [​IMG]وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ  وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ[​IMG] (3-4 ) سورة المدثر .
    وقوله [​IMG] : [​IMG]بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُن مِّنْ الشَّاكِرِينَ[​IMG] (66) سورة الزمر .
    والغرض من التقديم ( التوكيد والاهتمام ) .
    ملاحظة :
    اذا لم يقترن فعل الامر ( بالفاء ) يكون حكم التقديم جائز , مثل : الخير افعل .. افعل الخير .
    ‌د. اذا كان المفعول به ضميراً منفصلاً , لو تأخر عن فعله لوجب اتصاله , واليك الأمثلة :
    - يا قلب مالي اراك لا تقرُ اياك اعني وعندك الخبر
    - قوله [​IMG] : [​IMG]إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ[​IMG] (5) سورة الفاتحة .
    - قوله [​IMG]: [​IMG] وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ[​IMG] (40) سورة البقرة .
    - إياك أعني واسمعي يا جارة .
    - لو كان في الألف منا واحد فدعوا من فارسٌ ؟ خالهم اياه يعنونا
    الغرض من التقديم التحضيض .
    2. جواز التقديم :
    يتقدم المفعول به على فعله ويتأخر في الحالات السابقة اذا لم يكن هناك ما يوجب التقديم . واليك الأمثلة :
    - الخير افعل .. افعل الخير .
    - وقوله [​IMG] : [​IMG] فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ[​IMG] (87) سورة البقرة .
    ويكون الغرض في حالات جواز التقديم هو : (التوكيد بالقصر ) بتقديم ما حقه التأخير .
  5. salma

    salma عضو مهمّ

    988
    120
    43
    الدّولة:
    تونس
    الولاية:
    نابل
    المستوى الدّراسي:
    جامعي
    الاختصاص:
    علوم
    المهنة:
    طالبة
    التقديم و التأخير في بلاغة العرب: أسبابه و مواضعه

    الـتقديـم والتأخيـر في بلاغــة العرب : أسبابـه ومواضعـه
    [ منقول عن مجلّة ضفاف الإبداع ]

    بقلم: عبد الكريم الدخيسي(باحث من المغرب)
    عناصر الدراسة:
    • تقديم لابد منه .
    • تعريف التقديم و التأخير.
    • فائدته .
    • أقسام التقديم …
    • أسباب ورود التقديم و التأخير .
    • مواضع التقديم و التأخير .
    • على سبيل الختم .
    العرض :
    1- تقديم لابد منه :
    لقد شرف الله اللغة العربية و خصها بالعديد من الميزات و لعل أهمها كونها اللغة التي نزل بها خاتمة كتبه السماوية .. وهي إلى ذلك تمتاز بتنظيم تركيبي عجيب ، جعل نظامها اللغوي فريدا من نوعه لدرجة أنك إذا أردت أن تعوض الكلمة الواحدة في التركيب بكلمة غيرها ، يستحيل أن تجد مثلها في ذلك الجمال و اللطف الذي تميزت به تلك الكلمة في ذلك التعبير ، سواء من حيث لفظها أو أداؤها المعنى المراد والمقصود بعينه.
    و قد تعددت مباحث اللغة العربية ، و تناولها علماؤنا بالكثير من التفصيل ، لدرجة يمكن أن نقول معها إن بعض المباحث و الأبواب قد قتلت بحثا ، و لكن الذي يختلف في هذه البحوث ، أو هذه المعالجات هو اختلاف درجة تناول المبحث أو الموضوع المتناول ، فقد يتناوله النحوي و البلاغي و الفيلسوف و المنطقي و غيرهم ، كل من زاوية رؤيته ، و حسب الأهداف التي سطرها ، و التي يريد تحقيقها من تناوله لذلك الموضوع .
    و التقديم و التأخير من الموضوعات التي نالت حظا وافرا من الحديث سواء من قبل النحويين أو من قبل البلاغيين الذين أولوها اهتماما زائدا لشرف اللغة التي يدرسون نظمها و تركيبها .
    و سندرس هذا الموضوع في إطار تناولنا للمسند والمسند إليه المعتبران ركنين أساسين في الجملة العربية.
    2- تعريف التقديم و التأخير :
    عندما نسمع `التقديم و التأخير` نعرف أننا بصدد الحديث في ترتيب عناصر الجملة العربية .و الجملة العربية إما فعلية و إما اسمية ، فإذا كانت فعلية فترتيب عناصرها واضح ، و الفعل هو المقدم في الترتيب على الأصل . أما إذا كانت اسمية و استوى طرفا التركيب و كانا معرفين معا ، فقد اختلف في أيهما يمكن أن تصدر به الجملة ، وأيهما تجعله خبرا ، فأما النحويون فلم يتعرضوا للتحديد ، بل تركوا للمتكلم الخيار ، و أجازوا أن يكون كل منهما هو المبتدأ والثاني هو الخبر ، و يعربون المقدم مبتدأ و المؤخر خبرا ، ” لكن البلاغيين بحثوا الأمر بحثا فكريا منطقيا دقيقا ، ناظرين إلى حال المخاطب ، و ما هو الأعرف لديه من ركني الإسناد اللذين هما من المعارف “ .
    و من هنا يأتي التعريف الذي يُعرًّف به التقديم و التأخير و هو :”مخالفة عناصر التركيب ترتيبها الأصلي في السياق ، فيتقدم ما الأصل فيه أن يتأخر ويتأخر ما الأصل فيه أن يتقدم . و الحاكم للترتيب الأصلي بين عنصرين يختلف إذا كان الترتيب لازما أو غير لازم ، فهو في الترتيب اللازم ( الرتبة المحفوظة) حاكم صناعي نحوي ، أما في غير اللازم ( الرتبة غير المحفوظة) ، فيكاد يكون شيئا غير محدد، و لكن هناك أسبابٌ عامة قد تفسر ذلك الترتيب ” .
    3- فائدة التقديم و التأخير :
    للتقديم و التأخير فوائد جمة تعبر عن مدى سعي العربية إلى تحصيل جمال التعبير و الصياغة قبل كل شيء ، و لو كان ذلك على حساب الترتيب الذي وضعه الأولون لتراكيبهم .
    يقول عبد القاهر الجرجاني رحمه الله متحدثا عن فائدته: ” هذا باب كثير الفوائد ، جم المحاسن ، واسع التصرف ، بعيد الغاية ، لا يزال يفتر لك عن بديعة ، و يفضي بك إلى لطيفة ، و لا تزال ترى شعرا يروقك مسمعه ، ويلطف لديك موقعه، ثم تنظر فتجد سبب أن راقك و لطُف عندك ، أن قدم فيه شيء و حول اللفظ من مكان إلى مكان ” .
    و قد تحدث غيره عن قيمة هذه الظاهرة في اللغة العربية بل وصفها بأنها” مظهر من مظاهر شجاعة العربية ؛ ففيها إقدام على مخالفة لقرينة من قرائن المعنى من غير خشية لبس ، اعتمادا على قرائن أخرى ، ووصولا بالعبارة إلى دلالات و فوائد تجعلها عبارة راقية ذات رونق و جمال”

    - أقسام التقديم:
    قسم الإمام الجرجاني التقديم إلى نوعين :
    1- ” تقديم على نية التأخير : و ذلك كل شيء أقررته مع التقديم على حكمه الذي كان عليه و في جنسه الذي كان فيه ، كخبر المبتدأ إذا قدمته على المبتدأ، و المفعول إذا قدمته على الفاعل
    منطلقٌ زيدٌ( و)ضرب عمرا زيدٌ(.
    2- تقديم لا على نية التأخير ، و لكن على أن تنقل الشيء عن حكم إلى حكم ، و تجعل له بابا غير بابه و إعرابا غير إعرابه ، و ذلك أن تجيء إلى اسمين يحتمل كل واحد منهما أن يكون مبتدأ و يكون الآخر خبرا له فتقدم تارة هذا على ذلك وأخرى ذاك على هذا ، و مثاله ما تصنعه بزيد و المنطلق ، حيث تقول مرة : ) زيدٌ المنطلقُ( وأخرى )المنطلقُ زيدٌ(. فأنت في هذا لم تقدم المنطلق على أن يكون متروكا على حكمه الذي كان عليه مع التأخير ، فيكون خبر المبتدأ كما كان ، بل على أن تنقله من كونه خبرا إلى كونه مبتدأ ، و كذلك لم تؤخر زيدا على أن يكون مبتدأ كما كان بل على أن تخرجه عن كونه مبتدأ إلى كونه خبرا.”
