1. salma

    salma عضو مهمّ

    991
    134
    43
    الدّولة:
    تونس
    الولاية:
    نابل
    المستوى الدّراسي:
    جامعي
    الاختصاص:
    علوم
    المهنة:
    طالبة: عربية

    الاتجاه الرّومنطيقيّ في الشعر العربي الحديث

    الموضوع في 'بحوث و دراسات' بواسطة salma, بتاريخ ‏30 ديسمبر 2012.

    1
    جامعة تونس
    المعهد الأعلى للّتربية والّتكوين المستمرّ
    قسم الّلغة والآداب العربيّة
    وحدة الشعر العربي الحديث
    AR104

    المسألة :
    الاتجاه الرّومنطيقيّ في الشعر العربي الحديث

    الأستاذ
    محمود الهميسي

    السّداسي: أفريل-سبتمبر 2006
    2
    أيّها الطالب الباحث:
    هل سألت نفسك عن:
    أ-أهمّ خصائص الشعر العربيّ الحديث.
    ب-أهمّ اّتجاهاته وأبرز أعلامه.
    ج-مشاغل الشاعر العربي الحديث.
    د-الرّومنطيقيّة في مفهومها الأصيل ومدى تمّثل
    شعراء العربيّة لها ودورها في تحديث الشعر؟
    انطلاقا من هذه الأسئلة يحاول هذا الدّرس أن يطرح بعض مشاغل
    الشاعر العربيّ في الّنصف الأوّل من القرن العشرين وأن يدرس بابا منها رئيسا
    وهو قضيّة تحديث الشعر ومدى إسهامه في الّتحرّر الذي تاقت إليه الّثقافة العربيّة
    مُذ وَعي أهلها حاجتها إلى اطّراح الجمود والّتقليد وأكادة الّتجدّد.
    -الأهداف العامّة:
    يهدف هذا الدّرس إلى جعل خرّيج قسم الّلغة والآداب
    العربيّة قادرا على:
    -1 تمّثل أهمّ خصائص الشعر العربي الحديث.
    -2 الوقوف على بعض من مدارسه واّتجاهاته وقضاياه
    -3 تمّثل بعض مشاغل ال ّ شاعر العربيّ الحديث.
    الأهداف الّنوعيّة:
    -1 حذق بعض المفاهيم المّتصلة بالاّتجاه الرّومنطيقي العالمي.
    -2 الوقوف عند أهمّ أعلامه.
    -3 الوقوف على مراحل دخول هذا الاّتجاه مجال ال ّ شعر العربي
    الحديث.
    -4 تمّثل آثار هذا الاّتجاه في ال ّ شعر العربي الحديث.
    3
    توزيع الحصص
    الدّرس:
    الحصّة 1: تمهيد: المفاهيم والمنهج
    الحصّة 2: اّتجاهات ال ّ شعر العربيّ الحديث (عرض تاريخيّ).
    الحصّة 3: الرّومنطقيّة في المهد: المفهوم والخلفيات.
    الحصّة 4: الرّومنطيقيّة العربيّة وأسئلتها.
    الحصّة 5: الرّومنطيقيّة العربيّة: الأعلام والمدارس.
    الحصّة 6: الرّومنطيقيّة العربيّة: المبادئ والمواقف.
    الحصّة 7: مسائل الرّومنطيقيّة العربيّة.
    الحصّة 8: المنجز الفّنيّ لدى شعراء الرّومنطيقيّة العربيّة: ظاهرة
    ال ّ شعر على ال ّ شعر
    الحصّة 9 : المنجز الفّني عند شعراء الرّومنطيقيّة العربيّة: الشاعر:
    المنزلة والوظيفة والصّفات.
    الحصّة 10 : المنجز الفّني:
    ما ال ّ شعر؟
    الحصّة 11 : المنجز الفّنيّ:
    في المسالك الشعريّة: شعر الهوى
    الحصّة 12 : المنجز الفّني:
    في المسالك الشعريّة: شعر المعالي.
    الحصّة 13 : تطبيق : تحليل نصّ شعري رومنطيقي.
    الألحاق:
    -1 من "الدّيوان الّنثري" لل ّ شعر الرّومنطيقي العربيّ.
    -2 قصائد مختارة.
    -3 قائمة المصادر والمراجع.
    4
    الحصّة الأولى
    المفاهيم والمنهج
    مدخل عامّ: -I
    لتحقيق هذه الأهداف والغايات وخاصّة منها تبيّن أجناس الأدب العربي
    الحديث والمعاصر والوقوف عند تيّاراته الكبرى من ناحية واكتساب القدرة على
    شرح الّنصّ الشعري الحديث، رأينا أن نبحث في واحد من أبرز الاّتجاهات سيطر
    على السّاحة الأدبيّة مدّة طويلة واستقطب من شعراء العربيّة المحدثين أبرزهم،
    وتوسّع جغرافيّا فشمل أغلب البلدان العربيّة في تلك المرحلة ثمّ زاد فتفّتح على ما
    وراء البحار وأبلغ صوت الأدب العربيّ حيّا صافيّا في مواطن لم يسبق له أن
    بلغها (روسيا والأمريكيتين تحديدا) وشغل من مدارس تحديث الشعر العربيّ أهمّها
    (الدّيوان، أبولو، حركة الرّابطة القلميّة...) وتواصل صداه حّتى بعد ذهاب هذه
    المدارس وتفرّق شمل أصحابها، كما أّنه مازال يُعدُّ أهمّ اّتجاه أدبيّ اقترن ظهوره
    بالّتجديد الفعليّ في ال ّ شعر العربيّ لا بما أنجز أصحابه فحسب بل وأيضا بما
    جَرُؤُوا على تجاوزه من سائد المفاهيم والأساليب وما مهّدوا به لحركات الّتجديد
    ال ّ لاحقة.
    ملاحظات إجرائيّة منهجيّة: -II
    -1 لمّا كان الأدب في جوهره مظهرا من مظاهر الّنشاط الإنساني العام
    وفّنا من الفنون الّتعبيريّة الأبرز صار من الضروريّ أن يُدرس في علاقته بالحياة
    فعلا وانفعالا، وقد نسل عن هذا واجب معرفة ال ّ ظروف العامّة (الّتاريخيّة
    والسّياسية والاجتماعيّة...) التي حّفت بتجارب ال ّ شعر العربيّ الحديث عّلنا
    واجدون فيها ما يفسّر هذه الّتجارب أو يبرّرها.
    -2 لا يمكن لدارس أيّ مذهب من مذاهب الأدب أن يدرس ما يدرس
    بمعزل عمّا سواه من المذاهب والاّتجاهات، ذلك أنّ هذه الحركات إّنما تتراكب
    5
    وتتعاقب وينشأ بعضها على أنقاض بعض وتعقد بينها نسيجا من العلاقات متشابكا
    تشابكا يجعل الواحدة منها لا تفهم على حقيقتها إ ّ لا في ضوء مقارنتها بغيرها...
    وعلى هذا الأساس بات من الضروريّ الانطلاق من عرض وجيز لأهمّ اّتجاهات
    ال ّ شعر العربيّ الحديث بدءا من نهاية القرن الّتاسع عشر.
    -3 إنّ الّتصدّي لدراسة هذا الاّتجاه بالّذات- والمقصود الاّتجاه
    الرّومنطيقيّ- يفرض على الباحث منهجا واحدا لا نرى الأمر يستقيم إ ّ لا به، وهو
    لأّنه صار من مألوف القول ،(La méthode comparatiste) المنهج المقارنيّ
    في البحوث العلميّة المنجزة في هذا الباب أنّ الّتيّار الرّومنطيقيّ تيّار وافد، طرأ
    على الوجدان العربيّ في مرحلة ما من تاريخه قادما إليه من البلاد الأوروبيّة
    تحديدا تشهد بذلك شهادات الكّتاب وسيرهم وتبعا لذلك نعتقد أّنه َ لا يََتسَنَّى للباحث
    في هذا الّتيّار أن يفسّر " الّنسخة" العربيّة منه دون أن ينعم الّنظر في الأصل،
    وعلى هذا الأساس نعقد فصلا من الدّرس نبحث فيه مسألة تعريف الرّومنطيقيّة
    عند أهلها، بخلفياتها الإجتماعيّة والفكريّة وبمظاهرها الأدبيّة....
    -4 لا تتسّنى دراسة اّتجاه واسع الانتشار شديد التنوّع دون البحث في
    ظروف ظهوره - زمانا ومكانا - وفي العوامل المختلفة التي حّفت بظهوره
    ودفعت به إلى الانتشار في هذا الصّقع وحدّت من بروزه في ذاك، ودون النظر
    في المراحل التي قطعها، وفي مصادره وأصوله، وفي أبرز أعلامه وما خّلفوا من
    الآثار...
    -5 إذا أثبتنا أن الرّومنطيقيّة أمر واقع في الأدب العربيّ الحديث جاز
    لنا الّتساؤل عن امريْن:
    أ-ما هو المنطلق النظري الذي يصدر عنه هؤلاء الأدباء في تصوّرهم
    لوظيفة الأدب وحقيقة الإبداع وفي معنى الشعر وطبيعة الملكات، وفي العلاقات
    التي أقاموها مع التراث، وفي مواقفهم من الحياة والوجود وفي آرائهم في قضيّتي
    التقليد والتجديد وفي منزلة الشاعر عندهم... وصولا إلى التساؤل عن مدى جواز
    الحديث عن نظرية رومنطيقيّة عربيّة...
    6
    ب- يتعّلق الأمر الثاني بالمنجز الفّني للشعراء المعدودين في هذا
    الاتجاه: هل طبّقوا ما دعوا إليه؟ فإن فعلوا ما هي المعاني الأثيرة عندهم وما ح ّ ظ
    ما أنجزوا من الفنّ أو الصّناعة؟
    -6 هل خدم هذا الاتجاه الوافد الشعر العربي الحديث عامّة وما وجوه
    الخدمة إن كانت؟
    -7 في المصادر والمراجع: لتحقيق تلك الأهداف سنستعمل طائفة من
    النصوص تش ّ كل في نظرنا مصادر للرّومنطيقيّة عامة وللرّومنطيقيّة العربية بصفة
    خاصّة، إ ّ لا أنّ استعمالنا لها سيختلف ويتفاوت اختلافا وتفاوتا تقتضيهما الحاجة
    إليهما في ثنايا الدرس، ويمكن تفريع هذه النصوص إلى :
    أ-مصادر تّتصل بتاريخ الرومنطيقيّة الأوروبية
    ب-مصادر عربيّة وهي مقدّمات وسير ونصوص نقديّة ومقالات
    ودواوين وضعها أعلام عرب منسوبون إلى الرومنطيقيّة.
    ج-مراجع تناولت هذه الظاهرة من زوايا نظر ليست بالضرورة
    منسجمة وأخرى عامة وضعت أساسا لبحث قضايا الشعر العربي المختلفة ومنها
    قضية الاتجاه الرومنطيقيّ فيه...
    (راجع قائمة المصادر والمراجع الملحقة بالدرس).
    7
    الحصّة الثانية
    اّتجاهات ال ّ شعر العربيّ الحديث : عرض تاريخيّ
    تجمع الدراسات على أنّ الشعر العربي قد شهد بعد العصور العباسية
    الزاهية مرحلة طويلة حرجة من التراجع والجمود لم تلح تباشير نهايتها إ ّ لا مع
    بداية ما صار يعرف بعصر "النهضة"، وهو عصر يؤرّخ لبدايته المؤرّخون
    بحدثين هامّين مثلا مجتمعين منعرجا حاسما في تاريخ العرب الحديث : الحدث
    على مصر. فقد جرت هذه (N. Bonaparte) الأوّل هو حملة نابليون بونابرت
    الحملة بين سنتي 1798 و 1799 ولم تدم إ ّ لا عامين ولكّنها خلفت من الأثر ما
    تجاوز حدود تلك الأشهر، إذ أقيمت على إثرها المسارح وأنشئت الفرق المسرحيّة
    وأسّست المدارس وبعث مجمع علميّ لدراسة أحوال مصر وفتحت المكتبات العامة
    وأصدرت الجرائد وعرف ال ّ شرق الطباعة وذاق ثمارها.
    1849 ) على مصر بين - أمّا الحدث الثاني فهو ولاية محمد علي ( 1769
    سنتي 1805 و 1848 . وهي ولاية تميّزت بمحاولة إنشاء دولة عصرية آخذة
    بأسباب المدنيّة الحديثة وخاصة منها العلم,. فقد أنشئت المدارس ونشطت حركة
    الطبع ببعث المطبعة الأميريّة بالقاهرة وفتحت أمام الطلبة سبل السّفر إلى البلاد
    الأوروبيّة للّتعّلم، فقصدتها منهم أفواج سيكون لها تأثير في النفوس والعقول بالغ.
    ومهما يكن من أمر هذين الحدثين فإّنه لا مراء في أّنهما قد أسهما في فتح
    آفاق للمعرفة رحبة وفي وضع جسور للّتواصل بين الشرق والغرب نبّهت الأوّل
    من سبات دام طويلا وم ّ كنت للثاني في الأرض والعباد مدّة. كما لا يمكن للدارس
    أن ينكر ما كان لرجال الإصلاح من دور في هذا "البعث" الجديد سواء تعّلق
    1893 ) أو - إصلاحهم بالجانب الاقتصادي والعمراني (علي مبارك : 1823
    - 1897 والشيخ محمد عبده : 1849 - بالجانب الديني (جمال الدين الأفغاني 1838
    1935 ) أو بالجانب الاجتماعي (أحمد فتحي - 1905 ومحمد رشيد رضا : 1865
    ...(1908- 1914 وقاسم أمين : 1865 - زغلول : 1863
    8
    ولقد كان للثقافة عامة وللأدب خاصّة ح ّ ظ من هذه اليقظة، إذ استطاع
    الأدباء أن يقفوا على موضوعات جديدة وعلى أنماط من التفكير وضروب من
    القول تخالف ما ألفوا وقوفا يعود الفضل فيه إلى حّذاق اللغتين السائدتين آنذاك
    (الانقليزية والفرنسية) بما ترجموا من كتب في ميادين شّتى وما وضعوا من
    دراسات وما حرّروا من مقالات صحفية. ومن ثمّ لم يعد الأديب مجرّد "أذن" لا
    تسمع إ ّ لا صدى التراث، بل صار "عينا" على الآداب العالميّة الوافدة و"صوتا"
    يحاول أن يسمع إذا نادى.
    ومع ذلك لم يكن العبور من التقليد إلى التجديد سهلا ذلولا إذ مرّت التجربة
    الشعرية العربية الحديثة بمراحل وتجارب بينها من التنافر قدر ما بينها من التآلف.
    أ-حركة الإحياء :
    لقد وجدت هذه الحركة الشعر العربي وقد صدق فيه قول عباس محمود
    العّقاد: "[...]. وأمّا الشعر فكان لا يقصد به غير الوزن والاستكثار من محسّنات
    الصنعة فملأؤه بالتورية والكناية والجناس والترصيع وجعلوا قصائدهم كّلها كأّنها
    شواهد نظموها ليزيّنوا بها كتب البيان والبديع، وظهر في الشعر التطريز
    والتصحيف والتشطير والتخميس وراح الشعراء يتبارون في اللعب بالألفاظ كما
    يتبارى الأطفال في جمع الحصى الملوّن وتنضيده" [...]. ومن ثمّ حاول الشعراء
    المنسوبون إلى هذه الحركة أن ينف ُ خوا في هذا الشعر الذي أنهكه التقليد طيلة
    1904 ) هو - قرون. وقد أجمع الدارسون على أنّ محمود سامي البارودي ( 1838
    رأس هذه الجماعة وداعيتها الأوّل، تم ّ كن من الا ّ طلاع على عيون الشعر العربي
    القديم فيه حتى لكأنّ همّه الأوحد أن يطاول بقامته "فحول" الشعراء دون سواهم،
    وقد برز ذلك في وفرة المعارضات في شعره. والحق أن البارودي لم يكن فردا
    في هذا الاتجاه بل ساعده على ما ندب نفسه له شعراء آخرون أشهرهم أحمد
    شوقي وإسماعيل صبري وحافظ إبراهيم. ولعلّ ميزتهم مجتمعين أن التقليد عندهم
    لم ي ّ طرد، فهم شعراء قد عبّروا عن جديد عصرهم وقضايا مجتمعهم في ذات
    الوقت الذي عبّروا فيه عن هواجسهم الذاتية في أسلوب يفخرون بمتانة صلته
    بأساليب القدماء.
    9
    فعل هؤلاء الشعراء ذاك وهم موقنون أّنهم يقدمون للشعر العربيّ الحديث
    خدمة جّلى تتمثل في تخليصه من دائرة التكرار التي أسرته طويلا. ولعّله يجوز
    لنا في هذا الموضع أن نتساءل عن قيمة هذه الحركة التي حاربت التقليد بالّتقليد
    وحرّرت ال ّ شعر لتستعبده.
    قد يكون طه حسين على صواب حين عّلل ذلك بقوله : "كان الشعر العربي
    في هذا العصر قديما كّله أو كالقديم ومن هنا كثرت معارضة شوقي وحافظ
    والبارودي وصبري لفحول الجاهلية والإسلام... ولعلّ من الخير أن ننصف
    الشعراء فنلاحظ أّنهم كانوا مضطرين إلى أن يتأثروا بالقديم أوّل الأمر لأنّ هذا
    التأثر بالقديم في نفسه دليل على الحياة والقوّة... هو دليل على أنّ لهذا الأدب
    العربي ماضيا خصبا فيه غناء وفيه قدرة على الحياة ومغالبة العصور... نهضتنا
    الأدبية استمدّت روحها وحياتها من القديم قبل أن تستمدّه من الجديد، ونهضتنا
    الشعرية ظلت إلى الآن قديمة في نشأتها وروحها وغايتها...".
    ومع ذلك فإنّ هذا التعليل على وجاهته لا يدفع "التهمة" عن هؤلاء أو عن
    بعضهم فرجل مثل أحمد شوقي رغم إقامته بفرنسا مدّة أربعة أعوام لم يتأّثر
    بالمعارك الدائرة رحاها بين المذاهب الأدبيّة لذلك العهد تأّثرا قد يدفعه إلى وضع
    (Lamartine) أسس شعر جديد، فهو لم يزد عن ترجمة بعض أشعار لامارتين
    والأخذ بطرف من الّتمثيل ذلك أّنه كما يقول (La Fontaine) ومحاكاة لافونتان
    الّناقد محمّد مندور:"لم يلبث أن نفض يده من الأدب الغربيّ كّله لكي يعود إلى
    قواعده فيعارض بردة البوصيْري أو سينيّة البُحتريّ أو غيرهما من شعراء العرب
    الأقدمين".
    وبعد، مهما يكن من أمر هذه الحركة فإنّ فضلها وإن قامت على الّتقليد-
    كامن في أّنها فصلت بين ضربيْن من الّتقليد غير متكافئيْن وأخصبت معركة القديم
    والحديث وهيّأت لظهور اّتجاهات أخرى أكثر منها ُقدرة على المُضيّ في درب
    الّتجديد.
    10
    ب-حركة المهجر:
    تعدّ هذه الحركة واحدا من أهمّ روافد الأدب العربيّ الحديث غزارة إنتاج
    ووضوح رؤية فّنيّة. وهي حركة أدبيّة قامت على كواهل رهط من الأدباء
    الّلبنانيين اضطرّتهم ظروف الجور والعسف التي عاشها لبنان إلى أن يوّلوا
    وجوههم شطر القارّة الأمريكية بحثا عن الرّزق والحُرّيّة ولكّنهم وقعوا في أسر
    ال ُ غربة القاسي فمالوا إلى الأدب ووجدوا في الصحف التي أنشأها بعضهم فسحة
    وملاذا وقد ساعدت هذه الصّحف على التقريب بينهم في مستوى الرّؤية الفّنيّة.
    اجتمع هؤلاء أوّل الأمر منذ سنة 1913 حول مجّلة " الفنون " التي أسّسها
    1946 ) بمدينة نيويورك، وهي مجّلة كان مضمونها - نسيب عريضة ( 1886
    1988 ) أن تقدّم : "صُوَرًا فّنيّة وشعرًا لا أثر فيه - بشهادة ميخائيل نعيمة ( 1889
    لعقيم الغزل والرّثاء وكاذب المديح ونثرا لا يقتلك ببلادته وبلادة موضوعاته
    ومنتخبات مُترجمة لعدد من أعلام كّتاب الفرنجة". ولئن لم تصمد هذه المجّلة
    طويلا بسبب الحرب الكبرى وضيق ذات اليد فإّنها في عمرها القصير المتق ّ طع قد
    لعبت دور مخبر الّتجريب، إذ م ّ كنت هذه الأقلام الّناشئة منْ أن تتدرّب على الكتابة
    وأن تتطارح القضايا التي َترَى، ولشهادة م.نعيمه في هذا الموضع قيمة إذ ألفيناه
    يقول عنها: "كانت لنا ولِ ُ كتلة صغيرة من الأدباء في نيويورك بُوًقا صافيَ الصّوت
    لا نخجل من أن ننفخ فيه مِن أرواحَِنا، وكانت يدا جميلة ونظيف ً ة يلّذ لنا أن نضع
    في راحتِها ُنتفا من قلوبنا وأفكارِنا لتحملها إلى من تهمّهم قلوبنا وأفكارُنا، وكانت
    إدارتها ملجأ لشوارد آرائنا وج  وا فسيحًا يمتزج فيه هزلنا بِجِدّنا وتلتقِي أحلامُنا
    بآلامنا"...
    يُستفادُ مِنْ كلام نعيمة أنّ هذه الجريدة نهضت بدوْر أخطر من مجرّد ن ْ شر
    خواطر هؤلاء الأدباء الّناشئين وهو صهر هذه الآراء والّتوفيق بينها سعيا إلى
    توحيد الرّؤية الفّنيّة. وبالفعل، ما كادت الجماعة تلتقِي مُجدّدا حول جريدة "السّائح"
    1963 ) حّتى أعلنت بعض عناصرها عن إْنشاء جمعيّة - لعبد المسيح حدّاد ( 1890
    أدبيّة هي"الرّابطة القلميّة" وذلك في شهر ماي من سنة 1920 ، وقد حدّدت هذه
    11
    الجمعيّة لنفسها هدًفا يتمّثل في "ب ّ ث روح جديدة نشيطة في جسم الأدب العربيّ
    وانتشاله من وهدة الخمول والّتقليد إلى حيث يصبح قوّة فعّالة في حياة الأمّة".
    لقد أسهمت هذه الجمعيّة في "بعث" الأدب العربيّ لا عن طريق
    المعارضات والّتقليد كما فعل البارودي وحافظ وشوقي وأضرابهم وإّنما بالاعتماد
    على "المنتخبات المترجمة" وبالإعراض عن مظاهر "العقم" في الشعر العربي، وقد
    حدّدها أعضاؤها في المباني (الأوزان الخليلية تخصيصا) وفي المعاني (كاذب
    المديح وعقيم الغزل والرثاء).
    ظّلت "الرابطة القلميّة" على مدى 11 سنة رافدا هاما من روافد الأدب
    العربي الحديث ثمّ تفرّق شملها بفعل الظرف أو الموت ومع ذلك ظّلت دعوتها
    تتردّد بين من بقي من أعضائها ومن نهج نهجها من أدباء العربية.
    ج-حركة الديوان:
    حركة نقديّة وشعريّة نهض بها ثلاثة من أدباء العربية ونقادها المحدثين في
    - 1958 ) وعباس محمود العّقاد ( 1889 - مصر وهم عبد الرحمان شكري ( 1886
    1949 ). وتستمدّ الحركة اسمها من - 1964 ) وإبراهيم عبد القادر المازني ( 1889
    عنوان كتاب صدر جزءاه سنة 1921 واشترك في تأليفه المازني والعّقاد. ولم يتمّ
    هذا الالتقاء إ ّ لا على أساس رفض شعر الصنعة ورفض "التقليد الواعي" الذي
    مارسه البارودي ومن معه. فقد أعلنت الجماعة حتى قبل صدور الكتاب أنّ على
    الشاعر أن يعلن حريّة الشعر والشعور وأ ّ لا يستمع إ ّ لا إلى وحي ذاته. ويبدو أنّ
    شكري قد أفاد من إقامته ببريطانيا أكثر ممّا أفاد شوقي من رحلته إلى فرنسا،
    فضمّ إلى ثقافته القديمة ثقافة غربيّة حديثة متينة. أمّا المازني فقد أمعن في الجمع
    بين الثقافتين حتى انتهى به الأمر إلى الإيمان بأنّ أصالة الشاعر في صدق تعبيره
    عن ذاته.
    وبالجملة فإنّ جماعة الديوان طائفة عافت نفسها التقليد فعدلت عنه ودعت
    إلى ضرب من الشعر جديد يلائم العصر وسايرت جماعة المهجر في دعوتها.
    ومع ذلك فإنّ "الرابطة القلميّة" قد ذهبت بأغلب الفضل لأنّ جماعة "الدّيوان" لم
    تخلق مدرسة شعرية ولم تربّ تلاميذ وأتباعا "على حدّ عبارة محمّد مندور.
    12
    د-جماعة أبولو:
    نشأت وتكوّنت في مصر بعد أن انفرط عقد "الرابطة القلميّة" وتفرّقت
    جماعة "الديوان"، وقد أصدرت هذه الجماعة مجّلة تحمل نفس الاسم بداية من سنة
    (1955- 1932 . وقد حصر زعيمها الشاعر أحمد زكي أبو شادي ( 1892
    أغراض الحركة في :
    -1 السّموّ بالشعر العربي وتوجيه جهود الشعراء توجيها شريفا
    -2 مناصرة النهضات الفنيّة في عالم الشعر
    -3 ترقية مستوى الشعراء أدبيّا واجتماعيّا وماديّا والدفاع عن كرامتهم.
    بدأت الجماعة باختيار أحمد شوقي رئيسا لها وخليل مطران نائبا له
    وضمّت ك ّ لا من علي محمود طه وحسن كامل الصيرفي وإبراهيم ناجي وأحمد
    زكي أبي شادي وسواهم. ويبدو من تركيبتها أّنها جمعية "تضمّ كلّ المذاهب
    والآراء وينتظم في صفوفها كلّ الشعراء من مختلف المشارب والنزعات" وأّنها
    كأّنما جاءت لتوفق بين أنصار التقليد ودعاة التجديد. لكنّ دراسة ما أنتجت من
    أعمال وما أثر عنها من دعوات تجعلنا نوقن أنّ ش ّ ق المجدّدين فيها كان الأبلغ
    صوتا، فما أثرت عن شوقي في هذا الباب دعوة تذكر، بينما طغت أصوات علي
    محمود طه وأبي شادي وناجي. ورغم انفراط عقد الجماعة بداية من سنة 1934
    فإنّ الدعوة لم تنقطع ذلك أنّ أبا شادي وإبراهيم ناجي وعلي محمود طه قد
    واصلوا نشر إنتاجهم المستجيب أغلبه لدستور الحركة واّتجاهها. ولعّلنا نغمط
    الحركة حقها إن اكتفينا بما ضمّت أعداد المجّلة من المقالات – وهي قليلة-. وقد
    أضاف أبو شادي إلى ثورته على "الكلام الموزون المقّفى" تجريب كتابة الشعر
    الحرّ قبل ظهوره تيّارا مستق ّ لا، ومع ذلك فإنّ محمّد مندور لم يجانب الصواب حين
    قرّر أنّ هذه الجماعة لم تكن مدرسة أدبيّة متجانسة، ولعلّ الشابّي أن يكون على
    ح ّ ق في حكمه لأّنه أدرك بحسّ نافذ أنّ هذه الحركة "لا تعوزها الّثورة بقدر ما
    يعوزها تنظيم الثورة".
    وفي نفس هذا الإطار، إطار الضيق بالقديم والبرم بقيوده، برز أبو القاسم
    الشابّي ووجد في مجلة "العالم الأدبي التي تأسّست سنة 1930 متنفسا له فراح
    13
    يجمع الأقلام حولها، كما وجد في نادي الخلدونيّة فسحة نفث فيها عام 1929
    محاضرته الشهيرة "الخيال" الشعري عند العرب" التي أسّسها على مفهومي الخيال
    والجمال وحظ الأدب العربي منهما وقد أوصله البحث إلى أنّ حظ أدب العرب من
    الخيال ضئيل فهو لذلك خليق بأ ّ لا يُّتبع.
    ونحن نذكر الشابّي في هذا الموضع من الحديث عن أهمّ حركات الشعر
    العربي في مطلع القرن العشرين لأّنه في تقديرنا يمّثل خلاصة هذه الحركات خير
    تمثيل، فقد انعقدت الصلة بينه وبين جماعة "أبولو" فنشر في مجّلتهم طائفة من
    شعره ونشره، واستكتبه أبو شادي مقدّمة لأحد دواوينه. أمّا حركة المهجر فقد كان
    الشابّي واقعا تحت تأثيرها متابعا لما يكتب أعلامها مّتخذ هؤلاء واسطة بينه وبين
    الآداب الأجنبية التي حرم لّذة الاطلاع عليها لأّنه حسب عبارته "لا يطير في عالم
    الأدب إ ّ لا بجناح واحد"...
    ه-تجربة الشعر الحرّ:
    لن تتوقف تجارب الشعر العربي عند هذا الحدّ، حدّ تراجع التقليد وبروز
    التجديد، لأنّ التجديد سيزداد رسوخا مع "حركة الشعر الحرّ" وما سيتلوها من
    التجارب.
    برزت تجربة الشعر الحرّ في العراق ونهض بأمرها ثلاثة من الأعلام وهم
    نازك الملائكة وبدر شاكر السيّاب وعبد الوهاب البياتي، وقد عمد هؤلاء إلى
    تجّنب الشكل العروضيّ التقليديّ قبل أن يجدّدوا في الموضوعات والصور على
    تفاوت بينهم في الحالين. وقد تابعهم في دعوتهم تلك تابعون من خارج العراق
    وتوسّعت دائرة التجربة توسّعا دلّ على أنّ جيلا من الشعراء جديدا ضاق بالتقليد
    وبالإحياء وحتى بالرّومنطيقيّة الناشئة فحاول البحث عن البديل. ومن أبرز هؤلاء
    1983 ) واللبناني خليل حاوي - الشاعر المصري صلاح عبد الصّبور ( 1931
    1982-1926 )... ويبدو من أعمال الأعضاء المؤسّسين ومن سار على خطاهم )
    أنّ دولة التقليد قد دالت، وفي هذا الخضمّ ستنشأ مجموعة "شعر" عن فكرة للشاعر
    1987 ) وإليها سينضمّ خاصة كل من علي أحمد سعيد - يوسف الخال ( 1917
    14
    (أدونيس) ونذير العظمة، وستحمل لواء التجديد مدّة قبل أن يتفرّق شملها هي أيضا
    منذ سنة 1969 ، تاريخ إنشاء أدونيس مجّلة "مواقف".
    15
    الحصّة الثالثة
    الرّومنطيقيّة في المهد : المفهوم والخلفيات
    لمّا صحّ أنّ الرّومنطيقيّة إّنما هي اتجاه وافد على الشعر العربي الحديث،
    بات من الضروريّ قبل الوقوف على نصوص الرّومنطيقيّين العرب أن نقف على
    الرّومنطيقيّة الغربيّة من حيث عوامل نشأتها وظهورها وتطوّرها وانحسارها في
    بيئاتها الأولى ورأس ذلك كّله تعريف الرّومنطيقيّة.
    لقد شغل هذا الاتجاه الدارسين كما لم يشغلهم مذهب آخر بسبب صعوبة
    الاهتداء إلى هويّته ونعته، وقد تصدّى لهذه المسألة أفراد أفذاذ ولم ينتهوا إلى
    ينتهي (Paul Van Tieghem) تعريف مقنع، فهذا الباحث الفرنسي ب.ف. تيغام
    إلى القول : "إّننا نحسّ الرّومنسيّة ولا نستطيع تعريفها" وأنّ "الرّومنسيّة تّتخذ من
    الأشكال بقدر ما فيها من المؤّلفين" وأّنها "تفلت من أيّ تعريف واضح محدّد" كما
    ذهب إلى أّنه "يوجد من الرّومنسيات قدر ما يوجد من رومنسيّين". أمّا ب. موروا
    وهو من مؤرّخي الرّومنسية الفرنسية المعدودين - فيسّلم -(Pierre Mauroy)
    قائلا: "لن نجد تعريفا لما كانت طبيعته من طبيعة الأسرار الخفيّة".
    ومع ذلك فلا أقلّ من تعريف الرّومنطيقيّة تاريخيّا بأّنها حركة فنيّة وفكريّة
    واسعة شملت شتى الميادين كالتاريخ والسياسة والإصلاح الاجتماعيّ والفلسفة
    والأدب والفنون التشكيليّة والدراميّة وزادها اّتساعا ظهورها في البلدان الأوروبيّة
    في فترات مختلفة ممّا أسهم في اّتخاذها ألوانا محليّة متنوّعة.
    يضاف إلى ذلك أنّ الرّومنطيقيّة لا تتقيّد بقيود واضحة كتلك التي قامت
    عليها الكلاسيكيّة، وأّنها قد قيّض لها من الانتشار في الآداب غير الغربية والتحّلي
    بحلاها والّتأقلم معها ما يجعل محاولة حدّها بدّقة عملا لا غناء فيه.
    على أنّ ما سبق لا يعني أنّ الرّومنطيقيّة أصبحت قابلة لكلّ صورة
    وتعريف، فرغم صفتي الإطلاق والشمول فيها يمكن للباحث أن يقف على معالم
    16
    رئيسيّة واضحة وسمات كبرى مشتركة تستمدّ من أعمال الرّواد ونصوص
    اللاحقين وممّا قرّرته جمهرة الدارسين بعد ذلك.
    محاولة تعريف:
    يّتضح من مراجعة أهمّ اللغات الأوروبيّة الحديثة أن المصطلح سواء أكان
    أو صفة (رومنطيقيّ (Romantisme مصدرا صناعيّا (رومنطيقيّة أو رومنسيّة
    إّنما يرجع إلى أصل واحد، إذ استعمل هذا الأصل للدّلالة على ،(Romantique
    مجموعة من اللغات والآداب (الكاطالانيّة، الفرنسية، الإسبانية، الإيطالية،
    البرتغاليّة، السويسريّة...) تفرّعت عن اللغة اللاتينية القديمة واعتبرت إلى ما قبيل
    عصر النهضة الأوروبيّة لهجات عاميّة لا ترقى إلى مستوى اللاتينيّة الفصيحة،
    كان يستعمل في القرون الوسطى (القرن 12 م تحديدا) للدلالة Roman كما أنّ لفظ
    على كلّ قصّة شعريّة أو نثريّة تنوقلت بغير اللاتينية الفصحى ولم تتقيّد بقاعدة في
    الكتابة معيّنة وضمّت مغامرات مقتبسة من الأساطير القديمة محورها الحبّ
    والفروسيّة وأبطالها خياليّون.
    ويبدو من تاريخ اللفظ أنّ اللغة الانقليزيّة كانت أسبق من الألمانية في نقل
    اللفظ عن الفرنسية إذ تمّ لها في منتصف القرن السابع عشر م اشتقاق صفة
    وإطلاقه على كلّ ما غريب عجائبيّ زائف، وسيظلّ (Romantic) رومنطيقي
    الأمر كذلك مدّة قرن من الزمان يتحوّل النعت بعده من السلب إلى الإيجاب، على
    J. J. Rousseau) أنّ المشهور بين عموم الدارسين أن ج. ج. روسو
    في (Romantique) 1775-1712 ). هو أوّل من استعمل صفة رومنطيقيّ
    Rêveries d'un : الحديث عن المشهد الطبيعي الخ ّ لاب وذلك ضمن كتابه الشهير
    Les rives du lac de Bienne sont : حين قال ،promeneur solitaire
    plus sauvages et romantiques que celles du lac de Genève".
    [إنّ ضفاف بحيرة بيان أكثر وحشيّة ورومنطيقيّة من ضفاف بحيرة
    جينيف"]...
    17
    ولقد كان الألمان سبّاقين إلى إكساب هذه الصفة معناها الأدبي خاصة في
    أوّل من أجرى المقابلة (Goethe) ويعدّ قوت .Schiller ومآسي Tieck أشعار
    بين الرومنطيقي والكلاسيكي، وهو أمر ظلّ سائدا إلى اليوم في مجال دراسة
    تدعيما وتدقيقا. وبهذه المقابلة بين ما هو V. Hugo المذاهب الأدبيّة، بعد أن زاده
    كلاسيكي وما هو رومنطيقيّ بدأت تتضح معالم هذا الاتجاه الجديد إلى أن حدثت
    النفرة بين المذهبين فصار اللفظ يعني "إعلان حرب" على التقليد والجمود والثورة
    على المحافظين. أمّا عند الخصوم –خصوم الرومنطيقيّة- فالرّومنطيقيّ هو ذاك
    الذي ارتدّ عن الرومنطيقيّة إلى ) Goethe "الشخص المريض" كما يقول
    الكلاسيكيّة)، أو هو كلّ كائن تضاءل عنده إعمال العقل وقلّ احتكامه إليه حتى
    أكلته الخيالات.
    واضح أنّ هذا المفهوم الثاني إّنما أنشأه خصوم هذا المذهب تحقيرا له لمّا
    لاحظوا أّنه أخذ يكتسح معاقل الكلاسيكيّة إن مسرحا أو شعرا أو تاريخا أو
    موسيقى. والغريب في الأمر أنّ هذا المفهوم كرّسه الاستعمال اليومي والمعجميّ
    حتى شاع، حتى لقد صار المذهب أمارة على كلّ ذي فكر سقيم ورأي ضعيف،
    يعرّف الرومنطيقيّ بأّنه كائن انتصر عنده الوجدان والخيال Larousse فهذا معجم
    على التعّقل...
    فهل نستطيع بعد هذا أو بهذا أن نحدّ الرومنطيقيّة؟
    يبدو أنّ اللغة تفضّ جانبا من المشكل إذ تقتصر على نشأة المعنى
    وتحوّلاته، لكّنها قاصرة عن أن تحدّ الرومنطيقيّة. فلئن كانت الأصول واحدة أو
    تكاد فإنّ في البحث عن انسجام في المفهوم لدى كلّ دعاة الرّومنطيقيّة وأتباعها
    هدما للرّومنطيقيّة وتقويضا لأسسها لأنّ ذلك معارضة لأسّسها الأوّل من حيث هي
    دعوة قامت على الانطلاق والتحرّر من القيود والتحّلل من كلّ ما يجعل الأديب
    أسير مذهب وقواعد لا يخرج عنها.
    فهل تسعفنا معرفة مراحل التطوّر بالاقتراب من مفهوم الرّومنطيقيّة؟
    لئن اختلف في تحديد الرّومنطيقيّة فإنّ الإجماع حاصل على أّنها اّتجاه نشأ
    على أنقاض المذهب الكلاسيكي ذي الأصول الفرنسية الذي ساد الآداب والفنون
    18
    سيادة تامّة منعت الآداب المحليّة من الظهور بله التطوّر. فقد استتبّ الأمر
    للكلاسيكيّة وتعاون على إرساء قواعدها الصارمة رهط من الأدباء البارزين ومن
    وقد ،(L'art poétique) " صاحب كتاب "فنّ الشعر (Boileau) أهمّهم بوالوا
    عرف عن أنصار هذا المذهب تشدّ دهم في تطبيق تلك القواعد وذلك بتقسيم
    الأجناس الأدبيّة والفنيّة إلى أجناس راقية وأخرى دنيا واعتماد العقل في كلّ شيء
    باعتباره القادر وحده على كبح جماح الخيال.
    ثمّ نشأت بالتدريج أجيال جديدة سئمت الذوق الكلاسيكي وضاقت مواهبها
    بقواعده الصارمة إذ وجدت فيها ما يتنافى وحريّة المبدع فحاولت مناقضتها، ومن
    ثمّ صار تعريف الرومنطيقيّة لا يتمّ إلا عبر فهم الكلاسيكيّة.
    لقد برز هذا التيار في انقلترا وألمانيا ثمّ تبعتهما فرنسا، أمّا السّرفي هذا
    الترتيب فيعود إلى أنّ انقلترا وألمانيا كانتا أقلّ تأّثرا بالكلاسيكيّة وكان أدباؤهما
    وفّنانوهما أكثر جرأة في الدفاع عما سيعرف بعد ذلك ب"الّلون المحّلي"، في حين
    ظّلت فرنسا محافظة على قواعد الكلاسيكيّة مدّة أطول لأّنها مثلت منبع هذا الاتجاه
    وحصنه الحصين.
    انطلق التيار الرّومنطيقي داعيا إلى تقويض مبادئ الجمالية الكلاسيكية
    بالعودة إلى منابع الثقافات القوميّة إذ عكف الألمان على الآداب البدائيّة يستنطقونها
    أمّا في ...Schlegel والأخوين Goethe و Lessing و Herder وذلك على يدي
    انقلترا فقد عبّر الرومنطيقيّون الأوائل عن تعّلقهم بمبادئ الثورة الفرنسية وأفكار
    ...Schelley و Hazlett روسو وتابعهم في ذلك المسلك أدباء مرموقون أمثال
    وقد صاحب هذا الإعجاب إعراض شديد عن كلّ ما أنتج الفرنسيون طيلة
    القرن السابع عشر –عصر الكلاسيكية الأبرز-، ويبدو أنّ هؤلاء قد وجدوا
    ضاّلتهم في الاتجاه الرومنطيقي الذي بدا لهم تحقيقا لما دعا إليه شاعرهم
    وما اشتهر به من خصوبة في الخيال فاق بها ،W. Shakespeare الأكبر
    أقرانه...
    19
    ولمّا كانت الإحاطة بكلّ الرّومنطيقيّات المحليّة تتطّلب من التوسّع ما لا
    يسمح به هذا المجال رأينا أن نقتصر منها على أنموذج دالّ لم تحفل به الدراسات
    العربية إ ّ لا نادرا ذاك هو الأنموذج الألماني.
    حرفيّا : "عاصفة واندفاع"، وهي ) Sturm und Drang تعتبر حركة
    أوّل جذور (Klinger عبارة مستمدّة من عنوان مسرحيّة للكاتب الألماني
    الرومنطيقيّة في المجتمع الألماني، وقد برزت حوالي سنة 1770 بزعامة الأديب
    فالأوّل حين أّلف مسرحيته ،Goethe و Schiller وانتمى إليها كلّ من Herder
    Die Leiden des المجرمون) والثاني بروايته الشهيرة ) Die Raüber الذائعة
    آلام الفتى فرتر). وقد مرّت الرّومنطيقيّة بمراحل ثلاث ) jungen Werthers
    اقترنت كلّ مرحلة منها باسم مدينة من المدن الألمانيّة، ويمكن التركيز على أولاها
    باعتبارها منطلق القواعد والأفكار المؤسّسة وباعتبار أنّ ما سيأتي بعدها ليس إ ّ لا
    تعديلا أو تدعيما لما س ّ طرت.
