1. اوسة

    اوسة ضيف جديد

    20
    15
    3
    الدّولة:
    تونس
    الولاية:
    بن عروس
    المستوى الدّراسي:
    جامعي
    الاختصاص:
    عربية
    المهنة:
    استاذة تعليم ثانوي

    محور الشّعر الحديث القناع في شعر السياب

    الموضوع في 'شرح نصّ' بواسطة اوسة, بتاريخ ‏29 أكتوبر 2012.

    القناع في شعر السياب
    المقدمة
    إن العوامل السياسية والاجتماعية في الوطن العربي، وما ألحقته بالانسانية من أضرار فادحة، ماديا ومعنويا، جعلت الانسان العربي، والشاعر العربي خاصة، إزاء مجموعة من التناقضات مما دفعه إلى الخروج عن دائرة المألوف، والتمرد علي قيم الثبات والجمود. فكانت القصيدة الشعرية محطة أولي أمام الشاعر، وميدان إبداعه. (1)
    فلجأ الشاعر العربي إلي استخدام الرمز وسيلة فنية للتعبيرالغير المباشرعما يريد. و تقنع بشخصية من شخصيات التاريخ فتشبث بها وانطلق منها نحو ذاته، معبرا بوساطة التقنع بها عن مكنونات نفسه، مبيحا عن طريق التقنع بتلك الشخصية عن أسراره إلي المتلقي.
    وصارت تقنية القناع مظهرا من مظاهر الحداثة ومابعدها في الشعر العربي الحديث. ولعل بدر شاكر السياب ـ وهو من رواد الشعر العربي الحديث ـ شاعر عبقري في مجال استخدام تقنية القناع. نجد في ديوانه أقنعة السيد المسيح، والنبي أيوب، والسندباد.
    وهذا البحث يتجه إلي دراسة الرمز و القناع في قصيدته "المسيح بعد الصلب".
    الرمز
    الرمز في اللغة: الإشارة والإيماء. (2) وهو في الاصطلاح الأدبي: "علامة تعتبر ممثلة لشيء آخر ودالة عليه، فتمثله وتحل محله." (3)
    وهو من الوسائل الفنية المهمة في الشعر، يعمد الشاعر فيه إلي الإيحاء والتلميح بدلا من اللجوء إلي المباشرة والتصريح.
    ويعد الرمز أسلوبا من أساليب التصوير، أو وسيلة إيحائية من وسائله، فكلاهماـ الرمز والصورة ـ قائم علي التشبيه، وعلاقتهما أقرب إلي علاقة الجزء بالكل. (4)
    والصور الرمزية ذاتية لا موضوعية، كما يقول الدكتور محمد غنيمي هلال، إذ أن الصور الرمزية "تبدأ من الأشياء المادية، علي أن يتجاوزها الشاعر ليعبر عن أثرها العميق في النفس في البعيد من المناطق اللاشعورية، وهي المناطق الغائمة الغائرة في النفس، ولا ترقي اللغة إلي التعبير عنها إلا عن طريق الإيحاء بالرمز المنوط بالحدس." (5)
    والرمز تقنية عالية، يرتفع بها شأن الصورة. والإكثار من استخدام الرمز والأسطورة من أبرز الظواهر الفنية التي تلفت النظر في تجربة الشعر الجديد.