    و يضرب الجرجاني أمثلة أشد وضوحا على نماذج للتقديم بقوله :” و أظهر من هذا قولنا ضربتُ زيدا و زيدٌ ضربتُه ، لم تقدم زيدا على أن يكون مفعولا به منصوبا بالفعل كما كان ، و لكن على أن ترفعه بالابتداء ، و تشغل الفعل بضميره ، وتجعله في موضع الخبر له ”
    5- أغراض التقديم و التأخير :
    هناك العديد من الأسباب و الدواعي لتقديم المسند على المسند إليه لعل السبب المقدم عليها جميعا أن ذكره أهم من ذكر غيره، قال سيبويه في الكتاب ” و إن قدمت الاسم فهو عربي جيد، كما كان ذلك عربيا جيدا ، وذلك قولك : زيدا
    ضربت، والاهتمام والعناية هنا في التقديم و التأخير سواء ، مثله في ضرب زيد عمرا و ضرب عمرا زيد” .
    و هو ما أشار إليه الجرجاني بقوله:” و اعلم أن لم تجدهم اعتمدوا فيه شيئا يجري مجرى الأصل غير العناية والاهتمام. قال صاحب الكتاب و هو يذكر الفاعل و المفعول : كأنهم [إنما] يقدمون الذي بيانه أهم لهم و هم ببيانه أعنى، و إن كانا جميعا يُهمانِهم و يعنيانِهم ” .
    و قد عدد الإمام جلال الدين القزويني أسباب الورود التي نتحدث عنها و ذلك بعدما ذكر تقديم المسند إليه،قال فلكون ذكره أهم من ذكر غيره ، فذلك:
    أ‌- لكونه الأصل و لا مقتضى للعدول عنه.
    ب‌- لتمكين الخبر في ذهن السامع لأن في المبتدأ تشويقا إليه ..
    ت‌- لتعجيل المسرة أو المساءة للتفاؤل أو التطير .
    ث‌- لإيهام أنه لا يزول عن الخاطر ، أو أنه يستلذ به ، و قد يقوم المسند إليه بنحو ذلك من الأغراض.
    ج‌- قد يقوم المسند إليه بغرض تخصيصه بالخبر الفعلي ، و قصر هذا الخبر عليه … .
    و على هذه الأسباب مدار التقديم و التأخير ، و قد تكون هنالك أغراض أخرى تدعو إلى التقديم أو التأخير ، قد نعرج عليها فيما يلي من عناصر ، ضاربين لذلك أمثلة توضيحية .
    أ‌- الأغراض البلاغية لتقديم المسند:
    1- التخصيص و القصر :
    نحو قوله تعالى : (لله الأمر من قبل و من بعد )
    و قول الشاعر :
    عذبة ٌ أنتِ كالطفولة
    2- التفاؤل بما يسر المخاطب:
    نحو : ناجح أنت – نجحت العملية الفدائية / الجراحية
    3- إثارة الذهن و تشويق السامع :
    مثل قوله تعالى
    إن في خلق السموات و الأرض و اختلاف الليل و النهار لآيات لأولي الألباب ) (آل عمران/190).
    4- التعجب :
    مثل : لله درك!
    5- المدح :
    مثل : نعم البديل من الزلة الاعتذار
    6- الذم :
    مثل : بئس الرجل الكذوب.
    7- التعظيم :
    نحو :عظيم أنت .
    8- مراعاة توازن الجملة و السجع :
    نحو
    خذوه فغلوه ثم الجحيم صلوه) (الحاقة:30-31).
    ب‌- الأغراض البلاغية لتقديم المسند إليه:
    يقول السكاكي :”و أما الحالة التي تقتضي تقديمه على المسند فهي : متى كان ذكره أهم ، يقع باعتبارات مختلفة : إما لأن أصله التقديم و لا مقتضى للعدول عنه ، …، و إما لأنه متضمن للاستفهام ، .. و إما لتضمنه ضمير الشأن و القصة .. و إما لأن في تقديمه تشويقا للسامع إلى الخبر ليتمكن في ذهنه إذا أورده…” .
    و هناك من ذكر غير هذا فتأمله
    1- التشويق إلى الكلام المتأخر:
    نحو قول الشاعر :
    ثلاثة ليس لها إياب الوقت و الجمال و الشباب
    2- تعجيل المسرة:
    نحو قوله تعالى
    جنات عدن يدخلونها) (الرعد:23، فاطر : 33، النحل : 31).
    3- تعجيل المساءة:
    مثل :السجن عشرون عاما لقاتل الطفلة .
    4- للتبرك به:
    نحو :الله سندي . و نحو : الله غايتنا و الرسول قدوتنا و القرآن دستورنا و الموت في سبيل الله أسمى أمانينا.
    5- تقوية الحكم و تقريره :
    مثل
    و الذين هم بربهم لا يشركون) (المؤمنون:59).
    و بالعودة إلى ما كتب حول الأغراض البلاغية من التقديم و التأخير .. في كتب البلاغة قديمها و حديثها نلاحظ أن هناك عددا آخر من الأغراض نضرب عنها صفحا و نكتفي بما قلنا .
    6- مواضع التقديم و التأخير:
    أ‌- ما يجب تقديمه و لو تأخر لفسد معناه:
    1- تقديم المفعول به على فعله، كقولك : زيدا ضربت ، و فيه تخصيص له بالضرب دون غيره . و هذا الذي ذهب إليه المؤلف رأي أغلب علماء البيان.
    2- تقديم خبر المبتدأ عليه نحو: قائم زيد ، ..فإنك إذا أخرت الخبر فليس فيه إلا الإخبار بأن زيدا قائم لا غير من غير تعرض لمعنى آخر من المعاني البليغة .
    3- الظرف، و الغالب أنه يرد للدلالة على الاختصاص كقوله تعالى : (إن إلينا إيابهم ثم إن علينا حسابهم)
    (الغاشية 25-26) .
    4- الحال فإنك إذا “قدمته فقلت : جاء ضاحكا زيدٌ فإنه يفيد أنه جاء على هذه الصفة مختصا بها “ .
    5- الاستثناء في نحو قولك : ” ما ضربت إلا زيدًا أحدًا ، فإنك إذا قدمته فانه يفيد الحصر” .
    و الملاحظ أن استفاضة الإمام عبد القاهر الجرجاني في البحث عن بالشواهد و الأمثلة سواء القرآني منها أو الشعري للتدليل على هذه الأغراض إنما كان المراد به إثبات الحضور القوي لهذه النماذج التي ادعى البعض من البلاغيين أن الغاية الأولى من التقديم و التأخير هي الاهتمام فقط . و لعل المتفحص لكتاب الدلائل يلحظ هذا الكم الهائل من الأمثلة التي ساقها المصنف رحمه الله .
    ب‌- ما يجوز تقديمه و لو تأخر لم يفسد معناه :
    و يقصد به كل كلام ورد فيه ذكر لشيئين أو أكثر ، و جاءت المذكورات متتالية ، فإن ترتيبها ذاك يكون لغاية معينة، و غالبا ما يكون الترتيب بذكر الأشرف فالأشرف ، و لو قدم المتأخر ما كان ذلك معيبا ، أو لو عكس الترتيب ما أخل بمعنى العبارة.انظر قوله تعالى فيما يلي : ( و ما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض و لا السماء)( يونس:61) وقوله تعالى[​IMG] لا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات و لا في الأرض)(سبأ:3). فقدم سبحانه مرة الأرض و في آية أخرى قدم السماء و الترتيب كما قلنا إنما يكون بحسب رغبة المتكلم لا غير ، أو كما يقول صاحب الطراز :” فأنت ههنا بالخيار، فإن شئت قدمت المفضول لما له من المناسبة لمطلع الكلام ، و إن شئت قدمت الفاضل لما له من رتبة الفضل ” .
    و قد قسم الجرجاني رحمه الله مواضع التقديم إلى ما يلي :
    أ‌- الاستفهام :
    ” “الاستفهام بالهمزة “، فإن موضع الكلام على أنك إذا قلت :”أفعلت؟” ، فبدأت بالفعل، كان الشك في الفعل نفسه ، و كان غرضك من استفهامك أن تعلم وجوده.
    و إذا قلت :” أأنت فعلت؟” فبدأت بالاسم ، كان الشك في الفاعل من هو ، و كان التردد فيه” .
    و لا يخفى أن الغرض الحصول على إقرار من المخاطب بأنه الفاعل للذي تستفهم عنه . أو كما قال الجرجاني :” و اعلم أن الهمزة فيما ذكرنا تقرير بفعل قد كان ، و إنكار له لم كان ، و توبيخ لفاعله عليه” . و قد يكون الاستفهام بالهمزة لإنكار أن يكون الفعل قد كان من أصله . و مثاله قوله تعالى (أفأصفاكم ربكم بالبنين و اتخذ من الملائكة إناثا إنكم لتقولون قولا عظيما) (الإسراء:40) .