    Fichte وفيها كان الفيلسوف ،(Jena) اقترنت المرحلة الأولى بمدينة يّنا
    يدرّس فلسفته الإطلاقيّة القائمة على اعتبر الأنا أسّ العالم... وقد E. Kant تلميذ
    (Novalis و Tieck و Schlegel التأم شمل طائفة من المبدعين (مثل الأخوين
    وقد وحّد بينهم إلى جانب الحسّ الفّني المرهف، الإيمان بقدرة العاطفة ودور
    Novalis الإلهام والبرم بالواقع والضيق بالقيود المفروضة على الفنّ حتى قال
    قولته ال ّ شهيرة: "يجب أن يَْنعم العالم بالرومنطيقيّة". ولقد حاول هؤلاء أن يرسموا
    يعلى من شأن الشاعر Novalis للرّومنسيّة مبادئ تخالف المألوف حّتى ألفينا
    إعلاء بلغ به مرتبة الأنبياء والقدّيسين، ويجعله يرى ما لا يرى ويدرك من أسرار
    الطبيعة ما لا يدركه الأناسيّ.
    وكانت (Heidelberg) أمّا المرحلة الثانية فقد تأسّست في مدينة هيدلبرق
    بح ّ ق مرحلة انتشار المبادئ السابق ذكرها.
    وأمّا ثالثة المراحل فقد توسّعت فيها الحركة توسّعا شهدته مدينة برلين
    خاصّة. (Berlin)
    20
    ومع هذا، إذا نحن تجاوزنا هذه الفوارق القطريّة للرّومنطيقيّة بحثا عمّا
    يؤّلف بينها ألفينا الخصائص المشتركة التالية :
    -1 أنّ الرّومنطقيّات جميعا على اختلاف العصور والأمصار قد تشاكلت في
    مراحل التطوّر ومرّت في الأغلب بثلاثة أطوار : أوّلها طور اصطلح النقاد
    ومؤرّخو الآداب منذ مطلع القرن العشرين على تسميته بطور ما قبيل الرومنطيقيّة
    أمّا الثاني فطور القوّة والانتشار، وأمّا خاتمها فطور ،(Le pré-romantisme)
    التراجع والانحسار، وبما أنّ هذه الرّومنطيقيّات لم تتواقت في الظهور فإنّ لكلّ
    منها تاريخها الخاصّ وإن تقاربت المسارات أحيانا.
    -2 إنّ هذه الرّومنطيقيّات لم تستثن جنسا واحدا من أجناس الأدب ولم تعمد
    إلى تصنيف تراتبيّ كذاك الذي سّنته الكلاسيكيّة، بل تعاملت مع كلّ الأجناس
    V. بضرب من المساواة فآخت بينها وحرّرت المبدع في التعامل معها حتى قال
    قولته : "إّنها [الرّومنطيقيّة] الثورة الفرنسيّة وقد تحّققت في الأدب. أليست Hugo
    هي حريّة الإلهام وتآخي الفنون ومساواة الأجناس الأدبيّة بل مزج بعضها ببعض".
    -3 تقاربت عوامل النشأة سواء ما اّتصل منها بالأوضاع الاجتماعيّة
    والسياسية أو الاتجاهات الفلسفيّة، ويبدو أنّ شيوع فلسفات بعينها قد أذكى الجذوة
    في نفوس الشباب إ ْ ذ لا يعدم الرومنطيقيون على اختلاف بلدانهم صلة ما بفلسفة
    أساسها رفض العقلانيّة أو الحدّ من سطوتها، مع الدعوة إلى حريّة الشعور وحق
    الفرد في التعبير عن مشاعره الذاتيّة، علما أنّ هذه الفلسفات جميعا تجد رجعا في
    Leibniz و ،D. Hume المتأثر بدوره بفكر د. هيوم Kant فكر الألماني
    ذلك أنّ الفلسفة حاولت أن تسهم في تعيين الجمال وتحديد مقاييسه ،Rousseau و
    فانتهت إلى أنّ الجمال نتاج الذوق. والذوق لا يحدّ لأّنه وليد الإلهام والعبقريّة
    وذلك خلافا للتصوّر الكلاسيكيّ الذي يرى أنّ الجمال واحد لا يتبدّل لقيامه على
    مفهوم الانعكاس.
    أمّا بالنسبة إلى الاجتماعي والسياسي والأدبيّ، فقد كان القرن الثامن عشر
    عصر تحوّلات اجتماعيّة جمّة تمثلت خاصة في تغيّر في نظام الطبقات الاجتماعية
    صحبه تحرّر في القيم ومحاولات تحرّر سياسي وفكري كانت الريادة فيه للطبقة
    21
    البورجوازيّة الناشئة التي أخذت تهدّد الأرستقراطية الساكنة المستندة إلى النظامين
    الملكي والكنسيّ... ومن ثمّ لم يعد همّ الأديب مقصورا على إرضاء هذه الطائفة،
    بل أتيحت له فرصة الدفاع عن الطبقات الناشئة –وهي طبقات ذات أصول شعبيّة
    في أغلبها- وبناء على ذلك تحرّر الأديب من "الصالونات والقصور" وصار لا
    يشينه أن يطرح قضايا "العامّة" حّتى حّلت الثورة الفرنسية تتويجا لهذه الأعمال
    والآمال َفسَرَى تأثيرها في كامل أنحاء أوروبا حتى ألفينا شعراء الانقليز يتغّنون
    بفرنسا لأّنها بزعمهم ستفرض الحريّة على العالم. كما كان للثورة الفرنسية أثر في
    الأدباء الألمان بعيد حتى رأوا في باريس صورة جديدة لأثينا الإغريقيّة القديمة.
    ولكنّ ما عرفته الثورة من انتكاس وانحراف أدّى بالأدباء إلى الإحساس بمرارة
    الخيبة فانصرفوا باحثين عن مشاغل جديدة يتأسّون بها فكان الالتفات إلى التراث
    المحّلي والآداب القديمة (بالنسبة إلى الانقليز والألمان) وكان ظهور ما صار
    A. De عند أدباء فرنسا، ولعلّ (Le mal du siècle) " يعرف ب"مرض العصر
    أن يكون خير من عبّر عن هذا الإحساس بقوله : "توزّعت الشبّان الذين Musset
    عاشوا ذلك العهد ثلاثة عوامل، فمن خلفهم ماض وّلى وانقضى [...] وأمامهم فجر
    مقبل غير محدود الأفق [...] وبيّن هذين العالمين [...] بحر متلاطم الأمواج [...]
    لا يدري المرء في كلّ خطوة يخطوها أيمشي على زرع أم على حطام"...
    تبدو هذه المواقف المتناقضة داّلة على الحيرة التي استبدّت بشباب ذلك
    العصر وحفلت بها أعمالهم الأدبيّة: تعّلق بالثورة من ناحية وانتقاض عليها من
    ناحية ثانية.
    قولته الرائجة : "إّني Rousseau لقد كانت الثورة منتظرة مشتهاة مذ قال
    ثمّ لمّا حّلت وصارت واقعا ،(J'étouffe dans l'univers) " أختنق في الكون
    فتحت أبواب الأمل مشرعة ولكن سرعان ما أسقط في يد مجايليها فتبدّدت آمال
    في صورة المخّلص الملهم (N. Bonaparte) عراض وبرز نابليون بونابرت
    تارة وفي صورة العدوّ البغيض تارة أخرى حتى انطبق عليه قول
    إّنه كائن مزدوج الوجود"، مثله في ذلك مثل البطل " Chateaubriand
    الرّومنطيقيّ الذي تحاربه الدنيا جميعا ويحاربها فردا مفردا...
    22
    وبعد، ومهما يكن من أمر هذه الثورة، فإنّ من مخّلفاتها الإيجابيّة أّنها
    حرّرت المشاعر ومدّت الأقلام بمداد جديد كان جسرا للتعبير عن هموم الذات
    توجز " : Hugo ومنبعا لما يسمّى بالرّومنطيقيّة الإنسانيّة والاجتماعيّة حتى قال
    Ma vie se résume en deux mots, ) " حياتي في كلمتين : متفرّد، متضامن
    Les : وتأسيسا على هذا كتب مؤّلفه الذائع (البائسون (solitaire, solidaire
    بأحلام البائسين"... وأضحى الأدب "لسان " Lamartine وتغّني ،(misérables
    حال المجتمع". ولمّا كان هذا المجتمع المراد التعبير عنه جديدا فقد اقتضى ذلك
    بين ثورة في المجتمع تمّت وأخرى في V. Hugo أدبا جديدا حتى لقد ضاهى
    الأدب يجب أن تتمّ لتحدث الثورة الشاملة.
    إنّ هذه العوامل المختلفة قد تسهم في شدّ فروع الرّومنطيقيّة إلى بعضها
    بعضا ولكن لعلّ ما يجعلها متقاربة حّقا هو ما طفحت به أعمال أدبائها على
    اختلاف لغاتهم وأمصارهم، من الأبعاد والمعاني والصور.
    Le romantisme ) -1 البعد الأوّل: البعد الذاتي أو الرّومنطيقيّة الذاتيّة
    .(personnel
    يلتمس حضور هذا البعد في ما تتوّفر عليه أعمال الرّومنطيقيّين من
    إعراض عن العقل وما يقود إليه ومن اّتباع لما يهدي إليه القلب والوجدان، فقد
    أحّلوا الثاني محلّ الأوّل واعتبروه مصدر الإلهام ومنبع العبقريّة حتى قال قائلهم
    Frappe-toi le ) اضرب على قلبك فهو مكمن العبقريّة : A. De Musset وهو
    ولمّا ضرب الشعراء على قلوبهم قاسوا كلّ .(coeur, c'est là qu'est le génie
    ما خبروا بمقياس القلب وحاولوا تتبّعه في كلّ خلجاته فإذا هم يشجيهم الحبّ
    اليائس وتهزّهم ...الوحدة الموّلدة للوحشة ويأسرهم المشهد الطبيعيّ الملائم لتلك
    الحالة النفسيّة (وخاصّة مشهد الزوابع والعواصف) فيطنبون في تصويره صدقا
    وتخيّلا. ولمّا كان هؤلاء إّنما يتعاملون مع الواقع بقلوب رقيقة أو كذا خيّل إليهم
    فقد ثاروا عليه وأحسّوا بالغربة وهم بين أهلهم وذويهم فتاقوا إلى عالم أرحب
    ركبوا إليه مطيّة الخيال فانطبعت أعمالهم بذلك انطباعا.
    23
    -2 البعد الثاني: الرّومنطيقيّة الاجتماعيّة والسياسيّة:
    لئن بدا الأمر مفارقا بالنسبة إلى من لا يرى في الرّومنطيقيّة إ ّ لا ضربا من
    المرض، فإن الرّومنطيقيّين لفرط ما سبق راحوا يتغّنون بمبادئ إنسانيّة مثل
    الحريّة والإخاء والمساواة (شعار الثورة الفرنسية) ويدعون إلى السّلم ويعالجون
    قضايا البؤس والتشرّد ويمتدحون عظماء نصّبوهم مثلا عليا (مثال ذلك : كتاب
    بمآثر الرسول Lamartine حياة محمّد] الذي تغّنى فيه ] La vie de Mahomet
    الكريم صّلى الله عليه وسّلم...).
    :(Le romantisme mystique) " -3 البعد الثالث: الرّومنطيقيّة "الصّوفيّة
    إذا اجتمعت الصفتان السالفتان الذكر في نفس واحدة فكانت حسّاسة ثائرة
    فقد اجتمع لها –في زعمهم- ،V. Hugo تتغّنى "بالجميل والنافع" على حدّ عبارة
    ما يجتمع للأنبياء والأصفياء وتمّت الرسالة، وإذا الرّومنطيقيّة تغنّ بالبحث عن
    وإيمان بنبوّة (Novalis : Hymne à la nuit) المطلق وتمجيد لليل الملهم
    الشاعر وضرب من ضروب التصوّف والفناء في الكلمة وتغنّ بالرّوح الجامعة
    وتعّلق باللامرئيّ في ما سيعرّفه الدارسون بالرّومنطيقيّة الرّوحانيّة أو الصّوفيّة"...
    24
    الحصّة الرابعة
    الرّومنطيقيّة العربيّة وأسئلتها
    تمهيد: -I
    بعد أن عرضنا غايات الدرس ونظرنا في أهمّ خصائص الشعر العربي
    الحديث واتجاهاته في مطلع القرن العشرين، وبعد أن ردّدنا النظر في الطرف
    الأوّل من هذا الثنائي (رومنطيقيّة غربية + شعر عربيّ) يجوز لنا منهجيّا دراسة
    هذا "اللقاء" الأدبي وما توّلد عنه، على أنّ ذلك لا يتمّ في نظرنا إ ّ لا بعد طرح
    طائفة من التساؤلات المترابطة ويمكن إيجازها في ما يلي :
    أ-هل عرف الأدب العربي الرومنطيقيّة؟
    ب-لم تعّلق بها دون سواها أو لنقل أكثر من سواها؟
    ج-متى تمّ لهذا الاتجاه الانتشار؟ وأين؟
    د-كيف تمّ ذلك؟
    ه-ما مصادرها ولمن كانت الغلبة فيها؟
    و-من الذي أفاد منها من أعلام العربيّة ومدارسها؟
    ز-ما نتائج هذا اللقاء الأدبيّ، وهل كان له دور في ترقية الشعر العربيّ؟
    ح-إلى أيّ مدى يمكن الحديث عن رومنطيقيّة عربيّة؟
    -هل عرفت الآداب العربيّة الحديثة الرومنطيقيّة؟
    لا خلاف بين دارسي الأدب العربيّ ومؤرّخيه في مسألة تسرّب هذا الاّتجاه
    إليه، فلقد ألفينا هم يجمعون على حدوث هذا الّلقاء ثمّ يختلفون في تقدير دوره
    وفضله. آية ذلك أّنه لا تخلو دراسة واحدة سواء ما اختصّ منها بعلم من أعلام
    هذا الاتجاه أو ما تعّلق بتاريخ الأدب العربي عامّة من الإشارة إلى ما لهذا الاتجاه
    الأدبي والفكري والفني من أثر في أدبنا عامّة وفي شعرنا الحديث خاصّة، حّتى
    25
    لقد ألفينا بعض الدارسين لا يعّنون أنفسهم بإثبات وجود هذه الرومنطيقيّة أو عدمه
    لأنّ ذلك صار عندهم ممّا لا يحتاج إلى بيان، فهذا محمّد بّنيس، -الشاعر والباحث
    المغربيّ- يخصّص قسما من أطروحته عنوانه : الرّومانسيّة العربيّة".
    وكذا فعل محمّد يوسف نجم وإحسان عبّاس في مؤّلفهما المتعّلق بالمهجر
    الأمريكي الشمالي وهلمّ جرّا. أمّا بالنسبة إلى تلك الدراسات المخصّصة لأعيان
    من شعراء العربيّة أو مدارس – وهي كثيرة- فإنّ جهد أصحابها لم ينصرف إلى
    وضع تسرّب الرّومنطيقيّة إلى الشعر العربي موضع شكّ بل كان وكدهم إبراز
    مدى إفادة الشاعر محور البحث من هذه المدرسة وكيفيّاتها، نستثني من ذلك
    عملين لأّنهما نهضا على هذا السّؤال : الأوّل هو البحث الموسوم ب"أهمّ مظاهر
    الرّومنطيقيّة في الأدب العربي وأهمّ المؤثرات الأجنبيّة فيها" لصاحبه فؤاد
    القرقوري، أمّا البحث الثاني فيتأسّس على أطروحة واضحة المعالم والمرامي،
    ينطلق فيه صاحبه من دراسة أبرز أنموذج في الشعر العربي الحديث (الرّابطة
    القلميّة) ليثبت أنّ الرّومنطيقيّة هي أبرز منبع من منابع الحداثة في الشعر العربيّ.
    وفي الجملة، إذا نحن ألفينا الدارسين يتفاوتون في تقدير قيمة هذا الاّتجاه
    ودوره في تجديد قوى الشعر العربيّ الحديث، فإّننا لم نلف منهم أحدا ينكر وجوده،
    بل تبدو المسألة في نظرهم محسومة حسما تاريخيّا بائنا، تثبته تراجم الكّتاب
    وسيرهم إثباتا لا يرقى إليه الشكّ. فإذا كان الأدباء يقرّون بتأّثرهم بهذا أو ذاك من
    الرّومنطيقيّين العالميّين ويصرّحون بمصادرهم تصريحا فإنّ الناقد يضحي دوره
    محصورا في إثبات درجة التأّثر ونوعه وأماراته. كما يبدو أنّ جميع الدارسين قد
    سّلموا بوجود تيّار رومنطيقيّ في الأدب العربي الحديث فصرفوا اهتمامهم إلى
    دراسة الظروف التي تمّ فيها الّلقاء بين هذا الأدب وذاك التيّار وإلى نتائجه في
    مستوى التصوّر النظري وفي مستوى المنجز الشعري.
    -إذا ثبت ما سبق وجب الطرح السّؤال الثاني : متى عرف الشعر العربي
    الحديث الرّومنطيقييّن ونصوصهم؟
    ههنا إشكال آخر – تاريخيّ هذه المرّة - ويتمثل في أنّ هذا التيّار ذاع
    وانتشر في الأوساط الأدبيّة العربيّة بعد اضمحلاله من آدابه الأمّ منذ قرن من
    26
    الزّمان أو تقريبا. ففي الوقت الذي كانت فيه الآداب الفرنسيّة، وهي المتخّلفة
    رومنطيقيّتها، قد تجاوزت هذا التيّار منذ الثلث الأوّل من القرن 19 م، وخبرت بعده
    ،(P. Claudel) الواقعيّة والطبيعيّة ودخلت مرحلة الاّتجاه الرّمزي مع ب. كلودال
    مع أ. (L'expressionnisme) وإذا كانت ألمانيا تعيش أوج الاّتجاه التعبيريّ
    ومن والاه... في هذا الوقت كان أدباء العربية (A. Strindberg) سترندبق
    يتلّقون بدهشة بالغة أولى النصوص الرّومنطيقيّة الغربيّة، فيبلغ بهم الإعجاب حدّ
    الثورة على التراث.
    ما قلنا هذا لنعيب الرّومنطيقيّة العربيّة، فما هو من الضروريّ أن تحاكي
    أمّة أمّة أخرى في ظرف من الزّمان وجيز، فالتأّثر في مجال الفكر والآداب
    مرتهن بلحظة الاكتشاف لا بضرورته. ولكن لنتساءل أوّلا عن سبب وصول هذا
    التيّار دواه سواه مسامع الشعراء العرب في تلك المرحلة.
    لعّلنا لا نعدو الحقيقة إذا قلنا إّنا واجدون الأسباب في أمور أهمّها:
    أ-أنّ هذا الاّتجاه كان أكثر الاّتجاهات شيوعا في الآداب الأوروبيّة ومن
    أطولها نفسا، جاب أغلب ا لبلدان (ألمانيا، انقلترا، فرنسا، إيطاليا، إسبانيا،
    روسيا...) حتى لق ح ّ ق لمحمّد بّنيس أن يقول عنه إّنه مذهب حّقق "تجاوبات
    كونيّة".
    ب-إنّ هذا الاتجاه ما عمّر طويلا إ ّ لا لكونه كان عامّا تميّز بوفرة مؤيّديه
    وتنوّع اختصاصاتهم.
    ج-إّنه اّتجاه كانت له الرّيادة في الثورة على آخر (الكلاسيكيّة) بدا راسخا
    حتى ظنّ أّنه لا مذهب سواه، فلمّا ثار الرّومنطيقيّون على الكلاسيكيين أحدثوا
    بدعة غير مسبوقة وس ّ طروا للاحقين سبيل التمرّد وفتحوا مسلك التجديد والإضافة،
    فصارت الرّومنطيقيّة راية كلّ ثائر على قديمه.
    د-لمّا أفاق الأدب العربيّ من وهدة الانحطاط وبدأ ينفتح على الآداب
    الأجنبيّة بحكم الّترجمات والرّحلات والإرساليات التعليميّة، كانت أوروبا –وإن
    بدّلت مذهبا بمذاهب تعيش على إرث الّثورة الرومنطيقيّة تترامى أصداؤها من
    بعيد ولم يكن من الممكن والحال تلك أن يّتبع الأديب العربي الإرث الكلاسيكي-
    27
    وقد تلاشى وحفظه بطون الكتب ولا أن يحاكي المذاهب الجديدة وهي بصدد
    النشأة.
    ه-يمكن أن نلتمس شغف أدباء العربية بهذا المذهب بما كان لأعضائه
    من حظوة كبيرة وعظيم مكانة، فهم في أغلبهم معدودون في كبار الأدباء العالميين
    وما يزالون رموزا لرقيّ الآداب وترّقي الفنون -وإن درج مذهبهم وزال- ويكفي
    A. De Musset و Lamartine و Hugo و Rousseau أن نذكر من أدباء فرنسا
    Goethe ومن ألمانيا ...Stendhal و Chateaubriand و A. De Vigny و
    Coleridge : ومن انقلترا ...Novalis و Heine و Schiller و
    يكفي أن نذكر هؤلاء وما ...Keats و Shelley و Bryon و Wordsworth و
    خّلفوا من آثار إنسانيّة بها مقوّمات الأدب الخالد لنقيم الدّليل على أنّ هذا المذهب
    قد استقطب من أدباء هذه الأمم نخبة تركت في الدّنيا دويّا، رغم زوال ما اجتمعت
    عليه من الاختيارات الجماليّة.
    و- يدرك بعض انصراف أدباء العربيّة إلى هذا المذهب من خلال غلبة
    الشعر على ميول أدبائه، ذلك أنّ أتباعه وإن تصرّفوا في كلّ الفنون التعبيريّة كانوا
    إلى الشعر أميل نظرا إلى توافقه الطبيعيّ ما يدعون إليه من تجاوز للعقلانيّة
    واعتماد للخيال ومن انصراف عن رسم الظاهر المعلوم إلى وصف خلجات
    النفس. ولمّا كانت العرب وما تزال أمّة شاعرة فقد انصرف أبناؤها إلى فّنهم
    الأوّل م ّ طلعين مقارنين.
    ز- يمكن أيضا ردّ الانتشار إلى توافق محتوى الرّومنطيقيّة في باب تصوّر
    وظيفة الأديب ودور الأدب وشروطه ومقاييسه مع ما كانت تطمح إليه طائفة من
    أبداء العرب الناشئين عافت نفسها التقليد وتقليد التقليد وضاقت بقداسة القديم وتاقت
    إلى التعبير الحرّ. يلتمس ذلك من الإعجاب المفرط الذي كان هؤلاء يقابلون به ما
    يرد عليهم من نصوص أدبيّة أجنبيّة مهما كان مصدرها، كما يدرك من تعاملهم
    مع التراث يغلب فيه الّتحامل على الّنقد الّنزيه والّتجاوز الموضوعيّ (موقف
    ميخائيل نعيمة من الخليل واضع علم العروض، ومن أحمد شوقي، موقف ال ّ شابّي
    من "الخيال ال ّ شعريّ عند العرب"...)
    28
    ح-رغم افتقار الرّومنطيقيّة العربيّة إلى الخلفيّة الفكريّة الفلسفيّة التي
    ساندت ظهورها في بلدان الّنشأة فإّنه يجوز القول إنّ العنصر المشترك الذي
    أغرى ال ّ شعراء العرب باتباع هذا المذهب إّنما هو ذلك الّتواشج الذي شدّهم إلى
    أدبائه وخاصّة في مستوى الإحساس بالغربة وملاحظة ما تعيشه الأوطان من ظلم
    وحيف، وهي عناصر تذ ّ كر بما كان يُعانِي منه الرّومنطيقيّون الأوائل وما كان
    يعرف ب"مرض العصر".
    لهذه الأسباب مجتمعة وجد الأديب العربي، في مطلع القرن العشرين، في
    هذا الاّتجاه ضاّلته، وجد فيه قطعة من نفسه، وضيقا بالّتقليد كان يعانيه، وثورة
    على القديم كان يحلم بها وتوقا إلى الّتجديد أثيرا لديه، ونظرة إلى الأدب والأديب
    كانت تراوده وتعبيرا عن أوضاع بينها مشابه فسهُلَ الأخذ ويَسُرَ الّتقبّل فكانت
    الرومنطيقيّة في صورتها العربيّة.
    ولكن مََتى كانت؟
    إذا نحن تجاوزنا تلك المواقف العاطفيّة التي نظرت إلى الأدب العربيّ
    نظرة تقديس فرأت فيه تبشيرا لكلّ المذاهب الأدبيّة والفّنيّة قبل ظهورها بقرون،
    بما في ذلك الرّومنطيقيّة، أمكننا القولُ إنّ الرّومنطيقيّة مذهب في الأدب طارف،
    وأنّ ما يُعْزَى إلى قديم الأدب من تشابه مع الرّومنطيقيّة إّنما هو- مهما كان
    مبلغه- طابع عامّ لا يمكن أن يرَقى إلى مرتبة المذهب ذِي الّتصوّر الفكري
    الجماليّ والمبادئ الأدبيّة الواضحة...
    ثمّ إّنه في غياب القدرة على الّتحديد الدّقيق لبداية تفاعل شعراء العربيّة مع
    الرّومنطيقيّة، عليْنا أن نحتكم إلى سنوات ظهور الّنصوص الأدبيّة العربيّة التي
    يمكن أن ُتنسَبَ إلى هذا الاّتجاه. ويّتضح من هذا أنّ مطلع القرن العشرين مّثل
    "انبثاق" الرّومنطيقيّة في الأدب العربي، على حدّ تعبير محمّد بّنيس. كما أّنه صار
    معروًفا اليوم لدى عامّة الدّارسين أنّ أوّل ممن مال إليه وكتب وفق معاييره
    ومتصوّره إّنما هو ال ّ شاعر الّلبنانيّ الأصل المصريّ المقرّ –خليل مطران-، وذلك
    في ديوانه المنشور منذ سنة 1908 ، ولقد مهّد مطران لديوانه بمقدّمة عنوانها:
    "بيان موجز" ، عرض فيها طريقته في قول ال ّ شعر وموقفه من مسألة الّتقليد، وقرن
    29
    بين ال ّ شعر وال ّ شعور حين قال: "هذا شعّر ليس ناظمه بعبده ولا تحمله ضرورات
    الوزن أو القافية على غير قصده..." ثمّ تتالت بعده الجمعيّات التي انتسبت إلى هذا
    الاّتجاه وجرّت معها حركة إبداعية ونقديّة واسعة تواصلت على مدى الّنصف
    الأوّل من القرن العشرين وشملت أغلب نواحي بلاد العرب قويّة هنا، ضعيفة
    هناك، حّتى برزت اّتجاهات شعريّة أخرى هي وإنّ أوهنت الرّومنطيقيّة َلمْ تنجح
    في تقويضها.
    -أين ؟ أو الرّومنطقيّة والجغرافيا العربيّة.
    يجوز القول إنّ الرّومنطيقيّة كانت أكثر المذاهب الأدبيّة انتشارا في البلاد
    العربيّة -أغلبها- على أنّ هذا لا يعني أّنها عُرِفت في شّتى الّنواحي في زمن
    واحد بل كان الأخذ بها بالّتدريج والّتعاقب. صحيح أنّ حضوره مرّ بمرحلة مُهّدت
    فيها السّبيل ثم شهد انتشارا أعقبه الّتراجع والانحسار، لكن هذا الأمر لم يتمّ بتواقت
    دقيق في البلدان العربيّة التي أخذت به لأّنها وإن خضعت لذات المؤّثرات
    والعوامل، لم تكن فيها على نسق واحد. ولمّا أثبْتنا أنّ من العوامل المساعدة على
    الّتأثر بالآداب الأجنبيّة والأخذ عنها، ما تعّلق بانتشار المدارس ووفرة البعثات
    الّتعليميّة وحذق الألسنة الأجنبيّة واختلاط الأجناس وظهور المطابع ونشوء
    الصّحف، بل وحّتى سياسة الخلافة- وهي سياسة غير متوازنة بالّنسبة إلى مختلف
    الإيالات - لمّا أثبْتنا هََذا تبيّن لنا أنّ ح ّ ظ البلدان العربيّة منها لم يكن وَاحدًا بل
    ربّما كان متباعِدًا تباعُدًا مُريبًا، ومنه ما يردّ إلى سياسة الح ّ كام أنفسهم (رغبة ح ّ كام
    مصر في السّير على طريق التمدّن الغربيّ أوفر...) ومنه ما يعود إلى المستعمر
    ذاته (الّتركيز على مصر أكثر من سواها...) ومنه ما يرجع إلى اختلاف ال ّ شعوب
    في درجة الوعي وفي ح ّ ظها من الّتحرّر، علمًا أنّ دولا عربيّة كثيرة لم تنشأ بعد
    ولم تكن شيئا مذكورا. يقول محمّد بّنيس مدعّما هذا الّتفاوت: "يعترضنا تاريخ
    الرّومانسيّة العربيّة الذي ليس واحِدًا، فإذا كانت لبنان تعرّفت على الرّومانسيّة منذ
    بداية القرن وبرزت نماذجها الأولى فِي شعر خليل مطران الذي كتب قصيدة
    "المساء" سنة 1902 ، وفي أعمال جبران خليل جبران الذي أّلف كتاب الموسيقى
    30
    سنة 1905 في أميريكا فإنّ بلادًا أخرى ومنها المغرب لم ت ّ طلع على الرّومناسيّة
    إ ّ لا في الأربعينيات والخمسينيات".
    مع ذلك، يمكن حصر مواقع انتشار هذا المذهب في ثلاثة أقطاب رئيسيّة
    هي المَهَاجر، وبلاد ال ّ شام، والقطر المصري، والمغرب العربيّ، ثمّ ما تلا ذلك من
    باقِي البلدان.
    ولنا على هذا الّتقسيم ملاحظتان: أولاهما أنّ المهجر وبلاد ال ّ شام (سوريا
    ولبنان) يكادان أن يكونا وَاحِدًا، ذلك أنّ كلّ أعضاء المَهَاجر الأمريكيّة هم من
    أصول شاميّة، فهم الذين بادروا مُنذ منتهى القرن 19 م بالهجرة، وكانت مصر
    بالّنسبة إلى بعضهم معبرا إلى العالم الجديد (إيليا أبو ماضي أنموذجا...) بيَنمَا أمّ
    آخرون البلاد الأمريكيّة رأسا، فعلوا ذلك فرارا من وطأة الحكم العثماني البغيض
    وقد قّتر عليهم الرزق وحرمهم الحريّة ون ّ ظم الاغتيالات ونصب المشانق للمثقفين
    (جمال السّفاح وبشارة الخوري...) حّتى قال شاعرهم (مسعود سماحة) :
    سأترك أرض الجدود ففيها حياة الجبان وموت الجريء
    تقيّد أقلام أحرارها وتطلق أيدي ذوي الميسر
    وأنزل في بلد دونه سموّ المجرّة والمشتري
    يدبّ الهناء على تربه ويَسْرِي الرخاء مع الأنهر
    وقد انضمّ إلى هذا عامل آخر بدأ يعمل عمله في النقوص منذ مطلع القرن
    19 م وهو أن البلدان الغربية في سعيها إلى التمركز بالشرق العربي اختارت
    أسلوب البعثات التبشيرية وانتقت بيروت مركزا لها منذ 1820 ، وأنشأت المدارس
    ووضعت لها المناهج الملائمة حتى توّج ذلك بإنشاء الجامعة الأمريكيّة في بيروت
    سنة 1866 ، بعد أن دخلت المرآة التعليم منذ 1834 ، واحتيج إلى الترجمة ونجم
    لها أنصار مثل أحمد فارس الشدياق وسليم البستاني وبطرس البستاني...).
    ولعلّ أبرز مثال على ولع هؤلاء بالأسفار وشغفهم بالأخذ أن مصر قد
    عرفت المسرح منذ أواخر القرن 18 م، ولكنّ أوّل مَنْ تجرّأ فاقتبس ومّثل وأخرج
    . إّنما هو اللبناني مارون النقاش سنة 1848
    31
    وبالجملة فقد تسابق الانجيليون واليسوعيون تسابقا كان له الأثر البعيد في
    نشأة طائفة من المثقفين توّاقة إلى التحرّر، وكان كّلما ازداد التفكير سعة والتحرّر
    انتشارا ازداد معه بالتناسب ضغط العثمانيين وأتباعهم. وقد وّلد هذان الأمران
    عزوفا عن الشرق وبحثا عن وجهة جديدة... وكانت هذه البيئة الجديدة بما أتاحت
    من حريّة ورغد في العيش خير حاضن للمهاجرين الشوام فأسّسوا الجرائد وكتبوا
    ما بدا لهم وا ّ طلعوا من الآداب الأخرى على ما استطاعوا وراحوا يطرحون
    ثمرات قرائحهم بعيدا عن سلطة السّلف... ومن هذه المهاجر -والأمريكي الشمالي
    بصفة أبرز- بدأت تبلغ قرّاء العربية نصوص "جديدة" في المنظور والمحتوى
    وتفجأ من استكان منهم إلى الماضي وتفعل فعلها في نفوس من امتنعت عليهم
    الهجرة ومن لم يسعه إ ّ لا البقاء حيث هو، كما وجد ما كتب منها بغير العربية
    طريقه إلى التعريب وإلى نفوس من لم يكن يحذق إ ّ لا العربيّة، ونشأ عن كلّ ذلك
    لحركة المهجر أتباع ومريدون.
    أمّا مصر فقد كانت القطب الثاني ولم تأخذ بأسباب هذا التطوّر في
    المتصوّر الأدبي والإنتاج إلا من حيث هي معبر مرّ منه بعض أهل الشام في
    رحلتهم، أو موطن استقرار لبعضهم الآخر (خليل مطران مثلا). لقد كانت مصر
    معقل التقليد في الشعر العربي، وكانت في تلك المرحلة واقعة تحت سلطان جماعة
    شعريّة قويّة أدركت ضرورة تطوير الشعر العربي ولكّنها وقفت منه موقف السلف
    في أزهى عصوره. كانت مصر تعيش على صدى دعوات البارودي وشوقي
    وحافظ. ولم يكن من اليسير عليها أن تعرض عن هذه الأصوات الجهيرة القويّة
    وهي ملء الآذان والوجدان تلقى من الدعم الرسمي (البلاط وموقفه من شوقي)
    والشعبي (حافظ إبراهيم شاعر النيل) ما يشدّ أزرها، وستظلّ مصر تنتظر أوبة
    عبد الرحمان شكري من بريطانيا لتلج عالم الرومنطيقيّة في انتظار ظهور جماعة
    "أبولو" بعد ذاك.
    أمّا الجناح المغربي من الأدب العربي فينشأ مستمدّا حياته من هذين
    الرافدين : ال ّ شامي المهجري والمصري مضيفا إليهما ما تيسّر نقله من الأدب
    32
    الغربي مباشرة، وستكون الجماعة ضئيلة العدد وسيكون أبو القاسم الشابي أعلاها
    صوتا.
    وعلى هذا النحو تمضي الرومنطيقيّة في الانتشار في سيرة غير منتظمة،
    وسيكون لباقي الأصقاع شعراء "رومنطيقيون" قدر طاقتهم، حتى لنكاد نجد عند كلّ
    شاعر نفحة رومنطيقيّة لا هي تسلكه في عداد المذهب ولا هي تقصيه عنه. فهذا
    باحث مثل محمّد بّنيس يتمحّل في أطروحته ليلحق عبد الكريم بن ثابت المغربي
    بطائفة كبار شعراء الرّومنطيقيّة العربيّة أمثال مطران والشابي وجبران ولكّننا عند
    التحقيق لا نلفي هذا الشاعر مذكورا إ ّ لا داخل أسوار الجامعات المغربيّة.
    33
    الحصّة الخامسة
    الرّومنطيقيّة العربيّة : الأعلام والمدارس
    بعد أن عرضنا ظروف النشأة وأسبابها ومواضعها، ينبغي أن نفصّل الأمر
    في مسألة أد ّ ق : هل عرفت الرّومنطيقيّة العربية التنظيم أم ظّلت رغبة فاشية بين
    الأدباء ؟ من هم أعلامها؟ وهل يكفي وجود أفراد توافقوا في الشعر والشعور
    لنثبت نشأة اّتجاه رومنطيقيّ عربيّ؟
    الواقع أّنه لا يمكن لدراسة من هذا القبيل أن تلم بكلّ من له بالرّومنطيقيّة
    صلة وذلك لتوزّع هذا المسلك بين شعراء العربية أجمعين على تفاوت بينهم.
    فالرّومنطيقيّة ذاتها جملة من الملامح والتصوّرات والمبادئ قد تعثر على بعضها
    عند أكبر الشعراء إمعانا في التقليد أو تجاوزا للرّومنطيقيّة، ولكّنك مع ذلك لا
    تستطيع أن تجزم برومنطيقيّته ولا أن تنفيه منها نفيا بائنا، كما أنّ الرّومنطيقيّة
    اختيارات جمالية قد يتبّناها أو يتبّنى بعضها بعض الشعراء في مرحلة معيّنة من
    الألماني، Goethe تجاربهم ثمّ يتخّلون عنها إلى ما سواها. وقد حدث هذا مع
    وأشبهه فيه بدر شاكر السيّاب العراقي. وقد يظلّ شاعر آخر متردّدا بين هذه
    الاختيارات وبين ما عداها (اللبناني بشارة الخوري) وقد يكون فيهم الرّومنطيقيّ
    دون قصد منه أو دراية.
    وعلى هذا ألفينا الدارسين لا يدّعون الإحاطة بكلّ ما اّتصل بهذا المسلك،
    فيقتصرون منه على نماذج تختلف بحسب معيار الاختيار.
    وقد أخضع فؤاد القرقوري أعلام الرّومنطيقيّة العربيّة إلى مقياس التمثيليّة
    والبروز محاكيا في ذلك منهجا ارتآه الأوروبيون في تقسيم رومنطيقياتهم، وهو أنّ
    هذه مراحل : تحتاج في أولاها إلى أعلام ممهّدين، وفي ثانيتها إلى أعلام بارزين،
    وفي نهايتها إلى أعلام متوّجين (وهو في نظرنا منهج لا يبعد كثيرا عن مفهوم
    "الطبقات" عند القدامى) إ ّ لا أّنه يبدو لنا أنّ هذا المعيار –وإن صحّ نسبيّا- يشي
    34
    بالغفلة عن أنّ المدّ الرّومنطيقيّ لم يتوّقف مع "الأعلام المتوّجين"، بل تمادى بعدهم
    وانحسر بالتدريج كما بدأ، متتبّعا في ذلك قانون العمر الطبيعي الذي يسري على
    المذاهب سريانه على الدول والأشخاص.
    أمّا محمد بّنيس، في "الشعر العربي الحديث، بنياته وإبدالاتها" (الجزء
    الثالث) فقد اضطرّ إلى الانتقاء وفق معيار سمّاه "المركز الشعري ومحيطه" أو
    النصّ الأثر والنصّ الصدى"، فاختار أربعة نماذج هي مطران وجبران والشابي
    وبن ثابت محاولا بها وصل البدايات (مطران) بالنهايات (بن ثابت)، والمركز
    (جبران) بالصّدى (الشابي) مهملا أثناء ذلك جماعة "الديوان" وجماعة "أبولو"
    وغيرهم معّللا اختياره بفرادة جبران وبتبعيّة الشابي له وبانتماء بن ثابت إلى ما
    سمّاه "المحيط الشعري الذي انطلق منه هذا البحث"، مقدّما مطران على هؤلاء
    لريادته. وواضح من خلال الاختيار أّنه انتقائيّ محض، ولئن قام في بعض جوانبه
    على شرعيّة تاريخيّة لا يرقى إليها الشكّ – في مستوى ريادة مطران ومركزية
    جبران- فإّنه يبدو متهافتا شيئا عندما يتعّلق الأمر بالتمثيل الجغرافي وما اقتضاه
    من ضرورة حشر شاعر مغربي في زمرة هؤلاء الأقطاب، والغفلة عن أعلام
    آخرين أمثال علي محمود طه وإبراهيم ناجي ومن قبلهم شعراء "الرابطة القلميّة"
    أجمعين الذين تلافى أمرهم الأستاذ محمد قوبعة في أطروحته الموسومة
    ب"الرّومنطيقيّة ومنابع الحداثة في الشعر العربي (الرابطة القلميّة أنموذجا)".
    لعلّ أهمّ ميسم للاّتجاه الرّومنطيقيّ في الشعر العربي الحديث أّنه خبر
    حالين أو عاش تجربتين : فقد عرف شعراؤه حال التجربة الفردية، يطير فيها
    الشاعر خارج السرب، كما عاشوا وضع الانتماء إلى جماعات شعرية تختلف
    تماسكا وظهورا. والأطرف من كلّ ذلك أّنه انطلق في شكل تجارب فرديّة معزولة
    لا تكاد تذكر وتوسّط وقد استقام له الأمر فاّتخذ صفة المجموعات الشعرية تنشأ
    هنا وهناك وختم رواجه أصداء للماضي وأصواتا مفردة كما بدأ.
    من الصنف الأوّل يمكن ذكر تجربة كلّ من خليل مطران وأمين الريحاني.
    ومن الثاني تجربة حركة الديوان و"الرابطة القلميّة" وحركة أبولو، ومجّلة
    العالم الأدبي، ومن الثالث ما قام على أنقاض هذه الحركات من تجارب أنجزها
    35
    اللاحقون وبعض ممّن سبق لهم الانتساب إلى إحدى الجماعات المذكورة، أمثال
    علي محمود طه وإبراهيم ناجي وبشاره الخوري (في بعض قصائده) وبدر شاكر
    السياب (في مرحلته الأولى...) وهلمّ جرّا...
    1949 ) وأمين الريحاني - تجمع الدراسات على أنّ لخليل مطران ( 1872
    1940-1876 ) الريادة في نشر مبادئ الرومنطيقيّة في العشر العربي الحديث )
    وإن كانت عند أوّلهما أظهر. ولئن لم يجمع الرجلين بيان أو انتماء إلى جمعيّة
    أدبية فإنّ اشتراكهما في الخضوع لنفس المؤثرات قد كفل تقاربا في الرؤية واضحا
    من ذلك :
    -انتماؤهما إلى نفس الجيل
    -ديانتهما المسيحية وما أتاحته لهما تلك النشأة من إفادة من علوم رجال
    الدين المسيحي
    -إتقانهما عددا من اللغات الأجنبية إلى جانب العربيّة. فقد تعّلم مطران
    التركية والإسبانيّة وتلّقى دروسا في الفرنسية في حداثته. أمّا الريحاني فقد درس
    العربية وبعضا من الفرنسية ثمّ أقبل على الانقليزية وهو في أمريكا حتى درّسها
    وكتب فيها ثمّ عاد فأتمّ دراسته للفرنسية. ولقد أتاح لهما تعدّد الألسنة هذا الا ّ طلاع
    على ثقافات وآداب مختلفة ثرّة يقابلان بها خبرتهم بالعربيّة وآية ذلك أنّ من أوائل
    1870 و"فيها يجمع جمعا رائعا بين - ما كتب مطران قصيدة عنوانها 1806
    الثقافتين العربية والفرنسية" على حدّ عبارة محمّد مندور. كما اّتجه صوب المسرح
    الغربي الكلاسيكي فترجم عنه أعمالا مذكورة مثل عطيل ومكبث وهملت وتاجر
    البندقيّة". وكّلها لشكسبير، و"السيد وسينا : لكورناي، وهرناني لهوقو، ووجّه
    اهتمامه إلى الرومنطيقيّة وكتب في بعض أعلامها قصائد تمجيد (قصيدة فيكتور
    هيقو").