    القناع
    القناع (mask) في اللغة: "ما تتقنع به المرأة من ثوب تغطي رأسها ومحاسنها." (6)
    أما تعريف القناع اصطلاحا: "فهو وسيلة فنية لجأ إليها الشعراء للتعبير عن تجاربهم بصورة غير مباشرة، أو تقنية مستحدثة، فِي الشعر العربي المعاصر شاع استخدامه منذ ستينيات القرن العشرين بتأثير الشعر الغربي وتقنياته المستحدثة، للتخفيف من حدة الغنائية والمباشرة في الشعر، وذلك للحديث من خلال شخصية تراثية، عن تجربة معاصرة، بضمير المتكلم. وهكذا يندمج في القصيدة صوتان: صوت الشاعر، من خلال صوت الشخصية التي يعبر الشاعر من خلالها." (7)
    و "يمثل القناع شخصية تاريخية - في الغالب- يختبئ الشاعر وراءها ليعبر عن موقف يريده، أو ليحاکم نقائص العصر الحديث من خلالها." (8)
    وهذا المصطلح لم يظهر إلا بعد مضي أحد عشر عاماً، تقريبا، علي ظهور أول قصيدة قناع تكويني في الشعر العربي المعاصر، وهي قصيدة "المسيح بعد الصلب" لبدر شاكر السياب التي قد كتبت ونشرت في العام 1957م. (9)
    فالقناع مصطلح جديد، وهو وسيلة إيحاء وتعبيرعن تجارب معاصرة، عن طريق الاختفاء وراء شخصية من الشخصيات التاريخية-التراثية. و الشاعر بهذا الأسلوب يحقق حالة من الاتحاد والامتزاج بينه وبين القناع، بحيث يصبحان معا کيانا جديدا لا يمثل الشاعر تمام التمثيل ولا يمثل الشخصية تماما أيضا، أي يتوحدان فنيا رائعا.
    و"في بنية قصيدة القناع، لا يُسمع صوت الشاعر وصوت الشخصية التراثية مستقلين؛ بل تبرز في النص أشکال المجاذبة الناتجة عن هذا الترکيب الصوتي؛ لأن الشاعر لا يستدعي شخصية صامتة، بل يستدعي شخصية تحمل صوتا يميزها، ويکشف عن هويتها، ويستعير شکلها. ولا يتحدث بصوته فحسب، بل بصوت الشخصية المستدعاة. لذلک تخرج قصيدة القناع بصوت واحد مرکب، لا نستطيع معه معرفة إن کان صوتا للشخصية التراثية أم للشاعر؛ لأن کلا الصوتين يتزاحمان في أضيق مساحات النص التي تتضمنها في الصعود والهبوط، ويدخلان في سياق جديد يعيد إنتاجهما صوتا واحدا، يخرج من صلبيهما."(10)
    ولهذا نري في قصائد القناع نوعا من التفاعل بين الشاعر والشخصية التاريخية، تفاعلا عضويا قادرا علي إخفاء الشاعر إلي الحد الذي لا يعود فيه مرئيا لدي المتلقي، ولکن بموازنة محسوبة تحول دون طغيان أحدهما علي الآخر.
    و"القناع حيلة بلاغية أو رمز أو وسيلة للتعبير عن تجربة معاصرة، وهذا يعني أنه لابد من أن يكتشف المتلقي بنفسه وبمساعدة القرائن النصية أن المقصود هو الحاضر، وما القناع سوي وسيلة إخفاء وإبعاد فنية، ولذلك جنح الشاعر إلي الاستفادة تناصياً من تجربة أو موقف أو رؤيا أو حدث شهير في الماضي، ليتقنع بها، ويعيدها إلي الأذهان ضمن تجربة جديدة مماثلة، فتتعدد أصوات القصيدة وتتفاعل هارمونيا ودراميا، فيبتعد بذلك قليلا عن الصوت الأحادي والمباشرة، ويضفي علي عمله الشعري شيئا من الموضوعية والتعدد والاختلاف والتكامل والغموض الفني الشفاف، فكلما كان الحدث المستعار من الماضي شائعا في أذهان المتلقين كان الاتصال بين الشاعر وجمهوره سليما." (11)
    و"تتأسس قصيدة القناع علي قاعدة يدخل الرمز في بنياتها المختلفة، وفي تواتراتها الداخلية؛ فللرمز حضور قوي و وجود حي في لمحتها، وفي سياقاتها النصية والدلالية. وعلاقة القناع بالرمز علاقة ارتباط الجزء بالکل، أوالخاص بالعام؛ فالقناع جزء خاص ودقيق من أجزاء الرمز المختلفة، له خصائصه، وحضوره الذي يميزه عن غيره من الأنواع أو الأشکال الرمزية. وإن عد النص المقنع وعاء لتداخل شخصية الشاعر وتفاعلها الترکيبي مع الشخصية التراثية، فإن الرمز بمثابة الخيط الذي يصل هذا التفاعل وتشابکاته في بناء النص الجديد..."(12)
    تبين لنا من خلال ما مضي أن الرمز يرتبط بالقناع برابطة متينة، و أن تقنية القناع تقع ضمن دائرة الرمز، لأن عملية التقنع تنهض ،أساسا،علي استخدام متطور للرموز و الشخصيات. فمن الممكن، أن يرتقي كل قناع محكم إلي مستوى الرمز وفاعليته، لكن الرمز لايتحول، بالضرورة، إلي القناع.