    ب‌- النفي :
    “إذا قلت :” ما فعلت” ، كنت نفيت عنك فعلا لم يثبت انه مفعول ، و إذا قلت :” ما أنا فعلت ” كنت نفيت عنك يثبت أنه مفعول” . و إذا قلت :”ما زيدا ضربت ” فقدمت المفعول ، كان المعنى على أن ضربا وقع منك على إنسان، و ظن أن ذلك الإنسان زيد ، فنفيت أن يكون إياه.”
    و على خلاف ما ذهب إليه البلاغيون فهناك من لا يرى أن يلحق بباب التقديم و التأخير في البلاغة العربية تقديم أداة النفي على اللفظ الدال على العموم ، و لا العكس أي تقديم اللفظ الدال على العموم على أداة النفي ، يقول: ” فهذه قضية فكرية تتصل بأصل بناء الكلام في أدائه للمعاني ، و هي ترجع إلى قاعدة “سلب العموم أو عموم السلب ” فإذا سلط النفي على العموم لم يلزم منه نفي جميع الأفراد ، لأن المنفي حينئذ هو العموم لا جميع أفراده ، و إذا سلط العموم على المنفي بأداة النفي فإنه يدل حينئذ على نفي جميع الأفراد “ . مثل : ليس كل إنسان كاتبا ( بتسليط السلب على العموم معناها أن بعض الناس ليس كاتبا ، و هذه جملة صادقة) ، و لكن ” كل إنسان ليس كاتبا” بتسليط اللفظ الدال على العموم على الجملة المنفية المسلوبة ، و كأنك تقول لا أحد في الناس هو كاتب ، و هذا الحكم لا يصدق ، أي هو كاذب .
    جـ- الخبر :
    و هو نوعان أحدهما ظاهر غير مشكل :” و هو أن يكون الفعل فعلا قد أردت أن تنص فيه على وجه واحد فتجعله له ، وتزعم أنه فاعله دون واحد آخر ، أو دون كل أحد” .و الثاني أن لا يكون القصد إلى الفاعل على هذا المعنى و لكن على أنك أردت أن تحقق على السامع انه قد فعل ، و تمنعه من الشك ، فأنت تبدأ بذكره ، و توقعه أولا – و من قبل أن تذكر الفعل – في نفسه .. و مثاله قولك “هو يعطي الجزيل ” .
    د – غير و مثل :
    و هما مما يرى تقديمهما في الكلام ، و قد ذكر علماء البلاغة العربية ان هاتين الكلمتين غير و مثل” تلازمان التقديم في التراكيب البلاغية إذا أريد بهما الكناية عن الشخص الذي يجري الحديث عنه “ .و ذلك نحو قول الشاعر أبي فراس الحمداني :
    بلى، أنا مشتاق و عندي لوعة و لكن مثلي لا يذاع له سر
    و نحو قول أبي تمام :
    “و غيري يأكل المعروف سحتا و تشحب عنده بيض الأيادي”
    و نحو قول المتنبي في قصيدة يعزي فيها عضد الدولة ابا شجاع في عمته :
    مثلك يًثني الحزن عن صوبه و يسترد الدمع عن غربه
    و لم أقل “مثلًك” أعني بــه سواك يا فردا بلا مشبـــه

    7- على سبيل الختم :
    و بعد،
    يبقى موضوع التقديم و التأخير من الموضوعات التي تناولها الدارسون بالعرض و التحليل للوقوف على مدى شجاعة اللغة العربية في الخروج على المألوف الذي جاء في تركيبهم ، و لكن هذا الخروج على المعهود لم يكن ضربا من الخبط و العشوائية ، و لكن كان له ما يبرره ، و كانت له دواع اقتضاها التعبير أو المقام أو السياق الذي جاء فيه التغيير المتحدث عنه .. و منها التقديم و التأخير .. لقد كانوا في كل ذلك يستقرئون كلام العرب من منظوم ومنثور ، و خاصة القرآن الكريم، والشعر الذي كان و سيبقى ديوان العرب، الذي أرخ لحضارتهم ، و كان خير خازن لكل أسرارهم ، و أفضل أمين عليها.
    و الموضوع كما نرى متشعب وواسع ، و لا يمكن أن يحصر في هذه الصفحات القليلة ، و في هذا الوقت الوجيز.. و هو الموضوع الذي أسال الكثير من المداد .
    و كما نعرف فأغراض النحو والبلاغة و غيرها من علوم الآلة التي وضعها علماؤنا إنما كان الهاجس الأول وراءها هو خدمةً اللغة العربية للحفاظ عليها من الدخيل ، والسقيم، و مما يشوب التعبير السليم ، و بالتالي كانت كلها في خدمة القرآن الكريم الذي نزل باللغة العربية ، لغة أهل الجنة .
    فإن كنت أصبت فذلك مبتغاي و التوفيق من الله، و إن قصرت فحسبي جهد المقل .

    - استغرب بعضهم عدم إيلاء النحاة لموضوع الإسناد أهمية كبرى رغم ركنية العلاقة الإسنادية في الجملة العربية يقول:” لعله من المستغرب أن نجد النحاة لا يعطون الإسناد أهمية كبرى مع معرفتهم بان الكلام أو الجملة التامة –اسمية كانت أو فعلية – تتقوم من عنصري الإسناد (المسند إليه )و(المسند)، ذلك أن النحو في حقيقته هو الجملة و الإعراب ، فلا يعقدون له الباب الخاص، و إنما يذكرونه استطرادا ، و قد لا يذكره بعضهم حتى من باب الاستطراد . هذا بعكس ما نراه عند علماء المعاني ، فقد أعطوه الأهمية المطلوبة و أولوه الاهتمام المناسب. ومن هنا لا بد للباحث في الإسناد نحويا من الرجوع إلى دراسات علماء المعاني فيه”
  6. salma

    salma عضو مهمّ

    988
    120
    43
    الدّولة:
    تونس
    الولاية:
    نابل
    المستوى الدّراسي:
    جامعي
    الاختصاص:
    علوم
    المهنة:
    طالبة
    أسلوب التقديم و التأخير المعنويّ

    أسلوب التَّقْدِيمِ وَالتَّأْْخِيرِ الْمَعْنَوِيّ
    مقاربة جمالية

    دكتور
    أسامة عبد العزيز جاب الله
    كلية الآداب – جامعة كفر الشيخ

    لما كانت علاقات التركيب محكومة بتقريرات النحويين في مسألة الرتبة ، وما تلا ذلك من تناولات البلاغيين لمسألة جماليات " الإسناد " وتحولات السياق بالتقديم والتأخير . لذا كان لابد للنظرة البلاغية أن تتسع لتشمل في دراساتها وبحوثها شكلا آخر من أشكال هذه التحولات التركيبية ؛ لكنه لا يخضع لمقررات وتقنينات النحويين في مسألة " الرتبة " . هذا الشكل الذي عايشه البلاغيون بصورة أدق وأعمق من تناولات النحويين . وقد نبع هذا الشكل من خلال التأملات الذوقية لآيات النص القرآني ؛ هذا التأمل الذي أفرز في بداياته خاطرات تم تسجيلها على هيئة ملحوظات في كتب الإعجاز القرآني ، والتي سرعان ما تنامت لتصل على يد الإمام الزركشي في كتابه " البرهان في علوم القرآن " إلى القدر الذي يمكن معه عدها " علما " استوى على سوقه يعجب الزراع .
    إن المقصد هنا هو مبحث " التقديم والتأخير المعنوي " والذي يعد بحق من إعجازات التوظيف في النص القرآني . وأهمية هذا الشكل من " التقديم والتأخير " تكمن في كون أي محاولة للوقوف على أسراره في التوظيف القرآني من المؤكد أنها ستفضي بنا إلى ولوج باب من الفهم التأملي الذوقي للنص القرآني ؛ هذا الفهم سيكون ممزوجا بالرقي الذوقي ، وبالحس التأملي الذي افتقدناه في سياق الانقياد في الفلك المنطقي المدرسي الذي هيمن على مقدرات البلاغة العربية منذ ما بعد الإمام عبد القاهر الجرجاني .
    ويرى السهيلي أن " هذا الشكل من التقديم والتأخير أصل يجب الاعتناء به ، لعظم منفعته في كتاب الله تعالى ، وحديث رسول الله – صلى الله عليه وسلم – إذ لابد من الوقوف على الحكمة في تقديم ما قدم ، وتأخير ما أخر نحو : السَّمْعَ وَالْبَصَرَ ( )و الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ( ) و اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ ( ) والْجِنَّ وَالإِنْسَ ( ) في أكثر الآي ، وفي بعضها  الإِنْسِ وَالْجِنِّ ( ) وتقديم ( السماء ) على ( الأرض ) في الذكر ، وتقديم ( الأرض ) عليها في بعض الآي " ( ) .