    أمّا الريحاني فقد م ّ كنه حذقه لهذا اللغات من أن يجمع في فكر واحد بين
    آداب مختلفة جمعا سيكون له الفضل في إغناء معرفته وإنتاجه.
    - وحّدت بين الرجلين تجربتا الترحّل والاغتراب، فقد ألفينا مطران يهجّر
    من بلده لبنان قاصدا مصر بسبب مواقفه السياسية من السلطنة العثمانيّة، ولذات
    36
    الأسباب أو تقريبا توزّعته الأصقاع منفيا حينا مخيّرا حينا آخر. وقد خّلف من
    الآثار "ديوان الخليل" في 4 أجزاء وترجمات لبعض مسرحيات شكسبير وكورناي
    ومؤلفات أخرى في الاقتصاد والتاريخ والاجتماع، ولعلّ أشهر نصوصه على
    الإطلاق، قصيدة "الأسد الباكي"، وقصيدة "المساء" التي وضعها سنة 1902 وعدّت
    فاتحة الرّومنطيقيّة العربيّة.
    أمّا أمين الريحاني فقد جلا عن موطنه منذ صباه متوجّها إلى أمريكا
    مرتزقا، ثم استوى بعد ذلك رحّالة يتنّقل بين لبنان وإسبانيا وفرنسا وانقلترا
    والمغرب والجزيرة العربية والعراق ويصف مشاهداته، وقد خّلف في هذا الباب
    آثار "مذكورة منها : "ملوك العرب" و"تاريخ نجد الحديث" و"قلب العراق..." ومن
    أعماله الأدبيّة "الرّيحانيّات" ( 4 أجزاء) جمع فيها بين المقالة والخطبة والشعر
    . المنثور، وأصدرها سنة 1908
    وبالجملة فقد بذل الرجلان في سبيل تطوير الشعر العربي جهدا محمودا –
    وإن لم يسلما من عثرات الرّوّاد- إذ ستعرف الرّومنطيقيّة بعدهما منعرجا جديدا
    يتجسّم في المظاهر التالية :
    أ-وفرة الأعلام المنضوين تحت لوائها
    ب-كثرة النصوص التنظيرية والإبداعية
    ج-توضّح الرؤية وتجّذرها
    د-انتظام الرومنطيقيّين في "مجموعات" أكثر فعلا وأبلغ صوتا.
    وتمّثل هذه المظاهر مجتمعة ما يمكن تسميته بتر ّ كز الرّومنطيقيّة في الأدب
    العربي الحديث. ومن الأمثلة عليها : ظهور حركة "الدّيوان"، وحركة المهجر
    (الممثلة أساسا في جمعية "الرابطة القلميّة") وجماعة أبولو (في مصر)، ومحاولة
    الشابي إنشاء حركة مماثلة في تونس حول مجلة "العالم الأدبي" لم يكتب لها من
    التوفيق إ ّ لا القليل (انظر الدرس الثاني : اّتجاهات الشعر العربي الحديث").
    لكن هل انتهى هذا الاتجاه وانقرض ذكره بانقراض هذه المجموعات؟
    يبدو بعض الدارسين ميّالا إلى هذا الرأي، ولكنّ واقع المذاهب الأدبيّة لا
    يُبيح ما يذهبون إليه، فالاتجاه الأدبي أو الفّني، كما لا يمكن أن ينشأ بالطفرة، لا
    37
    يمحّي بمجرّد توّقف جريدة عن الصدور أو موت كاتب، لأّنه من شأن الأذواق
    والنفوس، وما كان من شأن الذوق والنفس إّنما ينشأ على مهل ثمّ يزول ويختفي
    بالتدريج على مهل كما بدأ. لذلك لم يعدم هذا الاّتجاه أنصارا وأتباعا حّتى بعد
    توقف تلك الجمعيات عن النشر وعقد الندوات. فقد نشر علي محمود طه بعد
    توقف أبولو "ليالي الملاح التائه" و"أرواح شاردة" و"أرواح وأشباح" و"زهر خمر"
    و"الشوق العائد" و"شرق وغرب"...
    كما واصل إبراهيم ناجي الملقب بالبلبل الجريح" قول الشعر، بعد ذلك فكان
    ... نشر "ليالي القاهرة" 1951 ، و"الطائر الجريح" (وقد نشر بعد وفاته) سنة 1957
    ونجم آخرون أمثال السيّاب في العراق (قبل أن يتحوّل إلى مذهبه الواقعي،
    فالرّمزي الأسطوري....) والأخطل الصّغير في لبنان.
    فهل من تصوّر يوّحد بين هذه ال ّ طوائف وهؤلاء الأفراد ويؤسّس
    لرومنطيقيّة عربيّة؟
    للإجابة عن ذلك ينبغي أوّلا أن نطرح مسألة المصادر- مصادر
    الرّومنطيقيّة العربيّة، ذلك أّنا اعتدنا أن ننسب الرّومنطيقيّة إلى الغرب دون تحديد،
    والغرب كما سلف رومنطيقيّات.
    فهل خضع هؤلاء الشعّراء لذات المؤّثرات وانطلقوا من نفس المرجعيّات؟
    وما عناصر الإئتلاف والاختلاف بينهم؟
    يّتضح من خلال متابعة سير أعلام هذا الاّتجاه أن مّصادرهم متعدّدة
    متجانسة.
    ففضلا على تشابه الأوضاع الاجتماعيّة والسّياسيّة العامّة التي عاشها
    هؤلاء على اختلاف بيئاتهم يمكن القول إنّ هؤلاء الأعلام قد وحّدت بينهم
    ال ّ ظروف التي تمّ فيها التعرّف على آداب الأمم الأخرى وكذا الوسائط التي يسّرت
    هذا الّلقاء الّثقافي. وتعتبر الرّحلات إلى البلاد الأجنبيّة أولى هذه الوسائط لما
    أتاحته لل ّ شعراء من ا ّ طلاع على مصادر وحي جديدة، وقد رأينا أنّ أغلبهم خبر
    الرّحلة مخيّرا أو مضطرّا، فكانت تنّقلات مطران والرّيحاني وتنّقلات ميخائيل
    نعيمة وإقامة عبد الرّحمان شكري ببريطانيا، أمّا علي محمود طه فيُعتبر خير
    38
    أنموذج لفعل الرّحلة، إذ تغيّر أسلوبه ال ّ شعري منذ رحل إلى أوروبّا للاصطياف
    عام 1938 ، فقد "قيّض [له] أن يرحل إلى البلاد الأوروبيّة في صيف 1938
    وتحديدا إلى إيطاليا حيث زار مدينة البندقيّة وحضر ليالي الكرنفال فيها، وكانت
    من نتائجها المباشرة قصيدته ال ّ شهيرة "أغنية الجندول"، ثمّ إنّ الشاعر أخذ يكثر من
    تلك الرّحلات الصّيفيّة فيغزر إنتاجه الرّومنطيقي غزارة أجازت لبعض الدّارسين
    أن يعتبر هذه الرّحلة "وحيا جديدًا في حياة الرّجل وشعره". وغير بعيد عن هذا ما
    حدث لأحمد زكي أبي شادي. وقد أقام ببريطانيا مدّة 10 أعوام، وما وقع لأبي
    ماضي المُقيم بأميركا ال ّ شماليّة... أمّا الرّومنطيقيّون الذين لم تقيّض لهم الرحلة إلى
    خارج بلدانهم أمثال العّقاد والمازني وناجي وال ّ شابي، فقد شاطروا رفاقهم أولاء
    الخضوع لمؤّثر آخر هو الّثقافة الرّومنطيقيّة. ويكفِي الا ّ طلاع على مصادر ثقافتهم
    في شّقها الأجنبيّ لندرك أهمّيّة هذا العامل في توجيه هؤلاء الشعراء وجهة شبه
    موحّدة.
    لقد تأّثروا بالرّومنطيقيّة الغربيّة في منابعها الثلاثة مجتمعة: ال ّ ش ّ ق
    الانقلوسكسوني، والجانب الفرنسي والمنبع الألماني، إذ كان لهم – في أغلبهم-
    دربة على استعمال أكثر من لسان، وأمّا من لم ينل من معرفة الّلغات الأجنبيّة شيْئا
    فقد كان واقعا تحت تأثير هؤلاء وغيرهم بما كانوا يُترجمون من الّنصوص
    الرّومنطيقيّة العالميّة، ويُعدُّ ال ّ شابي أبرز هؤلاء لأّنه كان يقول إّنه يطير في مجال
    الأدب بجناح واحد.
    على أنّ هذا الأخذ لا يعني الاقتصار على ترجمة النُّصوص أو تخليق
    الصّور والمعاني لأنّ الّثابت أنّ الرّومننطيقيين العرب قد فعلوا في الّنصوص
    الوافدة فعل المصهر نهلوها من منابعها المختلفة ما استطاعُوا ثمّ عرضوها على
    وجدانهم- وقد ثقفوا بعد ثقافة عربيّة متينة- فترجموا بتصرّف واقتبسوا وضمّنوا
    وأخذوا بأغلب أشكال الأخذ.
    39
    الحصّة السّادسة
    الرّومنطيقيّة العربيّة : المبادئ والمواقف
    تمهيد:
    لئن أفلحت ال ّ ظروف والمؤّثرات في الّتقريب بين الرّومنطيقيين العرب،
    فهل توصّل هؤلاء بما أنجزوا من الأعمال وما دعوا إليه من المبادئ والآراء إلى
    أن يضعوا تصوّرا رومنطيقيّا يجمعون عليه ؟
    لئن كّنا نقرّ بوجود اختلافات بديهيّة بين جيل "الرّوّاد" (مطران
    والرّيحاني) وبين جيل ال ّ لاحقين في مستوى المنطلق والّتصوّر، فإّنا لا نرى ما
    ذهب إليه بعض الدّارسين من تمييز بين الجيلين، ذلك أنّ الفارق الزّمني بينهما
    ضئيل لا يكاد يعتدّ به عند الّتأريخ للمذاهب الأدبيّة. فالّنا ّ ظر في الّتجربة
    الرّومنطيقيّة العربيّة يلفِيها تجارب متراكبة متعاقبة نبغ أثناءها الأفراد وأنشئت
    الجمعيّات في وقت موحّد أو تقريبًا وظهرت البيانات متتالية متداخلة في آن حّتى
    إّنه لا يكاد يجوز القول إنّ هذه الجمعيّة أسبق من تلك إ ّ لا فِي مستوى عرض
    الفكرة على الّناس...
    وعلى هذا يمكن الوقوف على جملة أصول ومواقف لم يختلف حولها
    الرّومنطيقيّون العرب إ ّ لا نادرا. ومن أهمّها:
    1)- الموقف من القدامة.
    2)- وظيفة الأدب وعلاقته بالحياة.
    3)- مضامين الأدب
    4)- منزلة الأديب وملكاته.
    -1 الموقف من القدامة.
    لمّا كان أدباء الرومنطيقيّة العربيّة لا ينطلقون في تجاربهم من عدم
    وإّنما يصدرون بحكم أصولهم وثقافتهم الأمّ من إرث عربيّ واسع، كان لا بدّ أن
    40
    تعكس آراؤهم مواقف من هذا الّتراث. ولمّا كان هؤلاء إّنما ظهروا ثائرين على
    أوضاع سائدة، فقد وهم الدّارسون أو بعضهم أّنهم يعادون القديم فنسبوا إليهم
    العداء لهذا القديم الذي لم يروا فيه فضلا أو مزيّة، وما دَرَوْا أنّ القدامة عند
    الرّومنطيقيين العرب نوعان: قدامة الماضِي وقدامة الحاضر.
    أمّا قدامة الماضي ونعني بها المدوّنة القديمة وقد نزّلت في أطرها
    وُنسبت إلى أهلها فالح ّ ق أنّ للرومنطيقيين العرب منها موقفا نقديّا يُخالِف في
    عمومه ظنّ أغلب الدّارسين، فلقد رأوا في هذا الّتراث المتراكم عناصر قوّة ووهن
    بيّنوها، فاثنوْا عليه حينا وعابوه حينا آخر، ومن الأمثلة الدالة على ذلك موقف
    خليل مطران في البيان الموجز الذي قدّم به ديوانه، فلقد ألفيناه يصرّح –غير
    هائب- بأّنه في جانب من شعره شاعر تابع لعرب الجاهلية وفي جانب آخر
    موافق لزمانه : "عدت إليه [الشعر] وقد نضج الفكر [...] فشرعت أنظمه لترضية
    نفسي حيث أتخّلى، أو لتربية قومي عند وقوع الحوادث الجّلى، متابعا عرب
    الجاهليّة في مجاراة الضمير على هواه ومراعاة الوجدان على مشتهاه، موافقا
    زماني فيما يقتضيه من الجرأة على الألفاظ والتراكيب [...] ولم أكن مبتكرا في ما
    صنعت فقد فعل فصحاء العرب قبل ما لا يقاس إليه فعلي" [...].
    وغير بعيد عن هذا موقف العّقاد – وهو من هو ثورة وتجاوزا- إذ
    رأى أنّ الشعر العربي في صورته القديمة كان بالنسبة إلى أصحابه ضرورة من
    ضرورات الوجود، ولذلك يثني عليهم بقوله "كان شعر العرب مطبوعا لا تصّنع
    فيه، وكانوا يصفون ما وصفوا في أشعارهم ويذكرون ما ذكروا، لأّنهم لو لم
    ينطقوا به شعرا لجاشت به صدورهم زفيرا، وجرت به عيونهم دمعا واشتغلت به
    أفئدتهم فكرا [...]".
    ثمّ إّنا لنجد عبد الرحمان شكري يعّلق على قول الشاعر (الوأواء
    الدمشقي) وهو قول نسب إلى يزيد بن معاوية :
    فأمطرت لؤلؤا من نرجس وسقت وردا وعضّت على العّناب بالبرد
    "[...] وذوق الأمويين بريء من أمثال هذا القول. ولا أريد أن أجمع على
    يزيد جرمين : قتل الحسين، وقول هذا الشعر الذي لا بأس به، إذا أريد للفكاهة
    41
    والعبث لا للغزل الذي يشرح عواطف النفس ويشعرك إيّاها [...]". كما نلفي ذات
    الشاعر يثني على بعض شعر ابن الدمينة وعلى ما سمّاه "الخيال الصحيح"، في
    شعر البحتري، ويضرب بالمعّلقات المثل في "الجزالة" وبشعر الشريف الرضيّ
    المثل في "حسن الديباجة والفخامة والسلاسة"، في الوقت الذي عاب فيه على
    الأبيوردي "الأساليب الغريبة" وعلى أبي العلاء المعرّي ما سمّاه : "توهّم الشاعر
    بين شيئين صلة ليس لها وجود".
    وفي نفس الإطار نلفي جبران خليل جبران -الثائر دوما- يثني على
    الشاعر الصوفي ابن الفارض ثناء لا مزيد عليه، فهو في نظره : "كاهن في هيكل
    الفكر المطلق، أمير في دولة الخيال الواسع، قائد في جيش المتصوّفين العظيم...
    السّائر بعزم بطيء نحو مدينة الح ّ ق [...] في شعره ما لم يحلم به الأوّلون ولم
    يبلغه المتأ ّ خرون...".
    على أّننا ربّما لمسنا بعضا من التطرّف في مواقف رهط منهم، وأبرز
    أنموذج لهم هو أبو القاسم الشابي في محاضرته الموسومة ب"الخيال الشعري عند
    العرب"، وفيها نفى وجود الخيال في الشعر العربي، ونسب إليه ما سمّاه "النظرة
    الفارغة"، التي "لا ينتظر منها أن تشرق بالخيال الشعري الجميل لأنّ الخيال
    الشعري منشؤه الإحساس الملتهب والشعور العميق، وشعراء العربية لم يشعروا
    بتيّار الحياة المتدّفق في قلب الطبيعة إ ّ لا إحساسا بسيطا ساذجا خاليا من يقظة
    الحسّ ونشوة الخيال"، يقول الشابي هذا وهو لا يكاد يستثني أحدا "غير ابن
    الرومي ومن ل ّ ف لّفه وهونفر قليل".
    -قدامة الحاضر :
    يّتضح من هذه الأمثلة وما أشبهها أنّ عداء الرّومنطيقيّين العرب لقدامة
    الماضي لم يكن كما صوّر عداء مستحكما لا هوادة فيه، لأّنا ألفيناهم يفاضلون بين
    العصور والشعراء فيعيبون حينا ويثنون حينا آخر، ولكّنهم مجمعون على مناوأة
    قدامة الحاضر أي كلّ تلك التجارب اللاحقة التي نظرت إلى السلف نظرة تقديس
    فتأسّست على التقليد.
    42
    لقد أجمع الرّومنطيقيون – دون استثناء- على ما لهذا الموقف من خطر
    على الشعر العربي، لأّنه يسلبه – في نظرهم- حقه في الحياة. ولذات السبب
    وجدناهم يفاضلون بين لغة ولغة وبين مفهوم للشعر وآخر، ويسعون إلى تحطيم
    "أصنام" هذا الاتجاه السلفي في الشعر، وفي هذا الإطار كتب جبران بيانه الشهير
    "لكم لغتكم ولي لغتي"، ثمّ ها هو يقرأ قصيدة لأحمد شوقي فتخّلف –حسب زعمه-
    في فمه طعما لا يزول إ ّ لا بعد قراءة عشرين قصيدة من الشعر الانقليزي الحديث
    و"قصيدة واحدة لمجنون ليلى".
    ثمّ إنّ جبران يعّقب على فعل المقّلدين الجدد مباعدا بينهم وبين من قّلدوا
    بقوله :
    "لو تنبّأ المتنبّي وافترض الفارض [يعني ابن الفارض] أنّ ما كتباه سيصبح
    موردا لأفكار عقيمة ومقودا لرؤوس مشاعير يومنا لهرقا المحابر [...] وحطما
    الأقلام".
    في هذا المضمار جرى أغلب شعراء الرومنطيقيّة العربيّة، فانتقدوا تقليد
    السلف وإن اختلفوا في الأسلوب، فهذا الشابي ما فتئ يلتفت إلى السلفيين الجدد
    فيسمّيهم في رسائله "أحلاس الجمود" طورا و"عبّاد الموت وأمساخ القديم" طورا
    آخر، كما سمّاهم قبله المازني والعّقاد في فاتحة "الديوان" بالأصنام الباقية، وليس
    بدعا أن نجد في نعتهم، ذات الصورة، فقد كتب فيهم نعيمة فصلا سمّاه "نقيق
    الضفادع"، وقد سبقه إليها جبران حين تحدّث في "دمعة و ابتسامة" عن "الضفدع
    تنتفخ تشبّها بالجاموس" كما نعى نعيمة على عصره : "وفرة النظامين وقّلة
    الشعراء، وغناه بالقصائد وفقره بالشعر" وراح يشّنع على أميرهم أحمد شوقي كما
    فعل به سواه، ولا عجب، فقد انصبّ غضب المجدّدين على شوقي لأّنه كان أبرز
    شعراء العصر وقائد لواء "الإحياء". يقول نعيمة مته ّ كما ممّا سمّاه "الدرّة الشوقيّة،
    "[...] في الدرّة الشوقية أمثال كثيرة من هذا الوصف السطحي الذي لا يحرّك
    فكرا في رأس ولا يرسم صورة في مخيّلة ولا يهيج عاطفة في قلب [...]". ولعلّ
    الشابي على ثورته الهوجاء أن يكون خير من عبّر عن الموقف من القدامة في
    43
    صورة شعرية ملائمة إذ قال إنّ شرّ الأمم" أمّة تقتني أثوا بها من مغاور الموت ثمّ
    تخرج في نور النهار متبجّجة بما تلبس من أكفان الموتى".
    يستخلص من مواقف شعراء الرّومنطيقيّة من القدامة بشكليها الماضي
    والحاضر أّنهم وإن رضوا بجزء من الأوّل لا يقرّون منها شكلها الثاني لأّنهم رأوا
    فيه صورة لا يقتضيها العصر ولا تتطلبها الحياة الجديدة. وإلى هذا لم يكتف
    الرّومنطيقيون العرب بهدم "الأصنام" بل حاولوا طرح البديل. وكان لهذا البديل
    مكوّنات تفاوت حظها من العناية عندهم، ويمكن تقسيمها منهجيا إلى عامّ وخاصّ:
    أمّا العامّ فما اّتصل بالقضايا الكبرى مثل وظيفة الأديب وعلاقة الأدب بالحياة،
    وأمّا الخاصّ فما تعّلق بدقائق العمليّة الشعرية كالوزن والصورة وما أشبه.
    -2 في وظيفة الأدب وصلته بالحياة:
    يجمع الرومنطيقيون على أنّ للأديب عامّة وللشعر خاصّة وظيفة تسمو به
    عن النظم ورصف الألفاظ وتقرنه بالنفس وبالحياة. وانطلاقا من هذا دعا خليل
    مطران منذ البدء إلى أن يمتح الأدب من الحياة الباطنة (النفس، الضمير...)
    والظاهرة ("الحوادث"...) في قوله عن الشعر : "شرعت أنظمه لترضية نفسي
    حيث أتخّلى ولتربية قومي عند وقوع الحوادث الجّلى". وإذا كان الخليل قد آخى
    بين الذات والآخر في قوله هذا، فإّنه عاد في ذات النصّ ليثبت أّنه إلى ترضية
    نفسه أميل منه إلى تربية قومه، ويتضح ذلك من قوله : "وليس أكثر شعري هذا
    بين الطرس والمداد إ ّ لا مدامع ذرفتها وزفرات صعّدتها وقطع من الحياة بدّدتها".
    وإلى ذات المعنى يذهب أمين الريحاني حين اعتبر نزعات النفس أسّ الشعر، قال
    : "إنّ نزعات النفس لهي ماء الشعر وغذاؤه وخمره...".
    ثمّ جاء العقاد فقارن -مفاضلا- بين نوعين من الكلام : "كلام قطعة من
    نفس وكلام هو رقعة من طرس"، وبين نوعين من الشعراء : نوع ينظم بلسانه
    وآخر "ينظم بوجدانه".
    أمّا الشابي فقد اتخذ هذه الفكرة أسّا بنى عليه نظرته إلى الأدب ومعيارا لا
    يخطئ ميّز به جيّد الأدب من رديئه وقديمه من حديثه. لقد رأى رأيا في الأدب
    العربي القديم لم يرق للناس يومها سماعه، ولكّنه كشف به عن وظيفة الأدب حين
    44
    قال : [...] "أصبحنا نرى رأيا في الأدب لا يمّثله ونفهم فهما في الحياة لا نجده
    عنده [...] لقد أصبحنا نتطّلب أدبا جديدا نضيرا يجيش بما في أعماقنا من حياة
    وأمل وشعور [...] وهذا ما لا نجده في الأدب القديم... لأّنه لم يخلق لنا نحن
    [...] وإّنما خلق لقلوب أخرستها سكينة الموت...". وأوضح من ذلك كّله قوله في
    معرض حديثه عن الأدب العربي ونّقاده : "إّنه صوت الحياة الذي يهب الإنسانية
    العزاء والأمل ويرافقها في رحلة الحياة الممّلة المضنية [...] في صحراء الزمن،
    وإّنه المعزف الحسّاس الذي توّقع عليه البشرية مراثيها الباكية في ظلمة الليل
    وأناشيدها الفرحة في نور الّنهار...".
    لم يكتف الرومنطيقيون العرب في نطاق عرضهم لمعنى الشعر العصري
    وتحديدهم لصلة الأدب بالحياة بعرض المسألة الوجدانية دون سواها، لأّننا ألفيناهم
    يتحدثون عن التفاعل بين الذات والمجتمع، إذ بدا لهم التكامل بين الجانبين
    ضرورة لا مهرب منها، فكّلما كان الشاعر ذاتيا كان موغلا في التعبير عن ذوات
    الآخرين مدركا خلجات نفوسهم. فهذا العقاد يشرح أحوال الشاعر الذاتيّة ومدى
    تأثيرها –كيفما كانت- في أحوال مجتمعه : "إذا كان للأمّة جهاز عصبيّ فإنّ
    الشاعر العبقري أد ّ ق هذه الأعصاب نسجا وأسرعها للمس تنبّها، ولا غنى لجسم
    الأمّة عن هذه الأعصاب..." وردّا على من يعتبر الشعر غير لازم للحياة يقول
    عبد الرحمان شكري : "يقولون إنّ الشعر ليس من لوازم الحياة، ولو جاز لنا أن
    نعدّ الإحساس غير لازم للنفس أو التفكير غير لازم للعقل لجاز لنا أن نعدّ الشعر
    غير لازم للحياة".
    -3 المضامين:
    تبعا لهذا المتصوّر لعلاقة الأدب بالحياة، تحدّث شعراء هذا الاّتجاه بدّقة أشدّ
    عن المضامين التي ينبغي أن يلتفت إليها الشاعر. ولئن عمّموا في حديثهم عن
    المنشود –لأّنهم لم يتبيّنوه بعد- فقد أفصحوا في كلامهم على الموجود بمصادرة
    موضوعات تقليدية ألفها الشعر العربي وتواصل الاحتفاء بها إلى زمنهم ذاك،
    وعلى رأسها ما اّتصل بالملق، ملق الكبراء، وتجافى عن الشعور الصادق، وقد
    خصّوا المديح بالذكر لأّنهم وجدوا العرب تعتبر الإجادة فيه عنوان الفحولة،
    45
    فراحوا يثبتون أنّ الشاعر المجيد عندهم ليس ذلك النظام الذي يركب كلّ مركب
    ويقول في كلّ مناسبة دون انتظار الوحي وحي الذات والوجدان، وهذا ميخائيل
    نعيمة يرثي لحال أولئك الذين أجهدوا قرائحهم في المدح والتهاني. وعن هؤلاء
    تحدّث العّقاد مب ّ شرا بزوالهم وذهاب آداب التزّلف معهم حين قال : "لن تجد اليوم
    شاعرا حديثا يهّنئ بالمولود وما نفض يديه من تراب الميت [...] ولا واقفا على
    المرافئ يودّع الذاهب ويستقبل الآيب...". كما ته ّ كم عبد الرحمان شكري بطريقته
    من بعض مضامين الرثاء ومعانيه الكاذبة المكرورة فقال : "إذا رثوا قالوا إنّ
    السماء كادت تسقط لموت المرثيّ [...] وإنّ القمر به كلف حزنا عليه. وإنّ الرياح
    تنوح أسفا على موته [...] وإنّ القبر لا يسعه لأّنه بحر...".
    -4 في منزلة الأديب: الّنبّوة المجهولة
    لم يكتف الرّومنطيقيّون بأنّ حدّوا لل ّ شعر مجالا هو الحياة الواسعة بخيرها
    وشرّها بل زادوا فطرحوا مسألة منزلة ال ّ شاعر ولم يجدوا من رتبة ُتضاهي ما
    ينهض به في الحياة سوى مرتبة الّنبّوة، ولقد زاد هذه الفكرة رُسو ً خا في أذهانهم
    سببان: أوّلهما قراءاتهم في الآداب الرّومنطيقيّة الغربيّة التي حفلت بهذه الفكرة
    وألحفت فيها، وثانيهما إحساسهم بالغبن والغربة- خطأ أو صوابًا.
    ولئن اختلف هؤلاء ال ّ شعراء في الّتعبير عن هذه الفكرة نظريّا، فإنّ الاّتفاق
    بينهم على تفرّد ال ّ شاعر وتساميه حاصل. فالعّقاد طالما تغّنى بال ّ شاعر المطبوع
    الذي " له سائق منْ سليقة تهديه إلى مواقع الماء، وبصر كبصر الهدهد يزعمون
    أّنه يرى الماء تحْت أديم الأرض وهو طائر في الهواء"، ثمّ عاد فرفع ال ّ شاعر عن
    الأناسي درجات لأّنه بزعمه أوسَعُ مِنْ سائر الّناس خيالا [...] وهو ألطفهم
    حسًّا... وأفطن الّناس إلى الّنقص وأكثرهم سخطا عليْه..."، ويزيد العّقاد فيذهب
    إلى أنّ هذه المرتبة السّنيّة وهذه العبقريّة وهذا الّنبوغ هي سرّ الّتضحيّة والفداء في
    حياة ال ّ شاعر، ذلك أنّ "العبقريّ رجل أريد به أن ينسى نفسه ليخلص نفعه لنوعه"،
    مُنتهيًا إلى أنّ المصائب التي تحلّ بهؤلاء ليست من عبث الأقدار وإّنما هي "لحكمة
    بالغة".
    46
    وإلى ذات المعنى يذهب عبد الرّحمان شكري في اعتباره ال ّ شعر رسالة
    وال ّ شاعرّ مدفوعا إلى "أداء ما ُ خلق له من الّتعبير عن حقائق هيّأته لها ال ّ طبيعة".
    أمّا جبران فيسمّي دون حرج:"أقول لكم إّنما ال ّ شاعر رسول يبّلغ الرُّوح الفرد ما
    أوحاه إليه الرّوح العام، فإن لم يكن هُناك رسالة فليس هُناك من شاعر".
    وأمّا نعيمة فبعْدَ أن طرح السّؤال الّتقليدي "من هو ال ّ شاعر"، لم يتردّد حين قال
    مجيبا: "...ال ّ شاعر نبيّ وفيلسوف ومصوّر وموسيقيّ وكاهن [...] لأّنه يرى بعينه
    الرّوحيّة ما لا يراه كلّ بشر [...] ولأّنه يسمع أصواتا متوازية حيث لا نسمع نحن
    سوى هدير [...] ولأّنه يخدم إلها هو الحقيقة والجمال".
    ثمّ إنّ أبا شادِي ليعبّر عن نفس الفكرة وإن بدا مقتصدًا في الحكم غير متحمّس:
    "غير مستكثر في نظري إذا عُدَّ كلّ شاعر [...] رسو ً لا في قومه".
    -على هذا يّتفق شعراء الرّومنطيقيّة العرب – من تحدّث في الأمر نظريّا
    كما عرضنا، ومن ذكر منهم رأيه شعرًا (شأن الشابيّ وعلي محمود طه وبشارة
    الخوري)- وغير خافية مصادر هذه الرّؤية وأسباب رواجها بينهم ، فلئن كان
    البعض منها ممكن ردّه إلى صورة للشعر عربيّة قديمة تقرن بين ال ّ شاعر
    والسّاحر، فإن أغلبها عائد إلى الرّومنطيقيّة الغربيّة التي عدّت هذا الفهم أصلا من
    أصولها الّثابتة.
    47
    الحصّة السّابعة
    مسائل الرّومنطيقيّة العربيّة
    لم يقصر الرّومنطيقيون العرب حديثهم هذا على تحديد منزلة ال ّ شاعر
    ووظيفة ال ّ شعر وموضوعاته بل وسّعوا المجال ليتطارحوا فيه بعض القضايا الفّنيّة
    التي تتعّلق بال ّ شعر من حيث هو صناعة وفنّ، ومن هذه القضايا:
    -المسألة العروضيّة
    لقد أثار المنسوبون إلى هذا الاّتجاه من المسألة العروضيّة عامّة قضيّة
    الأوزان تحديدا وطرحوا آراءهم فيها على مستويين : مستوى الّتشنيع على ال ّ شعر
    الّتقليدي (قديمه وحديثه) ومستوى حديثهم عن ال ّ شعر المنشود.
    وليس هذا يَعْني أنّ شعراء هذا الاّتجاه لا يقيمون للإيقاع وزنا لا
    يعتبرونه أسّسا من أسُسِ ال ّ شعر وإّنما القصد أّنهم ثاروا عليه عندما ألفوه غاي ً ة
    ال ّ شعر خادمُها.
    لقد أصبحت في عداد المتواتر ثورة ميخائيل نعيمة على الأوزان
    الخليليّة تقيّد ال ّ شاعر وتقّنن خياله، فهو الذي تجرّأ فنعَى الخليل إلى شعراء العربيّة
    المحدثين حين قال: "لقد مات الخليل يا أخي..."، ولقد سايره جبران في ذلك حين
    فصل بين غايات الخليل من ضبط أوزان ال ّ شعر العربيّ وبين ما آل إليه حال هذا
    ال ّ شعر بعده حين قال: "لو تخيّل الخليل أنّ الأوزان التي نظم عقودها [...] ستصير
    مقياسًا لفضلات القرائح وخيوطا تعّلق عليها أصداف الأفكار َلَنثر تلك العقودَ
    وفصَم عُرَى تلك الأوصال..."
    تأسيسًا على ذلك ميّز الرّومنطيقيّون في ال ّ شعر نمطين: ما هو شعر وما
    هو نظم، ففِي كليهما يُقام الوزن ويكون الإيقاع ولكنّ الفارق في نظرهم كامن فِي
    أنّ ال ّ شعر يتوسّل الوزن أمّا الّنظم فالوزن غايته ومنتهاه. وقد قال رائدهم خليل
    48
    مطران قولا مذكورًا في المفاخرة بشعره:"هذا شعر ليس ناظمه بعبده ولم تحمله
    ضرورات الوزن أو القافية على غير قصده". وفي ذات الباب دعا عبّاس محمود
    العّقاد إلى الّثورة على "القيود الصّناعيّة" لأّنه رأى فيها - بالإضافة إلى غفلة
    ال ّ شاعر وعدم ا ّ طلاعه على الآداب الأخرى- سببًا جوهريا فِي عجز ال ّ شعر العربيّ
    عن الّتجدّد والّتعبير عن الحياة. وعلى هذا يقترن الش ّ كل بالمضمون (أو المبنى
    بالمعنى) اقتراًنا، ذلك أنّ بَرَم الرّومنطيقيين بالأوزان ليس سببه ملال الأذن من
    ذات الأوزان تتكرر فتجعل ال ّ شعر كلّ ال ّ شعر كأّنه ديوان لشاعر واحد، وإّنما مردّه
    إلى أنّ الأوزان تقيّد الم ّ شاعر وتحّنطها وتضطرّ ال ّ شاعر إلى أن يقول فوق ما يريد
    أو دون ما يريد أو غير ما يريد حّتى يستقيم الوزن. وما دام باب الحياة الواسع قد
    انفتح على ال ّ شعر فقد بات من الضروريّ أن تتابعه الوزان والقوالب والأساليب.
    يقول العّقاد: "إنّ أوزاننا وقوافيَنا أضي ُ ق من أنْ تنفسح لأغراض شاعر تفّتحت
    مغالق نفسه وقرأ ال ّ شعر الغربيّ فرأى كيف ترحب أوزانهم بالأقاصيص المطوّلة
    والمقاصد المختلفة وكيف تلين فِي أيديهم القوالب ال ّ شعريّة فيود عونها مالا لقدرَة
    لشاعر عربيّ على وضعه في غير الّنثر".
    والأبلغ من ذلك أنّ العّقاد راح يدافع عن زميليه شكري والمازني
    لاستعمالهما القوافي المُرسلة والمزدوجة والمتقابلة ورأى في فعلهما ذاك بادرة
    تحرّر لل ّ شعر العربيّ- وإن لم تكن كافية – كما حَدَسَ أنّ ما فعلته جماعة "الدّيوان"
    إن هو إ ّ لا تمهيد لتجديد أكثر جرأة. قال: "لقد رأى القرّاء بالأمس في ديوان شكري
    مثالا من القوافي المرسلة والمزدوجة والمتقابلة وهم يقرَؤون اليوم في ديوان
    المازني مثا ً لا من القافيتيْن المزدوجة والمتقابلة، ولا نقول إنّ هذا هو غاية
    المنظور من وراء تعديل الأوزان والقوافي وتنقيحها ولكّنا نعدّه بمثابة َتهَيُّؤ المكان
    لاستقبال المذهب الجديد، إذ ليس بين ال ّ شعر العربيّ وبين الّتفرّع والّنماء إ ّ لا هذا
    الحائل. فإذا اّتسعت القوافي لشّتى المعاني والمقاصد وانفرج مجال القول بزغت
    المواهب ال ّ شعريّة على اختلافها".
    وإذا أعدنا نفس المعنى بالأسلوب الجبراني الّتيّاه ردّدنا معه:
    49
    "لكم منها العَروض والّتفاعيل والقوافي [...] ولي منها جدول يتسارع
    مترّنما نحو ال ّ شاطئ فلا يدري ما إذا كان الوزن في الصّخور التي تقف في سبيله
    أم القافية في أوراق الخريف التي تسيرُ معه".
    في مقابل صور جبران كان أمين الرّيحاني أكثر جلاء، إذ راح مُنذ
    مطلع القرن العشرين يُغري ال ّ شعراء بنمط فِي الكتابة جديد من شأنه أن يكسر
    الحدود الفاصلة بين الأخويْن الّتقليديين: ال ّ شعر والّنثر، وذلك بالدّعوة إلى ما سمّاه
    "الشعر المنثور "حينا، أو "الشعر الحرّ الطليق" حينا آخر، قائلا: "هو آخر ما اّتصل
    إليه الارتقاء ال ّ شعريّ عند الإفرنج"، مبيًّنا أنّ تحرّر ال ّ شعر من قيد العروض
    عندهم، مرّ بمرحلتين: حرّره في أولاها شكسبير من قيود القافية، ثمّ أتمّ تحريره
    حين "أطلقه من قيود العروض (Walt Witman) في الّثانية الأمريكي ويتمان
    كالأوزان الاصطلاحيّة والأبحر العرفيّة" فنشأ عن ذلك في ال ّ شعر قالب "غريب
    جديد".
    وإذا كان خليل مطران قد ثار على الألفاظ المستهلكة فإنّ نعيمة قد
    انضمّ إلى كوكبة الّثائرين على قيد الوزن بقوله: "إنّ القافية العربيّة السّائدة إلى
    اليوم ليست سوى قيد من حديد نربط به قرائح شعرائنا وقد حان وقت تحطيمه من
    زمان".
    -المسألة البلاغيّة:
    تناول شعراء الرّومنطيقيّة العربيّة من ال ّ شعر جانبه البلاغيّ ور ّ كزوا
    منه على مسألة الّلفظ واّتخذوها منطلقا للّثورة على الّتقليد وأسّسا لمذهبهم الجديد،
    وهذا رائدهم خليل مطران يثبت أنّ أفضل ما أنجز في ديوانه هو :"الجرأة على
    الألفاظ والّتراكيب"، مبيًّنا أنّ هذه الجرأة هي "من مقتضيات هذا الزّمان".
    ولكن ما المقياس الذي اعتمدوه في إثارة هذه المسألة ، مسألة الّلفظ؟
    يبدو من الّنصوص التي وصلْتنا أنّ هؤلاء ال ّ شعراء حين يذكرون
    ال ّ ظاهرة إّنما ير ّ كزون منها على ثنائيّة الغريب والمألوف، نابذين الأوّل داعين إلى
    الثاني ، فاصلين بين الإغراب والجودة وهو مبدأ استقرّ في أذهان ال ّ شعراء طويلا.
    50
    باستعمال هذا العيار المشار إليه ماز شكري ال ّ شعر الأفخم والأنفع
    والأجلّ من سواه فقال: "إنّ أجلّ ال ّ شعر وأفخمه [...] وأكثره نفعا [...] هو ال ّ شعر
    الذي لم ُتتكّل ْ ف فيه الغرابة". ولم يكتف شكري بالّتنظير للمسألة وإّنما راح يُفاضل
    بين الشعراء الأقدمين باستعمال ذات العيار، مقدّما أدّلة من المعّلقات وشعر
    ال ّ شريف الرّضيّ، مقارنا بين ابن زريق والأبيوردي والحريريّ والمعرّي.
    قال:"وإذا نظرت في شعر الحريري وجدت أّنه مُترع بالغريب ولكّنه بالرّغم منْ
    ذلك ليس مِنْ حَسَن ال ّ شعر".
    ولا ينأى جبران عن صاحبيْه إ ّ لا بالصّياغة حين يقول بطريقته
    المألوفة:"لكم منها القواميس والمعجمات والمطوّلات ولي منها ما غربلته الأذن
    وحفظته الّذاكرة من كلام مألوف مأنوس تتداوله ألسن ُ ة الّناس في أفراحهم
    وأحزانهم" ، وإلى السّابقين ينضمّ نعيمة ليتحدّث في ال ّ ظاهرة الّلغويّة ومكانتها، لكن
    بأسلوب حجاجيّ يسعى إلى إثبات أنّ غايته تحرير الأدب والأديب من قيد الّلغة
    الذي شدّتهما إليه البلاغة القديمة:" اطلبوا مَعِي أن يكون لنا من أدبائنا رسلٌ للرّوح
    لا حاك ً ة للأقنعة المزركشة". وعلى هذا الذي مضى يحلّ المعنى المقام الأوّل
    بقوله: "إنّ القصد من الأدب هو الإفصاح عن عوامل الحياة [...] وإنّ الّلغة ليست
    سوى وسيلة من وسائل كثيرة اهتدت إليها البشريّة للإفصاح عن أفكارها
    وعواطفها، وإنّ للأفكار والعواطف كيانا مستق ّ لا ليس لّلغة، فهي أوّلا والّلغة ثانيًا".
    وبالجملة فقد ل ّ خص شكري رأي الجماعة في المسألة بقوله:"إنّ ال َ غراب َ ة
    لا تستعصي على أحد وإّنما الصّعوبة في الجمع بين المتانة والسّهولة".
    -ال ّ شعر بين الّتقرير والّتصوير: مسألة الصّورة.
    لقد تر ّ كزت الدّعوة الّنظريّة لدى شعراء الرّومنطيقيّة العربيّة، فضلا عن
    الإيقاع والّلفظ ، على ماهية ال ّ شعر وجوهره. وقد انطلقوا فيها كما عُهِدَ منهم من
    تقويم الّتجربة ال ّ شعريّة العربيّة القديمة ثمّ اقتراح المتصوّر البديل، كما اّتخذوا من
    ثنائيّة الّتقرير والّتصوير فيص ً لا ومعيارًا.
    51
    لقد كان الّتقرير في نظر أغلبيتهم الصّفة ال ّ طاغية على ال ّ شعر العربي
    القديم ومأتى العيب فيه ولذلك دافعوه ما استطاعُوا مبيّنين أّنه يتنافى ومفهوم الشعر
    الح ّ ق.