    والأديب يرمز في شعره إلي الذات وإلي الموضوع، فقد يقصد بالرمز ذاته وقد يقصد الموجودات والأحداث والكائنات حوله، أما القناع فهو وسيلة فنية للتعبير عن الذات فقط.
    فالقناع في الشعر العربي الحديث، ظاهرة مهمة من ظواهره، وأداة فعالة اتکأ عليها الشاعر الحديث في النهوض بتجارب شعرية عديدة، شکل بعضها أهم النتاجات الشعرية. ولقد اعتمد أغلب الشعراء علي شخصيات تراثية- تاريخية، عند اتخاذهم الأقنعة الفنية.
    الرمز والقناع عند السياب
    اعتاد رواد الشعر الحديث استخدام الرموز، والأساطير، والقصص الدينية في شعرهم،ولکنه "لم يستعمل شاعر عربي الأسطورة والرمز كما استعملها بدر. ولقد أكثر منهما حتي أصبح من النادر أن تخلو قصيدة من قصائده من رمز أو أسطورة."(13)
    و لقد مرت عملية بناء قصيدة القناع شکلا ومضمونا عند الشعراء العرب بسلسلة متصلة من المحاولات والتجارب الشعرية والإبداعية، کان أولها تلک المحاولة التي اعتمدت خلق صيغة التوحد مع الرمز،وکان بدر شاکر السياب أول من أخذ شکل التوحد مع رمزه في قصيدتي " تموز جيکور" و"المسيح بعد الصلب"، فهو سجل أولي الخطوات المهمة التي سعت نحو تشکيل القناع الشعري.(14)
    فالسياب هو رائد قصيدة القناع ومؤسسها علي مستوى الإبداع (15). وقصيدته "المسيح بعد الصلب" من أوائل القصائد المؤسسة علي تقنية القناع، إن لم تكن أقدمها علي الإطلاق، وفي هذه القصيدة يستدعي السياب شخصية المسيح عليه السلام، ويوظف حادثة صلبه بكيفية فنية، لم تكن معهودة فيما سبقها من التجارب الشعرية. (16)
    ومن الشخصيات الدينية الأخري التي يتقنع بها أيضا، شخصية أيوب النبي، في قصيدته "سفر أيوب" و قصيدته "قالوا لأيوب". فالشاعر يستخدم تقنية القناع في هاتين القصيدتين، ويختفي وراء شخصية أيوب (ع)، ويستخدم قصة أيوب (ع) لما عاناه من صبر، وامتحان وبلاء، وکأنه يعاني ما عاناه أيوب (ع) مع الرضا بما أصابه. ويصور ما ابتلي به من صبر ، ومرض، وغربة في لندن. فهناك صفات مشترکة بين شخصية الشاعر وشخصية النبي أيوب.
    وقد تطور السياب في کيفية استدعاء الشخصيات و حاول أن يجذب القناع إلي تجربته، ويستلهم صوته أو تجربته، ويتقمص شخصية القناع و يقوم بدورها للتعبير عن واقع معاصر وتجربة معاصرة.