    وهذا النص الذي ذكره السهيلي هو عين ما ردده المتناولون للمحات " التقديم والتأخير المعنوي " في سياقات النص القرآني . إذ لابد من حكمة كلية تندرج تحتها ( أسرار ) لتوظيف هذا اللون من " التقديم والتأخير " . وباتباع بداية الطريق مع هذه الأسرار يمكننا الاقتراب – على استحياء – من سياقات ( الحكمة الكلية ) الكامنة وراء هذا التوظيف .
    ويرى الخطيب الإسكافي ( ت 420 هـ ) أنه " إذا أورد الحكيم – تقدست أسماؤه – آية على لفظة مخصوصة ، ثم أعادها في موضع آخر من القرآن وقد غير فيها لفظة عما كانت عليه في الأولى ، فلابد من حكمة هناك تطلب ، وإن أدركتموها فقد ظفرتم ، وإن لم تدركموها فليس لأنه لا حكمة هناك بل جهلتم " ( ) .
    إن عدم الاستطاعة لبلوغ هذه الحكمة العليا ليس إلا عيبا فينا ، لأننا لم نتسلح بما يجب من وسائل وأدوات للوصول إليها ، فما حجب الغمام للشمس معناه انتفاء وجودها ، لكنه مشعر بمشقة رؤيتها .
    ومن الجميل هنا في هذا المقام أن نطالع خاطرات العلماء ؛ ( نحويين وبلاغيين ) حول هذه المواضع ، كلٌّ يُعمل ذوقه لا عقله لإدراك كنه هذه التنويعات السياقية للألفاظ بالتقديم تارة ، وبالتأخير تارة أخرى ، مما شكل لنا تراثا ذوقيا تحليليا لهذه المواضع ، نرى فيه اجتهادات تقترب أو تبتعد عن مناط الاستحسان ، لكن يبقى لهم دوما فضل الاجتهاد .
    ولعل توظيف هذا اللون من البلاغة على هذا النسق الإعجازي يكون بمثابة المنبه القوي للعلماء - على اختلاف زوايا نظرهم إلى النص القرآني – بأن بحوثهم لابد وأن تبدأ أولاً من النص القرآني ثم تنتهي به . لابد لا أن تبدأ تلك البحوث بالتقريرات والتقعيدات ثم محاولة قياس النص في ضوء هذه التقريرات . فالذي يتضح جليا أن لهذا النص الجليل نمط من التوظيف غير ثابت ، نمط متحرر بلاغيا وتركيبيا وسياقيا ودلاليا . نمط توظيف خاص به ، وهذا أحد أوجه إعجاز هذا النص العظيم .
    و" التقديم والتأخير" المعنوي تناوله العلماء بالتحليل من خلال سياقات النص القرآني ، وكانوا على وتيرة واحدة إذ يقررون أن " الألفاظ تابعة للمعاني ، والمعاني لها في التقديم أحوال خمسة هي : التقدم بالشرف ، والتقدم بالذات ، وتقدم العلة على معلولها ، والتقدم بالمكان ، والتقدم بالزمان " ( ) . أي انه يؤكد على فكرة تبعية الألفاظ للمعاني ، فما تقدم من الكلام تابع في تقدمه في اللسان على حسب ما يدور من معان في الذهن والعقل . وابن الزملكاني في كتابه " المُجيد في إعجاز القرآن المَجيد " ( ) يدور مع الفكرة ذاتها ، وكذلك فعل ابن القيم في كتابه " بدائع الفوائد " ( ) ، والعلوي في كتابه " الطراز " ( ) .
    هذا وقد جاء اتفاق البلاغيين على تحديد ثلاثة ألوان للتقديم والتأخير المعنوي مستنبطة من سياقات التوظيف في النص القرآني . هذه الألوان هي :
    1 – ما قُدِّم والمعنى عليه ، أي أن هذا التقديم مقصود لأغراض معينة .
    2 – ما قُدِّم والمراد به التأخير ، ولهذا أشكل ، فلما اتضح ما فيه من تقديم أو تأخير زال إشكاله .
    3 – ما قُدِّم في آية وأُخِّرَ في أخرى .
    وهذه الألوان حظيت من البلاغيين بالعناية ، ولهذا نفصل القول فيها كلٌّ على حدة :
    أولاً : ما قُدِّمَ والمعنى عليه
    يقصد بهذا اللون أن الكلمة الموظفة في سياق النص القرآني إذا قُدّمت فإنما يكون ذلك لغرض مقصود ومبتغى من وراء هذا التقديم . ولعل أولى الإشارات المفصَّلة التي وردت إلينا في بيان أسباب هذا " التقديم والتأخير المعنوي " كانت في كتاب " الأمالي " للزجاجي إذ يقول : " اعلم أن للأشياء مراتب في التقديم والتأخير ، فمنها ما يكون إما بالتفاضل ، أو بالاستحقاق ، أو بالطبع ، أو على حسب ما يوجبه المعقول ، فإذا سبق معنى من المعاني على الخلد والفكر بأحد هذه الأسباب أو بأكثرها ، سبق اللفظ الدال على ذلك المعنى السابق ، وكان ترتب الألفاظ بحسب ذلك " ( ) . فقد ذكر الزجاجي هنا أسبابا أربعة للتقديم هي :
    1- التقديم بالتفاضل ، أو الفضل والشرف .
    2- التقديم بالاستحقاق ، أي يكون الأصل في هذا اللفظ هو التقديم .
    3- التقديم بالطبع أو الذات .
    4- التقديم بحسب ما يقتضيه العقل . ولعل هذا السبب الرابع يمكن رده إلى السبب الثاني أي " التقديم بالاستحقاق " لكون العقل يحكم للمتقدم بما يستحقه من التقديم .
    والسهيلي يأخذ من قول الزجاجي ويضيف إليه ، مفصِّلاَ كل سبب ، ومستشهدا بالآيات القرآنية . يقول السهيلي : " ما تقدم من الكلام فتقديمه في اللسان على حسب تقديم المعاني في الجنان ، والمعاني تتقدم بأحد خمسة أشياء : إما بالزمان ، وإما بالطبع ، وإما بالرتبة ، وإما بالسبب ، وإما بالفضل والكمال ، فإذا سبق معنى من المعاني على الخلد والفكر بأحد هذه الأسباب أو بأكثرها ، سبق اللفظ الدال على ذلك المعنى السابق ، وكان ترتب الألفاظ بحسب ذلك " ( ) . فهو هنا يورد أسبابا خمسة لهذا اللون من التقديم هي :
    1- التقديم بالزمان .
    2- التقديم بالطبع .
    3- التقديم بالرتبة = التقديم بالاستحقاق .
    4- التقديم بالسبب .
    5- التقديم بالفضل والكمال .
    ثم يعود الإمام السهيلي ويذكر سببا سادسا للتقديم والتأخير المعنوي هو : ( خفة اللفظ ) مثل قولك : ( ربيعة ومضر ) . يقول : " كان تقديم ( مضر ) أولى من جهة الفضل ، ولكنهم آثروا الخفة ، لأنك لو قدمت ( مضر ) في اللفظ كثرت الحركات وتوالت ، فلما أخرت وقف عليها بالسكون " ( ) . فهو بذلك كان مجددا بذكره ثلاثة أسباب لم يذكرها الزجاجي هي :
    1- التقدم بالزمان .
    2- التقدم بالسبب .
    3- التقدم للخفة اللفظية .