    تحدّث ابراهيم عبد القادر المازني عن الوصف بين الُقدماء والمحدثين ففاضل بين
    نمطين منه: وصف تقريريّ ينقل من الحياة مظاهرها ووصف يتناول حالات
    الّنفس العميقة، وضرب على ذلك مثال الوّصاف المبدع في وصف الحيوان العاجز
    عن وصف خبايا الّنفس. قال:"للحياة غايات وآمال أكبر ممّا يشغل الّنظر
    ويستغرقه... وقد يدلّ وصف [الحيوان] على براعة وإبداع ولكّنه حقيق أن يدلّ
    على عجز عن الّتف ّ طن للحقائق الفّنيّة الجليلة التي ينبغي أن تكون العناية بها أشدّ
    من العناية بالحُمُر والّنياق".
    كما ميّز نعيمة بين ما سمّاه "العين المادّيّة" و "العَيْن الرّوحيّة" مشيرا
    إلى اقتصار الأولى على تصوير ال ّ ظواهر وتمحّض الّثانية لوصف خلجات القلب
    والّنفس.
    ولئن ظهر هذا الّتمييز – بتعدّد الأساليب والأشكال- لدى شعراء
    الرّومنطيقيّة العربيّة أجمعين، فإّنه كان لدى أبي القاسم ال ّ شابّي أظهر، إذ خصّص
    له أبرز مقاطع محاضرته: "الخيال ال ّ شعري عند العرب".
    انطلق ال ّ شابي في هذا الّتمييز من أنموذجيْن: شعر ال ّ طبيعة وشعر المرأة
    العربييْن، وزاد فعمّمه حّتى شمل ما سمّاه الأساطير العربيّة التي قال فيها إّنها
    كانت "وثنيّة جامدة جافية لم تفقه الح ّ ق ولا تذوّقت لّذة الخيال". وعلى الأساس
    يمضي ال ّ شابيّ متحاملا على الوصف في ال ّ شعر العربيّ ضاربا الأمثلة من مجالي
    ال ّ طبيعة والمرأة مشر ً كا القارئ في بعض ما يذهب إليه، محتكما إلى الّذوق
    والإحساس بالدّرجة الأولى معدّدا الّنماذج ما وسعه الّتعداد: تحدّث عن بعض شعر
    عمر بن أبي ربيعة- وهو من هو في باب الغزل- ليقول فيه :" نقرؤه فلا نحسّ
    فيه روح ال ّ شاعر الملتّذة المعجبة ولا نسمع فيه صوًتا من أصوات القلوب وإّنما
    هي صور متتابعة يعرضها ال ّ شاعر عرضا أمينا". أمّا شعر ال ّ طبيعة فهو- وإن
    تطوّر في نظر الّنقاد- باق على صورة واحدة في نظر ال ّ شابي لأّنه منذ ال ّ طور
    52
    الأوّل لا يتحدّث فيه الشاعر" عن ال ّ طبيعة بشغف الشاعر وخشوع المتعبّد بل
    يتناولها تناول القاصّ الذي لا يحفل بجلال المشهد أو جماله وإّنما الذي يهمّه هو
    أن يصفه كما رآه دون أن يخلع عليه حّل ً ة من شعوره أو عبقا من عواطفه". أمّا
    الأمارة على أنّ ال ّ شابّي إّنما كان ينقد مقارنا بين الأدب العربي كما بلغه وفهمه
    وبعض الّنصوص الرّومنطيقيّة الغربيّة كما تمّثلها مترجمة، فتبرز في مقارنته بين
    Lamartine شعر ابن خفاجة وابن زيدون وابن سهل وبين فصلين معرّبين عن
    الألماني ليبث مما يُسمّيه "الفرق بين الرّّنة العربيّة السّاذجة Goethe الفرنسي و
    [...] وبين الرّّنة الغربيّة العميقة".
    وكما قسّم نعيمة العين إلى "مادّيّة" وروحيّة " يقسّم ال ّ شابّي ذات الحاسّة
    إلى ما سمّاه "عين الرّأْس" و"عين الخيال"، مبيّنا بعد مقارنة بين شعر العرب وشعر
    طاغور الهنديّ أفضليّة الّثاني على الأوّل، لأنّ هم ال ّ شاعر العربي قد انحصر في
    "تلك الأوصاف المادّيّة الملقاة أمام كلّ رائح وغاد"، فقام شعره على "إحساس
    قاصر وخيال محدود لا يتجاوز ال ّ ظواهر ولا يطمع فيما وراء المرئيّات"...
    وبعد، فهل عرف ال ّ شابّي الرّومنطيقيّة الغربيّة ح ّ ق المعرفة حّتى ينتصب مُقارًنا
    معتدّا بقوله "إنّ تلك الّنظرة الرّوحيّة العميقة التي نجدها عند ال ّ شعراء الأوربيين
    [...] منعدمة بتاتا أو كالمنعدمة في الأدب العربيّ كّله" ؟
    لا شكّ أنّ ال ّ شابي، كعامّة الرّومنطيقيين العرب، إّنما كانت تقوده الّثورة على القديم
    إلى حيث شاءت أن تقودَه وأّنه يتشبّث بالّتجديد مبدأ دون وعي دقيق بحدوده
    وتفاصيله. وإذا نحن تابعْنا محمّد الحليوي في قوله إنّ ال ّ شابّي كان في محاضرته
    التي اعتمدناها إّنما كان يمتح من مؤّلفات العّقاد ونعيمة أدركنا أنّ موقفه ذاك لم
    يكن موقًفا فردًا وإّنما هو خلاصة رأي طائفة الرّومنطيقيين العرب اجتمعت على
    صياغته أقلام المهجريين وحركة الدّيوان وجماعة أبولو.
    -المعَنى بين البيت والقصيد:
    لم يغفل الرّومنطيقيّون العرب في حديثهم الّنظري هذا عن مسألة في
    ال ّ شعر جوهريّة ستكون محلّ أنظار المجدّدين والباحثين في مستقبل ال ّ شعر العربيّ
    وهي مسألة دور البيت في القصيدة، هل يستفرغ البيت الواحد المعنى أم يطوّره،
    53
    ومتى يجوز الحديث عن اكتمال الفنّ في القصيدة وما العلاقات التي تقيمها الأبيات
    فيما بينها، وهل يُكتَفى بالبحر والقافية والغرض عناصر تأليف بين أبيات القصيدة
    الواحدة؟.
    لقد عدّ الرّومنطقيون العرب ظاهرة استقلال البيت عيبًا رئيسا من
    عيوب الأدب العربيّ القديم، وبتجّنبها َف َ خر خليل مطران في "البيان الموجز" حين
    قال عن شعره: "هذا شعر [...] يقال فيه المعنى الصّحيح بالّلفظ الفصيح، ولا ينظر
    قائله إلى جمال البيت المفرد ولو أنكر جاره وشاتم أخاه [...] بل ينظر إلى جمال
    البيت في ذاته وفي موضعه وإلى جملة القصيدة في تركيبها وفي ترتيبها وفي
    تناسق معانيها وتوافقها...".
    ولم يكن مطران فردًا في ما ذهب إليه، فإلى ذات الفكرة ذهب عبد
    الرّحمان شكري حين عاب على قرّاء ال ّ شعر تمسّكهم بالبيت المفرد وإهمالهم وحدة
    القصيدة: [...] "إّنهم يعدّون كلّ بيت وحدة تامّة، وهذا خطأ، فإنّ قيمة البيت في
    الصّلة التي بين معناه وبين موضوع القصيدة". ويزيد شكري فكرته توضيحًا حّتى
    ليكاد ينطق بما سيسمّى لاحقا بمفهوم "الوحدة العضويّة"، حين قال :"ينبغي أن
    نن ُ ظر إلى القصيدة من حيث هي شيء فرد كامل لا مِنْ حيث هِي أبيات مُستقّلة".
    على أنّ شكري لا يكتفِي باّتهام ذائقة القرّاء وأسلوبهم في الّتقبّل بل يتحدّث
    صراح ً ة هذه المرّة عن مفهوم "وحدة القصيدة" ويدعو ال ّ شعراء إلى العمل به، في
    قوله: ..."ومَثَلُ ال ّ شاعر الذي لا يُعنى بإعطاء وحدة القصيدة حّقها مثل الّنّقاش الذي
    يجعل نصيبَ كلّ أجزاء الصورة التي ينقشها من الضوء نصيبا واحدا".
    وقد تردّد لل ّ شابي في الموضوع رأي ضمّنه في الخيال الشعري، خلاصته أنّ
    الشاعر العربي كائن عَجول متسرّع يقصد إلى المعنى رأسا ثمّ يفرغ منه فهو "إذا
    ما أراد أن يبسط فكرة من أفكاره ألقاها في بيت فرد أو في جملة واحدة إن
    استطاع ثمّ انهلّ بوابل من الأفكار المتتابعة بحيث تكون القصيدة كحدائق الحيوان
    فيها من كلّ لون وصنف". وفي معرض الحديث عن ح ّ ظ الأدب العربيّ من
    ال ّ شاعريّة تحدّث ال ّ شابّي طويلا عن غلبة الّنزعة الخطابيّة معّللا بها إيثار "وحدة
    54
    البيت حّتى" كانت القصيدة العربيّة لا تدور على محور واحد[...] وإّنما هي كون
    صغير تحشر فيه الأفكار حَ ْ شرًا".
    تلك بعض من آراء الرّومنطيقيين العرب في ال ّ شعر وال ّ شعراء اّتفقوا
    حول بعضها وتفاوُتوا في الّتنبه إلى بعضها الآخر، كما أنّ إثارتها لم تكن على
    نسق واحد وإّنما أثيرت اّتفاقا حينا واّتباعا حينا آخر وكان فيها بعضهم واقعًا تحت
    تأثير البعض الآخر (ال ّ شابّي مع جبران والعّقاد)، ومع ذلك فقد كانوا في الأعمّ
    الأغلب مّتحدين يصدرون عن ذات الّتصوّر ويمتحون من عيْن المنابع فتتقارب
    الآراء والمواقف حدّ الّتشابه، ممّا يخوّل للدّارس الحديث عن متصوّر رومنطيقيّ
    عربيّ. فهل طابق المنجز الفّنيّ هذا الّتصوّر أم فارقه ؟
    55
    الحصّة الثامنة
    المنجز الفّني عند شعراء الرّومنطيقيّة العربيّة
    تمهيد:
    لا يمكن بحال حصر كلّ القضايا المعنويّة والفّنيّة التي تّتصل بشعراء
    الرّومنطيقيّة العربيّة وذلك لأسباب لعلّ أهمّها ما قرّرته جمهرة الدّارسين من أنّ
    الرومنطيقيّة في مفهومها الأدق إّنما قامت على تحرير الأديب والفنان من كلّ قيد
    مذهبي أو فكري أو فّني جماليّ، وعلى توسيع مجال فّنه توسيعا لا مزيد عليه،
    ومن ثمّ مارس هؤلاء ال ّ شعراء فّنهم وفق أهوائهم وضمائرهم ولم ينتظموا صّفا
    واحدًا وإن انتموا إلى جمعيّات أو الّتفوا حول "زعيم" أو جريدة... ثمّ إنّ
    الرّومنطيقيين العرب لم يكونوا على درجة من الثقافة واحدة، بل تنوّعت منابعهم
    ومراجعهم وتفاوتت إفاداتهم ممّا اشتركوا فيها منهم بحسب أمزجتهم الباطنة
    وظروفهم ال ّ ظاهرة.
    ومع ذلك فإنّ هذا لا يعني أنّ شعراء الرّومنطيقيّة العربيّة كانوا شيعا
    ومذاهب لا تجتمع فقد أثبتنا قبلُ جملة من العناصر تؤّلف بينهم وتوحّد أكثر ممّا
    تفرّق وتفصل. وكما انعكس هذا الّتوحّد في مستوى الرّؤية النظريّة فكشف عن
    مواقف منسجمة في كّلياتها دوما وفي تفاصيلها غالبا، فقد حدث التّقارب في
    مستوى المعنى والمغنى إلى درجة تبيح الحديث عن رؤوس موضوعات وأمّهات
    قضايا شغلت الرّومنطيقيين العرب...
    - ظاهرة ال ّ شعر على ال ّ شعر:
    لقد عُني هؤلاء ال ّ شعراء بهذه المسألة وصرفوا إليها جهدهم باعتبارها
    الُقطب الذي عليه مدار أمرهم إ ّ لا أنّ عنايتهم به كانت عند بعضهم أظهر من
    البعض الآخر، كما اختلفت وجوهها اختلاًفا.
    لقد تحدّث ال ّ شعراء عن ال ّ شعر مفهومًا وخصائص وأبانوا عن مواقفهم
    منه ومن أعلامه سواء في تلك المقدّمات التي وضعوها لمؤّلفاتهم أو مؤّلفات
    56
    سواهم، أو في تلك الّنصوص النّقديّة الواسعة أمثال "الدّيوان" والغربال " والخيال
    ال ّ شعري عند العرب"... وما أشبه ذلك إ ّ لا أنّ أطرف ما في هذا الاهتمام في نظرنا
    هو ما عمد إليه بعض ال ّ شعراء – وإن بتفاوت - من جعل حديثهم عن ال ّ شعر
    وسيلته ال ّ شعر في ما يمكن تسميته ب "ال ّ شعر على ال ّ شعر".
    لقد راح هؤلاء يتحدّثون بال ّ شعر عن ال ّ شعر وصار الشعر عندهم أداة
    وموضوعًا بعد أن كان ال ّ شعر في أغلبه أداًة خادمة لموضوعات وأغراض أخرى،
    ولأنّ ذكر كلّ ال ّ شعراء الرّومنطيقيين يطول ويثقل، ولأّنهم تفاوتوا في هذا الباب
    فإّننا سنقصر الحديث على ثلاثة من كبار شعرائهم نخصّهم بالدّرس، (وقد نأتي
    على شواهد لغيرهم عند الاقتضاء) وهؤلاء الشعراء هم أبو القاسم ال ّ شابيّ
    وعلي محمود طه وبشارة الخوري المعروف بالأخطل الصّغير، لأّنهم عمّقوا ما
    دعا إليه غيرهم ووسّعوا من مجاله وخصّوه بأجود شعرهم.
    -أمّا ال ّ شابّي فقد ولع بحديث ال ّ شعر أيّما ولع في ديوان "أغاني الحياة"،
    وهو ولع يكتسب صفة الهاجس المُقيم إذا ما قرن بعناية ال ّ شاعر بال ّ ظاهرة في
    رسائله ومذكراته ومحاضرته (الخيال ال ّ شعري عند العرب) ويثبت أنّ للمسألة في
    نفس ال ّ شاعر مكانة أثيرة نعتقد أّنها عائدة إلى موقع ال ّ شابّي من ال ّ شعر العربيّ
    الحديث، فقد أحدث بدعوته تلك قطيعة مع القول الشعريّ السّائد ودعا إلى جديد ما
    ألفته الأسماع فكان لزاما عليه أن يوضّح ويفصح.
    -وأمّا بشارة الخوري فرومنطيقي بلا انتماء ، إذ لم يعرف عنه تقيّد
    بمدرسة أو اّتجاه أو حركة أو مجموعة، كما لم يمض بياًنا ولم يحبّر دستورا وإّنما
    ظلّ شاعرا طليقا لا قيد له إ ّ لا ذاته، وإذا كان من الدّارسين من تجرّأ فنسبه إلى
    هذا أو ذاك من الاّتجاهات فإنّ بشارة الخوري كان يمّثل بح ّ ق أنموذج ال ّ شاعر
    المتحرّر الذي كان الرّومنطيقيون يتغّنون به في شعرهم، وإن خالفهم ببعض المدح
    في مرحلة ما من حياته، ولكّنه تعّلق بالرّومنطيقيّة الغربيّة أيّما تعّلق واختار من
    أشعار أهلها فترجمه وضمّنه في قصائده أبياتا وصورًا أو أبقاه قصائد مستقلة.
    وأمّا علي محمود طه، فقد كان ضمن جماعة "أبولو" يوم تكوّنها، نهج
    نهجها الذي رسمت في قول الشعر مدّة، ثم لمّا زالت بقِي على العهد ينشر من
    57
    شعره ما ينسب إلى اختيارات الرّومنطيقيين نسبة لا خلاف فيها. وكان بح ّ ق أستاذ
    بدر شاكر السّيّاب يقرأ شعره ويشجّعه إلى أنّ شبّ السّياب عن ال ّ طوق واصطنع
    لنفسه منهجه الأسطوري الالتزامي الذي عُرف به. ومعروف عن علي محمود طه
    أّنه تن ّ كر لشعره الذي قاله في مصر قبل اكتشافه عالم "أوروبّا" وأبرز شعرائها:
    وسواهما. Heine و Lamartine
    فكيف تجسّم ال ّ شعر على ال ّ شعر عندهم؟ وما طرائقه ومواطنه ؟
    لقد سلك هؤلاء المخصوصون بالحديث وسواهم من شعراء الاّتجاه، إلى
    الحديث عن ال ّ شعر بال ّ شعر مسلكيْن أساسيين: أوّلهما تخصيص نصوص له مستقّلة
    وثانيهما الحديث عنه في غير ما مناسبة وفي أبيات مبثوثة داخل متنوّع الأغراض
    الأخرى. وتدلّ ال ّ طريقتان مجتمعتين على أنّ هاجس الفنّ ال ّ شعري لا يفتأ يعاود
    هؤلاء ويّلح عليهم فيركبون إليه كلّ مركب، ولا بدع، فشعراء الرّومنطيقيّة العربيّة
    كانوا واعين بأّنهم بدعوتهم أو بدعواتهم إّنما يبتدعون مسلكا في ال ّ شعر جديدا
    ويدعون إلى مَا لم يسبقوا إليه، ويحدثون " َ شرْ ً خا" في السّّنة ال ّ شعريّة الرّاسخة وفي
    الّذائقة ال ّ شعريّة التقليديّة، فلقد روى الشابيّ في موطن من مذ ّ كراته أنّ قّلة من أدباء
    تونس كانوا يشاطرونه ما هو عليه وأنّ أقلّ من القّلة ممَنْ كان "يفهمه ح ّ ق الفهم".
    وخلافا لما ذهبت إليه عامّة الدّارسين، في تحديد أغراض "أغاني الحياة" (من غزل
    ووطنيّات وطبيعة وتأمّل ووجدانيات...) يذهب الباحث محمّد القاضي بعد إحصاء
    دقيق لما ورد في طبعة " أغاني الحياة" لسنة 1970 ، إلى أنّ القصائد والأبيات
    المخصّصة لهذا المعنى تستغرق من الدّيوان ثلثه، وتعني هذه الّنسبة أنّ جهد
    ال ّ شابّي في باب الّتنظير" لل ّ شعر بالشعر أوفَرُ من جهده في ال ّ شعر ذاته بتنوّع
    أغراضه ومعانيه. كما يستفاد مِنْ هذا البحث أنّ ال ّ شابي قد خصّ ال ّ ظاهرة ظاهرة
    ال ّ شعر خاصّة والكتابة عامّة بسبع قصائد هي على الّتوالي: "شعري – يا شعر –
    أغنية الشاعر- قلت لل ّ شعر- أحلام شاعر – نشيد الجبّار – قلب الشاعر" عدا
    أخرى ورد فيها لل ّ شعر وال ّ شاعر ذكر وإن كان عارضًا دالّ على توّفره على
    المسألة وانشغاله بها. كما تثبت تواريخ هذه القصائد أنّ ال ّ شابّي لم يفرغ من الأمر
    دفعة ولم يقل فيه قولا واحدا بل راح يتّلفت إليه مذ ّ كرا به داعيا إليه.
    58
    وكذا كان الأمر بالّنسبة إلى علي محمود طه، فهو وإن اختلف مع
    ال ّ شابّي وأبي شادي ونعيمة...في انصرافه عن الّنثر وخلوّ آثاره من "المذ ّ كرات"
    و"المحاضرات" و "الرّسائل..." وما ل ّ ف لّفها، ليلتقي معهم في إحلاله ال ّ شعر حيّزًا
    من شعره إحلالا دفع بعض الدّارسين إلى الغلوّ حين رفعوا آراءه تلك إلى مرتبة
    "الّنظريّة" في ال ّ شعر. ومن هؤلاء برزت نازك الملائكة وهي ال ّ شاعرة بقولها:
    "يوشك علي محمود طه أن يكون صاحب نظريّة كاملة في ال ّ شعر وال ّ شاعر..."، ثمّ
    زادت فقالت واثقة:"...وما أعرف شاعرا عربيّا معاصرا كان يقدّس ال ّ شعر
    ويحترم ال ّ شاعر إلى درجة علي محمود طه...". ولعلّ طرافة ما أنجز هذا ال ّ شاعر
    تتمّثل في وجهين:
    -أوّلهما أّنه جعل ال ّ شعر وال ّ شاعر موضوعا رئيسيّا من موضوعات
    شعره وتبّرر ذلك المواطن الكثيرة التي جاء فيه ذكرهما في الدّيوان.
    -ثانيهما أّنه لم يتحدّث عن ال ّ شعر إ ّ لا بلغة ال ّ شعر وفي قالب شعريّ
    معبّرا بذلك عنْ أنّ ال ّ شعر مكتفٍ بذاته غير محتاج إلى رفد نثريّ يبين مقاصده
    ويشرح حَاَلهُ.
    ولقد تحدّث علي محمود طه في ال ّ شعر بطرائق أربع:
    -أوّلها: وضع نصوص شعريّة يعتبر ال ّ شعر أو ال ّ شاعر أو كلاهما
    غرضها الأوحد.
    -ثانيتها: تغنّ ببعض ما يّتصل بعالم ال ّ شعر من ملكاتٍ أو مصادر إلهام
    كالخيال وال ّ طبيعة والقلب...
    -ثالثتها: ورود الحديث عن ال ّ شعر وال ّ شاعر في أبيات محدودة بّثت
    داخل أغراض شّتى.
    -رابعتها: امتزاج الحديث عن ال ّ شعر برثاء أعيان أو بتهنئتهم.
    وقد أنتجت هذه ال ّ طرائق الأربع مجموع ً ة من الأشعار توزّعت بدورها
    :إلى أصناف-
    صنف أوّل من القصائد تمحّضت لل ّ شعر وال ّ شاعر ودّلت عليها
    عناوينها وهي:
    59
    "ميلاد شاعر" –غرفة ال ّ شاعر- الله وال ّ شاعر (من مجموعة "الم ّ لاح
    الّتائه)، حانة ال ّ شعراء" و"خمرة ال ّ شاعر" (من مجموعة "زهر وخمر")
    -صنف ثانٍ: تغّنى فيه علي محمود طه بالحال ال ّ شعريّة وهذه االقصائد
    هي:الوحي الخالد – الّنشيد- الم ّ لاح التائه – أغنية ريفيّة- قيتارتي-أيّتها الأشباح-
    قلبي- صخرة الملتقى- الفنّ الجميل- عاشق الزّهر- ال ّ طريد (من مجموعة
    "الم ّ لاح الّتائه").
    فلسفة وخيال- اعتراف (من مجموعة "شرق وغرب").
    -صنف ثالث طريف ركب فيه ال ّ شاعر مركب الرّثاء أو الّتهنئة أو
    الّترجمة أو الاستلهام فحوّله من غرضه الأساسيّ- وهو غرض تقليدي- إلى
    ضرب من "ال ّ شعر على ال ّ شعر" يُستطاب، وهذه القصائد هي: قبر شاعر- حافظ
    ابراهيم – شوقي – البحيرة (الم ّ لاح الّتائه) كأس الخيّام- شاعر مصر- موت
    ال ّ شاعر (ليالي الم ّ لاح الّتائه) موكب الوداع (مجموعة: "ال ّ شوق العائد").
    أمّا ما ورد في أبيات متفرّقة فأوسع من أن يحصر هَهَُنا.
    ويدلّ هذا الّتنويع في ال ّ طرائق على أنّ الحديث عن ال ّ شعر والشاعر قد
    عدّه علي محمود طه هاجسا من هواجسه لا يفتأ يذكره ويراوح فيه القول بين
    القصيدة الكاملة والقطعة والّنتفة والبيت، ويركب إليه كلّ مناسبة، كما أّنه لم يقصر
    حديثه في باب ال ّ شعر على مطالع مجموعات َ كمَا هِي العادة: لأنّ وجدنا هذا
    الحديث مبثوثا في ثنايا الدّيوان، حّتى لكأنّ ال ّ شاعر صاحب دعوة أو رسالة لا ينفكّ
    يتعهدها ويصدر فيها "البيان" تلو البيان تلو البيان ليزيدها نشرا ورواجًا. ومع ذلك
    فإنّ الملفت للانتباه هو أنّ هذا الاعتناء بال ّ شعر وال ّ شاعر وما يّتصل بهما كان آخذا
    في الّتضاؤل كّلما صدرت لل ّ شاعر مجموعة جديدة، لقد أخذ ح ّ ظ هذا الموضوع
    يتصاعد في المجموعتين الأوليين (الم ّ لاح الّتائه وليالي الم ّ لاح الّتائه)، ليبلغ ذروته
    في الحوار الشعرّي الموسوم "بأرواح وأشباح". ثمّ ها هو يتراجع بدءًا من "زهر
    وخمر" وصولا إلى "شرق وغرب".
    ولعلّ تأويل ذلك أن يكون كامنا في أنّ غلواء ال ّ شباب قد زايلت ال ّ شاعر كّلما تقدّمت
    به السّنّ والّتجربة، وأنّ المجموعات الأولى- المرتبطة تاريخيّا بانتمائه إلى حركة
    60
    "أبولو- كانت صدى قويّا "لمعارك أدبيّة" دارت بين الّتقليد والّتجديد ومازالت
    أصداؤها تترامَى في شعر الرّجل حّتى استتبّ الأمر للّتجديد أو كاد، أو لَنُقل إنّ
    ال ّ شاعر قد و ّ طن نفسه على "جديده" فلم يعد يُعَنِّي نفسه بالبحث عمّا هو أكثر جدّة
    ممّا ذهبت إليه الرومنطيقيّة العربيّة ممّثلة في جماعة "أبولو".
    أمّا بشارة الخوري (الأخطل الصغير) فلئن لم يؤثر عنه نصّ نقديّ
    واضح المعالم أو "دستور" شعري أو "بيان" فإنّ الباحث في شعره لا يعدم من
    الاستطرادات والّلمحات ما يكوّن إذا ما جمع وأنعم فيه الّنظر شبه رؤية للعمليّة
    ال ّ شعريّة ولح ّ ظ ال ّ شاعر في الوجود ومنزلته في الكون.
    لقد تجّلى حديث ال ّ شعر وال ّ شعراء عند بشارة الخوري - فضلا عن
    أعماله الصّحفيّة- في تلك الّنصوص ال ّ شعريّة التي خصّ بها ال ّ شعراء أحياءهم
    والأموات مهّنئًا أو معزّيا أو راثيا أو مكرّما أو مسهما في ذكرى ميلاد أو وفاة ،
    ويكاد الأخطل الصّغير لا يتخّلف عن "مناسبات" مرحلته إ ّ لا مكرها. فمّن التفت
    إليهم: الأخطل الّتغلبي والمتنبّي وعمر بن أبي ربيعة والفردوسي والمعريّ وشوقي
    وحافظ ابراهيم وأحمد رامي وفوزي المعلوف وفارس البستانيّ وخليل مطران
    وجبران خليل جبران وجميل صدقي الزّهاوي ومعروف الرّصافي وطاغور...
    وقد بلغ به الأمر حدّ المزج بين المدح أو الفخر من جهة وبين الحديث عن الشعر
    من جهة ثانية. وإذن فليس لحديث ال ّ شعر وال ّ شعراء عند بشارة الخوري موطن
    واحد وطريقة لا أخت لها، وإّنما هي الفكرة تلحّ عليه في كلّ آونة وحين فتمتزج
    بالمدح إذا هو مَدَح وبالرّثاء في موضع الرّثاء وبال ّ شكوى إذا ألِمَ وبالّذكرى إذا
    هاجت في نفسه وهكذا...
    61
    الحصّة التاسعة
    المنجز الفّني عند شعراء الرّومنطيقيّة العربيّة
    - في مضمون الحديث:
    ينبغي الإشارة بدءًا إلى أنّ هؤلاء المذكورين وسواهم من الرّومنطيقيين
    ممّن شغلهم أمر ال ّ شعر وال ّ شعراء، لم ينظموا حديثهم هذا وفق منهج صارم دقيق
    على عادّة الباحثين- وإّنما أرخوْا لقرائهم العنان، عنان الّتعبير عن متنوّع الوجوه
    بتداخل وتفاوت، تاركين للباحث – من بعدهم- استقطار المعاني واستخلاص
    الصّور.
    وبالفعل فإنّ مواقف هؤلاء ال ّ شعراء وأضرابهم، المبثوثة في ثنايا
    قصائدهم، لدَاّلة على أنّ لهم – وإنْ تفرّقوا عصورًا وأمصارًا- رؤية لل ّ شعر
    وال ّ شاعر تتناسق وتتكامل: فقد تحدّثوا أجمعين عن منزلة ال ّ شاعر ووظيفته
    وصفاته، وذكروا ملكاته، وأوردوا لل ّ شعر حدّا ومنهجًا وضبطوا له شرائط
    وأغراضا، وميّزوا جيّدَهُ منْ ساقطه، فكانت الّنظرة الرّومنطيقيّة "المتفرّدة".
    -ال ّ شاعر: المنزلة والوظيفة والصّفات:
    للشاعر عند الرّومنطقيين منزلة محفوظة، خلاصتها الرّفعة والسموّ. هو
    في نظر جمعيهم كائن أرقى وإن بدا في مسك إنسان. خلق في عالم الأرواح ثمّ
    نزل إلى "العالم الدّون" مكرها،... ولطالما تغّنى ال ّ شابّي بأنّ ال ّ شاعر- الذي يدعوه
    فّنانا أحياًنا- إّنما هو كائن ذو أصول سماويّة يحنّ إليها ويَ ْ شَقى بوجوده مرّتين:
    يشقى بوجود قلبه داخل سجن الجسد ثمّ بوجوده بين أناس لا يفقهون شعوره.
    يقول ال ّ شابي على لسان شاعره الفّنان مخاطبا ربّة ال ّ شعر:
    يا ربَّ َ ة ال ّ شعر! إّني بائس َتعِسُ عَدِم ُ ت ما أرتجِي فِي العاَلم الدّون
    أمّا علي محمود طه فقد تحدّث عنه بذات الصّورة في فاتحة قصائده "ميلاد
    شاعر"، حديثا ليس ببعيد عن عينيّة ابن سينا في الّنفس:
    62
    هبّط الأرض كال ّ شعاع السّنيّ بعصا ساحر وقلب نبيّ
    لمح ٌ ة مِنْ أشعّة الرّوح حَلَّ ْ ت في تجاليد هيكل بشريّ
    لقد حدّد علي م.طه وضع ال ّ شاعر في الكون فأضفى عليه قداسة هي
    قداس ُ ة الأنبياء يُولدون حمل َ ة رسالات، بل ربّما بلغ به الأمر حدّ تفضيله عليهم: فإذا
    كان الأنبياء كائنات أرضي ً ة حمّلت مهمّات سماويّة فإنّ ال ّ شاعر روح مصطفاة تنزل
    من العالم العلويّ- لا مطرودة كآدم وحواء ولكن تح ّ ف بها الملائك وتتبا َ شرُ
    بمقدمِها الأكوان والأزمان وتحلّ الأرض فإذا هي رُوحُ مَلكٍ في جسد إنسان.
    ومن الملامح الّثابتة المكينة في تصوّر الأخطل الصّغير اعتباره ال ّ شاعر
    نبيّا ُ كشف له الغيبُ فبات يسعى بين الأرض والسّماء وأضحى شعره وَحْيًا يُوحى
    لا سلطان له عليْه. وقد تكرّر من بشارة الخوري القول إنّ الصوت موهبة السّماء
    وأنّ الشاعر رسول، ولذا اعتبر قصائد عمر بن أبي ربيعة "سورا من الوحي"،
    وقال عن الشاعر الفردوسيّ إّنه صاحب "أنشودة الّنور" ووسم شوقي بالنبوّة ولم
    يبخل على نفسه بذات الحكم حين قال مخاطبا البلبل :
    أنا ناي الهوى الذي اخترع وأنت الفريد من إنشادي
    إنّ الشاعر عند الرومنطيقيين خاصة كائن ذو سيرة نموذجيّة يمكن
    اختزالها في أّنه كان في عالم الأطياف والأرواح ضوءا قبل أن ينحدر من أفقه
    العلويّ ذاك إلى ما سمّاه "الشابي-صميم الوادي"، فيضحي كائنا من تراب، يقول
    الشابي مخاطبا "صميم الحياة" (من قصيدة (الأشواق التائهة) :
    كنت في فجرك المغّلف بالسّحر فضاء من النشيد الهادي
    وضياء يعانق العالم الرّحب ويسري في كلّ خاف وباد
    وانقضى الفجر... فانحدرت من الأفق ترابا إلى صميم الوادي
    لكن لم أهبط هذا الكائن السّماويّ إلى العالم السّفليّ؟ ألمعصية ارتكبها أم
    لحكمة خافية؟ وبعبارة أخرى ما وظيفة الشاعر؟
    إنّ الشاعر "المشرّد عن وطنه الجميل" على حدّ عبارة الشابي، ما كان
    آثِمًا في عالمه الأصليّ، ولكّنه انتدب من بين المخلوقات جميعا ليكون رسول
    المعنى في عالم لا معنى فيه، وليفّقه الناس أمر حياتهم لأّنه يرى ما لا يرون
    63
    ويدرك بفضل ثنائيته ما لا يدركون بإنسانيتهم المحدودة. إنّ هذا الكائن الذي قدّ من
    نور صبّ على سحر وحكمة الذي جمع بين قدرة الساحر وقلب النبيّ وهيكل
    المخلوق الفاني لم يخلق باطلا، لأّنه ناهض بمهمّات ثقال : هو الذي ينطق
    الأخرس ويجمّل القبيح ويجّلي الظلمات. فعن ذلك التصوّر لمنزلة الشاعر نسل هذا
    الملمح الثاني المتمّثل في أنّ الشاعر إّنما جاء ليتغّنى بالجمال أّنى رآه وكيفما تش ّ كل
    له : في المشهد الطبيعيّ الآسر وفي الأصوات الشجيّة تنبعث من الطبيعة وفي
    جمال المرأة وفي المثل العليا... ولقد عبّر عن ذات المعنى شعراء الرّومنطيقيّة
    العربيّة وإن بصور مختلفة، فالأخطل الصغير يرى أّنه لولا عين الشاعر ما كان
    للأنوثة ولا للجمال معنى، إنّ المرأة في جوهرها ماء آسن حوّلها الشاعر إلى
    "خمرة تنعش الشاربين". ولقد قال في معرض حديثه عن عمر بن أبي ربيعة :
    لولا جميل لم تكن بثينة ولم تكن عبلة لولا عنتر
    بل قل :
    ما الحسن لولا الشعر إ ّ لا زهرة يلهو بها في لحظتين النظر
    أمّا جمال المواطن والأوطان فمستمدّ من فنّ الشعر أيضا :
    إّني لمن معشر لولا براعتهم ما كان لبنان غير الماء والطين
    وإذا كان الأخطل الصغير قد تحدّث عن الشاعر الذي يهب المرأة جمالا
    ليس فيها ويصنع من الماء والطين وطنا، فإنّ عبد الرحمان شكري أوجز القول
    في ذلك إيجازا فذهب إلى أنّ "الحياة بغير الشعراء شقاء لا يحتمل" :
    آه ما أتعس المعايش والأيّام لولا عواطف الشعراء.
    وتلك فكرة لقفها شكري عن الشاعر الانقليزي وودزوث
    إذ قال: "إذا غرّد الشارع أنشودة شاركته في تغريده الإنسانيّة (Wordsworth)
    بأسرها".
    وبعد فالشاعر إّنما أهبط أرضا ليحمل عن الناس همومهم ويهوّن عليهم
    أسر الآدميّة ويتداركهم بالرّحمة، يقول علي م طه :
    ما الشاعر الفّنان في كونه إ ّ لا يد الرّحمة من ربّه
    معزّي العالم في حزنه وحامل الآلام عن قلبه
    64
    على هذا فإنّ الصورة - صورة الشاعر في الوجود - لا تكتمل إ ّ لا
    بذكر صفاته التي عليها فطر وملكاته التي عليها توّفر :
    إنّ الشاعر الذي حلّ بالأرض ليحمل عن البشر همومهم وليرسم لهم
    طريق الخلاص لا يمكن إ ّ لا أن يكون ذا قلب يضاهي الكون رحابة واّتساعا :
    يا قلب إّنك كون مدهش عجب إن يسأل الناس عن آفاقه وجموا
    (الشابي : الأبد الصغير)
    وليس الشابي مفردا في هذا الاّتجاه ذلك أّنه لا تخلو قصيدة واحدة من
    قصائد الرّومنطيقيين من ذكر للقلب ومرادفاته عندهم (فؤاد، صدر، وجدان،
    جنان...) ومن الشكوى، شكوى الغربة والتفرّد، غربة من وجد نفسه بين أناس لا
    يفقهون لغة نفسه فإذا هو كائن مشرّد مشطور الفؤاد، يشقى ويألم صابرا :
    شرّدت عن وطني السماوي الذي ما كان يوما واجما مغموما
    شرّدت عن وطني الجميل فعشت مشطور الفؤاد يتيما
    شرّدت للدّنيا وكلّ تائه فيها راحلا ومقيما
    وقبل أن يفوه الشابي بقوله هذا، كان زعيم الرومنطيقيّين العرب خليل
    مطران قد ذهب إلى ذات المعنى منذ مطلع القرن في أولى قصائد هذا الاتجاه،
    حين قال مصوّرا فاجعة الإنسان الحسّاس المفرد يرى كلّ الموجودات بعين
    إحساسه فتتراءى له صورة من ذاته الذائبة :
    عبث طوافي في البلاد وعّلة في عّلة منفاي لاستشفاء
    متفرّد بصبابتي، متفرّد بكآبتي، متفرّد بعنائي
    شاك إلى البحر اضطراب خواطري فيجيبني برياحه الهوجاء
    ثاو على صخر أصمّ وليت لي قلبا كهذي الصّخرة الصّماء
    والبحر خّفاق الجوانب ضائق كمدا كصدري ساعة الإمساء
    تغشى البريّة كدرة وكأّنها صعدت إلى عينيّ من أحشائي
    إنّ الشاعر، وهو يؤدّي تلك الأمانة الثقيلة التي حمّلها، إّنما يلقى من
    المشّقة ألوانا فيرتدّ كائنا متفرّدا غريبا لا هو من أهل السماء الخّلص ولا هو
    أرضيّ محض، ويصبح غناؤه نشيجا يرثي به وجوده ويرفع إلى السماء شكاته،
    65
    من قدر رسم له ورسالة ضاعت على باب آدميين لا يفقهون، ويظلّ يندب غبطة
    ذهبت بها مرارة التجربة فيخاطب قلبه على نحو ما فعل علي محمود طه (من
    قصيدة "قلبي") :
    يا قلب... مثل النجم في قلق والّناس حولك لا يحسّونا
    لولا اختلاف الّنور والغسق مرّوا بأفقك لا يطّلونا
    فاصفح إذا غمطوك إدراكا واذكر قصور الآدميينا
    أتريدهم يا قلب أملاكا ك ّ لا... وما هم بالنبيينا
    هم عالم في غيّه يمضي مستغرقا في الحمأة الدّنيا
    نزلوا قرارة هذه الأرض وحللت أنت القمّة العليا
    ذلك واحد من الحلول التي اهتدى إليها الشاعر الرّومنطيقيّ، ولكنّ له
    في غيرها من المواقف منادح، منها التأسّي باللجوء إلى الطبيعة يستشير عناصرها
    فترثي لحاله وتشاطره ما هو فيه، ومنها استمطار السماء على أهل الأرض
    لعنات، ومنها اليأس المطبق المفضي إلى تمّني الموت والعودة إلى عالم
    الأرواح... وهي كّلها "حلول" تشارك الرّومنطيقيّين في تصويرها عند الملمّات
    والأزمات وس ّ طروها في أشعارهم واقترحوها منهاجا في الحياة. ولقد راحوا
    يجهدون قرائحهم في سبيل تصوير "الغاب" الجميل والليل كاتم الأسرار ونجيّ
    الحيارى. لجأ إلى الغاب الرّومنطيقيّون هربا من حياة الأناسي وبحثا عن حلقة
    مفقودة يظّنون أّنها تشدّهم إلى عالم سحريّ لا وجود له إ ّ لا في خيالهم في "سلوك
    تعويضيّ" ظاهر، وراحوا يخاطبون كائنات لا مرئية سمّوها تسميات تختلف
    ظاهرا وتأتلف على الحقيقة : هي الجنّ (كما عند جبران...) وهي النفس (إيليا أبو
    ماضي) وهي صميم الوجود (الشابي...). وقد تّتخذ تلك الكائنات أشكالا وجسوما
    فتكون "مغيبا" ("خواطر الغروب" لابراهيم ناجي، أغنية المغيب، لإلياس أبي
    شبكه...) وتكون ليلا (أغنية الليل لجبران...) أو بدرا (بشارة الخوري) أو خيمة
    (خيمة الناطور، لرشيد أيّوب...) أو أوراق خريف (أوراق الخريف لميخائيل
    نعيمة) أو نهرا (النيل لمحمود حسن اسماعيل...) أو طائرا (اليمامة للهمشري)
    البلبل (لمحمّد سعيد الخلصي...) أو معلما تاريخيا (الكرنك، لأحمد فتحي...). وقد
    66
    تكون صورا لكائنات شّتى يّتسع لها قلب ال ّ شاعر فيضمّها إليه ضمّا شبيها بسفينة
    نوح وماحوت (يعجبني... لمحمّد الحليوي). وقد تّتخذ أشكالا ما ورائيّة غيبيّة لا
    تدرك فإذا هي هيكل للحبّ (صلوات في هيكل الحبّ للشابي...) أو جّنة ضائعة
    (الجّنة الضائعة للشابي...).
    وقد يترك الشاعر هذا كّله ويفرّ إلى الداخل، إلى ذاته يجوس فيها، وإلى
    قلبه تحديدا، فيضرب عليه لأنّ في القلب مكمن العبقريّة كما قال قائلهم قبل
    ("عصفور الجّنة" لعبد الرحمان شكري).
    وقد لا تكون تلك الحلول كافية كلّ الرّومنطيقيّين فإذا فيهم من جرى
    مجرى غير معتاد فرأى الخلاص في لذا ذات الحياة شأن بشارة الخوري، وفيهم
    من ظلّ متردّدا بين "الصّومعة" والشرفة الحمراء"، يتلّذذ حينا وينكفئ متطهّرا تائبا
    حينا آخر شأن علي محمود طه...