    كان السياب يتكيء علي شخصيات ورموز تاريخية وأسطورية، لأنه كان "بحكم موقعه الزمني شديد البحث عن الرمز لا يهدأ له بال، وكانت حاجته إلي الرموز قوية بسبب نشوبه في أزمات وتقلبات نفسية وجسمية وبسبب التغييرات العنيفة في المسرح السياسي بالعراق، حينئذ، ولهذا يصلح السياب نموذجا للشاعر الذي يطلب الرمز في قلق من يبحث عن مهدئ لأعصابه المستوفزة... وبهذا يكون السياب قد فتح المجال بعده لمن شاء أن يستخدم الرموز وإن تجاوزه بعضهم في القدرة علي الاختيار وفي طريقة الاستخدام." (17)
    وهو يجعل الرمز أداة فنية وسياسية، يصب فيه كل طاقاته الشعرية، متخذا من إيحاءاته الحية وما يفجره من مغزي وإيماء بدائي طريقاً إلي تعميم التجربة الانسانية في كل حين. (18)
    فالرمز الذي اعتبره السياب مظهرا من مظاهر الشعر الحديث، أبرز الوسائل التي استخدمها الشاعر في بناء الصورة وتوسيع دلالاتها وبناء عالمه الشعري المغاير.
    "فوجد بدر في الأسطورة وسيلة رمزية للتعبير عن إيمانه بانتصار الحياة علي الموت... والحقيقة أن ما شد السياب للأسطورة ولعه بالأسلوب الغير مباشر إضافة إلي أنه كان يريد أن يتجنب الاضطهاد السياسي فضلاً عن إدراكه قيمة استعمال الرمز اللغوي." (19)
    وكان يتخذ الرموز والشخصيات، في البداية، نماذج لتوضيح فكرته أو تأكيدها، ثم أخذ يرتقي بأسلوب توظيفه لها حتي تمكن من "بناء القصيدة كلها علي الرمز الواحد، كما في قصيدته (المسيح بعد الصلب) وهي القصيدة التي تصور تمزق الشاعر بين جيكور والمدينة." (20)
    تحليل القصيدة
    قصيدة"المسيح بعد الصلب" تعد نموذجا عاليا من قصائد القناع. "كان السياب سباقا في بلوغ قصيدة القناع حين تقمص الشاعر صوت المسيح وتجربته الانسانية ترميزا شاملا يتبدى في تحقق القصيدة العضوية بأفضل ما يكون متماهيا مع فكرة الفادي المخلص في وجه الطغاة والخونة إلي حد الأسطرة، فالمهم هو جوهر التجربة في هذا المبني الرمزي لعملية التقنع." (21)
    تتألف قصيدة "المسيح بعد الصلب" من سبعة مقاطع، يتجلي أسلوب السياب في بنائها علي تقنية القناع، فتطغى مكونات الشخصية وملامحها علي مقطع، ثم تطفو هموم الشاعر علي المقطع الذي يليه، وبذلك تحتوي القصيدة مكونات الشخصية والشاعر معاً، وفي آن واحد، بحيث يصعب فصلها أو تمييزها.
    فالسياب يستخدم المسيح رمزا لمعاناة الألم الجسدي، وکأنه فيها يأمل أن يظفر يوما بالشفاء.(22)
    يبدأ المقطع الأول من القصيدة بمشهد يصور نهاية عملية الصلب التي تعرض لها المسيح ، كما يعتقد أتباعه.
    فيتحدث السياب بلسان المسيح "منذ لحظة انتهاء الصلب حيث الاسترسال في النجوي الدرامية عن الواقع المروع ومكابدته العنيفة التي تستدعي الخلاص منه بانبعاث روح الفداء من المسيح إلي الشاعر تصليبا للذات في دورة الحياة والموت." (23)
    فالسياب ما كان إنسانا مفرّحا طوال حياته، واقترنت حياته بالفجيعة التي كانت دائمة الحضور من طفولته إلي نهاية عمره، فمن يطالع بعض قصائده ربما وجد نوعا من المشاركة والمعايشة مع مصائبه ونكباته.