    ويحمد للسهيلي روعة التدليل بالآيات القرآنية لكل سبب من هذه الأسباب ، وكذلك جمال تحليله . ومن أمثلة ذلك تحليله لسبب التقديم في قوله تعالى :  وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ سورة آل عمران آية رقم ( 43 ) إذ حلل هنا سبب تقديم ( السجود ) على (الركوع) فيجعله من باب " التقديم للفضل والشرف " لأن السجود أفضل . لكنه لا يترك المسألة هكذا دون تفصيل ، بل يسأل سؤالا يجيب عنه في طلاقة وتمكن يحسبان له . يقول : " إن قيل : فالركوع قبل السجود بالزمان وبالطبع والعادة لأنه انتقال من علو إلى انخفاض ، والعلو بالطبع قبل الانخفاض ، فهلاَّ قدَّم في الذكر على السجود لهاتين العلتين ؟! فالجواب أن يقال لهذا السائل : انتبه لمعنى هذه الآية من قوله ( اركعي مع الراكعين ) ، ولم يقل : ( اسجدي مع الساجدين ) ؛ فإنما عبَّر بالسجود عن الصلاة كلها ، وأراد صلاتها في بيتها ، لأن صلاة المرأة في بيتها أفضل لها من صلاتها مع قومها . ثم قال لها : ( اركعي مع الراكعين ) أي : صلِّي مع المصلين في ( بيت المقدس) ، ولم يرد أيضا الركوع وحده دون سائر أجزاء الصلاة ، ولكنه عبَّر بالركوع عن الصلاة كلها كما تقول : (ركعت ركعتين) و (ركعت أربع ركعات) إنما تريد الصلاة لا الركوع بمجرده ؛ فصارت الآية متضمنة لصلاتين ؛ صلاتها وحدها ، عبَّر عنها بالسجود ، لأن السجود أفضل حالات العبد ، وكذلك صلاة المرأة في بيتها أفضل لها ، ثم صلاتها في المسجد عبَّر عنها بالركوع ، لأنه في الفضل دون السجود ، وكذلك صلاتها مع المصلين دون صلاتها في بيتها ومحرابها ، وهذا نظم بديع ، وفقه دقيق". ( ) هكذا كان التحليل الدقيق لموضع التقديم في هذه الآية ، وهذا يدل على ذوق تأملي راق للإمام السهيلي .
    وابن الأثير يتناول المسألة عرضا في كتابه " المثل السائر " إذ يجعل " التقديم والتأخير " على ضربين هما ( ) :
    الأول : يختص بدلالة الألفاظ على المعاني ، ولو أخر المقدم أو قدم المؤخر لتغير المعنى ، وهذا هو التقديم والتأخير الرتبي .
    والثاني : يختص بدرجة التقدم في الذكر لاختصاصه بما يوجب له ذلك ، ولو أخر لما تغير المعنى . وهو يقصد هنا التقديم والتأخير المعنوي .
    ويشير ابن الأثير إلى قيمة هذا اللون من " التقديم والتأخير " بقوله : " إنه مما لا يحصره حدّ ، ولا ينتهي إليه شرح " ( ) .ثم يذكر أسبابا خمسة لها اللون هي ( ) :
    1- التقديم بالسبب .
    2- تقديم الأكثر على الأقل .
    3- التقديم للدلالة على قدرة الخالق .
    4- التقديم لمناسبة المعنى لسياق الآيات السابقة .
    5- التقديم للاهتمام .
    ونلاحظ أن ابن الأثير قد تفرد بذكر أربعة أسباب لم يذكرها من سبقوه ؛ إذ تفرد بذكر :
    * التقديم للدلالة على قدرة الخالق .
    * والتقديم للأكثر على الأقل .
    * والتقديم للمناسبة .
    * والتقديم للاهتمام .
    وإن كان يمكن رد ( تقديم الأكثر على الأقل ) إلى كونه من باب ( التقديم بالاستحقاق ) لأن الأكثر أولى بالتقديم من الأقل . ويعتمد ابن الأثير تحليل الآيات القرآنية سبيلا للتدليل على هذه الأسباب ، لكنه يكتفي بذكر آية واحدة تدليلا لكل سبب .
    وأمكننا الوقوف على جماليات التحليل عند ابن الأثير من خلال تعرضه بالتحليل لقوله تعالى : وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاءِ سورة يونس آية رقم ( 61 ) بقوله:" إنما قدم الأرض في الذكر على السماء ، ومن حقها التأخير ، لأنه لما ذكر شهادته على شؤون أهل الأرض وأحوالهم ، ووصل ذلك بقوله : ( وما يعزب ) لاءم بينهما ؛ ليلي المعنى المعنى . فإن قيل : قد جاء تقديم الأرض على السماء في الذكر في مواضع كثيرة من القرآن . قلنا : إذا جاءت مقدمة في الذكر فلابد لتقديمها من سبب اقتضاه ، وإن خفي ذلك السبب ، وقد يستنبطه بعض العلماء دون بعض " ( ) . فهو هنا يؤكد على أن تقديم ( السماء ) على ( الأرض ) هو الأصل لأنه تقديم بالفضل والشرف ، لكن العدول عن ذلك هنا كان مقصودا لمناسبة سياق الآية كما وضح . كما أنه في ختام تحليله يؤكد على تفرد النص القرآني بهذا التوظيف ، وخفاء أسراره على الكثيرين ، فقد يصل الفهم الذوقي عالم ، ويخفق آخرون .
    أما ابن الزملكاني فيتناول المسألة نفسها من خلال السبيل ذاته إذ يقول : " لما كانت الألفاظ تابعة للمعاني ، والمعاني تتقدم باعتبارات خمسة : الأول : تقدم العلة والسببية على المعلول والسبب . والثاني : التقدم بالذات ، كالواحد مع الاثنين . والثالث : التقدم بالشرف كالأنبياء . والرابع : بالرتبة ؛ كالإمام ، والجنس الأعلى . والخامس : بالزمان ؛ كـ( وعادا وثمود ) ( ) " ( ) . فهو هنا يورد خمسة أسباب للتقديم والتأخير المعنوي ، هي في مجملها تكرار لما سبقه إليه السابقون من قبل .
    أما ابن النقيب ( ت 698 هـ ) فيرى أن للتقديم والتأخير أقسام أربع هي : " إما أن يكون موجبا لزيادة في المعنى ، أو لا يكون كذلك . وإما أن يكون ما قدم الأولى به التقديم ، أو الأولى به التأخير ، أو يتكافأ الأمران فيه " ( ) . ثم يفصل القول في كل قسم على حدة . وما يهمنا هنا في هذا المقام هو القسم الثاني ( أن يكون ما قدم الأولى به التقديم ، أو الأولى به التأخير ) وقد جعل له ابن النقيب أسبابا مؤدية ، وأمورا موجبة هي ( ) :
    1- كون التقديم أدل على قدرة الخالق من التأخير .
    2- أن يكون للمتقدم تأثير في وجود المتأخر = ( العلة والسببية ) .
    3- أن يكون المتقدم أكثر وجودا = ( الأكثر على الأقل ) .
    4- أن يكون المتقدم في الوجود بالذات .
    5- أن يكون متقدما لأجل كلام تقدم = ( مناسبة السياق المتقدم ) .
    6- أن يكون التقديم للاهتمام .
    7- أن يكون التقديم رعاية للسجع ( الفاصلة ) .
    والسبب الأخير هو الوحيد الذي تفرد ابن النقيب بذكره . وهذه إشارة جميلة ، ذات دلالة بليغة في مسألة " التقديم والتأخير المعنوي " . لكن يلاحظ أن تناول ابن النقيب للآيات القرآنية بالتحليل ، ولبيان مواضع التقديم فيها كان بسيطا غير مسهب . يقول في تعليقه على قوله تعالى :  ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ سورة الحاقة آية رقم ( 31 ):" لو قال : ( ثم صلوه الجحيم ) لأفاد المعنى ، لكن كان يفوت السجع ، فلذلك كان الأحسن تقديم الجحيم " ( ) . وهذه إشارة على وجازتها تحمل دلالات رائعة في بلاغة التوظيف القرآني للفواصل في ثنايا الآيات والسور القرآنية .
    والإمام الطيبي يدلي في المسألة برأيه ، إذ تناولها في سياق تناوله " للتقديم الواقع بين المفعولات " ويجعل لهذا اللون من " التقديم والتأخير المعنوي " أسبابا هي ( ) :
    1- أن يكون التقديم للاهتمام .
    2- أن يكون التقديم للفضل والشرف .
    3- أن يكون التقديم للاحتياط .
    4- أن يكون التقديم رعاية للفاصلة .
    5- أن يكون التقديم لمراعاة النظم .
    6- أن يكون التقديم للكثرة .
    7- أن يكون التقديم للسبب على المسبب .
    ويلاحظ تفرد الإمام الطيبي بذكر سببين لم يذكرهما من سَبقه هما :
    الأول : أن يكون التقديم للاحتياط .
    والثاني : أن يكون التقديم لمراعاة النظم .
    يقول الطيبي:"ربما يكون التقديم للاحتياط نحو قوله تعالى :  وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ ( ) فلو أخر ( من آل ) لأوهم أنه من صلة ( يكتم ) فلم يفهم أن الرجل من الآل " ( ). وهذا فهم دقيق لم يسبقه إليه سابق .
    أما تناوله للتقديم من أجل (مراعاة النظم) فيقول فيه :" ولمراعاة النظم قدم قوله : ( والقمر قدرناه منازل )( ) ليكون على نسق الآيتين السابقتين " ( ). وهذا فهم دقيق إذ جعل من تقديم المفعول به ( القمر ) داعيا لمراعاة النظم في الآية في تضافره مع الآيتين السابقتين .