    إّنهم وإن اختلفت سبل خلاصهم لمثبتون بهذا الاختلاف أّنهم كائنات
    رومنطيقيّة حساسة فيها تتجسّم صفات الإنسان الرّومنطيقيّ الذي تهزّه الفاجعة،
    ويأخذ بمجامع قلبه المرأى الجميل فيقول عفو الخاطر شعرا لا صنعة فيه ولا
    تكّلف.
    فهل ساوق هذه الصورة حدّ للشعر عندهم؟
    67
    الحصّة العاشرة
    المنجز الفّني عند شعراء الرّومنطيقيّة العربيّة
    - مَا ال ّ شعر؟
    لقد وازت المدوّنة التي خّلفها ال ّ شعراء المنسوبون إلى الرّومنطيقيّة بين
    احتفال برسم ملامح ال ّ شاعر المجيد وبين الاحتفال بوضع رواسم وأمارات تهدي
    إلى حدّ ال ّ شعر. فما ال ّ شعر عندهم؟
    لئن أفرط الرّومنطيقيّون في الحديث عن ال ّ شعر وخصّوه بأجود
    قصائدهم، فإنّ ذلك لا يعني البّتة أنّ الحدّ لم يكن في أذهانهم واضحًا وإّنما كانوا
    يسعَوْن دائبين إلى مناهضة فهم لل ّ شعر سائد، وتعويضه بآخر بدالهم جديدا محتاجا
    إلى الّتعهّد والمراجعة.
    فلقد أفرط ال ّ شابيّ في الحديث عن ال ّ شعر إفراطا، ولكنّ ذلك الإفراط في
    القول لا يعني التنوّع والاختلاف، فللشاعر نظرة واضحة يمكن إيجازها في جملة
    من المعاني الأثيرة لديه من أهمّها :
    أ-الشعر بين العقل والقلب
    ب-الشعر بين الخيال والواقع
    ج-الشعر بين الذات والآخر...
    ولن يكون الشابي وحيدا في أمره لأّنه –كما بيّّنا–لم يكن ينسج على
    غير منوال وإّنما وجد نصوصا ومفاهيم سبق إليها، سبقه إليها المهجريّون وحركة
    الدّيوان لا ّ طلاعهم على الآداب الغربية التي أنتجت أغلب هذه المفاهيم، ووجد هو
    وسواه من المتأ ّ خرين مصداقها في ما تيسّر لهم الا ّ طلاع عليه من النصوص
    المترجمة وسواها...
    لقد قابل الشابي بين موقفين في الوجود، موقف القلب (أو العواطف
    والمشاعر والأحاسيس) واستعمل للتعبير عنه ألفاظا من قبيل الحسّ، والعاطفة،
    وموقف العقل، وقد ترادف عنده مع ألفاظ من الفكر والفلسفة والتأمّل. ثمّ إّنه أردف
    68
    تلك المقابلة بأن ضيّق من مجال العقل في حياة الإنسان بالقدر الذي وسّع فيه من
    مجال القلب. إذ صوّر العقل في صورة متفلسف مغرور يدّعي الإحاطة بالوجود
    فلا يدركها، أمّا القلب فقد اعتبره منبع ال ّ شعر الأوحد، منه الكآبة ومنه الأغاريد
    وفيه تولد الأماني كما ينشأ الأسى ويجتمع الوجوم والسرور وحبّ الحياة والبرم
    بها، وذلك كّله محور الشعر في نظره حين قال في قصيدة "فكرة الفّنان" :
    عش بالشعور وللشعور فإّنما دنياك كون عواطف وشعور
    شيدت على العطف العميق وإّنها لتج ّ ف لو شيدت على التفكير
    إلى أن يقول ناصحا :
    واجعل شعورك في الطبيعة قائدا فهو الخبير بتيهها المسحور
    وكما سمّى الشابي الشاعر الفنان "ابن الخيال" فقد نعت الشعر ب"فلذة
    الفؤاد" وب"نفاثة الصدر" وابن الشعور، حين قال (من قصيدة : قلت للشعر) :
    أنت يا شعر فلذة من فؤادي تتغّنى وقطعة من وجودي
    أنت يا شعر قصّة عن حياتي أنت يا شعر صورة عن وجودي
    أمّا الأخطل الصغير فقد جعل للوجدان في الشعر أوفى نصيب إذ يلتقي
    عنده والخيال في إنشاء هذا الذوب السحريّ الذي يسمّيه دما تارة وعصيرا تارة
    أخرى. قال :
    ليس ما يشجيك مّني نغمات من فمي
    إّنها والهف نفسي قطرات من دمي
    كما قال قبل هذا :
    ما الشعر إ ّ لا عصير النفوس فمنه القراح ومنه القريح
    وغير بعيد عن هذا قول عبد الرحمان شكري جامعا جمعا لا ينفصم
    بين القلب والشعر :
    وما الشعر إ ّ لا القلب هاج وجيبه وما الشعر إ ّ لا أن يثير مثير
    وما أقرب هذا من قول الشابي في قصيدة "شعري" :
    شعري نفاثة صدري إن جاش فيه شعوري
    69
    ولئن سكت علي محمود طه عن مفهوم الشعر، مكتفيا ببيان فعله في
    النفوس :
    الشعر عندي نشوة علويّة وشعاع كأس لم يقبّلها فم
    (قصيدة "اليوم العظيم")
    فإّنه يلتقي والسابقين في تحديد منابع الشعر ويحصرها –كما فعل
    غيره- في : الخيال والقلب، حّتى سمّى الشعراء جميعا : طير الخيال، وسمّى
    نفسه ابن الخيال حين قال :
    نحن طير الخيال والحسن روض كّلنا فيه بلبل صدّاح
    (قصيدة مخدع مغنيّة)
    أمّا القلب عنده فنبع الشعر ومورده العذب فيه تعتمل تلك الرؤى
    فتستحيل على اللسان ريّا من السّحر. ويتداخل الشعر والقلب عنده حّتى يكاد
    الحديث عنهما أن يكون واحدا، فالشعر نشيد القلب، بل هو القلب إذا صهر سال
    شعرا، فإذا تغّنى علي محمود طه بشعره قال "قلبي" وإذا تحدّث عن النشيد ألفيته
    قلب أو ذوب قلب : قال :
    سترى يا حسن ما أعددته لك من ذخر وحسن متاع
    هو قلبي في الهوى ذوّبته لك في رّفاف لحن وشعاع
    ب-الشعر بين الخيال والواقع:
    الرائج حول الشاعر الرومنطيقيّ عامّة أّنه كائن قد فارق الواقع وجدّ
    في السّعي وراء الخيال حتى فقد شعره كلّ معنى وكلّ رابط يشدّه إلى حياة الناس.
    والواقع أنّ شعراء الرومنطيقيّة سواء في مواطن النشأة أو في مواضع الهجرة، ما
    كانوا عن تيار الحياة ببعيدين، ولقد بيّنا قبل عند تحديد مفهوم الرومنطيقيّة أنّ
    الجانب الاجتماعي الإنساني منه جانب ذو بال وأثبتنا – بل أثبت التاريخ - أنّ
    الرّومنطيقيّين العالميين الكبار إّنما كانوا –إلى جانب خيالهم الواسع وأحلامهم
    الشاملة- على قدر من الالتزام كبير لا يضاهيهم فيه بعض دعاة الالتزام (انظر
    تجد مصداق ذلك). V. Hugo على سبيل المثال سيرة الشاعر الفرنسي
    70
    وإذا نحن عدنا إلى الرّومنطيقيّة في وجهها العربي، لننظر في شأن
    بعض شعرائها وجدنا الشابي -وهو من هو اعتدادا بالخيال- لا يشيح بوجهه عن
    الواقع، ولا ينصرف عنه إلى خيالاته وأوهامه. فالشابي لم يتخّلص من ذكر الواقع
    في تصوّره للشعر ولكّنه كان يحاول أن يخّلص الشعر من أسلوب المباشرة الذي
    طغى عليه طويلا فحوّله إلى خطبة حماسيّة حينا وإلى وثيقة أدبيّة مصنوعة ليس
    لها من الأدبيّة غير الوزن والعبارة، فضلا عن أنّ الواقع مفهوم خلافيّ، فالواقع
    عند سابقيه من الشعراء هو واقع البلاطات والقصور لا واقع الناس. ولعّله ممّا لا
    يحتاج إلى بيان أنّ مفهوم "الشعب" عند الشابي الرومنطيقيّ لم يرد عند الشعراء
    "الرّسميّين" لعهده أمثال أحمد شوقي والشاذلي خزندار...). فلقد زاوج الشابي في
    "دستوره" الشعري وفي قصائده في آن بين الحلم (الخيال) باعتباره من مواقف
    الشعر وبين صفته الوطنية باعتباره كائنا اجتماعيّا حين قال :
    ما الشعر إ ّ لا فضاء فيه ير ّ ف مقالي
    في ما يسرّ بلادي وما يسرّ المعالي
    وما يثير شعوري من خافقات خيالي
    أمّا علي محمود طه فإّنه وإن أفرط في التغّني بالخيال حتى قال وقد
    قرن الفنّ إلى الشاعر :
    ضارب في الخيال ملق غيانه ملك الوحي قلبه ولسانه
    يعود في مواطن أخرى ليثبت أنّ الخيال مطيّة الشاعر يبلغ بها الّذرى
    ويولد الشيء من نقيضه :
    إّنني بالخيال أنتزع الرّقة من قسوة الزمان المرير
    عجبا ما حقائق الكون إ ّ لا لمحات الخيال والتفكير
    ثمّ ما هو يختزل تجربته في الحياة مبيّنا أّنه وإن ادّعى الرفعة بين بني
    آدم، يظلّ فيهم :
    وما أنا إ ّ لا من بني الأرض ناء بي مقيم عذابي والشقاء المحالف
    ولي قصّة يشجي القلوب حديثها ويعجز عن تصويرها اليوم واصف
    71
    ثمّ ها هو ميخائيل نعيمة في واحدة من أشهر قصائده يخاطب "أوراق
    الخريف" ويحدّثها حديث المفكر اليائس، فهل يعني هذا أنّ جانب الواقع معدوم في
    هذه المحاورة الخياليّة والحال أنّ الشاعر يفتتحها بقوله :
    يا رمز فكر حائر ورسم روح ثائر
    يا ذكر مجد غابر قد عافك الشجر
    تناثري تناثري
    ج-الشعر بين الذات والموضوع:
    ظاهر الأمر أن شيئا مولده القلب وباعثه الخيال وميزته الحريّة لا يمكن
    إ ّ لا أن يكون ذاتيّا سواء عبّر عن الأحلام أو عبّر عن الواقع، واقع صاحبه، غير
    أن شعراء الرومنطيقيّة وإن أفرطوا في استعمال ضمير المتكّلم، لم يكونوا
    يتقصّدون الحديث عن ذواتهم أو وضع أدب ذاتيّ محض، ذلك أنّ الذات عندهم
    تتماهى والموضوع. فهم لا يسوقون ما ساقوا من التجارب إلا لإيمانهم بأنّ فيها
    من الأبعاد الإنسانيّة ما يجعلها معبّرة عمّا يجد الآخر، فالقضايا الوجدانيّة التي
    أثاروها من شقاء الإنسانيّة ومن تعّلق بالمثل العليا كالحريّة والعدل لم تكن
    لتخصّهم بقدر ما كانوا يعتقدون أّنهم يتغّنون فيها بما تشتهي الإنسانيّة أن تتغّنى به.
    لقد حرّروا غزلهم – وهو من أكثر الأغراض ذاتيّة - من أسر التجربة الشخصيّة
    وراحوا ينّقبون فيه عمّا يؤّلف بين بني الإنسان في باب الحبّ. وعندما وصفوا
    المرأة لم يذكروا منها – في الأعمّ الأغلب - صفات جسديّة معلومة وإّنما اقتصر
    أكثرهم على المباعدة بين قصص – قد تكون واقعة - وبين سيرهم الشخصية،
    فجاءت الحبيبة رمزا لكلّ حبيبة، والعاشق صورة للعاشق المثال، ووصف العاطفة
    متعّلقا بفعل حضور الحبيب أو غيابه في نفس المحبّ ووجدانه. ولقد وهم من ظنّ
    بشعراء الرومنطيقيّة غير هذا الظنّ فخيّل إليه أنّ الشاعر إذا استعمل ضمير
    المذكر الغائب إّنما يتغزّل بالغلمان كما ألف في الشعر القديم (أنموذج ذلك رأي
    "أنيس المقدسي" و"سهام أبو جوده" في الشعر الغزلي عند بشارة الخوري).
    72
    الحصّة الحادية عشرة
    المنجز الفّني لدى شعراء الرّومنطيقيّة العربيّة
    - في المسالك ال ّ شعريّة؟
    لقد صار من نافلة القول الحديث عن "الثورة" التي أحدثها أو سعى إلى
    إحداثها هذا الاتجاه في الشعر العربي الحديث، ذلك أنّ الشاعر منهم ينطق أوّل ما
    ينطق بادّعاء ا ّ طراح القديم ومخالفة السابقين ونهج سبيل جديدة في القول الشعري
    قد لا يكون بالضرورة يدري مصبّها والمنتهى. لقد ألفيناهم يثورون على الأوزان
    والصور والأغراض وهي كلّ الشعر، ثورتهم على "الوجدان" الكاذب والصنعة
    الزائفة، يستنطقون قلوبهم فيصبّون ما تمليه عليهم في قوالب بدا لهم أّنهم
    اصطنعوها، ويس ّ طرون للشاعر صورة ونهجا وللشعر حدّا وغايات، فهل أنجزوا
    ما وعدوا؟
    لا بدّ من التذكير بدءا بأّنهم ركزوا ثورتهم تلك على رأس الأغراض
    العربية القديمة، لأّنهم رأوا فيه أشدّ القيود وطأة على الشعر والشاعر – وهو
    المدح - ثمّ ثّنوا بالغزل لأّنه لائط بالأوّل ملازم له، ومن ثمّ خلصوا إلى البديل
    الذي اقتصروا – بدءا - على تسميته بالوجدان. ثمّ خّلوا بين الشاعر وبين قلبه
    ينطق هذا بما يملي ذاك. ومصداق ذلك نحن واجدوه في قول إيليا أبو ماضي :
    أنا ما وقفت كي أشبّب بال ّ طلا ما لي وللتشبيب بالصهباء
    لا تسألوني المدح أو وصف الدّمى إّني نبذت سفاسف الشعراء
    باعوا لأجل المال ماء حياتهم مدحا وب ّ ت أصون ماء حيائي
    لم يفهموا الشعر إ ّ لا أّنه قد بات واسطة إلى الإثراء
    فلذاك ما لاقيت غير مشبّب بالغانيات وطالب لعطاء
    وتكميلا لما يجب أن يكون عليه الشعر ينطق أبو القاسم الشابي بالبديل
    قائلا :
    73
    لا أنظم الشعر أرجو به رضاء الأمير
    بمدحة أو رثاء تهدى لربّ السرير
    حسبي إذا قلت شعرا أن يرتضيه ضميري
    فهل نبذوا حقا "سفاسف الشعراء" ولم يقولوا إ ّ لا ما "ارتضته ضمائرهم"؟
    سنقتصر على بعض النماذج في هذا الباب، ذلك أنّ المدوّنة الشعرية
    الرومنطيقيّة أوسع من هذا الدرس وأشمل، فضلا عن أنّ مسألة الانتماء إلى هذا
    الاتجاه ليست أمرا محسوما إ ّ لا بالنسبة إلى القليل منهم (الرابطة القلميّة أساسا)،
    فالاتجاهات الشعرية في ذلك العهد – كما بيّنا - لم تكن واضحة المعالم وضوحا
    قاطعا، أمّا الشعراء فكانوا بينها يتردّدون، ألم يكن شوقي في مرحلة ما من حياته
    زعيم حركة الإحياء و"شاعر القصر" ورأس جماعة أبولو؟ ألم يكن علي محمود
    طه من مؤسّسي "حركة أبولو"، وهل منعه ذلك من مدح كبراء عصره وعلى
    رأسهم الملك فاروق حاكم مصر؟...
    انطلاقا من ذلك، أو تجاوزا لذلك يمكن القول إنّ الغالبيّة العظمى من
    المنسوبين إلى هذا الاتجاه لم تبعد – في الجملة - عمّا قرّرته جمهرة الشعراء
    الرومنطيقيين العرب من اّتباع مسالك في القول الشعري معلومة. فقد وسعت من
    مجال الشعر حتى صار ضوا للحياة أو أعظم لا تحدّه الأغراض والمعاني ولا
    تقيّده الأساليب والطرائق، ولكّنها – مع هذا الهامش من الحريّة - لم تترك مجال
    الشعر َفسيحًا حّتى ليّتسع لما كان من أفانين القول قديمًا مكرورًا.
    -إذا نحن عدنا إلى الّنماذج الثلاثة التي أردناها جوهرًا ومنطلًقا، نقصد
    ال ّ شابّي وعلي محمود طه والأخطل الصّغير وجدنا أنّ هذا الثالوث وإن اختلف
    أعضاؤه في بعض تفاصيل المنجز ال ّ شعري قد حّقق من التآلف والانسجام في
    الرّؤية ما هو أوسع وأجلّ. ولعلّ أوضح ما اّتفقوا حوله هو تقسيم القول ال ّ شعري
    إلى بابين رئيسييْن هما وإن اختلفا لفظا متشابهان روحًا ومعنى، ولعّلنا لا نغالِي إن
    قلنا إنّ ما قرّره هؤلاء يكاد ينطبق على عامّة شعراء الاّتجاه.
    74
    لقد قسّم ال ّ شابّي القول ال ّ شعريّ بعد أن هدم قديمه المؤسّس على الّتشاعر
    (التظاهر بالشعور) إلى ضربين من المعاني: ضرب هو عالق بالّذات ال ّ شاعرة
    سمّاه نفاثة الصّدر حينا، وال ّ شعور حينا آخر، وضرب ثان للقال ال ّ شعري سمّاه: "ما
    يسرّ البلاد وما يسّر المعالي " وقد أورد ذلك في قصيدة "شعري" حين قال:
    ما ال ّ شعر إ ّ لا فضاء ير ّ ف فيه مقالي
    في ما يسّر بلادي وما يسرّ المعالي
    وما يُثير شعورى من خافقات خيالي
    أمّا علي محمود طه فقد وقع قريبًا من هذا حين أجمل القول في مسالك
    شعره فوزّعها َ كمَا وزّع قلبه (وجدانه) في اّتجاهيْن اثنيْن: الهوى " (رمز الوجدان)
    والعلياء (وما تضمّ من تغنّ بالقضايا الإنسانية العامّة)، قال:
    ووهب ُ ت قلبِي للخِطار فلِلهوى شطر وللعلياء شطر َثانِي
    ونلفي بشارة الخوري نهبًا في شعره لهاجسين اثنين: الهاجس الّذاتي
    والهاجس الموضوعي، وليس هذا ببعيد عن الّتسميات التي وضعها هو ذاته لهذين
    الضّربيْن، إذ لم يتحدّث عن الشعر إ ّ لا في قالب ثنائيّات تردّد بينها: هو شعر أبيض
    حينا، وأحمر حينا آخر، أو هو "غناء وألم" أو هو "حقيقة" و"خيال". وقد بيّن في
    بعض المواضع من نثره مقصده من "تلوين" ال ّ شعر فقال إنّ القصائد "البيض" هي
    كلّ ما اّتصل بحياة الدّعة والسّكون والّذات، أمّا القصائد الحمر" أو "الأدب الأحمر"
    فذاك الذي يكون فيه ال ّ شاعر ملتزما قضايا الوطن والأمّة والإنسان، وزاد فقرن
    بينهما قرنا لا انفصام له حين قال : "إنّ ال ّ شعوب التي لا تعنى بقصائدها الحُمْرِ لا
    تستح ّ ق قصائدها البيض".
    75
    شعر الشعور / الهوى/ الحبّ
    يمكن حصر هذا المسلك في رؤوس موضوعات كانت أثيرة لدى
    ال ّ شعراء الرّومنطيقيين العرب بصفة عامّة وهي ال ّ طبيعة، والحبّ (وقد تنضاف
    إليهما الخمرة عند بعضهم...).
    ال ّ طبيعة:
    احتّلت ال ّ طبيعة من شعر الرّومنطيقيّة العرب حيّزا هامّا وش ّ كلت لدى
    أصحابه موضوعا أثيرا فقد قالوا شعر ال ّ طبيعة "غرضا" مستقلا" كما اعتمدوها
    عنصرا قارّا ضمن "الأغراض" الأخرى غزلا كانت أو رثاء أو تأمّلا. ويبدو من
    خلال آثارهم أنّ ال ّ طبيعة بعناصرها وتقّلباتها قد ملكت عليهم وجدانهم وفكرهم فلم
    يكتفوا بها ملهمة للصّورة الشعريّة أو مدخ ً لا من مداخل الموضوعات التي طرقوا
    بل صاغوا فيها من القصائد المستقّلة ما طارت شهرته حّتى صار من عيون
    ال ّ شعر. ومع ذلك يمكن – منهجيّا - حصر صور ال ّ طبيعة في شعرهم في ثلاث:
    أ)ال ّ طبيعة – المهد المهرب...
    ب)ال ّ طبيعة المعّلم الملهم.
    ج)ال ّ طبيعة الّلّذة.
    لقد اقترنت ال ّ طبيعة عندهم بميلاد ال ّ شاعر وهبوطه أرضًا محملا
    برسالته السّماويّة السّامية، دعته الدّواعي إلى أن يغادر عالم الأرواح وهو بعد في
    المهد رضيع فتلّقفته ال ّ طبيعة وازّيَن ْ ت لمقدمه بما لم تتزيّن به ق ّ ط، وقد عبّر علي
    محمود طه- من ضمن كثيرين- عن هذا الأثر، في مطوّلته "ميلاد شاعر" ومنها:
    بهج في السّماء والأرض يهدى من غريب الخيال والايحاء
    مظهر يبهر العيون وسحر هزّ قلب ال ّ طبيعة العذراء
    فزها الفجر ما بدا وتجّلى وازدهَى بالوجود أيّ ازدهاء
    قال: َلمْ تبدلِي الطبيع ُ ة يوما حين أقبل ُ ت مثل هذا الرّواء
    أيّ بشرى لها تجمّلت الأر ض وزافت في فاتنات المرائي
    قال: ماذا أرى؟ فردّد صوت كصدى الوحي من ضمير السّماء
    إنّ هذا يا فجرُ ميلادُ شاعر
    76
    ولعلّ الأهمّ من ذلك والأكثر تواترا لدى الرّومنطيقيين اّتخاذهم ال ّ طبيعة
    "أمّا رؤوما" على حسب عبارة الشابيّ، يهربون إليها إذا ضاقت نفوسهم، فلا
    يعدمون من عناصرها إسعاًفا وإشفاًقا، ينوح بعضها معهم ويسّليهم البعض الآخر،
    ثمّ تترّقى العلاقة بين الشاعر وال ّ طبيعة فتبلغ مرحلة الّتمازج والانصهار.
    يهرب ال ّ شاعر إلى ال ّ طبيعة لائذا بها من قسوة الزّمان ومن أفعال بني
    الإنسان. وإذا كان علي م طه قد عبّر عن فرار الشاعر إلى ال ّ طبيعة بقوله (من
    قصيدة "الله والشاعر"):
    حّتى إذا ضاقت عليه السّبلْ
    وعزّ في الأرض عليه المقام
    أوى إلى كهف بسفح الجبلْ
    عساه يقضّى ليله بسلام
    أمّا قصّة الرّومنطيقيين مع "الغاب" فمتواترة مشهورة، تحدّث عنه
    جبران حديث أحد ق ّ طانه وهدّد به ال ّ شابّي شعبه الذي لا يفقه من روحه شيئا، ومال
    إليه إيليا أبو ماضي في صورة القفر حين ملّ العيش بين البشر وهكذا... حّتى
    ليتوهّم القارئ أنّ هؤلاء إّنما هم متوحّشون يرتادون الفلوات والقفار، ويتدعّم هذا
    الوهم بما كان يُلَمحُ في شعرهم من تغنّ بالغاب وكره للمدن وللبيوت.
    يقول ال ّ شابّي في قصيدة "النبيّ المجهول":
    إّني ذاهب إلى الغاب يا شعبي لأقضي الحياة وحدي بيأس
    إّني ذاهب إلى الغاب عليّ في صميم الغابات أدفن بؤسي
    سوف أتلو على الطيور أناشيدي وأفضي لها بأشواق نفسِي
    فهي تدري معنى الحياة وتدري أنّ مجد الّنفوس يقظة حسّ
    أمّا إيليا أبو ماضي، فقد صوّر رحلته اليائسة من الجماعة إلى الّذات
    إلى الجماعة مجدّدًا حين حكى في دائرة سرديّة مغلقة حال الإنسان يهرب إلى
    ال ّ طبيعة ولكّنه يرتدّ إلى نفسه خاسئا.
    77
    سئمت نفسي الحياة مع الّناس ومّلت حّتى من الأحباب
    وتم ّ شت فيها الملالة حّتى ضجرت من طعامهم والسّراب
    قالت اخرج من المدينة للَقْفر ففِيه الّنجاة من أوصابي
    وَْليَك الّليل راهبي، وشموعي ال ّ شهب، والأرض كّلها محرابي
    ساعة في الخلاء خير من الأ عوام تقضّي في القصر والأحقاب
    إ ّ لا أنّ الّنفس سُرعان ما تمّل الغاب وترتدّ إلى ما منه فرّت، فبعد أن يقول:
    فقضيْنا في الغاب وقتا جميلا في جوار الغدران والأعشاب
    إّنما نفسيَ التي مّلت العمران مّلت في الغاب صمت الغاب
    يعود ليبين أنّ الغاب لا يعالج عبدًا صنع من صلصال:
    عّلمتني الحياة في القفر أّني أينما كنت ساكن في الّتراب
    وسأبقى ما دمت في قفص الصّلصال عبد المُنى أسيرَ الرّغاب
    خل ُ ت أّني في القفر أصبحت وحدي فإذا الّناس كّلهم في ثيابي
    وقد تبلغ العلاقة ذروتها حين يودّ ال ّ شاعر أن يصبح عنصرا من
    عناصر ال ّ طبيعة ليراها بعين الابن لا بعين الرّائي المجرّدة. يرى ذاته في الفراش
    ال ّ طائر وفي "الزّنبقة الّذاوية" وفي هذا الهزار وضع في قفص. يقول الشابي في
    قصيدة الزّنبقة الّذاوية" :
    إذا أضجرتك أغاني، ال ّ ظلام فقد عّذبتني أغاني الوجوم
    إليّ فقد وحّّدت بيننا قساوة هذا الزّمان ال ّ ظلوم
    وحزني وحزنكِ لا يبرحان أليفيْن رغم الزّمان العصيب
    أمّا بشارة الخوري- وقد حُجرَ عليه القول ومنعت جريدته من
    الصّدور- فقد أشجاه موقع العصفور الأسير فرأى فيه ذاته فخاطبه مواسيا:
    كان في الرّوض كالهواء طليقا
    فغدا في الحديد يشكو الإسارا
    هكذا أيّها الشقيق أنا اليوم
    كلانا نحارب الأقدارا
    78
    ب-ال ّ طبيعة المعّلم-الملهم:
    لم يكتف شعراء الرّومنطيقيّة باتخاذ ال ّ طبيعة مهربا يلوذون به عند
    البرم بالّنفس أو الضّيق بالآخرين، بل راحوا يجادلونها مشخصيّن عناصرها،
    وأنطقوها حكمة وعظة، وكانت مسرحًا لتأمّلاتهم يثيرهم صخبها وسكونها وينطق
    أمامهم جامدها ومتحرّكها، فهذا علي محمود طه يقرّ (من قصيدة "الفنّ الجميل):
    معهدي هذه المروج وأستا ذي ربيع ال ّ طبيعة الفينانه
    وأزاهير حانيات على الّنهر يقبّلن في الضّحى شطآنه
    كما جلس إليها الشابّي مستفهمًا عن أسرار الوجود، فردّته خائبا حينا:
    هكذا قلت للرّياح فقالت
    سل ضمير الوجود كيف البدايه
    ولكّنها أجابته في أحايين أخرى:
    وقالت لي الأرض لمّا سأل ُ ت: "أيا أمّ هل تكرهين البشر"؟
    أبارك في الّناس أهل ال ّ طموح ومن يستلّذ ركوب الخطر"
    ولقد أدام ال ّ شاعر الجلوس إلى ال ّ طبيعة حّتى غدا يفهم لغتها، غير محتاج
    إلى ترجمان، يتعّلم من فصولها وتقّلباتها وأصواتها ويدرك مِنْ حركاتها وسكناتها
    مالا يدرك:
    يقول ال ّ شابّي وقد فهم "أنشودة الرّعدّ":
    في سكون الّليل لمّا عانق الكون الخشوعْ
    واختفى صو ُ ت الأماني خلف آفاق الهجوع
    رّتل الرّعد نشيدًا ردّدته الكائنات
    مثل صوت الحق إن صا ح بأعماق الحياة.
    لعلّ أهمّ عناصر ال ّ طبيعة إلهامًا لل ّ شعراء للرّومنطقيين على اختلاف
    Novalis تجاربهم: الّليل وخاصّة منه ساعة الغروب. فقِدمًا تغّنى كبيرهم الألماني
    بالّليل وصاغ فيه أجود شعره، ثمّ لمّا جاء ال ّ لاحقون اهتاجهم الّليل فكتبوا فيه خير
    ما كتبوا وتغّنوا به وبالّلحظات الفاصلة بينه وبين الّنهار واحتفوا بها احتفاء.
    79
    فهذا رائدهم يفتتح الشعر الرّومنطيقيّ العربي كّله بعنوان دالّ: قصيدة
    "المساء" ومنها قوله:
    يا للغروب وما به من عبرة للمستهام وعبرة للرّائي
    أو ليس نزعا للّنهار وصرعة للشمس بين مآتم الأضواء
    أو ليس طمسا لليقين ومبعثا لل ّ شكّ بين غلائل ال ّ ظلماء
    أو ليس محوا للوجود إلى مدى وإبادة لمعالم الأشياء
    إلى أن يقول:
    ال ّ شمس في شفق يسيل نضاره فوق العقيق على ذرى سوداء
    مرّت خلال غمامتين تحدّرا وتّقطرت كالدّمعة الحمراء
    فكأنّ آخر دمعة للكون قد مزجت بآخر أدمعي لرثائي
    وكأّنني آنست يومي زائلا فرأيت في المرآة كيف مسائي
    -وعلى آثاره يسير عبد الرّحمان شكري في "الحسن مرآة ال ّ طبيعة"،
    حين يفتتح قصيدته غزلا داعيا إلى نهب العيش ويختتمها متحدّثا عن القضاء قائلا:
    هكذا سّنة الرّدى وقديما أهلك الّناس نشأهم والكهولا
    ج-ال ّ طبيعة الّلذة:
    إنّ ما سلف من حديث عن ال ّ طبيعة في صورتيها "المهرب، والملهم"، لا
    يعني أن شعراء الرّومنطيقيّة لم يكونوا يرون فيها غير ذاك، وإّنما كان لهم، في
    لحظات صفوهم استمتاع بما ضمّت من المباهج، ووصف لهزّة أخذتهم عند مرآى
    المشهد الخ ّ لاب، فقد تغّنوا بمواطن، مثل الغابات والمراعي والسّهول ونضّدوا فيها
    قصائد لوحات، ووصفوا الفراش وال ّ طيور جذلاَنةً وتسمّعوا خرير السّواقي وطاب
    لهم الّتمّتع بالّنسيم والزّهر واّتخذوا من العناصر ال ّ طبيعيّة شهودا على لحظات أنس
    ومتاع عاشوها بين أحضانها:
    يقول بشارة الخوري:
    أفلا تذكرين ذاك الغديرا
    والأفانين حوله والزّهورا
    80
    والسّنونو يحدّث الماء همسا
    كيف أْنسَى؟
    وهل تنسى دهشة ال ّ شابّي وهو يلقى ال ّ طبيعة بوجه طفل طلق المُحيّا
    يركض وراء الّنحل والفراش "وتلك سعادة ال ّ شعراء"؟
    وفي الجملة، فقد كان لل ّ طبيعة - مهما كانت صورتها – محلّ في شعر
    الرّومنطيقيين جليل، وصفوها في "أغراض" مستقّلة، واعتمدوها عنصرا قا  را
    ضمن أخرى، وكانت لهم مهدًا وملاذا، علمّتهم من "دروس" الحياة والوجود ونهبوا
    بين أحضانها من الّلّذات ما استطاعوا، وهذا تكثيف قّلما نعثر عليه في ال ّ شعر
    العربي القديم.
    81
    المنجز الفّني لدى شعراء الرّومنطيقيّة العربيّة
    في المسالك ال ّ شعريّة:
    الحبّ:
    لقد وقف الشعراء الرّومنطيقيون موقفا من المرأة وعاطفة الحبّ ثائرين
    به على صورتين حفظتهما لهما الأشعار العربيّة القديمة والّتقليديّة، خلاصتهما أنّ
    المرأة جملة مِنَ الصّفات الجسديّة والنفسيّة ذات نمط واحد لا يتغيّر وان اختلف
    ال ّ شعراء والأزمان، خلاصته ما نقده الشابّي في "الخيال ال ّ شعري" عند العرب
    وسمّاه:
    -1 "الجمال المتهدّل الذي يوزن بالرّطل" كأّنما الجمال جسد يجسّ ومادّة
    تمَسُّ". من ذلك أنّ ال ّ شاعر العربيّ القديم – عدا حالات - "لا يتكّلم عمّا وراء جسد
    المرأة".
    -2 "الفكرة الجائرة التي تستحوذ على أدمغة العالم العربيّ كّله من أنّ
    المرأة مَثَلُ الغدر والّلؤم وخساسة ال ّ طبع وح ّ طة الّنفس وخبث الضّمير"...
    وقد استنتج ال ّ شابي أنّ تفكيرًا من هذا القبيل لا يمكن إلا أن ينتج صورة
    كتلك، قائمة على الّتلّذذ والمتعة العابرة.
    فما الذي قدّمه شعراء الرّومنطيقيّة العربيّة لشعر الغزل ولصورة
    الحبيبة تحديدا؟
    -تغّنى هؤلاء ال ّ شعراء بالحبّ تغّنيا دلّ على أّنه ملك عليهم وجدانهم،
    فقد اّتخذوا الحبيبة قبلتهم وخصّوها بأفضل أشعارهم وتتبّعوها في حركاتها
    وسكناتها وباحوا بمّا خالج صدورهم من متّنوع الأحاسيس والميول... وهم ليسوا
    في هذا بمجدّدين بالّنسبة إلى شعراء الغزل الأوائل، ولكنّ الجديد عندهم هو أنّ
    الحبّ لم يكن إ ّ لا شعارًا عَا  ما لا تخصيص فيه يرفعه ال ّ شاعر مع الجمال يُواجه
    بهما "قبح" الحياة، كما لم تكن المرأة إ ّ لا رمزًا لحبّ مجهول يعصف بنفس المحبّ
    عَصًْفا يحوّله كائنا يتوسّل العودة إلى الأسر طائعًا.
    82
    صحيح أنّ بعضهم خاصّة في بداية الّتجربة ال ّ شعريّة قد كتب على
    شاكلة القدماء ولم يسلم منهم إ ّ لا القليل، حّتى أكثرهم ثورة (الشابيّ أنموذجا) حين
    تكّلم على رحلة يدخل فيها الحيّ مستورًا بالدّجى ليدخل خدر الحبيبة (قصيدة :
    "ليلة عند الحبيب"). لكّنهم سرعان ما انصرفوا عن كلّ ذلك وراحوا يتحدّثون عن
    تجارب في الحبّ أعمق ومفهوم له أحدث. وتبعا لذلك لم يعد شعر الغزل عندهم
    أساسه راء ومرئيّ وطرفاه شاعر عاشق نهم يتفرّس في جسد حبيبة فيصفها
    وصف إحاطة، وامرأة تكتفي بأنّ تؤدّي دور ال ّ شيء يوصف.
    -في الغزل الرّومنطيقيّ تر ّ كز الحديث عن الّذات قبل الآخر، وأصبح
    الشاعر "الغزل" يذكر من مشاعره وأحاسيسه فوق ما يتحدّث به عن الباعث على
    ذلك، يصف وجده وأشواقه وما يتنازعه من متضارب الأهواء ما بين طهر
    "ودنس"، ولا نكاد نعثر على صفات تجسّم المحبوب وتقرّب صورته إ ّ لا نادرًا.
    ثمّ إنّ صورة الحبيب تخّلصت في أغلب الأوقات من كلّ الخصائص
    الماديّة المجسّمة، وصار يوصف بما يحدثه حضوره أو غيابه أو حديثه في الّنفس
    من الأثر، كما تجاوز ال ّ شعراء الرومنطيقيون الأعضاء والألوان والأشكال وحّتى
    الأسماء إلى وصف نفسيّ محض أو شبه محض، وحّتى هذا الوصف فإّنه لا يتعّلق
    بنفسيّة المرأة كما ذكرت قديما وإّنما تركزت على صورة لها مثاليّة من طهر
    وبراءة وعّفة... وسحر... وبناء على هذا أصبحت المرأة عندهم من طائفة
    الملائكة تجمّل الكون وتكمّل الحياة، ولعلّ قول أبي القاسم ال ّ شابيّ أن يكون عند
    تعدّد الأمثلة خير دليل على ما نذهب إليه إذ يل ّ خص في :
    "أراك فتحلو لديّ الحياة"
    ونتيجة لذلك اكتسبت العلاقة بين طرفي "الغزل" سمات أخرى تقرّبها
    من القداسة وتنأى بها عن "دنس المادّة، فهذا علي محمود طه لا يتحدّث في
    نصوصه الأولى إ ّ لا عمّا سمّاه "الهوى ال ّ طاهر" و"ستر العفاف" و"ليل الأحلام"
    و"البحر من نور"، كما تحدّث الشابيّ عن "شعلة الّنور" وقد هبطت من السّماء وعن
    "روح إلهيّ " وعن "جمال معبود" يصّلي له في هيكل الحبّ، ويرى في تعّلقه به
    ضربًا من العبادة.
    83
    وَلمَّا صار الحبّ عند الرّومنطيقيّ ممارسة تعبّديّة، فقد اّتخذه ال ّ شاعر
    المهموم سبيلا من سبل الخلاص من ورطة الوجود، يشكو منه ويألم ولكّنه في
    ذات الآن يتهافت عليه ويستزيد، ذلك أّنه في نظره آخر حصن من حصون
    السّعادة في الدّنيا يحتمي به من شرور العالم المحيط وآثامه.
    84
    الحصّة الثانية عشرة
    المنجز الفّني لدى شعراء الرّومنطيقيّة العربيّة
    في المسالك ال ّ شعريّة :
    -شعر العلياء/ المعالي/ الح ّ ق
    تمهيد:
    إنّ هذا الجانب "الضّعيف" وإن طغى على شعرهم لا يعني أنّ ال ّ شعراء
    الرّومنطيقيين هم بالضّرورة كائنات ضعيفة أو مستضعفة كما ذهب إلى ذلك بعض
    الدّارسين (مثال ذلك ما فعل ف.الڤرڤوري) الذي مازال ينّقب في سيرهم
    وتراجمهم حّتى اكتشف لكلّ واحد منهم عّلة نفسانيّة أو مزاجًا متع ّ كرا (فهذا مريض
    موسوس وذاك ضعيف القلب منين.. وهّلم جرّا...) بل هم جيل ثائر متمرّد،
    أرهفت إحساسه ال ّ ظروف عامّها وخاصّها، ففقد شيئا من توازنه ولكّنه لم يفقد معه
    حدّة الوعي بالحياة وقضاياها، وإنّ ذلك لأظهر ما يكون في الباب الّثاني من
    شعرهم الذي خصّصوه "للعلياء" كما سمّاها علي محمود طه.
    وقد يظنّ لأوّل وهلة وتأسيسا على مفهوم للرّومنطيقيّة متداول أنّ
    الشاعر منهم كائن "أكلته الخيالات"، فهو يعيش بجسده بين الناس وبوجدانه وشعره
    خارج عالمهم، مشغول بأمر ذاته وأوهامه غير معنيّ بأمر الجماعة، ولكنّ الواقع
    أنّ هؤلاء –على ما في أشعارهم ومواقفهم من هوى ووجدان- لم تكن قضايا الفنّ
    لتشغلهم عن قضايا الجماعة، بل إّنا لواجدون عندهم من المواقف الوطنية
    والإنسانيّة ما ينفي صفة "الخياليّة" تلك وما يقرّبهم من التيارات الإصلاحيّة التي
    عمّت آراؤها وانتشرت بين الناس. وقد يبدو للبعض أنّ في الأمر مفارقة ظاهرة
    (بين الترّفع عن اليومي المعيش باسم الفن المتعالي، وبين الانشغال بأمور الناس
    وقضاياهم اليوميّة) ولكن الواقع أنّ ذلك بديهي في نظرنا إذ لا يمكن لشاعر يزعم
    أّنه حساس، أن يأسره مرآى العصفور في قفص، وأن يتعامى عن مرأى الناس
    85
    يجوعون ويعرون وتتوزّعهم السجون والمنافي والمشانق، وعن الأوطان تسلب
    وخيراتها تنهب.
    صحيح أنّ الأفراد المنسوبين إلى هذا الاتجاه في الشعر العربي قد
    تفاوتوا إن في مستوى الوعي بالقضايا في أسبابها العميقة وإن في مستوى التصوّر
    العمليّ لتجاوز تلك الأوضاع التي توّلدت عنها، ولكن ما يوحّد بينهم حّقا هو أّنهم
    جميعا كانوا ينطلقون من شعور واحد هو : الانتصار لجملة من المبادئ والقيم
    والمثل من ناحية وللإنسان من ناحية ثانية. ولن يضيرهم بعد ذلك أن يقال فيهم إنّ
    رؤاهم أو برامجهم الإصلاحيّة أو حلولهم –إن كانت- مثاليّة يعسر تطبيقها. فما هم
    بالمصلحين بالمعنى المتداول للإصلاح.
    -يدخل في هذا الباب كلّ ما خصّصه الشعراء الرّومنطيقيّون للأوطان
    وقضاياها وللإنسان ومشاغله، وهو أنواع يشتركون في بعضها ويختلفون في
    البعض الآخر، فممّا كان أثيرا لديهم جميعا : دعوتهم إلى التسامح والإخاء ونبذ
    العنف والكراهية بين الأعراق والطوائف والأمم، وقد أدّى بهم ذلك إلى تصوير
    حالات الإنسان المتدنيّة مشفقين (من جهل وفقر وذلّ وقتل...) فداعين إلى الثورة
    والتمرّد والتحرّر. لقد ألفينا هم يعرضون قلوبهم على أوطانهم ويتغّنون بها
    بأسلوبهم كما لو كان الوطن حبيبا والشاغر محبّا : يقول الشابي متغزّلا (من
    قصيدة "تونس الجميلة") :
    أنا يا تونس الجميلة في لجّ الهوى قد سبحت أيّ سباحه
    شرعي حبّك العميق وإّني قد تذوّقت مرّه وقراحه
    لست أنصاع للواحي ولو قامت على شبابي المناحه
    أمّا ابراهيم ناجي فقد ناجى مصر بقوله :
    أنا ابن مصر أنا الباكي للوعتها أنا المخّلد نجواها بألحاني
    أنا الذي أتناسى ما أنوء به لكي أعبّر عنها ملء أحزاني
    وهذا ميخائيل نعيمة – رغم فقده وطنه - يندب على البعد ويبكي أهلا
    وخ ّ لانا أتت عليهم الفتن والحروب والمجاعات قائلا (من قصيدة "أخي") :
    86
    أخي إنّ عاد بعد الحرب جنديّ لأوطانه
    وألقى جسمه المنهوك بين أحضان خ ّ لانه
    فلا تطلب إذا ما عدت للأوطان خ ّ لانا
    لأنّ الجوع لم يترك لنا صحبا نناجيهم
    سوى أشباح موتانا
    ثمّ إنّ شاعرا مثل بشارة الخوري –المعروف لدى عامّة الناس
    والدارسين بأّنه شاعر الخمرة والليالي الحمراء حتى عرف بشاعر الهوى
    والشباب- ليقول ويصدّقه شعره إّنه قد جمع بين الحبّ والح ّ ق :
    أنا عن شمال الحبّ قلب خافق وعلى يمين الحق طير شاد
    غّنيت للشرق الجريح وفي يدي ما في سماء الشرق من أمجاد
    وبالفعل فهذا الشاعر لم يكن ذلك الفّنان المو ّ كل بفّنه المنصرف إلى ذاته
    لا يرى إلاها، بل خبر الحياة وخاص غمار السياسة واكتوى بنارها أو كاد (في
    محاولة اغتيال)، ولم يك ّ ف عن التحرّك في دائرة هذه الثنائيّة بل ألفيناه يسعى إلى
    الملاءمة بين طرفيها داخل القصيدة الواحدة فيولج الذاتي في الموضوعيّ ويدمج
    "الأدب الأبيض" في "الأدب الأحمر" ويصهر كلّ ذلك في مصهر وجدانه فتنبثق
    القصيدة نسجا جديدا تعرف مكوّناته ولا يستطاع الفصل بينها. ويقف شعر بشارة
    الخوري الذي سبق منه القول حتى عرف به :
    ولد الهوى والخمر ليلة مولدي وسيحملان معي على ألواحي
    يقف شعره أمارة ودليلا على أنّ الشاعر الرومنطيقيّ ليس شاعر
    الوجدان فحسب بل وأيضا شاعر المواقف والقضايا يوزّع نفسه بين محّليها
    والإنسانيّ عدّته في ذلك كلّ عدّته رهافة حسّه.
    وليس بدعا أن يثور الرّومنطيقيون على بني أوطانهم وقد قنعوا بالدّون
    ورضوا بالهوان، وأن يستنهضوهم بشّتى الوسائل : بالّلين حينا وبالتقريع حينا آخر
    فهذا الشابي يغري الإنسان بقوله (من قصيدة : يا ابن أمّي) :
    خلقت طليقا كطيف النسيم وحرّا كنور السماء في ضحاه
    كذا صاغك الله يا ابن الوجود وألقتك في الكون هذي الحياه
    87
    فما لك ترضى بذلّ القيود وتحني لمن كبّلوك الحياة ؟
    إلى الّنور ! فالّنور عذب جميل إلى الّنور ! فالّنور ظلّ الإله
    حّتى إذا أنكر الشاعر منهم إعراضا عاد يقول(من قصيدة "حماة الدّين"):
    سكّتم حماة الدين سكتة واجم ونمتم بملء الجفن والسيل داهم
    أفيقوا فليل النوم وّلى شبابه ولاحت للألاء الصباح علائم
    لحى الله من لم تستثره حميّة على دينه، إن داهمته المظالم
    لحى الله قوما لم يبالوا بأسهم يصوّبها نحو الديانة ظالم
    إنّ الشاعر الرومنطيقيّ ذاته لم يكن يرى بأسا في هذه الثنائيّة، لأّنه لا
    يرى بين طرفيها تناقضا وها هو إلياس أبو شبكة يجمع بينهما جمعا يفخر به :
    شاعر الحبّ قيل عّني قبلا لكن اليوم شاعر البؤساء
    إنّ هذه المواقف النموذجيّة – وغيرها كثير - تدلّ بما لا يحتاج إلى
    بيان أن موقف الرومنطيقيّ العربيّ لم يكن سلبيّا كما قد يتوهّم، ذلك أنّ لهم في
    الحماسة من الشعر ما يضاهي أشعار الملتزمين (مثل مدح الزّعماء والشهداء
    وتخليد ذكر المعارك التي تخوضها الشعوب من أجل الانعتاق...).
    لقد عاد الرومنطيقيّون في مواطن من أشعارهم يلومون شعوبهم على
    ضعفها واستنكافتها وبدوا كأّنهم نفضوا أيديهم منها، نحو قول نسيب عريضة (من
    قصيدة "النهاية") :
    كّفنوه
    وادفنوه
    أسكنوه
    هوّة الّلحد العميق
    واذهبوا لا تندبوه
    فهو شعب ميّت ليس يفيق
    ولكن لم نرى في هذا الفعل أمارة على الانهزام كما يقول القرقوري ؟
    لم لا نرى فيه علامة على فرط الحبّ وسعة الإخلاص؟ وما علمنا أن واحدا منهم
    آثر الخلاص الفرديّ بل ما توا وهم مخلصون لذواتهم ومخلصون لأوطانهم
    88
    ومخلصون لإنسانيتهم. أم أنّ السبب كامن في أّننا لا نريد أن نرى في الرومنطيقيّ
    العربيّ وفي الرومنطيقيّ عامّة إ ّ لا ما جرى على ألسنة الناس من حكم في شأن
    المذهب كّله؟
    89
    في القفر
    ( إيليا أبو ماضي (المتوفى سنة 1957
    سلمت نفسي الحياة مع الناس ومّلت حّتى من الأحباب
    وتمشت فيها الملالة حتى ضجرت من طعامهم والشراب
    ومن الكذب لابسا بردة الصدق وهذا مسربلا بالكذاب
    ومن القبح في نقاب جميل ومن الحسن تحت ألف نقاب
    ومن العابدين كلّ إله ومن الكافرين بالأرباب
    ومن الواقفين كالأنصاب ومن الساجدين للأنصاب
    ومن الراكبين خيل المعالي ومن الراكبين خيل التصابي
    والألى يصمتون صمت الأفاعي والألى يهزجون هزج الذباب
    صغرت حكمة الشيوخ لديها واستخّفت بكلّ ما للشباب
    قالت اخرج من المدينة للقفر ففيه النجاة من أوصابي
    وليك الليل راهبي، وشموعي الشهب، والأرض كّلها محرابي
    وكتابي الفضاء أقرأ فيه سورا ما قرأتها في كتاب
    وصلاتي الذي تقول السواقي وغنائي صوت الصبا في الغاب
    وكؤوسي الأوراق ألقت عليها الشمس ذوب النضار عند الغياب
    ورحيقي ما سأل من مقلة الفجر على العشب كاللجين المذاب
    ولتكحّل يد المساء جفوني ولتعانق أحلامه أهدابي
    وليقبّل فم الصباح جبيني وليع ّ طر أريجه جلبابي
    ولأكنّ كالغراب رزقي في الحق ل وفي السفح مجثمي واضطرابي
    ساعة في الخلاء خير من الأ عوام تقضى في القصر والأحقاب
    يا لنفسي فإّنها فتنتني بالحديث المنمّق الخ ّ لاب
    فإذا بي أقلي القصور وسكنا ها وأهل القصور ذات القباب
    فهجرت العمران تنفض كّفي عن ردائي غباره وإهابي
    وتركت الحمى وسرت وإيّاها وقد ذهّب الأصيل الروابي
    90
    نهتدي بالضحى فإن عسعس اللي ل جعلنا الدليل ضوء الشهاب
    وقضينا في الغاب وقتا جميلا في جوار الغدران والأعشاب
    تارة في ملاءة من شعاع تارة في ملاءة من ضباب
    تارة كالنسيم نمرح في الوا دي، وطورا كالجدول المنساب
    في سفوح الهضاب والظلّ فيها ومع النور وهو فوق الهضاب
    إّنما نفسي التي مّلت العمران مّلت في الغاب صمت الغاب
    فأنا فيه مستقلّ طليق وكأّني أدب في سرداب
    ******************
    عّلمتني الحياة في القفر أّني -أينما كنت- ساكن في التراب
    وسأبقى ما دمت في قفص الصل صال عبد المنى أسير الرغاب
    خلت أّني في القفر أصبحت وحدي فإذا الناس كّلهم في ثيابي
    .52- (الجداول) ط 48 ،8
    91
    الحصّة الثالثة عشرة
    تحليل نصّ شعريّ رومنطيقيّ
    (الخطوط العامّة)
    الأنموذج : قصيدة "في القفر" لإيليا أبي ماضي – ديوان "الجداول".
    مراحل الشرح :
    التعقيب والاستنتاج -III التحليل -II تقديم القصيدة -I
    -1 في القائل
    -2 في القول
    -1 في القائل:
    القصيدة لواحد من كبار شعراء العربية في العصر الحديث. تمثل سيرته
    أنموذجا للشاعر الرّومنطيقيّ العربي : شامّيّ نازح اضطرّته ظروف الحياة إلى
    أن يجلو عن موطنه في سنّ مب ّ كرة. ولمّا لم يكن من الذين سنح وضعهم بتخطي
    أسوار الشرق، فقد قنع بدءا بأن يمّم شطر مصر (شأنه شأن خليل مطران قبله).
    وفيها استقرّ حينا من الزمن منشغلا بالشعر وتحصيل الرّزق، ولمّا كانت مصر
    بالنسبة إليه مجرّد رحلة "من الشرق إلى الشرق"، فقد تعّلقت همّته بالهجرة إلى
    عالم "جديد"، كان حديثه يتناهى إليه. وقد سبقه في ذلك بعض أهل الشام وظلّ
    كذلك حتى انتقل إليه مغتربا مرتزقا.
    كان من العناصر الفاعلة في مجموعة "الرابطة القلميّة": :" عضوا مؤسّسا
    وشاعر مبرّزا من أهمّ ما خّلف "الجداول" و"الخمائل" و"تبر وتراب"، ومن الديوان
    الأوّل اقتطف هذا النصّ.
    -2 في القول:
    قصيدة مستمدّة من ديوان "الجداول" الصادر سنة 1927 ، (في مرحلة
    عنفوان الرومنطيقيّة العربيّة).
    92
    نظمها إيليا أبو ماضي على الخفيف في 33 بيتا.
    -موضوعها : رحلة النفس الشاعرة بين الذات والجماعة.
    -في نسج القصيدة : تتأسّس القصيدة على مفهوم "الرّحلة" : رحلة في
    المجتمع البشريّ وجوس داخل الذات الإنسانيّة.
    -لهذه الرحلة منطلق (مكانا وزمانا) ومسلك، ثمّ عودة.
    -تجسّم ذلك في هيكل القصيدة وهندستها المطبعيّة : ثلاثون بيتا في
    33 ) في محصّل الرحلة : - "الرحلة"، تختم بثلاثة أبيات ( 31
    "سئمت نفسي" "قالت اخرج" "فهجرت العمران" "عّلمتني الحياة"
    (البيت 1) (البيت 10 ) (البيت 21 ) (البيت 31 وما بعده)
    التحليل : -II
    يمكن أن يشمل التحليل الجوانب التالية :
    -الانطلاق من "العنوان" (بنية ومحتوى) مر ّ كب بالجرّ ("في القفر").
    *إثبات أنّ للعنوان صلة متينة بمعنى "الرّحلة" : (عند القدامى : ثنائية
    الخوف والشجاعة... عند قطع الفيافي والفلوات... شعراء الصّعلكة خاصّة،
    وشعراء المديح الذين كانوا يغالون في ذكر القفار التي قطعوها قبل بلوغ مضارب
    الممدوح، وإجهادهم للّنوق والمطايا، استدرارا لعطف الممدوح حتى تعظم الجائزة.
    فهل كان هذا مقصد أبي ماضي؟
    (يمكن الولوج إلى هذا النص من "عنوانه"، باعتباره أوّل ما يقرع أذن
    السامع (أو تقع عليه عين القارئ)، وباعتباره اختزالا للنصّ المطوّل : 33 بيتا
    توجز في تركيب) وعلى أساسه يمكن تقطيع النص إلى مراحل :
    -ما قبل القفر
    -في القفر
    -نتائج التجربة
    -مرحلة "ما قبل القفر"، هي مكان وزمان في آن : تمثل من حياة "الشاعر"
    مرحلة يحتويها مكان. وردت تسميته في القصيدة بتسميات تكاد أن تترادف :
    93
    البيت 1: الحياة مع الناس
    البيت 10 : المدينة
    البيت 19 : القصر والأحقاب
    البيت 21 : العمران
    البيت 23 : الحِمَى
    -في هذه المرحلة اقترنت بأحول، عاشتها النفس الشاعرة : (وهي "صفات"
    للاجتماع البشري (المدينة، العمران...) وقد نبع وصف هذه الأحوال من
    عنصرين يحاصران الأبيات العشرة الأولى.
    أ- حالات النفس
    ب- اسبابها.
    أ- الحالات (بالتدرّج) :
    سئمت / مّلت / تم ّ شت الملالة / ضجرت / استخّفت / ذات أوصاب
    البيت 1 البيت 2 البيت 9 + البيت 10
    ب-الأسباب :
    ثنائية الكذب والصدق
    ثنائية القبح والجمال
    ثنائية الكفر والإيمان
    ثنائية التكبّر والتصاغر
    ثنائية التعالي والتصابي
    ثنائية الصمت والكلام
    ثنائية الحكمة ونزق الشباب
    على أنّ هذه "الثنائيات" ليست مصدر ألم النفس لذاتها، وإّنما تداخلها وحلول
    بعضها محلّ البعض الآخر (الكذب يلبس بردة الصدق... الخ).
    ⇐ نفس الشاعر نفس مريضة وآلامها مصدرها كما ذكر في مطلع
    القصيدة "الحياة مع الناس" (أي مرحلة :ما قبل القفر")...
    94
    -في القفر "وهو مرحلتان" :
    -"الإغراء" بتجريب القفر
    -التجربة ذاتها
    أمّا "الإغراء" فكلام منسوب إلى النفس تخاطب صاحبها، تر ّ غبه عن دنيا
    الناس وتزيّن له "حياة القفار"، فما الصفات والأساليب المستعملة في هذا القسم من
    النصّ؟
    تبنى "النفس" لصاحبها بديلا عن العالم المهجور (عالم "العمران"
    و"الناس"...)، فما مكوّنات هذا العالم؟
    -تستخرج تلك المكوّنات من خلال مسجّلات القول ورمزيتها :
    مثال ذلك :
    - الليل : راهب
    - الشهب : شموع
    - الأرض : محراب
    = عالم "وهميّ" بني من عناصر طبيعيّة (ليل، شهب (نجوم أرض) تعوّض
    ما فات النفس في عالم الأناسي : "العبادة" ههنا متواصلة (# العبادة "المتقطعة"،
    الكاذبة، المخادعة في المجتمع...).
    -"الكتاب" : تحويل مفهومه من "كتاب" مادّي ضيّق محدود (هو "أبنية
    أوراق" تضمّ أفكارا) إلى كتاب أوسع وأجلّ : "الفضاء" : النفس تتعّلم من "تأمّل
    الكون.
    -الصّلاة : في عالم الناس: أدعية + حركات في أزمنة معلومة (في كلّ
    الديانات...).
    -الصلاة : في عالم القفر: أصوات الطبيعة في الغاب (السواقي، الرياح :
    الماء + الهواء : مصدر الحياة...).
    - تحوّل مفهوم "الكأس" : من "آنية" مادية إلى "جهاز طبيعيّ" : أوراق
    ذهبتها صفرة الشمس وقد مالت للمغيب).
    -يتبع ذلك بمحتوى الكأس: الرحيق : ندى الطبيعة (الطلّ على الأوراق...)
    95
    - الكسب عند الناس : سعي الغراب عند النفس
    -التوقف عند البيت 19 : بتدخل عنصر المفاضلة بين مكانين (بين الناس
    وفي القفر) على أنّ هذه المفاضلة لا يتحقق مداها إ ّ لا إذا قرنت بالزمان، ويرد
    الزمان ليعمّق الفجوة بين نمطي عيش النفس : السّاعة في القفر خير من العمر
    بين الّناس...
    -البيت 20 : التجربة ذاتها : بدءا من البيت 20 يظهر الشاعر أثر حديث
    نفسه فيه : "الفتنة"، ومبرّره : حديث خ ّ لاب.
    انسجام الشاعر مع نفسه وتصالحه معها : من خلال :
    -حالة نفسية : القَِلى (الكره والبغض...)
    -إنجاز : هجرت، نفضت، تركت...
    -وصف التجربة : من خلال استحضار عناصر طبيعيّة تّتفق في صفاتها
    وأثرها مع ما قالت النفس للشاعر في مرحلة الإغراء.
    -هذا الاستحضار يثبت أن نفس الشاعر أغوت الشاعر :
    لحظة الخروج : الأصيل (وقد ذهب الروابي)
    الليل (ضوء الشهاب)
    مكونات المكان : الغدران والأعشاب / الشعاع والضباب (تقّلبات الطبيعة
    والتلبّس بها (مفهوم الملاءة...).
    -حريّة الحركة : من خلال التشبيه وأداته كالنسيم، كالجدول : الانطلاق
    .والحريّة-
    تنوّع المواقع : سفوح، هضاب (تضاريس الطبيعة).
    وإلى هذا الحدّ (البيت 28 ) : تحّقق للنفس ما أرادت (إغواء الشاعر)
    وللشاعر ما أراد (نبذ الاجتماع الإنساني...)، لكن في اللحظة التي يظنّ فيها
    القارئ أنّ الشاعر قد استكان إلى وضعه "الجديد" وفرغ من المفاضلة بالاختيار،
    تثور نفسه من جديد فتكتشف للغاب عيبا.
    = "صمت الغاب" : الوحشة والتفرّد.
    96
    ما كان طلبة الشاعر ونفسه صار سبب النفور، "طليق" ظاهرا، لكن "يدبّ
    في سرداب" إحساسا.
    وإذن فلم يبق للشاعر إلا أن يخرج من العالمين : المدينة والقفر (وقد سمّاه
    ههنا الغاب).
    ولكن كما قال الشاعر القديم :
    وهل يأبق الإنسان من ملك ربّه فيخرج من أرض له وسماء (المعرّي)
    لم يبق للشاعر من مرارة التجربة سوى استقطار الحكمة، وقد خصّها
    بأبيات ثلاثة توازي الأبيات الثلاثين التي على مدارها أنجزت التجربة مع النفس
    (إحساسا فتبريرا فتنفيذا فخيبة...).
    -في الفرق بين القفر والاجتماع : يوجزه الشاعر بأن لا فرق من خلال
    الإطلاق الوارد في قوله :
    "أينما كنت"، وتلك تعليمة استقاها الشاعر :
    المدينة، القفر : سببان : الشاعر فيهما غير المكان ولكن لم يغيّر المادة،
    مادة المكان : ساكن في "التراب" فعن أي تراب يتحدّث؟
    يتضح ما كان مخفيا تحت هذه التسمية في البيت 32 : حين تحدث عن
    "قفص الصلصال (مشيرا به إلى خلق الإنسان من طين وحلول الرّوح الخالدة في
    الجسد الفاني، فضلا عن أن لتلك النفس عيوبا : تتمّنى ما ليس لها عليه قدرة
    فتحوّل حاملها إلى عبد أسير وضع في قفص الآدميّة.
    فهل نجح الشاعر- بمعيّة نفسه في الّتخّلص من آدميته؟
    إن جواب الشاعر مبنيّ على "الوهم" و"اليقين" : الوهم من خلال قوله :
    "خلت... واليقين : فإذا.
    فماذا وهم وممّن تيّقن : الوهم : القفر يحّقق الوحدة.
    الحقيقة : الناس كّلهم في ثيابه : لم يغادر إنسانيته : آدميته ، وإن بدّل مكانا
    بمكان : فما الحلّ ؟
    سيظلّ الإنسان "أسيرا" ما دام حيّا، حتى تطلق من عقالها : الجسد الفاني
    والنفس ذات النزوات.
    97
    التعقيب والاستنتاج : -III
    يتمّ في هذه المرحلة جمع شتات الّنصّ وقد تفرّق أثناء ال ّ شرح واستغلال ما
    تواتر منه لبناء القصيدة من جديد وربطها بإطارها وصاحبها والاّتجاه الذي انبثقت
    عنه. من ذلك:
    أ- قصيدة تتغّنى بحياة "القفار" تغّنيا - سبق القول - إّنه يذ ّ كرنا بالفخر
    والمدح والصّعلكة العربيّة، لكنّ الّتحويل ههنا حدث في مستوى المقاصد، وذلك
    بالعدول عمّا تواتر ذكره وصرف ذات الوصف أو المعنى إلى غير ما قصد به في
    الأصل: فالقفر ليس تجربة فعليّة بل هو تجربة وجوديّة صاغها ال ّ شاعر من خياله
    ولم يكن يمتَحُ من تجربة شخصيّة واقعة ولا من مخيال جماعيّ.
    وهذا أوّل مظهر من مظاهر الّتجديد.
    ب- غزارة الصّور ال ّ شعريّة القائمة أساسا على تصوير المشهد ال ّ طبيعيّ،
    ولكنّ في هذا الموضع أيضا قطعًا مع شعر ال ّ طبيعة العام، كما ألفه الُقدامى
    (ال ّ طبيعة مصدر لّذة أو إطار لها...) لتصبح ال ّ طبيعة جملة رموز (الحياة الحرّية
    والانطلاق ونبذ القيود... حرّية الفّنان أوّلا، وحرّيّة الإنسان ثانيا: في توقه
    وعجزه.
    ج- التركيز عند الرّومنطيقيين على عناصر طبيعيّة أكثر من سواها: تواتر
    ذكرها عندهم جميعًا: وأساسها الغاب (القفر، الخلاء...) فقد اّتخذوه ملاذا لهم من
    آثام الحياة وشرورها"...
    د- انبناء القصيدة على الّتأمّل في الّنفس البشريّة وتقّلباتها، وعلى تصوير
    الشعور بالحيرة أمام هذا الذي "حارت البريّة فيه" كما قيل قبل. فما وجه ال ّ طرافة
    في ذلك عند الرّومنطيقيين؟
    لعل ذلك أن يكون كامنا في أنّ ما ذكره غيرهم قبلهم في شكل لمحات حلّ
    ههنا عندهم – من ال ّ شعر المحلّ الأرفع فصار مداره وأسّسه.
    ه- ليس هذا الّنصّ الّنموذج الأوحد الدّال على "رومنطيقيّة" ال ّ شعر
    العربيّ، لأنّ في غيره من الّنصوص لبنات أخرى تؤسّس- إذا ما ضمّت إلى
    أخواتها-"صرح" الرّومنطيقيّة العربيّة كما تجسّم في باب ال ّ شعر.
    98
    -للّتوسّع:
    -يمكن أن نختم الّنصّ بإنجاز عمل تطبيقيّ يتمثل في الاشتغال على الّنصّ
    أسلوبيّا (من خلال استخراج موادّه الّلفظيّة (إحصاء) وتبيّن تجاورها الدّلالي فيما
    بينها وما يتوالد عن ذلك من المعاني.
    -كما يمكن تخصيص قسم من الحديث للإيقاع-وإن كان في هذه القصيدة
    شبه تقليدي لنستخرج مقدار إضافة الرّومنطيقيّة العربيّة للشعر الذي زرعت فيه.
    -تذكر للتوسّع مراجع في كلّ باب من أبواب الّنصّ (مقالات، كتب،
    دوريّات... تنبّه ال ّ شارح إلى أن ما ذكر في مشروع التحليل هذا منقوص لا محالة،
    ينبغي أن ترفده دراسات قائمة في بابها:
    مثال ذلك: رأي الباحث محمّد قوبعة في تجربة أبي ماضي، وموقع
    القصيدة (وقد ذكرها لِماما).
    -رأي الباحث محمود الهميسي حول العنونة وقيمة الاشتغال عليها
    ووظائف العنوان كما ضبطت (دراسة منشورة بمجّلة الموقف الأدبي، دمشق سنة
    .( 1996 العدد 322
    -المعاجم الّلغويّة المختصّة وما ورد فيها من رموز (مثال ذلك معجم
    الرّموز لخليل أحمد خليل)، لتفسير صورة الغراب، والكأس، المدينة،...الخ...
    -العودة إلى كتاب :"المدينة في الشعر العربي المعاصر" للّتوسّع ومقارنة
    ال ّ ظاهرة- صورة المدينة مكوّناتها وأسبابها- داخل الخيال العربي ال ّ شعري...
    -تعميم ذات التجربة بمحاولة استكناه مظاهر الرّومنطيقيّة في قصائد أخرى
    لشعراء آخرين (الشابي+ أبو شبكه + الخوري، إبراهيم ناجي، عبد الرّحمان
    شكري... وغيرهم).
    99
    منتخبات من "الديوان الّنثري" لل ّ شعر العربي الحديث
    -1 بيان موجز
    خليل مطران
    ليست هذه الكلم القلائل كلّ ما نظمته إلى الساعة، بل هي منه كبقايا
    السفينة الغريقة، أو كالقطع السالمة من الآثار العتيقة. فقد استخدمت الرويّ ولم
    أشبّ عن طفولة الرويّة، فرأيت في الشعر المألوف جمودًا وبدا لي تطريز الأقلام
    على الصحف البيضاء، كتطريز الأقدام في تيه البيداء. فأنكرت طريقته، لجهلي
    حقيقته. وقضيت سائر أيام الصبى، وأوائل ليالي الشباب، وأنا لا ألوي عليه، حتى
    دعت بعض مداعي الحياة فعدت إليه.
    عدت إليه وقد نضج الفكر، واستقلت لي طريقة في كيف ينبغي أن
    يكون الشعر، فشرعت أنظمه لترضيه نفسي حيث أتخلى، أو لتربية قومي عند
    وقوع الحوادث الجّلى، متابعًا عرب الجاهلية في مجاراة الضمير على هواه.
    ومراعاة الوجدان على مشتهاه. موافقا زماني فيما يقتضيه من الجرأة على الألفاظ
    والتراكيب. لا أخشى استخدامها أحيانا على غير المألوف من الاستعارات
    والمطروق من الأساليب، ذلك مع الاحتفاظ جهدي بأصول اللغة وعدم التفريط في
    شيء منها إلا ما فاتني علمه. ولم أكن مبتكرا فيما صنعت، فقد فعل فصحاء
    العرب قبلي، مالا يقاس إليه فعلي، فإنهم توسعوا في مذاهب البيان توسع الرشد
    والحزم. وجاريتهم في تصريف الكلام على ما اقتضاه هذا العهد من أساليب النظم.
    قال بعض المتعنتين الجامدين، من المتنطسين الناقدين. ان هذا "شعر
    عصريّ" وهمّوا بالابتسام.
    فيها هؤلاء! نعم. هذا شعر عصريّ. وفخره أنه عصريّ. وله على
    سابق الشعر، مزية زمانه على سالف الدهر.
    هذا شعر ليس ناظمه بعبده. ولا تحمله ضرورات الوزن أو القافية على
    غير قصده. يقال فيه المعنى الصحيح، باللفظ الفصيح. ولا ينظر قائله إلى جمال
    100
    البيت المفرد، ولو أنكر جاره وشاتم أخاه ودابر المطلع وقاطع المقطع وخالف
    الختام. بل ينظر إلى جمال البيت في ذاته وفي موضعه، وإلى جملة القصيدة في
    تركيبها وفي ترتيبها وفي تناسق معانيها وتوافقها، مع ندور التصور وغرابة
    الموضوع ومطابقة كل ذلك للحقيقة وشفوفه عن الشعور االحرّ وتحرّي دقة
    الوصف واستيفائه فيه على قدر.
    كذلك حاولت أن أصنع شعري، وأعرف أنني لست من العلم واقتدار
    الفكر في المكان الذي يبلغني منه أدنى المرام. ولكنني تيقنت أن ما أردته به من
    الأغراض قد نفذ إلى قلوب قارئيه، وأحدث فيها ما ابتغيته من الأثر. وكفى بذلك
    سرورا لي ورضى، إلى أن يجيء في زماني أو بعدي من يدرك من طريقتي
    الشأو الذي قصرت عنه، ويصل إلى المقام الذي لم أدن منه.
    على أنني أصرح، غير هائب، أن شعر هذه الطريقة- ولا أعني
    منظوماتي الضعيفة- هو شعر المستقبل لأنه شعر الحياة والحقيقة والخيال. جميعا.
    وللدلالة على صعوبة الوصول إلى الإتقان في مثل هذا النوع من النظم، نشرت
    في هذا الديوان القصيدة الأولى من شعر الصبى وعدة قصائد أخرى كان في
    وسعي أن أضرب عنها صفحا وأن اكتفي بما أستجديه من قولي ولا آخذ على
    نفسي فيه شيئا. غير أنني آثرت أن يدارجني القارئ مدارجة على كونها غاية في
    الإيجاز تمثلني لديه تمثيلا إجماليا في كل حال مررت بها من أحوال هذه الطريقة.
    وليس أكثر شعري هذا بين الطرس والمداد إلا مدامع ذرفتها، وزفرات صعدتها،
    وقطع من الحياة بددتها، ثم نظمتها فتوهمت أنني استعدتها.
    وقد عرض لي أن أبقيت في هذا الديوان خليطا من المذهب القديم،
    ولكنني لم أفعل إلا وقد طاوعت ضميري وسايرت اعتقادي فيما هو جدير بالبقاء
    على الدهر.
    على أنني لم أخل إلى الآن شعري من كل ما خالفت فيه السابقين
    بسيري على هذه الطريقة الفطرية الصحيحة. ولكنني أرجو أن أقدم على ذلك في
    المستقبل إن كان في الأجل فسحة.
    101
    وغاية ما أتمناه لدى القراء من الجزاء على هذه العبر المروية،
    والغرائب المحكية، والنوادر الممثلة، والصور المخيلة – التي نظمت أكثرها
    مسارقة من وقتي بين سفري وحضري، وبين مذاهبي إلى أعمالي، ومتاركاتي
    لشواغلي وأشغالي - أن يشاركوني في وجداني في أثناء مطالعتهم لهذا الكتاب،
    فيرضوا عن الفضيلة كما رضيت، ويأسوا من الرذيلة كما أسيب. وأن يستفيدوا
    من مناصحاتي، ويتخذوا أدوية لجراحاتهم من جرحاتي.
    لذلك عملت، وذلك منتهى ما امّلت. فإنّ الناس ركب شقاء. وسفر
    هيماء. فما أسعد حاديهم – وهو الشاعر - إذا حدا، أن يحسّ لنغماته عند إخوانه
    في المسير رّنة وصدى.
    102
    الشعر المنثور
    أمين الريحاني
    يدعى هذا النوع من الشعر الجديد :
    أي الشعر الحر – Free Verse وبالانكليزية Vers Libres بالافرنسية
    الطليق- وهو آخر ما اتصل إليه الارتقاء الشعري عند الافرنج وبالأخصّ عند
    الانكليز والأمريكيين. فشكسبير أطلق الشعر الانكليزي من قيود القافية. وولت
    الأمريكي أطلقه من قيود العروض كالأوزان الاصطلاحية Walt Witman وتمن
    والأبحر العرفية. على أن لهذا الشعر الطليق وزنا جديدا مخصوصا وقد تجيء
    القصيدة فيه من أبحر عديدة متنوعة.
    وولت وتمنّ هو مبتكر هذه الطريقة وزعيمها. وقد انضم تحت لوائه بعد
    موته كثير من شعراء أمريكا وأوروبا العصريين. وفي الولايات المتحدة اليوم
    جمعيات "وتمّنيه" بين أعضائها فريق من الأدباء المغالين بمحاسن شغره، المتخلقين
    بأخلاقه الديمقراطية، المتشيعين لفلسفته الأمريكية، إذ أن مزايا شعره لا تنحصر
    بقالبه الغريب الجديد فقط بل بما فيه من الفلسفة والخيال مما هو أغرب وأجدّ.
    103
    الطبع والتقليد في الشعر العصري
    عباس محمود العقاد
    حسب بعض الشعراء اليوم أّنه ليس على أحدهم إن أراد أن يكون شاعرا
    عصريا إلا أن يرجع إلى شعر العرب بالتحدي والمعارضة، فإن كانت العرب
    تصف الإبل والخيام والبقاع، وصف هو البخار والمعاهد والأمصار، وإن كانوا
    يشببون في أشعارهم بدعد ولبنى والرباب، ذكر هو اسما من أسماء نساء اليوم، ثم
    حور من تشبيهاتهم، وغير من مجازاتهم بما يناسب هذا التحدي، فيقال حينئذ إن
    الشاعر مبتدع عصري، وليس بمقلد قديم.
    وهذا حسبان خطأ، فما أبعد هذا الشعر عن الابتداع. والأخلق به أن يسمى
    الابتداع التقليدي، لأنه ضرب من ضروب التقليد، فلولا أن شاعرا سبق هؤلاء
    الشعراء لما استطاعوا أن يعارضوه. وإن شئت فارفع النموذج من أمام أعينهم
    تقف الأقلام في أيديهم ولا يخطون خطا، فلو أن الشاعر منهم كان نقاشا لما عرف
    كيف يطلي جداره بالدهان الأبيض، ما لم ير أمامه جدارا أسود الدهان.
    وليس المبتدع كمن يبتني له حوضا تجاه ينابيع المطبوعين، يرصفه
    بحجارتها وحصبائها، ويملؤه بطينها ومائها، ثم يدعوه بغير أسمائها، ولكن المبتدع
    من يكون له ينبوع ؤيستقي منه كما استقوا، ولا قبل بذلك إ ّ لا لمن كان له سائق من
    سليقة تهديه إلى مواقع الماء، وبصر كبصر الهدهد يزعمون أنه يرى مجاري
    الماء تحت أديم الأرض، وهو كطائر في الهواء.
    شاعر تفتحت مغالق نفسه، وقرأ الشعر الغربي، فرأى كيف ترحب أوزانهم
    بالأقاصيص المطولة، والمقاصد المختلفة، وكيف تلين في أيديهم القوالب الشعرية،
    فيودعونها ما لا قدرة لشاعر عربي على وضعه في غير النثر، ألا يرى القارئ
    كيف سهل على العامة نظم القصص المسهبة، والملاحم الضافية الصعبة، في
    104
    قوافيهم المطلقة؟؟ وليت شعري بم يفضل الشعر العامي الفصيح إلا بمثل هذه
    المزية؟؟
    ولقد رأى القراء بالأمس في ديوان شكري مثالا من القوافي المرسلة
    والمزدوجة، والمتقابلة، وهم يقرؤون اليوم في ديوان المازني مثالا من القافيتين
    المزدوجة والمتقابلة، ولا نقول إن هذا هو غاية المنظور من وراء تعديل الأوزان
    والقوافي وتنقيحها، ولكنا نعده بمثابة تهيء المكان لاستقبال المذهب الجديد، إذ ليس
    بين الشعر العربي وبين التفرع والنماء إلا هذا الحائل، فإذا اتسعت القوافي لشتى
    المعاني والمقاصد، وانفرج مجال القول، بزغت المواهب الشعرية على اختلافها،
    ورأينا بيننا شعراء الرواية، وشعراء الوصف، وشعراء التمثيل، ولا تطول نفرة
    الآذان من هذه القوافي، لا سيما في الشعر الذي يناجي الروح والخيال، أكثر مما
    يخاطب الحس والآذان.
    وما كانت العرب تنكر القافية المرسلة، فقد كان شعراؤهم يتساهلون في
    التزام القافية، كما في قول الشاعر :
    ألا هل ترى إن لم تكن أم مالك بملك يدي أن الكفاء قليل
    رآي من رفيقيه جفاء وغلظة إذا قام يبتاع القلوص ذميم
    فقال أقلا واتركا الرحل إنني بمهلكة والعاقبات تدور
    فبيناه يشري رحله قال قائل لمن جمل رخو الملاط نجيب
    وكقول غيره :
    بنات وطاء على خد الليل لا يشكين عنتا ما أنضين
    وكقول الآخر :
    جارية من ضبة بن أد كأّنها في درعها المنعط
    وبعض هذه القوافي، كما تراها، قريبة مخارج الروي، وبعضها تتباعد
    مخارجه، ولكنهم كانوا على حالة من البداوة والفكرة لا تسمح لغير الشعر الغنائي
    بالظهور والانتشار، وكانوا لا يعانون مشقة في صوغ هذه الأشعار في قوالبهم،
    فلم يلجأوا إلا إطلاق القافية، ولا سيما في شعر يعتمد في تأثيره على رنته
    الموسيقية. وجاء العروضيون فعدوا ذلك عيبا وسموه تارة بالأكفاء، وتارة
    105
    بالإجازة أو الإجارة، لقلة ما وجدوا منه في شعر العرب، فلما انتقلت اللغة العربية
    إلى أقوام سلائقهم وحالهم أميل إلى ضروب الشعر الأخرى، اعتسروا القوافي
    على أداء أغراضهم، ولم تشعر آذانهم بهذا الذي عده العروضيون عيبا في القافية.
    فاحتملت لغتهم المحرفة وقوافيهم المتقاربة، ما لم تحتمله أوزان الجاهلية وقوافيها.
    على أن مراعاة القافية والنغمة الموسيقية، في غير الشعر المعروف عند
    الافرنج بشعر الغناء، فضول وتقييد لا فائدة منه، ولا بد أن ينقسم الشعر إلى
    أقسام، يكون الشعر في بعضها أكثر من الموسيقى، ومن بقايا الموسيقى الأولى في
    الشعر هذه القيود اللفظية، وقد ذهب سبنسر في مقاله عن الرقي إلى أن الشعر
    والموسيقى والرقص، كانت كلها أصلا واحدا، ثم انشق كل منها فّنا على حدته،
    ومن قوله في ذلك : "إن الروي في الكلام، والروي في الصوت، والروي في
    الحركة، كانت في مبدئها أجزاء من شيء واحد، ثم انشعبت واستقلت بعد توالي
    الزمن، ولا تزال ثلاثتها مرتبطة عند بعض القبائل الوحشية، فالرقص عند
    المتوحشين بصحبه دائما غناء من نغم واحد، وتصفيق بالأيدي، وقرع على
    الطبول، فهناك حركات موزونة، وكلمات موزونة وأنغام موزونة... في الكتب
    العبرية أنهم كانوا يرتلون القصيدة التي نظمها موسى بعد قهر المصريين، وهم
    يرقصون على نقر الدفوف، وكان الإسرائيليون يرقصون ويتغنون بالشعر في
    وقت معا عند الاحتفال بالعجل الذهبي...
    على أن الشعر وإن لم ينفصل بعد عن الموسيقى، إ ّ لا أّنهما قد انفصل
    كلاهما عن الرقص. فقد كانت قصائد الإغريق الدينية القديمة ترتل ولا تتلى
    تلاوة، وكان ترتيل الشاعر مقرونا برقص السامعين، فلما انقسم الشعر أخيرا إلى
    شعر غنائي، وشعر قصصي، وأصبحوا يتلون الشعر القصصي، ولا يرتلون إ ّ لا
    الشعر الغنائي، ولد الشعر المحض وأصبح فنا مستق ّ لا.
    ونحن لا نريد أن نفصل الشعر عن النغمة الموسيقية بتاتا، ولكنا نريد أن
    يكون نصيب الشعر المحض في غير شعر الغناء، أكبر من نصيب النغم، وأن
    نبقي أثر دقة الرجل –ونعني به القافية- في الشعر الذي كانوا يدقون الأرض
    بأرجلهم عند إنشاذه، أي شعر النزوات النفسية، والعواطف المهتاجة.
    106
    والآن وقد أتينا على طرف من رأينا في تأثير العصر على أنساق الشعر
    وأغراضه نرى من تمام الكلام أن نقول كلمة عن تأثيره في روح الشعر، ونفوس
    الشعراء فنقول :
    إن كان هذا العصر قد هز رواكد النفوس، وفتح أغلاقها كما قلنا، فلقد
    فتحها على ساحة من الألم تلفح المطلق عليها بشواظها، فلا يملك نفسه من التراجع
    حينا، والتوجع أحيانا، وهو العصر، طبيعته القلق والتردد، بين ماض عتيق،
    ومستقبل مريب، وقد بعدت المسافة فيه بين اعتقاد الناس فيما يجب أن يكون،
    وبين ما هو كائن، فغشيتهم الغاشية، ووجد كل ذي نظر فيما حوله عالما غير الذي
    صورته لنفسه حداثة العصر وتقدمه، والشاعر بجبلته أوسع من سائر الناس خيالا،
    فالمثل الأعلى أرفع في ذهنه منه في أذهان عامة الناس، وهو ألطفهم حسا، فألمه
    أشد من ألمهم، وإنما يكون الألم على قدر بعد البون بين المنتظر وبين ما هو
    كائن، فلا جرم إن كان الشاعر أفطن الناس إلى النقص، وأكثرهم سخطا عليه، ولا
    جرم إن كان ديوان شاعرنا على حدّ قوله :
    كل بيت في قرارته جثة خرساء مرنان
    خارجا من قلب قائله مثلما يزفر بركان
    أيقال إّننا بالغنا إذا قلنا إننا في عهد لا نشاهد فيه إ ّ لا مسخا في الطبائع،
    وإرتكاسا في الأخلاق. ونفاقا في الأعمال والأقوال..؟؟ والله بل يقال إننا تغاضينا
    إذا لم نقل ذلك، وما يبالي متحرج في عهدنا أن يغمض عينيه، ثم يمضي على
    رأسه في الأسواق والنوادي والمجامع والمعابد، فأي عائق وقعت عليه يد، فليسأله
    ألا تعرف المعنى بهذه الأبيات :
    يتلقاك بالطلاقة والبشر وفي قلبه قطوب العداء
    كالسراب الرقراق يحسبه ال ظمآن ماء وما به من ماء
    عاجز الرأي والمروءة والنف س ضئيل الآمال والأهواء
    ألف الذل فاستنام إليه وتباهى به على الشرفاء
    ينسج الزور والأباطيل نسجا والأكاذيب ملجأ الضعفاء
    مستميت إلى المكاسب والربح دنيء الأسفاف والكبرياء
    107
    فاسق يظهر العفاف ويخفي تحته الخزي يا له من مراء
    مظلم الحس والبصيرة كالتم ثال خلو من الحجا والذكاء
    قد زهاه الشموخ فاختال تيها ولوى شدقه على الخلصاء
    فإّنه لا يخطئ مرّة إ ّ لا أصاب ألفا : فقد وصف المازني في هذه الأبيات
    نموذج الرجل العصري، فلم ينس صفة من صفاته، وأنى لرجل العصر أن يكون
    غير ذلك، وهو يبصر غير ما يسمع، ويسمع غير ما يعتقد، ويعتقد غير ما يجرأ
    على الجهر به، وذلك ديدن الناس في كل زمان تحس فيه النفوس بالحاجة إلى
    الانتقال، فترسم مثال الكمال، ثم تكر إلى عالم الحقيقة فلا تقابل إلا النقص
    والقصور، وإنها لتظل كذلك تتذبذب بين الباطن والظاهر، وهذا عين التصنع
    والرياء، وإن اشتد، فقل الخبث والصفاقة والكبرياء.