    أما العلوي فيتناول المسألة نفسها من خلال إشارته إلى أن للمعاني في التقديم أحوال خمسة هي ( ) :
    الأول : تقدم العلة على المعلول ، مثل تقدم السراج على ضوئه .
    والثانية : التقدم بالذات ، نحو تقدم الواحد على الاثنين .
    والثالثة : التقدم بالشرف ، نحو تقدم الأنبياء على الأتباع ، والعلماء على الجهال .
    والرابعة : التقدم بالمكان ، نحو تقدم الإمام على المأموم .
    والخامسة : التقدم بالزمان ، نحو تقدم الظلمات على النور ، والجهل على العلم .
    وهي كما نرى أسباب مكررة في كتب السابقين ، فلم يأت بجديد في ها المضمار ، وكان له منهج خاص في تحليل الآيات الدالة على سياقات " التقديم والتأخير المعنوي " أشبه ما يكون بالمنهج الفلسفي التاملي . يقول العلوي في تعليقه على قوله تعالى :  وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ  سورة الحج آية رقم ( 27 ) : " تقديم ( رجالا ) فيه وجهان ، أحدهما : أن يكون تقدما بالرتبة ، فإن الغالب أن ( الرجالة ) إنما يأتون من الأمكنة القريبة ، و( الركبان ) يأتون من الأمكنة البعيدة ، فلهذا قدم ( الرجالة ) . وثانيهما : أن يكون تقديم ( الرجالة ) لأجل الفضل ، فإن من حج ( راجلا ) أفضل ممن حج ( راكبا ) ، فلهذا قال ابن عباس – رضي الله عنهما - : ( وددت لو حججت راجلا ، فإن الله قدم ( الرجالة ) على ( الركبان ) في القرآن ) . فدل ذلك على أنه فهم من التقديم في الآية الفضل ، فالمعنيان محتملان في الآية كما ترى " ( ) . فالرجل يفتح قلبه وعقله للتأمل الذوقي لفهم السر وراء التقديم في الآية ، وهذا الفهم الجميل هو الذي أتاح له إدراك ( سرَّيْن ) من أسرار التقديم في هذه الآية .
    أما ابن القيم فقد نقل في كتابه ( بدائع الفوائد ) كل ما ذكره السهيلي في هذه الجزئية بالنص دون أن يغفل ذكر اسم السهيلي ، بل ويعقب على هذا بذكر فضل السهيلي في هذه المسألة بقوله: " فهذا تمام الكلام على ما ذكره من الأمثلة ، وله – رحمه الله – مزيد السبق ، وفضل التقدم " ( ) . وهذا كل ما فعله ( ) .
    أما قمة تناول المسألة فكانت على يد الإمام ( الزركشي ) في كتابه ( البرهان في علوم القرآن ) إذ فصل الكلام فيها ، وجعل لها ( 25 خمسة وعشرين سببا ) ، كرر فيها ( 17 سبعة عشر سببا ) ذكرها السابقون ، وتفرد بذكر ( 8 ثمانية اسباب ) لم يسبق إليها ، ولم يحصيها السابقون ، وهذه الأسباب هي ( ) :
    1- التقديم لتحقق ما بعده .
    2- التقديم للتنبيه على أنه مطلق لا مقيد .
    3- التقديم للتنقل .
    4- التقديم للتنبيه على أن السبب مرتب .
    5- التقديم لمراعاة الإفراد .
    6- التقديم للتحذير منه والتنفير عنه .
    7- التقديم للتعجيب من شأنه .
    8- التقديم للترتيب .
    وهذه الأسباب ليست جديدة تماما إلا في المسميات . فمثلا : يرى الزركشي أن التقديم في قول تعالى :  وَجَعَلُوا للهِ شُرَكَاءَ الْجِنَ  سورة الأنعام آية رقم ( 100 ) إنما هو من باب التقديم ( للتنبيه على أنه مطلق لا مقيد ) ( ) . على حين يرى الإمام الطيبي في هذه الآية تقديما من باب ( الاهتمام عند المخاطب) . ولعل الرأي الراجح هنا هو رأي الطيبي ، إذ المخاطب أكثر شغفا بمعرفة من هؤلاء الشركاء ، ليزدادوا لهم إنكارا واحتقارا .
    وكذلك ما ذكره في باب ( التقديم للتنقل ) والذي جعله الزركشي على أقسام هي ( ) :
    الأول : التنقل من الأقرب إلى الأبعد ، وعليه قوله تعالى :  الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً سورة البقرة آية رقم ( 22 ) .
    والثاني : التنقل من الأبعد إلى الأقرب ، وعليه قوله تعالى : قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ  سورة المؤمنون آية رقم ( 86 ) .
    والثالث : التنقل من الأعلى إلى الأدنى ، وعليه قوله تعالى :  شَهَدَ اللهُ أَنَّهُ لاَ إلِهَ إِلاَّ هُوَ وَالمَلاَئِكَة وَأَولُوا الْعِلْمِ  سورة آل عمران آية رقم ( 18 ) .
    والرابع : التنقل من الأدنى إلى الأعلى ، وعليه قوله تعالى :  وَلاَ يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً  سورة التوبة آية رقم ( 121 ) .
    وهذه الأقسام أجملها الإمام السيوطي فيما بعد في كتابيه ( الإتقان في علوم القرآن ) و ( معترك الأقران في إعجاز القرآن ) تحت عنوان ( الترقي من الأدنى إلى الأعلى ) و ( التدلي من الأعلى إلى الأدنى ) ( ) .
    كذلك ما ذكره في باب ( التقديم للتنبيه على أن السبب مرتب ) ودلل عليه بقوله تعالى :  يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ  سورة التوبة آية رقم ( 35 ) . يقول الزركشي : " قدم الجباه ثم الجنوب لأن مانع الصدقة في الدنيا كان يصرف وجهه أولا عن السائل ، ثم ينوء بجانبه ، ثم يتولى بظهره " ( ) . وهذا السبب مما تفرد الزركشي بذكره ، ولم نجد له ذكرا عند سابق ولا لاحق ممن تناولوا هذا اللون من التقديم والتأخير بالتحليل .
    أما ما ذكره عن ( التقديم لمراعاة الإفراد ) ، والذي جعل منه تقديم ( الأموال ) على ( البنين ) في قوله تعالى :  الْمَالُ وَالْبَنُونَ  سورة الكهف آية رقم ( 46 ) . فالتقديم في هذه الآية عند السهيلي من باب ( التقديم بالعلة والسببية ) ( ) . وعند ابن الزملكاني من باب ( التقديم بالعلة والسببية ) ( ) . وعند ابن القيم من باب ( التقديم بالعلة والسببية ) ( ) . فلذا فالزركشي هنا ليس مجددا بالمعنى الصحيح ، بل هو فقط مجدد في ذكر المسمى .
    كذلك ما ذكره عن التقديم من باب ( التقديم للتحذير منه والتنفير عنه ) ، ودلل عليه بقوله تعالى :  الزَّانِي لاَ يَنْكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةَ سورة النور آية رقم (3) ، وقوله تعالى :  لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ  سورة الإخلاص آية رقم ( 3 ) . يقول الزركشي في تعليقه على آية سورة الإخلاص : " إنه لما وقع في الأول منازعة الكفرة وتقولهم ، اقتضت الرتبة بالطبع تقديمه في الذكر ؛ اعتناء به قبل التنزيه عن الوالد الذي لم ينازع فيه احد من الأمم " ( ) . فهذا مما تفرد بذكره أيضا .
    أما تناوله لسبب التقديم في قوله تعالى :  وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ سورة الأنبياء آية رقم ( 79 ) ، والذي جعله من باب ( التقديم للتعجيب من شأنه ) فهذا مما تفرد الزركشي بذكره أيضا .
    وكذلك ما ذكره عن ( التقديم لقصد الترتيب ) ، والذي دلل عليه بقوله تعالى :  فَاغْسِلُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ عَلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ سورة المائدة آية رقم ( 6 ) . فقد ذكر هذه الآية من قبل في تدليله على باب ( التقديم بالفضل والشرف ) ، وذكر فيها فضل تقديم ( الوجه ) على ( اليد )( ) . وذكرها السهيلي في باب ( التقديم بالفضل والشرف ) ( ) ، والعلوي في باب ( التقديم بالشرف ) ( ) .
    وهكذا فإن ما تفرد الزركشي بذكره من أسباب ( التقديم والتأخير المعنوي ) ينحصر في أربعة أسباب هي :
    1- التقديم لتحقق ما بعده .
    2- التقديم للتحذير منه والتنفير عنه .
    3- التقديم للتعجيب من شأنه .
    4- التقديم للتنبيه على أن السبب مرتب .
    ويحمد للزركشي هذا الجهد الكبير في محاولته إحصاء الأسباب الداعية إلى ( التقديم والتأخير المعنوي ) مما وضعه في مقدمة أهل العلم الذين تناولوا هذا النوع بالدرس والتحليل .
    أما السيوطي فقد تناول المسالة في مؤلفين هما ( الإتقان في علوم القرآن ) و ( معترك الأقران في إعجاز القرآن ) . وإن كان ما ذكره في المؤَلَف الثاني لم يخرج قيد أنملة عما ذكره في كتابه ( الإتقان ) وتلك من عادات السيوطي الأثيرة لديه . هذا وقد جعل السيوطي للتقديم والتأخير قسمين هما :
    الأول : ما أشكل معناه بحسب الظاهر ، فلما عُرِفَ انه من الباب اتضح .
    والثاني : ما ليس كذلك .
    وجعل للقسم الثاني عشرة أنواع نقلها عن الإمام شمس الدين ابن الصائغ الحنفي في كتابه المفقود ( المقَدِّمَة في سر الألفاظ المُقَدَمَة ) . وهذه الأنواع هي ( ) :
    1- التقديم للتبرك ، نحو قوله تعالى :  شَهَدَ اللهُ أنََّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ  سورة آل عمران آية رقم ( 18 ) .
    2- التقديم للتعظيم ، نحو قوله تعالى:إِنَّ اللهَ وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى الْنَّبِيِّ الأحزاب (56) .
    3- التقديم للتشريف .
    4- التقديم للمناسبة .
    5- التقديم للحث عليه ، والحض على القيام به .
    6- التقديم بالسبق المكاني أو الزماني ، أو بالإيجاد ، أو بالوجوب ، أو بالذات .
    7- التقديم بالعلة والسببية .
    8- التقديم بالغلبة والكثرة .
    9- التقديم للترقي من الأدنى إلى الأعلى .
    10- التقديم للتدلي من الأعلى إلى الأدنى .
    وهذه الأسباب من نقولات السيوطي عن ابن الصائغ . وقد أضاف إليها سببين هما ( ) :
    الأول : كون التقديم أدل على قدرة الخالق .
    والثاني : التقديم لرعاية الفاصلة .
    ويلاحظ أن السيوطي في نقله لم يقدم جديداً اللهم ما نقله عن ابن الصائغ الحنفي الذي ذكر سبباً جديداً هو[​IMG] التقديم للتبرك ) . تلك هي أهم إسهامات البلاغيين في هذا النوع من " التقديم والتأخير".
    تلك هي أهم الأسباب الداعية إلى تقديم " ما قدم والمعنى عليه " .
    ثانياً : ما قدم والمراد به التأخير
    وهذا النوع مشكل ظاهرا ، فلما اتضح ما به من تأخير زال ما به من إشكال . وقد تناول هذا النوع العديد من البلاغيين ( ). فالزركشي يجعل لهذا النوع دلالتان تدلان عليه هما ( ) :
    1- ما يدل عليه الإعراب،مثل تقديم المفعول على الفاعل نحو قوله تعالى:  إِنَّمَا يَخْشَى اللَهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ سورة فاطر آية رقم ( 28 ) .
    وتقديم الخبر على المبتدأ كقوله تعالى :  وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللهِ  سورة الحشر آية رقم ( 2 ) وغير ذلك مما يجب في الصناعة النحوية .
    2- ومنه ما يدل عليه المعنى نحو قوله تعالى :  أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ  سورة الجاثية آية رقم ( 23 ) . يقول الزركشي : " أصل الكلام : ( هواه إلهه ) كما تقول : ( اتخذ الصنم معبودا ) لكن قدم المفعول الثاني على الأول للعناية ، كما تقول : ( علمت منطلقا زيدا ) لفضل عنايتك بانطلاقه " ( ). ونحو قوله تعالى: فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى سورة الأعلى آية رقم ( 5 ) . يقول الزركشي:" أي:أحوى غثاء ، أي : أخضر يميل إلى السواد ، والموجب لتأخير ( أحوى ) رعاية الفواصل " ( ) .
    هذا وقد دلل الإمام الزركشي على وجود هذا النوع بـ( 46 ست وأربعين آية ) مما أتاح له الفرصة لأن يدقق رأيه في ثنايا هذا التحليل ، ويوضح ما في هذه الآيات من نكات التقديم .
    ويتعرض الإمام السيوطي لهذا النوع من " التقديم والتأخير المعنوي" ودلل عليه بالعديد من الآيات القرآنية ، نحو قوله تعالى :  وَلَوْلاَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمْ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً  سورة النساء آية رقم ( 83 ) . يقول السيوطي : " هذه الآية مقدمة ومؤخرة ، إنما هي أذاعوا به إلا قليلا منهم ، ولولا فضل الله عليكم ورحمته ، لم ينج قليل ولا كثير" ( ) . ونحو قوله تعالى: فَقَالُوا أَرِنَا اللهَ جَهْرَةً  سورة النساء آية رقم (153) . يقول: " قال ابن عباس : ( إنهم إذا رأوا نفسه رأوه ، إنما قالوا : ( جهرة أرنا الله ) . قال : هو مقدم ومؤخر . قال ابن جرير : ( يعني أن سؤالهم كان جهرة )( ) " ( ) .
    تلك هي أهم إحاطات العلماء بهذا النوع من " التقديم والتأخير المعنوي " .
    ثالثاً : ما قدم في آية وأخر في أخرى
    ويقصد بهذا النوع ورود اللفظة ( مقدمة ) على كلمات أخرى في آية قرآنية ، ثم ورودها مؤخرة في آية أخرى نحو قوله تعالى :  وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى سورة يس آية رقم ( 20 ) ، وفي آية أخرى يقول تعالى :  وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى سورة القصص آية رقم ( 20 ) . يقول الزركشي : " قدم المجرور على المرفوع لاشتمال ما قبله من سوء معاملة أصحاب القرية الرسل ، وإصرارهم على تكذيبهم ، فكان مظنة التتابع على مجرى العبارة تلك القرية ، ويبقى مخيلاً في فكره : أكانت كلها كذلك ، أم كان فيها خلاف لك ، بخلاف ما في سورة القصص " ( ) .
    ويقصد بالمجرور هنا ( من أقصى المدينة ) على المرفوع ؛ الفاعل ( رجلٌ ) .ويقول : " من ذلك قوله في فاتحة الكتاب : ( الحمد لله ) ( ) وفي خاتمة الجاثية : ( فلله الحمد ) ( ) فتقديم ( الحمد ) في الأول جاء على الأصل ، والثاني جاء على تقدير الجواب ، فكأنه قيل عند وقوع الأمر : ( لمن الأمر ؟! ومن أهله ؟) فجاء الجواب عن ذلك " ( ) . وقد قام الإمام الزركشي في سياق هذا التناول بتحليل (12 اثنتي عشرة آية ) .
    أما العلوي فقد تناول المسألة بالتحليل الدقيق كعادته . يقول : " قوله تعالى  وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَالسَّمَاءِ يونس ( 61 ) ، وقال في آية أخرى :  وَلاَ يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ سبأ ( 3 ) ، والتفرقة بينهما هو أنه أراد في الثانية ذكر إحاطة علمه وشموله لكل المعلومات الجزئية والكلية ، فلا جرم صدّرَ بالسماوات قبل الأرض لاشتمالها على لطائف الحكمة ، وعجائب الصنعة ، ومحكم التأليف ، وكثرة المعلومات كما قال تعالى: وَكَذَلِكَ نُرِيَ إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ الأنعام ( 75 ) وأما الأولى فإنها كانت مسوقةً في شأن أهل الأرض كما قال تعالى :  وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً  يونس (61) فقدم ذكر الأرض تنبيهاً على ذلك لما كان له اختصاص به " ( ) .
    لكن أجمل ما قال العلوي هو ما ذكره من حكمة دقيقة ، وفهم راق لأسرار" التقديم والتأخير القرآني" قوله : " اعلم أنه إذا كان مطلع الكلام في لإفادة معنى من المعاني ثم يجيء بعده ذكر شيئين و أحدهما أفضل من الآخر ، وكان المفضول مناسباً لمطلع الكلام ، فأنت ههنا بالخيار ، فإن شئت قدمت المفضول لما له من المناسبة لمطلع الكلام ، وإن شئت قدمت الفاضل لما له من رتبة الفضل ، وقد جاء في التنزيل تقديم ( السماء) على ( الأرض ) ، وتقديم (الأرض) على ( السماء ) ، وكل واحد منهما تحته سر ورمز إلى لطائف غريبة ، ومعان عجيبة " ( ) . وقد أجاد في هذا التحليل الدقيق حقاً ، مما يدل على فهم واع راق لهذا اللون من " التقديم والتأخير" .