    فإذا رأيت شاعرا مطبوعا في أمثال هذه الفترات المشؤومة يبتهج ويضحك
    فأعلم أن بين جنبيه قلبا صدئ من نار الألم أو حمآة الشهوات، وغلا فهو رجل
    مقلد ينظم بلسانه، ولا ينظم بوجدانه.
    ألا ترى كيف كان حال الأدب في الفترة التي تقدمت الانقلاب الفرنسي؟ ألا
    تراهم كيف لعبت الحيرة بعقولهم؟ فمن داع يدعو الناس إلى الطبيعة، ومن باحث
    يفكر في خلق مجتمع جديد، هذا ينحى على الدين، وهذا يسب الحياة ويلعن
    الوجود، وذلك تهوله فوضى الأخلاق، فيحسبها ضربة لازب، لا تتصلح ولا
    تتبدل. فيقوم في جنون الدهشة والذهول يحسن للناس التهتك والإباحة. أرأيت كيف
    استحكمت السآمة بشاتوبريان زعيم الأدب في تلك الفترة فجعل يقول : "لقد سئمت
    الحياة حتى قتلتني السآمة، فلا شيء مما يحفل به الناس يعنيني، ولو أنني كنت
    راعيا أو ملكا. لما عرفت كيف أصنع بعصا الراعي، أو بتاج الملك، وما أظنني
    في الحالتين إلا كنت زاهدا في المجد والعبقرية، ملولا من العمل والبطالة، متبرما
    بالنعمة والشقاء –لقد أمضني الناس في أوروبة. وأسأمتني الطبيعة في أمريكا،
    فليس في هذه – ولا في تلك، ملاذ يهش إليه قلبي، وإنني لسليم القلب، طيب
    النحيزة، ولكن بغير غبطة، وإخالني لو خلقت مجرما لكنت أكون كذلك بغير ندم،
    فليتني لم أولد ! ليت أن اسمي يعفى عليه النسيان فلا يذكر أبدًا..."
    108
    وبعد فهل ينبغي أن يحمد الناس كل زمان رأوه، وهل ثم ضرر عليهم في
    الشكوى من بعض الأزمنة والنقمة عليها؟ كلا، ليس في الاستياء من الزمن السيئ
    ضرر، بل هذا هو الواجب الذي لا ينبغي سواه، وأولى أن يكون الضرر جد
    الضرر في الاطمئنان إلى زمان تتأهب كل بواطنه للتحول والانتقال.
    وما أهون التعليل السلبي! لقد سهل على بعض الكاتبين أن يعللوا هذا
    التذمر فحسبوا أنهم أدركوا الغاية، وأصابوا النتيجة.
    نظروا إلى السخط الفاشي بين طبقات الناس، فلم يصعب عليهم أن يقولوا
    إنه عرض من أعراض الحياة في المدن والحواضر وهذا صحيح، وأي عجب في
    ذلك ؟؟ إنما لحكمة كانت المدن مثار القلق والشكوى، لأن المدينة ربيئة المدينة،
    وحاملة أمانة الرقي الإنساني، ولئن كان التجاج الأصوات بالشكوى في هذه الأيام
    أشد وأجهر منه في الأيام القديمة، فذلك لأن الانتقال الوشيك، أعظم من كل انتقال
    أحدثته الحياة المدنية إلى يومنا هذا.
    ولو كان الناس كلهم على شاكلة الريفي في سكينته وقنوعه. لما بقي لهم
    بعد أن يفيض الماء. ويسلم الجو، وينجب الزرع، مطلب في الحياة. وما برح أهل
    المدن بأيديهم زمام العلم والصناعة والفنون، والكفاح يدفعهم إلى الحركة وطلب
    الانتقال فتتقدم على أيديهم هذه الفنون وتنشأ من تقلبهم المذاهب الاجتماعية
    المختلفة. فترتقي حقوق الناس وواجباتهم. وترتقي الحياة تبعا لارتقاء هذه الحقوق
    والواجبات، وقد صدق "لاندور" حيث يقول على لسان بارو "إن القانعين يجلسون
    ساكنين في أماكنهم، وأما الساخطون الناقمون فهم الذين يجني منهم العالم كل
    خير".
    ونظر أولئك الكتاب هذه النظرة إلى رجال العبقرية في الأزمان المتأخرة،
    فوجدوهم لا يسلم أحدهم من علة في الجسم، فظنوا أنهم قد وقعوا على السر،
    وقالوا لو لم يكن هؤلاء العبقريون مرضى لما عمت فلسفة السخط، كأنه ليس بين
    هذا العصر وبين أن يكون أقوم العصور أخلاقا. وأرغدها عيشا، وأتمها نظاما، إلا
    أن يبرأ مائة رجل أو أكثر، أو أقل، من الداء! .
    109
    بل لقد طاش بعضهم فسمى عبقرية هؤلاء العظماء، مسخا راقيا، وألحقهم
    بالممسوخين من زمني الطبائع. ومرضى النفوس، الذين يخرج من بينهم القتلة
    والسرقة والمخبولون، ولو أنهم كانوا الجن للغة الطبيعية، لعرفوا أنها لا تجمع بين
    المرض والعبقرية عبثا، وأن عظماء الأمم لو سلموا من الأدواء والعلل لوقفت
    الإنسانية اليوم عند حدود الآجام والكهوف.
    ونحمد الله على أن ليست عقول هؤلاء الكتاب في رأس الطبيعة! فكانت
    تبدلنا من كل نبي وحكيم وشاعر مصارعا مضبور الخلق، عريض العنق. ولا
    ريب أن هذا العمل أريح لها من عناء تركيب الأمزجة، وتقسيم المواهب على قدر
    وحساب.
    العبقري رجل أريد به أن ينسى نفسه ليخلص نفعه لنوعه، فلو أنه خلق
    مكين المرة. قوي الأسر، لصرفته دواعي اللحم والدم، عن المضي لوجهته،
    ولشغله ما يشغل سائر الناس من أمور المعاش والأبناء عما خلق لأجله. ولا بد أن
    تضعف غريزة حفظ الذات فيه لتقوى بإزائها غريزته النوعية. ولن تضعف
    الغريزة الذاتية إلا بمرض في الجسد- أرأيت رجلا معافى البدن ينسى نفسه ليعيش
    بعد موته في ذاكرة نوعه؟؟ أم أنت تراه قاصر الهم على حياته لا يعنيه من الدنيا
    سواها؟؟
    وللنوع فرض عام يطلبه من جميع أفراده، وهو التكاثر بالتوالد، بيد أنه
    كلما سفل النوع وسفل الفرد، كان التوالد أكثر، ويطرد هذا الأمر في الإنسان، فإن
    أكثر الناس توالدا هم أعجزهم عن حفظ النوع بغير وسيلة التوالد، وهم أحط الناس
    مدارك وعقولا، ثم ينشأ في بعض الأفراد قوي أدبية ينفعون بها النوع، ويحفظونه
    من جهات شتى، فتعدو هذه القوى على غريزة النسل، حتى يبلغ الأمر نهايتيه في
    النابغة، فيكون أنفع الناس لنوعه بقواه الأدبية، وأقلهم نفعا له بنسله ولذلك لا
    يرغب النابغون في الزواج، وإن تزوجوا لا يلدون، وربما ولد لهم ولكن لا يعيش
    أبناؤهم، أو يعيشون ولكنهم يهملون في الغالب تربيتهم وإنباتهم، وتلك لعمري
    حكمة بالغة، وسر دقيق من أسرار الاقتصاد الطبيعي في تقسيم العمل.
    110
    إن كان للأمة جهاز عصبي، فإن الشاعر العبقري أدق هذه الأعصاب
    نسجا، وأسرعها للمس تنبها، ولا غنى لجسم الأمة عن هذه الأعصاب المفرطة في
    الإحساس، لتزعج الأمة لأخذ الحيطة بينما تجمد الأعصاب الصلبة في صمم
    البلادة والأنانية.
    فلا ينظرن الذين ينفقون فلسفة الرضا عندنا إلى المسألة من جهة واحدة،
    ولا يقولن نحن في عصر العمل، فزخرفوا لنا الحياة وشوقونا إليها، كلا ! لسنا يا
    قوم في عصر العمل. فكم من عمل يدعو العاملين ولا يجيبونه، وكم من عامل يفتأ
    يدعو التردد والاستياء، ولا بدّ لهذا الاستياء أن يأخذ مداه، ويطلع على كل نقص
    في أحوالنا، حتى إذا تمكن من النفوس فحركها إلى العمل، وعاد عليها العمل
    بالرضا، فلا ينس الناس يومئذ فضل شعر الضجر والاستياء.
    فلئن توسم القارئون في شعر هذا الديوان هذه السمة فليذكروا أنهم يقرأون
    ديوان شاعر يترجم عن زمنه "والمرء في نفسه يرى زمنه" كما يقول.
    ويخيل إلى أن أخانا إبراهيم لو لم ينبغ في هذا العصر السوداوي، ونبغ في
    عصر فجر التاريخ، لكان هو واضح أسماء الجنة، عمار الغيران والجبال، وساقة
    السحب والرياح والأمواج، فإن به لولعا بوصفها، وإن أذنه لتتسمعها كأنها تنشد
    عندها خبرا، وأظنه لو كان خلق الدنيا، لما خلقها إلا جبالا عظيمة، وكهوفا
    جوفاء، ورياحا مدوية، وغماما مرزما رجاسا، وبحرا مصطخئا عجاجا، أنظر
    كيف يصف الغار الذي يتمناه في قصيدة منجاة الهاجر :
    يا ليت لي والأماني إن تكن خدعا لكنهن على الأشجان أعوان
    غارا على جبل تجري الرياح به حيرى يزافرها حيران الهفان
    هل أنس ليلتنا والغيث منسكب وللبروق بقلب السحب أثخان
    وقوله لي منلي أن تظللني من السحاب على الأطواد غيران
    ريح تهب لنا من كل ناحية وديمة كحلها نور ونيران
    يلفنا الليل في طيات حندسه كما يغيب سر المرء كتمان
    تكاد نلمس بالأيدي السماء ونج تلي بها الرعد يطغى وهو غضبان
    وللصدى حولنا حال مروعة كأنما تسكن الغيران جنان
    111
    لكل صوت صدى من كل منعطف كما تجاوب عاس وأعيان
    يطير كل صدى عن كل شاهقة كما يطير عن العقبان عقبان
    تبدو لأعيننا البلدان كالحة كالوجه غضنه سن وحدثان
    ومثله قوله في أحلام الموتى :
    أجنوني إذا ما مت رمسا ينادمني به خضل الغمام
    ترقرق عنده غدران ماء على ضفاتها أثر الهوامي
    تغنيني الحمائم في ذراها وقد هب النسيم مع الظلام
    أو قوله في ثورة النفس :
    الأمراء، قالوا إن قاتليه أجلوه فلم يرضوا له القبر. وينشدون أبيات
    الأنباري التي يقول فيها :
    ولما ضاق بطن الأرض عن أن يضم علاك من بعد الممات
    أصاروا الجو قبرك... الخ.
    ويقولون : انظر إلى مهارة الشاعر في قلب الحقائق، وإظهار الذميم مظهر
    الحسن. وإذا مدحوا قالوا لممدوحهم إن وجهك قمر، ولحيتك ذهب يطرز هذا
    القمر. وأنت بحر، وأسد، وغمام، وإن الدنيا لو دخلت في صدرك لوسعها لأنه
    رحيب. وأنشدوه قول المتنبي :
    وقلبك في الدنيا ولو دخلت بنا وبالجن فيه ما درت كيف ترجع
    وقالوا له : إنك لو غضبت على النجوم، لانطفأت من غضبك، وإنك لولا
    انقطاع الوحي لنزلت فيك الآيات والسور. وإذا مات للممدوح قريب، لم يكن في
    بيته حينما أدركته المنية، قالوا إن المنية لم تجرؤ عليه إلا لأّنه كان غائبا عنك.
    وقد فسد ذوق القراء حتى أنهم إذا رأوا خيالا يفسر حقيقة، لم تتملكهم هزة
    الطرب التي تنوبهم عند قراءة الخيال الفاسد، وإنما يعجبهم من الخيال استحالته
    وبعده عن المألوف عقلا. وإذا وضحت لهم فساده قالوا : إذا كل خيال فاسد
    وزعموا أن حلاوة الشاعر في قلب الحقائق. وإخراجنا من هذا العالم إلى عالم ليس
    للعقل فيه سبيل عالم يرخص المرء لعقله أن يتنزه فيه أينما شاء من غير منيع
    رقيب. كما يفعل الموظف كل سنة حين يترك فروض الحياة. ومن أدل ذلك شاع
    112
    عندهم أن الشعر نوع من الكذب وليس أدل على جهلهم وظيفة الشارع من قربة
    الشعر إلى الكذب. فليس الشعر كذبا بل هو منظار للحقائق ومفسر لها. وليست
    حلاوة الشعر في قلب الحقائق، بل في إقامة الحقائق موضعها ووضع كل واحدة
    منها في مكانها ولئن كان بعض الشعر نزهة. بأن البعض الآخر فرض، ولئن كان
    بعض الشعر رحلة، فهي رحلة إلى عالم أجمل وأكمل وأصلح من هذا العالم.
    رحلة إلى عالم يحس المرء فيه لذات التفكير، أكثر مما يحسها في هذا العالم
    الأرضي.
    وإذا تدبرت ما ذكرته، عرفت فساد ذوق الجمهور في حكمه على الشعر.
    وكيف أنه يقبل على الشعر المرذول ويعده جيدا. ويعاف الشعر الجليل، الصادق
    الخيال، الكثير الحقائق. وبعض القراء يرى أن الشعر مقصور على التشبيه، مهما
    كان الشبه الذي فيه متوهما ومثل الشاعر الذي يرمي بالتشبيهات على صحيفته من
    غير حساب مثل الرسام الذي تغره مظاهر الألوان، فيملأ بها رسمه من غير
    حساب. وليس الخيال مقصورا على التشبيه، فإنه يشمل روح القصيدة وموضوعها
    وخواطرها وقد تكون القصيدة ملآى بالتشبيهات. وهي بالرغم من ذلك تدل على
    ضآلة خيال الشاعر. وقد تكون خالية من التشبيهات. وهي تدل على عظم خياله
    وقيمة التشبيهات في إثارة الذكرى أو الأمل، أو عاطفة أخرى من عواطف النفس،
    أو إظهار حقيقة. ولا يراد التشبيه لنفسه، كما أن الوصف الذي استخدم التشبيه من
    أجله لا يطلب لذاته، وإنما يطلب لعلاقة الشيء الموصوف بالنفس البشرية من
    أجله لا يطلب لذاته، وإنما يطلب لعلاقة الشيء الموصوف بالنفس البشرية وعقل
    الإنسان. وكلما كان الشيء الموصوف ألصق بالنفس، وأقرب إلى العقل، كان
    حقيقا بالوصف. وهذا يوضح فساد مذهب من يريد وصف الأشياء المادية لأنها
    مما يرى لا لسبب آخر. وهذا الوصف خليق بأن يسمى الوصف الميكانيكي.
    فوصف الأشياء ليس بشعر إذا لم يكن مقرونا بعواطف الإنسان وخواطره، وذكره
    وأمانيه، وصلات نفسه.
    فالخيال ليس مقصورا على التشبيهات، والشاعر الكبير، ليس هو ذا
    التشبيهات الكثيرة، الذي يكثر من مثل وكأن. ولو كان ليس بعدها إلا المعنى
    113
    المتضائل، والصورة المضطربة، غير المتجانسة الأجزاء. فإن الخيال هو كل ما
    يتخيله الشاعر من وصف جوانب الحياة وشرح عواطف النفس وحالاتها، والفكر
    وتقلباته، والموضوعات الشعرية وتباينها، والبواعث الشعرية. وهذا يحتاج فيه إلى
    خيال واسع. والتشبيه لا يراد لذاته كما يفعل الشاعر الصغير. وإنما يراد لشرح
    عاطفة أو توضيح حالة، أو بيان حقيقة. وإن أجل الشعر هو ما خلا من التشبيهات
    البعيدة والمغالطات المنطقية. أنظر مثلا إلى قول مويلك يرثي امرأته وقد خلفت له
    بنتا صغيرة، فقال يصف حالها بعد موت أمها :
    فلقد تركت صغيرة مرحومة لم تدر ما جزع عليك فتجزع
    فقدت شمائل من لزامك حلوة فتبيت تسهر أهلها وتفجع
    وإذا سمعت أنينها في ليلها طفقت عليك شؤون عيني تدمع
    فهو لم يعلمك شيئا جديدا لم تكن تعرفه. ولم يبهر خيالك بالتشبيهات
    الفاسدة، والمغالطات المعنوية. ولكنه ذكر حقيقة. ومهارته في تخيل هذه الحالة
    ووصفها بدقة. وهذا أجل التخيل. وأجل المعاني الشعرية ما قيل في تحليل
    عواطف النفس، ووصف حركاتها كما يشرح الطبيب الجسم، ومن أمثال هذا في
    الغزل قول ابن الدمينة في وصف حياء الحبيب :
    بنفسي وأهلي من إذا عرضوا له ببعض الأذى لم يدر كيف يجيب
    ولم يعتذر عذر البريء ولم تزل به سكنة حتى يقال مريب
    مثل هذا الشعر يصل إلى أعماق النفس ويهزها هزا. والشعر ما أشعرك،
    وجعلك تحس عواطف النفس إحساسا شديدا. لا ما كان لغزا منطقيا، أو خيالا من
    خيالات معاقري الحشيش. فالمعاني الشعرية هي خواطر المرء وآراؤه، وتحاربه
    وأحوال نفسه، وعبارات عواطفه. وليست المعاني الشعرية كما يتوهم بعض الناس
    التشبيهات والخيالات الفاسدة والمغالطات السقيمة، مما يتطلبه أصحاب الذوق
    القبيح. فإذا لم يجد هؤلاء في الشعر مغالاة سخيفة، أو مغالطة معنوية، أو ألعوبة
    منطقية، أو تشبيها بينه وبين الخيال، مثل ما بين لعب الأطفال بالألوان. وبين رسم
    تسشيانو ومهارته في استخدام الألوان. أقول : إذا لم يجدوا ذلك في الشعر قالوا إن
    ليس فيه معنى. فإذا سمعت هؤلاء يصفون قصيدة بأنها ملآى من المعاني، حسبت
    114
    أن قائلها ذو ذهن خصب، وعقل راجح كبير، ونفس عظيمة. وأنه جعلها ذخيرة
    الحقائق، والآراء السامية الشريفة. ولكن الأمر ليس كذلك. إذ أنهم يعنون أنها
    مملوءة من الخيالات والمغالطات المضطربة. وأن خيال صاحبها بهلوان شعري.
    أو مشعوذ يغرك بحركاته. فينبغي أن نميز في معاني الشعر وصوره، بين نوعين
    نسمي أحدهما التخيل والآخر التوهم. فالتخيل هو أن يظهر الشاعر الصلات التي
    بين الأشياء والحقائق. ويشترط في هذا النوع أن يعبر عن حق. والتوهم أن يتوهم
    الشارع بين شيئين صلة ليس لها وجود. وهذا النوع الثاني يغري به الشعراء
    الصغار، ولم يسلم منه الشعراء الكبار، ومثله قول أبي العلاء المعري :
    وأهجم على جنح الدجى ولو أنه أسد يصول من الهلال بمخلب
    فالصلة التي بين المشبه به، صلة توهم، ليس لها وجود. وكذلك قول أبي
    العلاء في سهيل النجوم:
    ضرجته دما سيوف الأعادي فبكت رحمة له الشعريان
    أي أعاد وأي سيوف؟ في مثل هذا البيت ترى الفرق واضحا بين التخيل
    والتوهم. أما أمثلة الخيال الصحيح فهي أن يقول قائل إن ضياء الأمل يظهر في
    ظلمة الشقاء. كما يقول البحتري:
    كالكوكب الدري أخلص ضوءه حلك الدجى حتى تألق وانجلى
    فهذا تفسيره لحقيقة وإيضاح لها. وكذلك قول الشريف:
    ما للزمان رمى قومي فزعزعهم تطاير القعب لما صكه الحجر
    فهو يشبه تفرق قومه بتطاير أجزاء الإناء المكسور. وهذا أيضا توضيح
    لصورة حقيقة من الحقائق، وهي تفرق قومه.
    فتكلف الخيال أن تجيء به كأنه السراب الخادع. فهو صادق إذا نظرت
    إليه من بعيد، وهو كاذب إذا نظرت إليه من قريب. وبينه وبين الخيال الصحيح،
    مثل ما بين الماس الصناعي وماس كمبرلي. وقد يكون سبب هذا الخيال الكاذب،
    التأليف بين شيئين لا يصح التأليف بينهما. ثم أن بعد وجه التأليف وخفاء الصلة
    ليس بمعيب إذا كان وجه الشبه بين الشيئين صحيحا صادقا، وكانت الصلة التي
    بينهما متينة. فليس ظهور الصلة لكل قارئ دليلا على متانتها. فقد تكون ظاهرة
    115
    ضعيفة، وقد تكون خفية سليمة صادقة. فليس كل ما يخطر على أذهان العامة ممن
    الخيالات صادقا صحيحا. وهذا سبب من أسباب اشتباه العظيم من الشعراء
    بالضئيل. وعجز الناس عن التمييز بينهما. فإن العبقري قد يغري باستخراج
    الصلات المتينة الصادقة بين الأشياء، فتقصر
    الشعر في أصله فن ذاتي يحاول الشاعر أن يرضي نفسه به ويتعلل
    ويتلهى، إلا أن هذه الحال التي ليس للشعر فيها إلا غرض ذاتي ولا غاية إلا
    الترفيه عن أعصاب الشاعر وإراحته من ثقل الفكرة التي تتحول إليها العاطفة-
    هذه الحال لا وجود لها إلا في العصور الأولى من تاريخ الإنسان، أيام كان يأوي
    إلى الكهوف والغيران، وينقش على جدرانها صور الحيوان المائلة في الذهن
    المتشبثة بأهداب الذاكرة والوجدان- أولائك المستوحشون الذين كانوا يزينون
    كهوفهم بصور الحيوان والأعداء والنساء، ويوقظون الصدى في مخارم الجبال
    ومنعطفات الأودية بأنغامهم الشاكية الهافية، ويطفئون وقدة الوجد بالرقص في
    ليالي الربيع على ضوء القمر، ويترجمون عن إحساسهم بظواهر الكون في
    أغانيهم وأساطيرهم، هؤلاء هم أول- وآخر- من عالج فنا لذاته.
    ثم لم يلبث الشاعر أن أحس فرق ما بينه وبين سائر الناس، وأدرك أن
    إحساساته أدق، وأداءه عنها أبلغ وأوقع، وأنه في الجملة أبعد منهم مرمى، وأرفع
    مصعدًا وأرقى قدرا، وأن له شأنا غير شأنهم، وأنهم يلتذون كلامه ويشجعونه على
    أمتاعهم بمثله ويزفون إليه ثناء لا يلبث أن يصير إعجابا. وخليق أن تحدث هذه
    الحال الجدية الناشئة عن شعوره الجديد تطورا في أغراضه وبواعثه فيصبح ما
    كان ضرورة جسمية ذاتية-كالطعام- فنا عمليا يزاول ويعالج ويتعهد بالتهذيب
    والتنقيح والتجويد. ويصبح ما كان في أصله وحيا لا حيلة له فيه عادة وأسلوبا،
    وسرعان ما يصبح الشاعر يقلد نفسه!
    فإذا كرت الأيام ودار الزمن وجاء وقت التفكير الهادئ والعمل المرتب
    المنظم ذكر الشاعر ساعة تملكته حمى الوحي والإلهام ودفعته قسرًا في طريق
    الأدب- وإن غريزته ما زالت تلهمه وتوحي إليه، ولكن عمله في الواقع قد صار
    صناعة تقسره عليها الإرادة الذكية والرغبة الملتهبة، وما زال يطلب إرضاء نفسه
    116
    وهو يعالج عمله، ويبغي الترفيه عنها من ضغط عواطفه، ولكنه قد أصبح طماح
    المعين كثير المراغب يفكر في جمهور قرائه وعشاقه ويحلم بما يمني به نفسه من
    النجاح.
    وواضح من ذلك أن الشعر كان يعالج لذاته أو بعبارة أخرى ليريح المرء
    نفسه من ثقل الحاجات الجسمية ثم صار الشاعر يطلب أن يرضي غيره فضلا عن
    نفسه، وامتزجت فكرة النجاح والتأثير بعواطفه المنتجة، ولكن الشعر الذي يقع من
    قلوب الناس ويبتعثهم لا يمكن أن يكون تقليديا مكذوبا فإن القلب لا يخطئ في
    التمييز بين الشعر الكاذب والشعر الصادق، والنفوس معايير حساسة لا يجوز
    عليها التزييف والتمويه والتزوير.
    بيد أني لست أنكر أنك قد تبلغ بالكذب ما لا يبلغه الصدق، وتنال بالتمويه
    والخديعة ما لا تنال بالحق، غير أن الأديب أكبر من ذلك وأرفع، وغايته أسمى
    وأبعد، وللشعراء ضمائر شاهدة غير نائمة، والحق أحق أن يستولي على هوى
    النفس، وينال الحظ الأوفر من ميل القلب، وكيف يطبيك رجل يمسك على ما في
    نفسه ويستر ما يناله حسه ويفر من شخصيته أو رجل لا ينظر بقلبه ولا يستعين
    بفكره ولا يستنجد فهمه، أو آخر يأبي أن يبرز معانيه ممن ضميره، وأن تدين
    لتبيينه وتصويره، وأن ترى سافرة بغير نقاب، بادية دون حجاب؟
    لقد طال استخفاف المتأدبين بضرورة الصدق والإخلاص حتى استخف بهم
    الناس، واشتد غلوهم في إنكار مكان الحاجة إليهما حتى أنكرنا عليهم ما تكلفوه من
    فضول القول ونفاية الكلام وما تجشموه من ضروب الأغراب الذي لا يغني من
    الأدب شيئا، وأنواع المعاياة التي لا تعود بطائل ولا ترجع بفائدة، ولعمري الشعر
    في أصله فن ذاتي يحاول الشاعر أن يرضي نفسه به ويتعلل ويتلهى، إلا أن هذه
    الحال التي ليس للشعر فيها إلا غرض ذاتي ولا غاية إلا الترفيه عن أعصاب
    الشاعر وإراحته من ثقل الفكرة التي تتحول إليها العاطفة- هذه الحال لا وجود لها
    إلا في العصور الأولى من تاريخ الإنسان، أيام كان يأوي إلى الكهوف والغيران،
    وينقش على جدرانها صور الحيوان الماثلة في الذهن المتشبثة بأهداب الذاكرة
    والوجدان- أولئك المستوحشون الذين كانوا يزينون كهوفهم بصور الحيوان
    117
    والأعداء والنساء، ويوقظون الصدى في مخارم الجبال ومنعطفات الأودية بأنغامهم
    الشاكية الهافية، ويطفئون وقدة الوجد بالرقص في ليالي الربيع على ضوء القمر،
    ويترجمون عن إحساسهم بظواهر الكون في أغانيهم وأساطيرهم، هؤلاء هم أول –
    وآخر- من عالج فنا لذاته.
    ثم لم يلبث الشاعر أن أحس فرق ما بينه وبين سائر الناس، وأدرك أن
    إحساساته أدق، وأداءه عنها أبلغ وأقع، وأنه في الجملة أبعد منهم مرمى، وأرفع
    مصعدًا وأرقى قدرا، وأن له شأنا غير شأنهم، وأنهم يلتذون كلامه ويشجعونه على
    أمتاعهم بمثله ويزفون إليه ثناء لا يلبث أن يصير إعجابا. وخليق أن تحدث هذه
    الحال الجديدة الناشئة عن شعوره الجديد تطورا في أغراضه وبواعثه فيصبح ما
    كان ضرورة جسمية ذاتية- كالطعام- فنا عمليا يزاول ويعالج ويتعهد بالتهذيب
    والتنقيح والتجويد. ويصبح ما كان في أصله وحيا لا حيلة له فيه عادة وأسلوبا،
    وسرعان ما يصبح الشاعر يقلد نفسه!
    فإذا كرت الأيام ودار الزمن وجاء وقت التفكير الهادئ والعمل المرتب
    المنظم ذكر الشاعر ساعة تملكته حمى الوحي والإلهام ودفعته قسرا في طريق
    الأدب- وإن غريزته ما زالت تلهمه وتوحي إليه، ولكن عمله في الواقع قد صار
    صناعة تقسره عليها الإرادة الذكية والرغبة الملتهبة، وما زال يطلب إرضاء نفسه
    وهو يعالج عمله، ويبغي الترفيه عنها من ضغط عواطفه، ولكنه قد أصبح طماح
    المعين كثير المراغب يفكر في جمهور قرائه وعشاقه ويحلم بما يمني به نفسه من
    النجاح.
    وواضح من ذلك أن الشعر كان يعالج لذته أو بعبارة أخرى ليريح المرء
    نفسه من ثقل الحاجات الجسمية ثم صار الشاعر يطلب أن يرضي غيره فضلا عن
    نفسه، وامتزجت فكرة النجاح والتأثير بعواطفه المنتجة، ولكن الشعر الذي يقع من
    قلوب الناس ويبعثهم لا يمكن أن يكون تقليديا مكذوبا فإن القلب لا يخطئ في
    التمييز بين الشعر الكاذب والشعر الصادق، والنفوس معايير حساسة لا يجوز
    عليها التزييف والتمويه والتزوير.
    118
    بيد أني لست أنكر أنك قد تبلغ بالكذب ما لا يبلغه الصدق، وتنال بالتمويه
    والخديعة ما لا تنال بالحق، غير أن الأديب أكبر من ذلك وأرفع، وغايته أسمى
    وأبعد، وللشعراء ضمائر شاهدة غير نائمة، والحق أحق أن يستولي على هوى
    النفس، وينال الحظ الأوفر من ميل القلب، وكيف يطبيك رجل يمسك على ما في
    نفسه ويستر ما يناله حسه ويفر من شخصيته أو رجل لا ينظر بقلبه ولا يستعين
    بفكره ولا يستنجد فهمه، أو آخر يأبى أن يبرز معانيه من صميره، وأن تدين
    لتبيينه وتصويره، وأن ترى سافرة بغير نقاب، بادية دون حجاب؟
    لقد طال استخفاف المتأدبين بضرورة الصدق والإخلاص حتى استخ ّ ف بهم
    الناس، واشتد غلوهم في إنكار مكان الحاجة إليهما حتى أنكرنا عليهم ما تكلفوه من
    فضول القول ونفاية الكلام وما تجشموه من ضروب الأغراب الذي لا يغني من
    الأدب شيئا، وأنواع المعاياة التي لا تعود بطائل ولا ترجع بفائدة، ولعمري.
    "لكم لغتكم ولي لغتي" جبران خليل جبران
    [...] لكم منها الشعراء الفحول الفطاحل الخناذيذ، ومن صدرهم وشطرهم
    وخمسهم وذيّلهم وشرحهم، ولي منها ما يتمشى متهيبا خجلا في قلوب الشعراء
    الذين لم ينظموا بيتا ولم ينثروا سطرا.
    لكم منها الرثاء والمديح والفخر والتهنئة، ولي منها ما يتكبر عن رثاء من
    مات وهو في الرحم، ويأبى مديح من يستوجب الاستهزاء، ويأنف من تهنئة من
    يستدعي الشفقة، ويترفع عن هجو ممن يستطيع الأعراض عنه، ويتنكف من الفخر
    إذ ليس في الإنسان ما يفاخر به سوى الإقرار بضعفه وجهله.
    لكم لغتكم ولي لغتي.
    لكم من لغتكم "البديع" و"البيان" و"المنطق"، ولي من لغتي نظرة في عين
    المغلوب، ودمعة في جفن المشتاق، وابتسامة على ثغر المؤمن، وإشارة في يد
    السمو الحكيم.
    119
    لكم منها ما قاله سيبويه والأسود وابن عقيل ومن جاء قبلهم وبعدهم من
    المضجرين المملين، ولي منها ما تقوله الأم لطفلها، والمحبّ لرفيقته، والمتعبد
    لسكينة ليله.
    لكم منها "الفصيح" دون "الركيك" و"البليغ" دون "المبتذل"، وليس منها ما
    يتمتعه المستوحش وكله فصيح، وما يغص به المتوجع وكله بليغ، وما يلثغ به
    المأخوذ وكله فصيح وبليغ.
    لكم منها "البنيان المرصوص" ولي منها أسراب من الشحارير والبلابل
    تتطاير وتنتقل مرفرفة بين حقول الخيال ورياضه.
    لكم منها "القلائد الفضية" ولي منها قطر الندى، ورجع الصدى، وتلاعب
    النسيم بأوراق الحور والصفصاف.
    لكم منها "الترصيع" و"التنزيل" و"التنميق" وكل ما وراء هذه البهلوانيات من
    التلفيق، ولي منها كلام إذا قيل رفع السامع إلى ما وراء الكلام، وإذا كتب بسط
    القارئ فسحا في الأثير لا يجدها البيان.
    لكم منها ماضيها وما كان في ماضيها من الأمجاد والمفاخر، ولي منها
    حاضرها ومستقبلها بما في حاضرها من التأهب وما سيكون في مستقبلها من
    الحرية والاستقلال.
    لكم لغتكم ولي لغتي.
    لكم لغتكم عازفا يتناولكم عوا فيضرب عليكم أنغاما تختارها أصابعه
    المتظلفة، ولي من لغتي قيثارة أتناولها فأستخرج منها أغنية تحلم بها روحي
    وتذيعها أصابعي.
    ولكم أن تسكبوا لغتكم بعضكم في مسامع بعض ليسرّ ويعجب بعضكم
    ببعض، ولي أن أستودع لغتي عصفات الريح وأمواج البحر، فللريح آذان أشدّ
    غيرة على لغتي من آذانكم وللبحر قلب أربأ بها من قلوبكم.
    ولكم أن تلتقطوا ما يتناثر خرقا من أثواب لغتكم، ولي أن أمزق بيدي كل
    عتيق بال، وأطرح على جانب الطريق كل ما يعيق مسيري نحو قمة الجبل.
    120
    ولكم أن تحنطوا ما يبتر من أعضائها المعتلة، وأن تحتفظوا به في متاحف
    عقولكم، ولي أن أحرق بالنار كل مفصل مشلول.
    لكم لغتكم ولي لغتي.
    لكم لغتكم عجوزا مقعدة، ولي لغتي صبية غارقة في بحر من أحلا شبابها.
    وما عسى أن تصير غليه لغتكم وما اودعتموه لغتكم عندما يرفع الستار عن
    عجوزكم وصبيتي؟
    أقول إن لغتكم ستصير إلى اللاشيء.
    أقول أن السراج الذي ج ّ ف زيته لن يضيء طويلا.
    أقول إن الحياة لا تتراجع إلى الوراء.
    أقول أن أخشاب النعش لا تزهر ولا تثمر.
    أقول لكم أن ما تحسبونه بيانا ليس بأكثر من عقم مزركش وسخافة مكلسة.
    أقول أن القيظ في نفوسكم يسيّركم مرغمين إلى مستنقعات الكلم.
    أقول أن الصلابة في قلوبكم تخضعكم إلى الرخاوة في ألسنتكم، والصغارة
    في خيالكم تبيعكم عبيدا من الثرثرة.
    أقول لكم إنه لا ينتهي هذا الجيل إ ّ لا يقوم لكم من أبنائكم وأحفادكم قضاة
    وج ّ لادون.
    أقول لكم إنما الشاعر رسول يبلغ الروح الفرد ما أوحاه إليه الروح العام،
    فإن لم يكن هناك رسالة فليس هناك من شاعر.
    وأقول إنما الكاتب محدّث صادق، فإن لم يكن هناك من حديث صحيح
    مقرون ثابت فليس هناك من كاتب.
    أقول لكم أن النظم والنثر عاطفة وفكر وما زاد على ذلك فخيوط واهية
    وأسلاك متقطعة.
    والآن وقد طلع الفجر، أتحسبون إنني أشكو لغتكم لأبرّر لغتي؟ لا والذي
    جعلني نارا ودخانا بين عيونكم وأنوفكم.
    إن الحياة لا ولن تحاول تبرئة نفسها أمام الموت، والحقيقة لا ولن تشرح
    ذاتها لدى البطل، والقوة لا ولن تقف أمام الضعف، لكم لغتكم ولي لغتي.
    121
    إذن -تسألونني- هل الشعر خيال فقط وتصوير ما ليس كائنا كأّنه كائن؟
    وأنا أسألكم -بدوري– ما هو الفرق بين الحقيقة والخيال، وهل من حدّ
    فاصل بينهما ؟ أنتم واقفون على ربوة تشرف على البحر، تراقبون من هناك كيف
    تبتلع الأمواج سلكا بعد سلك من أشعّة الشمس المنحدرة وبينكم وبين البحر غابة
    محدودة الأطراف من الصنوبر والأرز والسنديان. في أسفل الربوة واد تراكمت
    فيه الصخور بعضها فوق بعض. تجري بينها مدمدمة مياه جدول صغير. وفي
    نهر الذهب المكون من أشعة الشمس المتلاشية ترون باخرة يتصاعد منها عمود
    من الدخان إلى قلب الفضاء. الشمس والبحر والغابة والوادي والباخرة قد اصطفت
    في مخيلتكم بهيئة صورة متناسبة الألوان، والخطوط، قماشها الأفق وإطارها
    الفضاء. الصورة تسحركم بتناسبها ودقة ترتيبها ودهنها وتناسب النور والظل
    فيها. أهي حقيقة أم خيال؟ إذا قلتم حقيقة فاسمحوا لي أن أذكركم بالأفعى التي
    التفت على صخرة بالقرب منكم وقد أمسكت بين ف ّ كيها ضبّا تحاول أن تزدرده
    عشاء يومها. أو بالثعلب الذي انزوى بين الصخور القريبة منكم ودمه يسيل من
    رصاصة أصابته من يد الصياد. أو بالديدان التي تتململ في برك الماء المنتنة في
    الوادي. هي عددتم الأشجار في الغابة وميزتم الأرز من الصنوبر والسنديان من
    البلوط؟ هي رأيتم العوسج المتلف على جذوع هذه الأشجار؟ وبالإجمال هل رأيتم
    كل ما مرت أعينكم فوقه من رأس الرابية إلى خط الأفق وجعلتموه جزءا من
    الصورة التي تتمتعون بجمالها؟ كلا. ولماذا؟ أليست كل هذه التفاصيل جزءا من
    الحقيقة التي أمامكم والتي تتمكنون من رؤيتها لو شئتم؟ - نعم. ولكن صورتكم
    كاملة بدونها، وجمالها في أنها مركبة من جمال المجموع لا تفاصيل الفرد.
    أهي خيال أو وهم إذن؟
    كلا فليست وهما ولا خيالا بل حقيقة محسوسة. أنتم لم تبدعوا الربوة ولا
    الغابة ولا اختلقتم البحر ولا الشمس ولا الفضاء ولا الجدول. كل ذلك رأيتموه
    وشعرتم بوجوده، ولكنكم قد قابلتم وميزتم، ونبذتم واخترتم ثم رتبتم ما اخترتموه
    في نسبة معلومة كانت نتيجتها الصورة التي رسمتها لكم المخيلة. جرى ذاك كّله
    وأنتم لم تغيروا حقيقة الموجودات، لم "تخلقوا" شيئا إنما أخذتم ما وجدتموه في
    122
    الطبيعة فطرحتم منه وزدتم عليه، وبدلتم في ترتيبه حتى حصلتم على ما طلبته
    وأحبته أنفسكم.
    وهكذا يفعل الشاعر. إذا سمعتموه يتغزل بجيل ذهبي، بجيل لا أثر فيه
    للظلم والبغض والفقر والحسد والنزاع والموت، يجيل يسود فيه الحب والعدل
    والإخاء والمساواة وهلمّ جرّا فلا تنعتوه بالجنون والكذب والوهم. هو لم يخلق
    الحب ول يوجد العدل ولا سبّب الفقر ولا قال للموت كن فكان. هو وجد هذه
    الصفات والأحوال في العالم عند زيارته هذا العالم. لكن روحه التي تعشق الجميل
    وتنفر من القبيح قد وضعت هذه الصفات في نسبة جديدة غير التي نراها سائدة في
    حياتنا اليوميّة. وتغيير النسبة هو اختلاق الشاعر الذي ندعوه "خيالا". لكن خيال
    الشاعر حقيقة. والشاعر الذي يستح ّ ق أن يدعى شاعرا لا يكتب ولا يصف إلا ما
    تراه عينه المادية أحيانا قاصرة عن رؤيته. ذاك لا يعني أن الشاعر يقدر أن يدعو
    الأسود أبيض والأحمر أصفر أي أن يعري الأشياء الحقيقية عن مميزاتها الطبيعية
    ويعطيها صفات من عنده داعيا ذاك "خيالا". كلا. وهذا كل الفرق بين الشارع
    والشعرور. الشاعر لا يصف إلا ما يدركه بحواسّه الجسدية أو يلامسه بروحه.
    لسانه يتكّلم من فضلة قلبه. أما الشعرور فيحاول أن يقنعنا أّنه حلم أحلاما نحن
    نعلم علم اليقين أنها لم تمر له برأس لا في النوم ولا في اليقظة، ويصف لنا
    عواطف لم يشعر بمثلها لا بشر ولا جنّ ولا ملاك من أول وجود هذا العالم حتى
    اليوم. لذاك تهزنا أشعار الأول فنحفظها ونرددها، وتضحكنا "قصائد" الثاني
    فنضرب بها عرض الحائط.