    غير أن أهم ما يسترعي الانتباه في هذا المقام هو كلام ابن النقيب الذي يرى في هذا النوع من " التقديم والتأخير" نوعاً من التكافؤ فيسميه ( ما يتكافأ تقديمه وتأخيره ) . يقول ابن النقيب : " قال بعض العلماء في قوله تعالى :  وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلاَ أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ  يوسف ( 24 ) إن في الكلام تقديما وتأخيرا تقديره : ( ولقد همت به ولولا أن رأى برهان ربه هم بها ) . وهذا حسن ، لكن في تأويله قلق . ولا يضطر إلى هذا التأويل إلا على قول من قال : ( إن الأنبياء معصومون من الكبائر والصغائر ) . وأما على قول من قال : ( إن الصغائر يجوز وقوعها منهم ) فلا يضطر إلى هذا التقديم والتأخير " ( ) .
    فهو هنا يربط بين جوانب اعتقادية خاصة بأحوال الأنبياء وما يجوز لهم من العصمة المطلقة على رأي الجمهور ، والعصمة من الكبائر فقط على رأي بعض الأحناف والحنابلة ، وبين تأويل التقديم والتأخير في الآية وفقاً لهذا الاعتقاد ( ) . وإن ظل التساؤل قائماً : كيف يتكافأ " التقديم والتأخير" في هذا النوع ؟ وكيف نقول أن قوله تعالى :  فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى  سورة الأعلى آية رقم ( 5 ) هي هي في السياق نفسه إذا قلنا – في غير القرآن - : ( فجعله أحوى غثاء ) . وفي قوله تعالى :  اقْتَرَبَتْ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ القَمَرُ سورة القمر آية رقم ( 1 ) هي هي في السياق نفسه إذا قلنا – في غير القرآن - : ( انشق القمر واقتربت الساعة ) .
    إن ابن النقيب في هذا التوجه يلغي جماليات متولدة من توظيف هذا النوع من " التقديم والتأخير المعنوي" بل وينسفها نسفاً عندما يقول بالتكافؤ ، وهذا رأيه وله كل الاحترام في هذا الاجتهاد وإن جانبه الصواب .
    تلك هي أنواع " التقديم والتأخير المعنوي" وقفنا فيها على أهم إشارات العلماء وتلميحاتهم وتحليلاتهم في هذا السياق ، وما نتج عن هذه الوقفات من جماليات في النص الجزئي والكلي معاً .
    هوامش البحث :
    1. - سورة الإسراء : آية رقم ( 36 ) .
    2. - سورة الأنعام : آية رقم ( 1 ) .
    3. - سورة البقرة : آية رقم ( 164 ) .
    4. - سورة الأنعام : آية رقم ( 130 ) .
    5. - سورة الأنعام : آية رقم ( 112 ) .
    6. - السهيلي ، نتائج الفكر ، 266 .
    7. - الإسكافي، درة التنزيل وغرة التأويل،تحقيق: د.محمد آيدين،جامعة أم القرى،مكة المكرمة، 2001، 1/ 251 .
    8. - السهيلي ، نتائج الفكر ، 267 .
    9. - ابن الزملكاني ، المُجيد في إعجاز القرآن المَجيد ، 146 .
    10. - ابن قيم الجوزية ، بدائع الفوائد ، 1 / 58 .
    11. - العلوي ، الطراز ، 230 .
    12. - الزجاجي ، الأمالي النحوية ، تحقيق : عبد السلام هارون ، مكتبة المدني ، القاهرة ، ط2 ، 1967 ، 382 .
    13. - السهيلي ، نتائج الفكر ، 267 .
    14. - نفسه .
    15. - نفسه ، 272 .
    16. - ابن الأثير ، المثل السائر ، 2 / 35 .
    17. - السابق ، 2 / 43 .
    18. - نفسه ، 2 / 43 – 2 / 45 .
    19. - ابن الأثير ، المثل السائر ، 2 / 45 .
    20. - سورة العنكبوت : آية رقم ( 38 ) .
    21. - ابن الزملكاني ، المجيد في إعجاز القرآن المجيد ، 146 .
    22. - ابن النقيب، مقدمة تفسير ابن النقيب،تحقيق : د . زكريا سعيد ، مكتبة الخانجي ،القاهرة ، 1995 ، 167 .
    23. - السابق، 169 - 171 .
    24. - السابق ، 171 .
    25. - الطيبي ، التبيان في البيان ، 287 – 291 .
    26. - سورة غافر : آية رقم ( 28 ) .
    27. - الطيبي ، التبيان في البيان ، 289 .
    28. - سورة يس : آية رقم ( 39 ) .
    29. - الطيبي ، التبيان في البيان ، 289 .
    30. - العلوي ، الطراز ، 230 – 239 .
    31. - العلوي ، الطراز ، 231 .
    32. - ابن قيم الجوزية ، بدائع الفوائد ، 1 / 76 .
    33. - السابق ، 1 / 58 – 1 / 76 .
    34. - الزركشي ، البرهان في علوم القرآن ، 3 / 238 - 3 / 275 .
    35. - الزركشي ، البرهان في علوم القرآن ، 3 / 267 .
    36. - السابق ، 3 / 268 – 3 / 270 .
    37. - السيوطي ، معترك الأقران ، 1 / 135 .
    38. - الزركشي ، البرهان في علوم القرآن ، 3 / 268 .
    39. - السهيلي ، نتائج الفكر ، 270 .
    40. - ابن الزملكاني ، المجيد في إعجاز القرآن المجيد ، 147 .
    41. - ابن قيم الجوزية ، بدائع الفوائد ، 1 / 62 .
    42. - الزركشي ، البرهان في علوم القرآن ، 1 / 272 .
    43. - الزركشي ، البرهان في علوم القرآن ، 3 / 256 .
    44. - السهيلي ، نتائج الفكر ، 269 .
    45. - العلوي ، الطراز ، 232 .
    46. - السيوطي ، معترك الأقران ، 1 / 130 – 1 / 136 .
    47. 3 - السابق ، 1 / 136 .
    48. - ينظر :أبو عبيدة ، مجاز القرآن ، 1 / 12 ، 1 / 185 ، 1 / 398 ، 2 / 15 ، 2 / 154 . - الأخفش ، معاني القرآن ، 1 / 328 ، 2 / 466 ، 2 / 574 . – ابن قتيبة ، تأويل مشكل القرآن ، 37 ، 193 ، 205 ، 206 . - المبرد ، الكامل في اللغة والأدب ، 1 / 275 ، 1 / 246 . – الصولي ، أدب الكاتب ، 73 . – الآمدي ، الموازنة ، 1 / 217 ، 1 / 218 . - الرضي ، تلخيص البيان في مجازات القرآن ، 160 ، 225 ، 251 . - الثعالبي ، فقه اللغة وسر العربية ، 164 . - الأندلسي ، المعيار في نقد الأشعار ، 179 ، 180 ، 181 . - الكرماني ـ البرهان في متشابه القرآن ، 98 ، 103 ، 108 ، 113 ، 121 ، 128 ، 130 . - ابن أبي الإصبع ، بديع القرآن ، 43 ، 68 ، 109 ، 160 ، 210 . – ابن أبي الإصبع ، تحرير التحبير ، 309 ، 405 .
    49. - الزركشي ، البرهان في علوم القرآن ، 3 / 275 – 3 / 283 .
    50. - الزركشي ، البرهان في علوم القرآن ، 3 / 277 .
    51. - السابق ، 3 / 280 .
    52. - السيوطي ، معترك الأقران ، 1 / 129 . وينظر : الطبري ، جامع البيان ، 3 / 131 .
    53. - الطبري ، جامع البيان ، 4 / 69 .
    54. - السيوطي ، معترك الأقران ، 1 / 130 .
    55. - الزركشي ، البرهان في علوم القرآن ، 3 / 284 .
    56. - سورة الفاتحة : آية رقم ( 1 ) .
    57. - سورة الجاثية : آية رقم ( 36 ) .
    58. - الزركشي ، البرهان في علوم القرآن ، 3 / 284 .
    59. - العلوي ، الطراز ، 239 .
    60. - العلوي ، الطراز ، 239 . وينظر : ابن الأثير ، المثل السائر ، 2 / 44 .
    61. - ابن النقيب ، مقدمة تفسير ابن النقيب ، 173 .
    62. - ينظر : د . محمد ربيع جوهري ، عقيدتنا ، دار التراث ، القاهرة ، 1997 ، 314 – 320
    المصدر: شبكة الفصيح