    وما هي الغاية من الشعر؟
    قوم يقولون: إن غاية الشعر محصورة فيه ولا يجب أن تتعداه (الفن لأجل
    الفن)، وآخرون: إن الشعر يجب أن يكون خادما لحاجات الإنسانية وإّنه زخرفة لا
    ثمن لها إذا قصر عن هذه المهمة. ولهذين المذهبين تاريخ طويل لا نقدر أن نأتي
    به هنا، ولا غاية لنا أن نبحث في حسنات كل منهما وسيئاته. إنما نكتفي أن نقول
    إن الشاعر لا يجب أن يكون عبد زمانه ورهين إرادة قومه، ينظم ما يطلبون منه
    فقط ويفوه بما يروقهم سماعه. وإذا كان هذا ما يعنيه أصحاب المذهب الأول فلا
    123
    شكّ أنهم مصيبون. لكننا نعتقد في الوقت نفسه أن الشاعر لا يجب أن يطبق عينيه
    ويصم أذنيه عن حاجات الحياة وينظم ما توحيه إليه نفسه فقط سواء كان لخير
    العالم أو لويله. وما دام الشاعر يستمدّ غذاء لقريحته من الحياة فهو لا يقدر –حتى
    لو حاول ذلك- إلا أن يعكس أشعّة تلك الحياة في أشعاره فيندّد هنا ويمدح هناك
    ويكرز هنالك. لذاك يقال إن الشاعر ابن زمانه، وذاك صحيح في أكثر الأحوال إن
    لم يكن في كلها.
    والآن بعد أن بحثنا، ولو سطحيّا، في الشعر، لنقف ونسأل- من هو
    الشاعر؟ الشاعر نبي وفيلسوف ومصور وموسيقي وكاهن. نبي- لأّنه يرى بعينه
    الروحيّة ما لا يراه كل بشر.ومصور- لأّنه يقدر أن يسكب ما يراه ويسمعه في
    قوالب جميلة من صور الكلام. وموسيقي- لأّنه يسمع أصواًتا متوازية حيث لا
    نسمع نحن سوى هدير وجعجة. العالم كله عنده ليس سوى آلة موسيقية عظيمة
    تنقر على أوتارها أصابع الجمال وتنقل ألحانها نسمات الحكمة الأبدية. هو يسمع
    موسيقى في ترنيمة العصفور وولولة العاصفة، وزئير الّلجة وخرير الساقية، ولثغ
    الطفل وهذيان الشيخ. فالحياة كلها عنده ليست سوى ترنيمة- محزنة أو مطربة
    يسمعها كيفما انقلب. لذاك يعبّر عنها بعبارات موزونة رّنانة. الوزن والتناسب في
    الطبيعة أخوان لا ينفصلان وبغيرهما "لم يكن شيء ممّا كوّن". والشاعر الذي
    تعانق روحه روح الكون يدرك هذه الحقيقة أكثر من سواه. لذاك نراه يصوغ
    أفكاره وعواطفه في كلام موزون منتظم. الوزن ضروري أما القافية فليست من
    ضروريات الشعر لا سيما إذا كانت كالقافية العربيّة برويّ واحد يلزمها في كلّ
    القصيدة. عندنا اليوم جمهور من الشعراء يكرزون "بالشعر المطلق" ولكن سواء
    وافقنا "والت هويتمان" وأتباعه أم لا فلا مناص لنا من الاعتراف بأن القافية
    العربيّة السائدة إلى اليوم ليست سوى قيد من حديد نربط به قرائح شعرائنا- وقد
    حان تحطيمه من زمان.
    وأخيرا –الشاعر كاهن لأّنه يخدم إّلها هو الحقيقة والجمال. هذا الآلهة
    يظهر له في أزياء مختلفة وأحوال متنوعة. لكنه يعرفه أينما رآه ويقدم له تسابيح
    حيثما أحست روحه بوجوده. يراه في الزهرة الذاوية والزهرة الناضرة. يراه في
    124
    حمرة وجنة الفتاة وفي اصفرار وجه الميت. يراه في السماء الزرقاء والسماء
    المتّلبدة بالغيوم، في ضجة النهار وسكينة الليل. وبالاختصار إن روح الشاعر
    تسمع دقات أنباض الحياة وقلبه يردد صداها ولسانه يتكلم "بفضله قلبه". تتأثر نفسه
    من مشهد يراه أو نغمة يسمعها فتتولد في رأسه أفكار ترافقه في الحلم واليقظة
    فتمتلك كل جارحة من جوارحه حتى تصبح حملا يطلب التخلص منه. وهنا يرى
    نفسه مدفوعا إلى القلم ليفسح مجالا لكلّ ما يجيش في صدره من الانفعالات وفي
    رئسه من التصورات ولا يستريح تماما حتى يأتي على آخر قافية فيقف هناك
    وينظر إلى ما سال من بين شفرتي قلمه كما تنظر الأم إلى الطفل الذي سقط من
    بين أحشائها. أمامه فلذة من ذاته وقسم من كيانه.
    الشاعر-ونعني به الشاعر لا "الن ّ ظام"- لا يأخذ القلم في يده مدفوعا بعامل
    داخلي لا سلطة له فوقه. فهو عبد من هذا القبيل. لكنه سلطان مطلق عندما يجلس
    لينحت لإحساساته وأفكاره تماثيل من الألفاظ والقوافي لأّنه يختار منها. فيختار
    الأحسن إذا كان من المجيدين أو ما دون ذلك بالتدريج حسب قواه الفنية والأدبية،
    أما "النظام " فيأخذ قلما وقرطاسا ثم يبدأ بوخز دماغه وقريحته عّله يتمكن من أن
    يهيجهما ولو قليلا. غايته لا أن يترجم عن عواطف أو أن يعبّر عن أفكار بل أن
    "ينظم قصيدة". لذاك إذا خدعنا هذا بطلاوة نسقه فلا يطول أن نكشف تصّنعه
    وخداعه فننساه وننسى قصيدته. أما الشاعر الذي يسقي قلمه من قلب طافح وروح
    هائجة فربما لا نفهمه اليوم ولا نهتم به، لكن لا بدّ أن نفيق غدا وندرك هفوتنا لأن
    الجمال- كالشمس –لا يختفي. وحينئذ نسرع لنكفر عن إساءتنا إلى ذاك الشاعر
    ولو بعد موته. فنعلي مقامه ونقيم له التماثيل إن لم يكن على ملتقى الطرق أو في
    ساحات المدن ففي قلوب تختلج عند مطالعة ما جاد به قلمه. هذا ما جرى لشكسبير
    وكثيرين سواه من كبار الشعراء والكّتاب. لكن شكسبير لم يمت ولن يموت. أما
    ألوف "الن ّ ظامين" الذي حازوا شهرة وقتيّة عن غير استحقاق فلا نسمع بهم ولا
    نذكرهم، وإذا ذكرناهم فعلى سبيل التفكهة فقط.
    يولد أكثرنا وفيه ميل فطري إلى الشعر. والشباب هو قصيدة الحياة
    وربيعها، الذي تنبثق فيه قوى الروح وقوى الجسد من بين أكمام الصبا والذي
    125
    يحرك فينا هذا الميل فتتوهّم أننا شعراء ونبدأ نحلم بشهرة الشعراء العظام. نأخذ
    القلم و"ننظم" ونحسب كل قافية يجود علينا بها القاموس "درة قبل تناولي الَقَلمَ لأخ ّ ط
    هذه السطور ساءلت نفسي: "هل من جدوى" ونظرت من شرفة حجرتي إلى
    الأمواج الضّاحكة في هذا اليوم الجميل وسمعت عتابها الدائم وحديثها الملهم
    والناسُ عن نجواها وعن حديثها وعن إلهامها وبّثها غافلون... فقلت في
    نفسي:"كّلنا أبناءُ هذه (الطبيعة) الكريمة التي تحنّ بأبوّتها وأمومتها المشتركة إلينا
    كما نحنّ غالبا إليها، وتحاول أن تتفاهم معنا فيصغي إليها بعضنا وينجح بعض
    النجاح أو كّله في مواقف، بينما يبقى سرّها بل وجهرها لغزا مكتوما عنا كما كان
    عن الأجيال السالفة وكما سيبقى لأجيال طويلة... فمن برّ البنوة أن أحاول
    التخاطب معها والترجمة لبعض حديثها إقرارا بتقدير لها وعرفانا لجميلها عليّ
    وإرشادا لأخوتي في الجنسية والإنسانية. أجل، هذا فرض على كلّ من يشعر
    بالقدرة على أدائه، ولكني لا أشعر بهذه القدرة وإنما أشعر بحنان لا يُرَدُّ نحو هذه
    الطبيعة الجميلة الرائعة، وبحاجة إلى التعبير عن هذا الحنان، وعن بيان أسبابه
    ومبعث إلهامه. وقد اخفق في محاولة التعبير، ولكن عليّ بأيّ حال واجب أدائه.
    وقبلا حاول بعض المجتهدين ترجمة (القرآن) الكريم حبّا في نشر فضيلته
    وتعليمه السّامية فأخفقوا إجمالا ومع ذلك أفادوا، فليكن لي في أمثلة شجاعتهم
    وجهدهم عزاء ومشجّع...".
    بمثل هذه الخواطر شجّعت نفسي على تناول القلم الذي يجري مدادُهُ بهذه
    الكلمات...إني أوقن أن الكون في تحول مستمر، وأنّ الفكر الإنساني في تبدّل
    وتطوّر، وإن ما نراه حسنا الآن قد لا يرضى عنه جيل مقبل كما أننا لم نرض عن
    كثير مما استحسنه أسلافنا، ولكنّ كلّ هذا لا يعني أنّ جهدنا عديم الجدوى، ولن
    يطالبنا العقل بأكثر من الوفاء لعصرنا الحاضر خاصة ولجوهر الفكر الإنساني
    عامة. فللأقل إذن كلمتي هذه تلبية لدعوة صديقي الّناشر حتى أتحمل وحدي عيوب
    العجز الذي لم يتجرّد عنه نظيمي.
    126
    ما هو الشعر؟
    ال ّ شعر في رأيي هو تعبير الحنان بين الحواس والطبيعة. هو لغة الجاذبيّة
    وان تنوّع بيانها. هو أوجدي الأصل في المنشأ والغاية وصفا وغزلا ومداعبة
    ورثاء ووعظا وقصصا وتمثيلا وفلسفة وتصويرا، فإن مبعثه التفاعل بين الحواس
    ومؤثرات الطبيعة، وغايته العزاء والاحتماءُ بهذه الطبيعة، وإن تضمّن أحيانا
    الغضب والسخط، وما هو إ ّ لا غضب الأطفال الصغار.
    وقد يجوز أن نعرّفه مادّيا بأنه الجرافيك لنبض الحياة وسكونها كنظير
    المسجّل لدقات القلب، أو كدليل البيانو الاوتوماتيكي تتحول سطوره المثقوبة إلى
    نغمات، وكذلك الشعر يتحوّل في النفس إلى صورة منشئة من عواطف وفلسفة.
    الحياة بأسرها مجموعة تفاعيل كيماوية حيويّة متشبّعة بالتموجات
    الكهربائية المنتظة، والشعر منظوما كان أو منثورا يحوي جرثومة هذه الحياة لأنّ
    فيه ذخر الكثير من أسرارها، وأكثر طربنا للشعر المنظوم لأنه جامع بين فلسفة
    الحياة وطرف من تموّجاتها بأوزانها، فنحنّ بالغريزة إليه كما نحنّ إلى الموسيقى
    الفنيّة، وكأن كليهما صورة من حياة تجذبنا بورنقها والهامها، ونحنّ إلى غناء
    الطيور المغرّدة حنين الشعر إلى الشعر!
    الغرض من الشعر وتدوينه:
    الأصل في ال ّ شعر كما قدّمت أن يكون تعبيرا غريزيا للتفاعل ما بين حواس
    الإنسان والطبيعة ولا يزال لهذا الشعر أمثلة جميلة تأتي عفوا في أحاديثنا وكتابتنا،
    وفي الشعر المرتجل الذي ينطق به اللسان على الفور أمام مشهد مؤثر أو بدافع
    وجدانيّ قويّ. ويسمّى هذا الشعر خطأ بشعر الإلهام، وما هو إ ّ لا شعر الفطرة
    الصادقة، فما الإلهام سوى أثر الخبرة والعرفان والمواهب في الّذهن، ولا شأن له
    بأعجوبة ملكية أو شيطانية، ولا بالوحي المزعوم.
    ولمّا أخذ الإنسان بأسباب الحضارة أدرك تدريجيا قيمة ال ّ شعر كعامل من
    عوامل القوّة لما تبيّنه من أثره الفعّال في النفوس، فاستخدمه في مآرب شتى لخدمة
    الحياة اختلفت سموا وانحطاطا حسب الأجيال والأوساط والبيئات.
    127
    فأسمى ما بلغه الشعر أخيرا من غرض إنما هو درس الحياة وتحليلها
    وبحثها وإذاعة خيرها ومكافحة شرّها، وهو غرض نبيل جامع وإن تكيف بصور
    شتى، فقد يظهر في لباس الانسانية العامة، أو في لباس الجامعة القومية، أو
    الجامعة الدينية أو غير ذلك. ومن المعقول أن يجمع بين لباسين فأكثر، وأن يوفق
    ما بين تناقضها الموهوم، وأن يكون رسول السّلام ونصير الاصلاح والنهوض.
    هذا هو الغرض الأسمى الذي بلغه ال ّ شعر عامة في جيلنا الحاضر في أرقى
    مواطنه، ولن تجده قرين اللهو المحض فإن وجدته فحاسب ظّنك تر أّنه مبجّل الفنّ
    الذي تحسبه لهوًا، أو معبّر عن إحدى العواطف الانسانية الدقيقة المحيّرة أو
    فيلسوف باحث يتّلمس الحكمة ويفّتش عنها في جميع مخابئها.
    ولقد أصبح الشعر يُعَدّ أهمّ أركان الأدب الّلباب، ومنزلته من الّتبجيل مقترنة
    بغرضه الجليل، فمن الأمانة أن لا نغفل هذا التعريف حينما نب ّ ث روح الشعر في
    الشعر في نفوس المتأدبين، حتى نحفظ للشعر مرتبته الممتازة، وحتى نوجهه دائما
    إلى أشرف الغايات.
    وقد عني الانسان بتدوين ال ّ شعر منذ استطاع التدوين وبحفظه وروايته قبل
    ذلك كما يحدثنا التاريخ، ولو تأمّلنا لما أدهشتنا هذه االعناية إذا سلمنا بأنّ الشعر
    مثل من الحياة وأنواع من مقاييسها فهو قطع جّذابة من الإنسانية الفكرية تغار
    عليها وتودّ لها البقاء بحكم الغريزة المقرونة بحبّ البقاء. ولذلك أعتقد أنه ما من
    شعر يخلو من حسن، وانّ جحود حسنات ال ّ شعر بحكم الّتحاسد والمناظرة عاطفة
    غير شريفة وغير طبيعة، وذلك إذا اعتبرنا أنّ من خير أحكام الطبيعة تشجيع
    الصالح ونصرته والاعتراف برتبته.
    صفات الشاعر:
    غير مستكثر في نظري إذا عدّ كلّ شاعر (بالمعنى الأكمل) رسولا في
    قومه. فالشاعر بفطرته-ولا مجال لفخر بما هو من صنع الطبيعة- يجب أن يكون
    حَسّاسا، سريع الّتلبية، يقدّر مسؤوليته العامة ويقوم بأعبائها. وبدهي أنّ الطبع
    كثيرا ما يأتي من التطبع كما يأتي عادة من الفطرة، فخليق بال ّ شاعر أن يكون أوّل
    ناقد لنفسه وأن يزن بنفسه حسناته وعيوبه، وأن يكون المهّذب الأوّل لموهبه
    128
    ووجدانه، ثم يقوم بأداء رسالته. وفي الحياة من شتى المقاصد المجدية ومن
    الأساليب للدعوة والأداء ما يسع جهود الكثيرين، وإّنه لفقير ومسكين ذلك المجتمع
    الذي يغنى بشعراء معدودين وتكسد فيه سوق الأدب عامة!!
    معقول أن ينشد الشاعر العامل البصير بمسؤولياته منزلة ال ّ شهرة حتى
    يصغي الجمهور إليه، فلا تذهب صيحته وجهده سُدًى ولكّنه غير مشرّف وغير
    معقول أن يتصدّى لغيره ويحرمه من نظيرة هذه الشهرة، وليس من الأمانة في
    شيء أن يستغلّ هذه الشهرة- متى بلغها- في سبيل مجده ال ّ شخصي الزائل، بدل
    المجد الفّني الخالد، كأنما يتوهّم أنّ الموت سيخطئه، أو أنه أسمى من ترجمان إذا
    ضاعت أمانته وزالت الّثقة به تزعزعت منزلته ثم تهدّمت... فتتبع ذلك للأسف
    الوافر-الإساءة للأدب نفسه، بإصغار الناس لمن كانوا يتصدّرون مجلسه من
    ط ّ لاب المجد الشخصي.
    بيان الشاعر:
    إذا كان الشاعر رسول قومه حقا فيجب عليه حتما أن يكون بيانه من
    بيانهم، ومها تأّنق في تعبيره فيجب أن لا يرتفع صوته فوق مستوى آذانهم
    ومداركهم، وإلا كان غريبا عنهم، ولم يرض عنه لا خاصّتهم ولا عامّتهم.
    129
    المساء
    ( خليل مطران (المتوّفى سنة 1949
    داء ألمّ فخلت فيه شفائي من صبوتي فتضاعفت برجائي
    يا للضعيفين استبدا بي وما في الظلم مثل تح ّ كم الضعفاء
    قلب أذابته الصبابة والجوى وغلالة رّثت من الأدواء
    والروح بينهما نسيم تنهّد في حالي التصويب والصّعداء
    والعقل كالمصباح يغشى نوره كدر ويضعفه نضوب دمائي....
    ***
    إّني أقمت على التعّلة بالمنى في غربة قالوا تكون دوائي
    إن يشف هذا الجسم طيب هوائها أيل ّ طف النيران طيب هواء؟
    عبث طوافي في البلاد وعّلة في عّلة منفاي لاستشفاء
    متفرّد بصبابتي، متفرّد بكآبتي، متفرّد بعنائي
    شاك إلى البحر اضطراب خواطري فيجيبني برياحه الهوجاء
    ينتابها موج كموج مكارهي ويفّتها كالسقم في أعضائي
    والبحر خفاق الجوابن ضائق كمدا كصدري ساعة الإمساء
    تغشى البريّة كدرة وكأّنها صعدت إلى عينيّ من أحشائي
    ***
    يا للغروب وما به من عبرة للمستهام وعبرة للرائي
    أو ليس نزعا للنهار وصرعة للشمس بين مآتم الأضواء؟
    أو ليس طمسا لليقين ومبعثا للشك بين غلائل الظلماء؟
    حّتى يكون النور تجديدا لها ويكون شبه البعث عود ذكار
    ***
    ولقد ذكرتك والنهار مودّع والقلب بين مهابة ورجاء
    وخواطري تبدو تجاه نواظري كلمى كدامية السحاب إزائي
    والدمع من جفني يسيل مشعشعا بسنا الشعاع الغارب المترائي
    130
    الشمس في شفق يسيل نضاره فوق العقيق على ذرى سوداء
    مرت خلال غمامتين تحدّرا وتقطرت كالدمعة الحمراء
    فكأنّ آخر دمعة للكون قد مزجت بآخر أدمعي لرثائي
    وكأّنني آنست يومي زائلا فرأيت في المرآة كيف مسائي
    . ديوان الخليل – القاهرة 1949
    131
    الحسن مرآة الطبيعة
    ( عبد الرحمان شكري (المتوّفى سنة 1958
    قم بنا نعشق النجوم حبيبي أوشك الليل جنحه أن يزولا
    قم بنا نخلس الزهور من الح ب ونسقي الرحيق والسلسبيلا
    وأرى البدر فوق وجهك يا بد ر نعيما جمّا وحسنا صقيلا
    قم بنا نعشق الحياة حبيبي لا تدعني متيّما مخذولا
    أنت مرآة ما يجيء به الكون ن من الحسن بكرة وأصيلا
    فأرى في الصباح منك ضياء وأرى في المساء منك ذبولا
    وأرى فيك للظهيرة حرّا وفتورا لذا وظ ّ لا ظليلا
    وأرى فيك نسمة كليالي ال صيف حين النسيم يسعى عليلا
    وأرى منك في الخريف شبيها ثمرا يانعا وزهرا جميلا
    كم جميل يزهى بحسن عميم حجب الموت لحظه أن يصولا
    ذو بهاء ونضرة وضياء منع الموت أمره أن يطولا
    أكلته الديدان ميتا وقد كا ن يعاف العناق والتقبيلا
    هكذا سّنة الردى وقديما أهلك الناس نشأهم والكهولا
    ديوان عبد الرحمان شكري
    الإسكندرية 1960
    الجزء الثالث
    132
    أغنية الليل
    ( جبران خليل جبران (المتوّفى سنة 1931
    سكن الليل، وفي ثوب السكون تختبي الأحلام
    وسعى البدر وللبدر عيون ترصد الأيّام
    فتعالي يا ابنة الحقل نزور كرمة العشاق
    عّلنا نطفي بذياك العصير حرق الأشواق
    ***
    اسمعي البلبل ما بين الحقول يسكب الألحان
    في فضاء نفخت فيه التلول نسمة الريحان
    ***
    لا تخافي، يا فتاتي، فالنجوم تكتم الأخبار
    وضباب الليل في تلك الكروم يحجب الأسرار
    ***
    لا تخافي، فعروس الجنّ في كهفها المسحور
    هجعت سكرى وكادت تختفي عن عيون الحور
    ***
    ومليك الجنّ إن مرّ يروح والهوى بثنيه
    فهو مثل عاشق كيف يبوح بالذي يضنيه؟
    البدائع والطرائف
    .135- تونس 134 ،1990
    133
    أوراق الخريف
    ( ميخائيل نعيمة (المتوّفى سنة 1987
    تناثري تناثري يا بهجة النظر
    يا مرقص الشمس ويا أرجوحة القمر
    يا أرغن الليل ويا قيثارة السحر
    يا رمز فكر حائر ورسم روح ثائر
    يا ذكر مجد غابر قد عافك الشجر
    تناثري، تناثري
    تعانقي وعائقي أشباح ما مضى
    وزوّدي أنظارك من طلعة الفضا
    هيهات أن، هيهات أن يعود ما انقضى
    وبعد أن تفارقي أتراب عهد سابق
    سيري بقلب خافق في موكب القضا
    تعانقي، تعانقي
    سيري ولا تعاتبي لا ينفع العتاب
    ولا تلومي الغصن والرياح والسحاب
    فهي إذا خاطبتها لا تحسن الجواب
    والدهر ذو العجائب وباعث النوائب
    وخانق الرغائب لا يفهم الخطاب
    سيري ولا تعاتبي
    عودي إلى حضن الثرى وجدّدي العهود
    وانسي جمالا قد ذوى ما كان لن يعود
    كم أزهرت من قبلك وكم ذوت ورود
    فلا تخافي ما جرى ولا تلومي القدرا
    من قد أضاع جوهرا يلقاه في اللحود
    عودي إلى حضن الثرى
    .49- همس الجفون – ط 47 ،5
    134
    خيمة الناطور
    ( رشيد أيّوب (المتوّفى سنة 1941
    لظلام الليل فضل في الحياة مثلما للنور
    أين لولا الليل حسن النيرات أيّها المغرور؟
    فخذ الدنيا وما فيها وهات خيمة الناطور
    حيث أدنو في ليالي الطوال من حمى الإلهام
    وترى عيناي في أرض الخيال روضة الأحلام
    إنّ عهدي بالسهى للعاشقين منهلا مورود
    يا بنات النعش أسعفن حزين حظه مفقود
    هائما يقضي الليالي يستعين بابنة العنقود
    فهو صبّ مذ قضى دور الغرام عاش بالتذكار
    وإذا ما جّنه داجي الظلام أنشد الأشعار
    هينمي يا ريح من فوق القبور لا يعي الوسنان
    واخفقي ما شئت من فوق القصور صمت الآذان
    ليس يدري غير أصحاب الشعور حرقة الولهان
    هذه الدنيا فخذها يا عني واملك المعمور
    أنا لو خيّرت منها فاعطني خيمة الناطور
    يا لنفس في الهوى ما برحت تذكر الأحزان
    تلك أيّام الصبا قد نزحت ومضت أزمان
    وإذا الخمسون مرّت رجّحت كّفة النسيان
    فتعالي هوذا درب الصواب خيمة الناظور
    وابشري يا نفس في حسن الثواب عند نفخ الصور
    أغاني الدرويش
    .110- بيروت 106 ،1959
    135
    من نحن ؟
    ( نسيب عريضة (المتوّفى سنة 1946
    أبت ليالينا الطرب واستوحشت أيّامنا
    والعمر وّلى وذهب ولم ننل منه المنى
    همنا بربّات الحجال فما قنعنا بالصور
    وكم ظفرنا بالوصال فلم نجد فيه الوطر
    من نحن؟ هل نحن بشر نحيا ونمضي حالمين
    أم نحن من طين الضجر لسنا كباقي العالمين
    سارت قوافل الأمل ونحن في القفر هجود
    وغادرتنا في الطلل نبحث عمّا لا يعود
    هل نحن ظلّ قد ثوى والدوح وّلى وغبر
    أو نحن في الأرض نوى قد نبذت بعد الثمر
    آمالنا مثل الرمال عطشى وتسقيها البحار
    يخلقها ليل الخيال يمحقها نور النهار
    أدار في القوم الكؤوس لمّا رآنا نائمين
    ساقي سعود ونحوس فما برحنا ظامئين
    من نحن؟ لسنا كالملا ولا نبالي بالعجاب
    لا نظهر الشكوى ولا لنا على الدهر عتاب
    ذاقت على نطع الشقا أرواحنا ما لا يطاق
    فلا نبالي باللقا ولا نبالي بالفراق
    الجسم من عجز خضع والروح ما زالت تثور
    تنضو سلاحا ما قطع على عدوّ لا يخور
    الشمس مالت للغروب لا بأس فليأت الظلام
    طوبى لقلب في القلوب يرجو من الليل مرام
    سيان صبح ودجى عند الذي عاف العيان
    سيان يأس ورجا عند الذي ملّ الزمان
    . الأرواح الحائرة، 151
    136
    النهاية
    نسيب عريضة
    كّفنوه
    وادفنوه
    أسكنوه
    هوّة اللحد العميق
    واذهبوا لا تندبوه
    فهو شعب ميّت ليس يفيق
    ذّللوه
    قّتلوه
    حمّلوه
    فوق ما كان يطيق
    حمل الذلّ بصبر من دهور
    فهو في الّذل عريق
    هتك عرض
    نهب أرض
    شن ُ ق بعض
    لم تحرّك َ غضَبَهْ
    فلماذا نذرف الدّمع جزافا ؟
    ليس تحيا الحطبهْ
    137
    لا وربّي
    ما لشعب
    دون قلب
    غير موت من هبَهْ
    فدعوا التاريخ يطوي سفر ضعف
    ويصّفى كتبه
    ولنتاجر
    في المهاجر
    ولنفاخر
    بمزايانا الحسان
    ما علينا إنْ قضى الشعب جميعا
    أفلسنا في أمان؟
    ربّ ثار
    ربّ عار
    ربّ نار
    حرّكت قلب الجبان
    كّلها فينا، ولكنْ
    لم نحرّكْ ساكًنا إ ّ لا اللسانْ
    *(الأرواح الحائرة) 65
    199- في (الشعر العربي في المهجر) 198
    138
    خواطر الغروب
    ( إبراهيم ناجي (المتوّفى سنة 1953
    قلت للبحر إذ وقفت مساء
    كم أطل ُ ت الوقو َ ف والإصغاءَ
    وجعل ُ ت النسيمَ زادا لروحي
    وشرب ُ ت الظلال والأضواءَ
    وكأنّ الألوانَ مختلفات
    جعلت منك روضً ة غناءَ
    مرّ بي عطرُها فاسكر نفسي
    وسرى في جوانحي كيف شاءَ
    وكأّني أرى بعين خيالي
    ساحر المقلتين يغضي حياء
    وكأنّ الوجود لم يحوِ إ ّ لا
    حسنه والطبيعة الحسناء
    نشوة لم ت ُ طلْ صحا القلب منها
    مثلما كان أو أشدَّ عناءَ
    إّنما يفهم الشبيه شبيهّا
    أيّها البحر نحن لسنا سواءَ
    أنت عاتٍ ونحن حرب الليالي
    مزّقْتنا وصيّرْتنا هباءَ
    أنت باق ونحن كالزبد الذا
    هب يعلو حينا ويمضي جفاءَ
    وعجيب إليك يمّمت وجهي
    إذ مللت الحياَة والأحياء
    139
    أبتغي عند التأسّي وما تم
    لك ردّا وما تجيب نداءَ
    كلّ يوم تساؤل ليت شعري
    من ينبّي فيحسن الإنباءَ
    ما تقول الأمواج ما آلم ال
    شمس فراح ْ ت حزين ً ة صفراءَ
    تركتنا وخلّف ْ ت ليل شكّ
    أبديّ والظلمة الخرساءَ
    وكأنّ القضاء يسخر مّني
    حين أبكي وما عرف ُ ت البكاءَ
    ويح دمعي وويح ذّلة نفسي
    لم تدع لي أحداُثه كبرياءَ
    87- *(وراء الغمام) 85
    140
    النيل
    محمود حسن اسماعيل
    مسافر زاده الخيال والسحر والعطر والظلال
    ظمآن والخمر في يديه والحبّ والفنّ والجمال
    شابت على أرضه الليالي وضيعت عمرها الجبال
    ولم يزل يطلب الديارا
    ويسأل الليل والنهارا
    والناس من حوله سكارى هاموا على أفقه الرحيب
    آه على سرّك الرهيب وموجك التائه الغريب
    يا نيل يا ساحر الغيوب
    متوّج أنت في الروابي بلا عروش ولا قباب
    كم راحت الشممس في ضحاها تعُبُّ ممن نورك المذاب
    وأنجم الليل كم طواها هواك في خيمة العباب
    وكم قويّ إليك شعارا
    بموكب أيقظ الصحاري
    رددت ركباَنه حيارى وأنت في مهدك الرطيب
    آه على حلمك العجيب والموج نعسان في المغيب
    يا نيلُ يا ساحرَ الغبوبِ
    سمعت في ش ّ طك الجميل ما قالت الريح للنخيل
    يسبّح الطير أم يغّني ويشرح الحبّ للخميل
    وأغصنّ تلك أم صبايا شربن من خمرة الأصيل؟
    وزورق بالحنين ثارا
    أم هذه فرحة العذاري؟
    تجري وُتجري هواك نارا حملت من سحرها نصيبي
    وطفت حيران باللهيب فلم تدعني بلا حبيب
    141
    يا نيل يا ساحر الغيوب
    يا واهب الخلد للزمان يا ساقي الشعر والأغاني
    هات اسقني واسقني ودعني أهيم كالطير في الجنان
    يا ليتني موج ً ة وأحكي إلى لياليك ما شجاني
    وأغتدي للرياح جارا
    وأحمل النور للحيارى
    فإن كواني الهوى وطارا كانت رياح الدجى طبيبي
    آه على سرّك الرهيب وموجك التائه الغريب
    يا نيل يا ساحر الغيوب
    *(أين العفوّ؟) القاهرة 1947
    124- في جعفر ماجد (كتاب المعاني والمغاني) تونس 123 ،1990
    142
    الجندول
    علي محمود طه
    أين من عينيّ هاتيك المجالي يا عروس البحر يا حلم الخيال
    أين عشاقك سمار الليالي أين من واديك يا مهد الجمال
    موكب الغيد وعيد الكرنفال وسرى الجندول في عرض القنال؟
    بين كأس يتشهّى الكرم خمره
    وحبيب يتمّنى الكأس ثغره
    التقت عيني به أوّل مره
    فعرفت الحبّ من أوّل نظره
    أين من عينيّ هاتيك المجالي يا عروس البحر يا حلم الخيال؟
    مرّ بي مستضحكا في قرب ساقي يمزج الراح بأقداح رقاق
    قد قصدناه على غير اتفاق فنظرنا وابتسمنا للتلاقي
    وهو يستهدي على المرفق زهره
    ويسوّي بيد الفتنة شعره
    حين مسّت شفتي أوّل قطره
    خلته ذوّب في كأسي عطره
    أين من عينيّ هاتيك المجالي يا عروس البحر يا حلم الخيال؟
    ذهبّي الشعر، شرقيّ السمات مرح الأعطاف، حلو اللفتات
    كّلما قلت له خذ، قال هات يا حبيب الروح، يا أنس الحياة
    أنا من ضيّع في الأوهام عمره
    نسي التاريخ أو أنسي ذكره
    غير يوم لم يعد يذكر غيره
    يوم أن قابلته أوّل مره
    أين من عينيّ هاتيك المجالي يا عروس البحر يا حلم الخيال؟
    قال من أين وأصغى ورنا قلت من مصر، غريب ههنا
    143
    قال إن كنت غريبا فأنا لم تكن فينيسيا لي موطنا
    أين مّني الآن أحلام البحيره
    وسماء كست الشطآن نضره
    منزلي منها على قمّة صخره
    ذات عين من معين الماء ثره؟
    أين من فارسوفيا تلك المجالي يا عروس البحر يا حلم الخيال؟
    قلت والنشوة تسري في لساني هاجت الذكرى، فأين الهرمان؟
    أين وادي السحر صدّاح المغاني؟ أين ماء النيل؟ أين الضّفتان؟
    آه لو كنت معي نختال عبره
    بشراع تسبح الأنجم إثره
    حيث يروي الموج في أرخم نبره
    حلم ليل من لياي كليوباتره
    أين من عينيّ هاتيك المجالي يا عروس البحر يا حلم الخيال؟
    أيّها الم ّ لاح قف بين الجسور فتنة الدنيا وأحلام الدهور
    صّفق الموج لولدان وحور يغرقون الليل في ينبوع نور
    ما ترى الأغيد وضّاء الأسره
    د ّ ق بالساق وقد أسلم صدره
    لمحبّ ل ّ ف بالساعد خصره؟
    ليت هذا الليل لا يطلع فجره
    أين من عينيّ هاتيك المجالي يا عروس البحر يا حلم الخيال؟
    رقص الجندول كالنجم الوضيّ فأشدّ يا م ّ لاح بالصوت الشجيّ
    وترّنم بالنشيد الوثني هذه الليلة حلم العبقريّ
    شاعت الفرحة فيها والمسرّه
    وجلا الحبّ على الع ّ شاق سرّه
    يمنة مل بي على الماء ويسره
    إنّ للجندول تحت الليل سحره
    144
    أين يا فينيسيا تلك المجالي أين عشاقك سمّار الليالي
    أين من عينيّ يا مهد الجمال موكب الغيد وعيد الكرنفال
    يا عروس البحر، يا حلم الخيال؟
    1938
    145
    الوجدان المضطرب
    ( أحمد فتحي (المتوّفي سنة 1960
    نوحي على قلق الغصون ورجّعي يا طير آهات الفؤاد الموجع
    واستودعي الألحان من حرق النوى وشجونه ما شئت أن تستودعي
    وترّفقي في الشجو، دونك موجع أضناه فرط السقم حّتى لا يعي
    فلعلّ ما بك بعض ما بي من شجّى وأسيف جمعك من أسيف مدامعي
    وأنا الفتى اللهفان جانبني الحجا واستلّ قلبي من حنايا أضلعي
    فلقد منحت الودّ قوما لم أزل منهم على مثل الطيوف الخدع
    إن عاهدوا نكثوا موّثق عهدهم أو صادقوا فلباقة المتصّنع
    يتهافتون على الغنيّ بماله ويهّللون لكلّ مأفون دعي
    خيلاؤهم زيف وصوت فخارهم إن قيس لا يعدو نقيق الضفدع
    **************
    أصبحت لا أدري إلام يطول بي شجني ولا حّتام تهرق أدمعي...
    عمري قضيت وما أصبت سوى مني تقضي ولمّا أقض منها مطمعي
    أبكي شقاء التاعسين ولم أزل أشتاق من بؤسي إلى الباكي معي
    . • مجّلة (أبولو)، أفريل 1934
    .31- في صالح جودت (شاعر الكرنك أحمد فتحي)، القاهرة 30 ،1973
    146
    الوجدان المضطرب
    ( أبو القاسم الشابّي (المتوّفي سنة 1934
    كم من عهود عذبة في عدوة الوادي النضير
    فضيّة الأسحار، مذهبة الأصائل والبكور
    كانت أر ّ ق من الزهور، ومن أغاريد الطيور
    وألّذ من سحر الصبا في بسمة الطفل الغرير
    قضيّتها ومعي الحبيبة لا رقيب ولا نذير
    إ ّ لا الطفولة حولنا تلهو مع الحبّ الصغير
    أيّام كانت للحياة حلاوة الروض المطير
    وطهارة الموج الجميل وسحر شاطئه المنير
    ووداعة العصفور بين جداول الماء النمير
    أيّام لم نعرف من الدنيا سوى مرح السرور
    وتتبّع النحل الأنيق، وقطف تيجان الزهور
    وتسّلق الجبل المكّلل بالصنوبر والصخور
    وبناء أكواخ الطفولة تحت أعشاش الطيور
    مسقوفة بالورد، والأعشاب، والورق النضير
    نبني، فتهدمها الرياح، فلا نضجّ ولا نثور
    ونعود نضحك للمروج، وللزنابق، والغدير
    ونخاطب الأصداء وهي تر ّ ف في الوادي المنير
    ونعيد أغنية السواقي، وهي تلغو بالخرير
    ونظلّ نركض خلف أسراب الفراش المستطير
    ونمرّ ما بين المروج الخضر، في سكر الشعور
    نشدو، ونرقص -كالبلابل- للحياة، وللحبور
    ونظلّ ننثر للفضاء الرحب، والنهر الكبير
    ما في فؤادينا من الأحلام، أو حلو الغرور
    147
    ونشيد في الأفق المخضّب من أمانينا قصور
    أزهى من الشفق الجميل، ورونق المرج الخضير
    وأجلّ من هذا الوجود، وكلّ أمجاد الدهور
    أبدا تدّللنا الحياة بكلّ أنواع السرور
    وتب ّ ث فينا من مراح الكون ما يغري الوقور
    فنسير ننشد لهونا المعبود في كلّ الأمور
    ونظلّ نعبث بالجليل من الوجود وبالحقير =
    بالسائل الأعمى، وبالمعتوه، والشيخ الكبير
    بالق ّ طة البيضاء، بالشاة الوديعة، بالحمير
    بالعشب، بالفنن المنوّر، بالسنابل، بالسفير
    بالرمل، بالصخر المح ّ طم، بالجداول، بالغدير
    واللهو، والعبث البريء، الحلو، مطمحنا الأخير
    ونظلّ نقفز، أن نثرثر، أن نغّني، أو ندور
    لا نسأم اللهو الجميل، ليس يدركنا الفتور
    فكأّننا نحيا بأعصاب من المرح المثير
    وكأّننا نمشي بأقدام مجّنحة تطير
    *********
    أيّام كّنا لبّ هذا الكون، والباقي قشور
    أيّام تفرش سبلنا الدنيا بأوراق الزهور
    وتمرّ أيّام الحياة بنا، كأسراب الطيور
    بيضاء، لاعبة، مغرّدة، مجّنحة بنور
    وترفرف الأفراح فوق رؤوسنا أّنى نسير
    *********
    آه توارى فجري القدسيّ في ليل الدهور
    وفنى كما يفني التشيد الحلو في صمت الأثير
    أوّاه. قد ضاعت عليّ سعادة القلب الغرير
    148
    وبقيت في وادي الزمان الجهم أدأب في المسير
    وأدوس أشواك الحياة بقلبي الدامي الكسير
    وأرى الأباطيل الكثيرة، والمآثم، والشرور
    وتصادم الأهواء بالأهواء في كلّ الأمور
    ومذّلة الح ّ ق الضعيف، وعزّة الظلم القدير
    وأرى ابن آدم سائرا في رحلة العمر القصير
    ما بين أهوال الوجود، وتحت أعباء الضمير
    متسّلقا جبل الحياة الوعر، كالشيخ الضرير
    دامي الأك ّ ف، ممزّق الأقدام، مغبّر الشعور
    مترّنح الخطوات ما بين المزالق والصخور
    هالته أشبح الظلام، وراعه صوت القبور
    ودويّ إعصار الأسى، والموت، في تلك الوعور
    *********
    ماذا جنيت من الحياة ومن تجاريب الدهور
    غير الندامة والأسى واليأس والدمع الغزير؟
    هذا حصادي من حقول العالم الرحب الخطير
    هذا حصادي كّله، في يقظة العهد الأخير
    *********
    قد كنت في زمن الطفولة، والسذاجة، والطهور
    أحيا كما تحيا البلابل، والجداول، والزهور
    لا نحفل، الدنيا تدور بأهلها، أو لا تدور
    واليوم أحيا مرهق الأعصاب، مشبوب الشعور
    متأجّج الإحساس، أحفل بالعظيم، وبالحقير
    تمشي على قلبي الحياة، ويزحف الكون الكبير
    هذا مصيري، يا بني الدنيا نما أشقى المصير
    1933
    149
    قائمة المصادر والمراجع
    (قائمة أوّليّة)
    المصادر : -I
    - إلياس أبو شبكه : أفاعي الفردوس (ديوان)
    - أحمد زكي أبو شادي : أطياف الربيع (ديوان)
    - إيليا أبو ماضي : الخمائل
    الجداول
    تبر وتراب
    - جبران خليل جبران : المجموعة الكاملة
    - بشاره الخوري (الأخطل الصغير) : شعر الأخطل الصغير
    - أمين الريحاني : الريحانيات
    - أبو القاسم الشابي : الأعمال الكاملة
    - عبد الرحمان شكري : الديوان ( 8 أجزاء)
    - علي محمود طه : ديوان علي محمود طه
    - خليل مطران : ديوان الخليل
    - ابراهيم ناجي : وراء الغمام
    - ميخائيل نعيمة : الغربال
    همس الجفون (ديوان)
    المراجع : - II
    - عزالدين اسماعيل : الشعر العربي المعاصر، قضاياه وظواهره الفنيّة والمعنوية
    - محمّد بّنيس : الشعر العربي الحديث، بنياته وإبدالاتها ( 4 أجزاء)
    - عبد العزيز الدسوقي : جماعة "أبولو" وأثرها في الشعر الحديث
    - نادرة جميل السرّاج : شعراء الرابطة القلميّة
    - إحسان عباس ومحمد يوسف نجم : الشعر العربي في المهجر، أمريكا الشمالية
    - يمنى العيد : الدلالة الاجتماعية لحركة الأدب الرومنطيقي في لبنان
    150
    - فؤاد القرقوري : أهمّ مظاهر الرومنطيقيّة في الأدب العربي الحديث
    - محمد قوبعة : الرومنطيقيّة ومنابع الحداثة في الشعر العربي (الرابطة القلميّة
    أنموذجا).
    - أنيس المقدسي : أعلام الجيل الأوّل من شعراء العربية في القرن العشرين
    - منيف موسى : الديوان النثري لديوان الشعر العربي الحديث

    الملفات المرفقة:

    آخر تعديل: ‏30 ديسمبر 2012
    أعجب بهذه المشاركة معدولة