    "ولما كانت رموز العذاب كثيرة في تاريخ الانسان، فإن السياب قد جعلها تعبر عن حالته الفردية، بأن وحد بينها وبين عذابه وآلامه، وصولاً إلي تعميم الحالة وتوسيع دائرتها الانسانية." (24)
    يبدأ السياب قصيدته بهذا المقطع:
    "بعدما أنزلوني، سمعتُ الرياحْ
    في نواح طويل تسفّ النخيلْ،
    والخطي وهي تنأي. إذن فالجراحْ
    والصليب الذي سمّروني عليه طوال الأصيلْ
    لم تمتني. وأنصتّ: كان العويلْ
    يعبر السهل بيني وبين المدينة
    مثل حبل يشدّ السفينة
    وهي تهوي إلي القاع. كان النواح
    مثل خيط من النور بين الصباح
    والدجي، في سماء الشتاء الحزينة.
    ثم تغفو، علي ما تحسّ، المدينة" (25)
    يحول السياب شخصية المسيح (ع) في هذه القصيدة إلي "قناع شفاف، ويتحدث من خلال القناع وتجربة صاحبه في الصلب بضمير مفرد المتكلم (أنا)، فيستخدم الصلب التاريخي رمزاً للصلب المعاصر الذي يعانيه الشاعر (الشعب العراقي)، فالمسيح لم يمت بعد صلبه، وهو لا يزال يسمع الرياح تعصف بنخيل العراق، ويصل إلي أسماعه عويل المعذبين." (26)
    يستلهم السياب قصة صلب المسيح "ليقيم نوعا من التوازي بين تجربة المسيح المصلوب، وتجربته الشخصية، حيث يبدو المسيح الجديد وهو يعاني تجربة الصلب في الواقع المعيش: مطاردة، وسجناً، وقتامة وجود." (27)
    ويستغرق الشاعر في وصفه وتشبيهاته، فالعويل يعبر السهل "مثل حبل يشد السفينة"، و "النواح مثل خيط من النور بين الدجي والصباح".
    نري أن ملامح الشخصية ومكوناتها تطغي علي هذا المقطع، وكأنه خصص للمسيح (ع) وحده، دون الشاعر، لكثرة الأقوال والأحداث التي لايمكن إرجاعها إلا للمسيح (ع).
    ويقول السياب في المقطع الثاني من القصيدة:
    "حينما يزهر التوت والبرتقالْ،
    حين تمتدّ جيكورُ حتي حدود الخيالْ،
    حين تخضرّ عشباً يغنّي شذاها
    والشموسَ التي ارضعتها سناها،
    حين يخضرّ حتي دجاها،
    يلمس الدفءُ قلبي، فيجري دمي في ثراها.
    قلبيَ الشمسُ إذ تنبض الشمس نورا،
    قلبيَ الأرضُ، تنبض قمحاً، و زهراً،و ماءً نميرا،
    قلبيَ الماءُ، قلبي هو السنبلُ
    موته البعثُ: يحيا بمن يأكل.
    في العجين الذي يستدير
    ويُدحي كنهد صغير، كثدي الحياة،
    متّ بالنار: أحرقت ظلماء طيني، فظلّ الإله.
    كنت بدءا وفي البدء كان الفقيرْ.
    متّ، كي يؤكل الخبز باسمي، لكي يزرعوني مع الموسم، كم حياةٍ سأحيا: ففي كل حفره
    صرتُ مستقبلا، صرت بذره،
    صرت جيلا من الناس: في كل قلبٍ دمي
    قطرة منه أو بعض قطره" (28)
    في هذا المقطع يرسم السياب لوحة قريته جيكور، وهذا دليل علي وجود الشاعر خلف قناعه.
    "الشاعر يتخذ المسيح رمزاً للتعبير عن حالته النفسية، ولذلك فهو المصلوب الذي استطاع أن يقوم من بين الموتي وينعش الحياة في جيكور." (29)
    و الشاعر يصور في هذا المقطع عمق رضا المسيح و سعادته بأن يحيا شعبه من خلال موته و تضحيته، و في التعبير عن هذا البعد من أبعاد التجربة يستخدم السياب ملامح من تجربته هو المعاصرة و مفردات من معجمه الشعري الخاص؛ حيث يتحدث عن قريته جيکور، و بعثها و ازدهارها من خلال موته، و سعادته و إحساسه بالدفء لهذا البعث الجديد الذي رواه بدماء قلبه. (30)
    فهو توسّع في خياله، حتي غدت جيكور خضرة دائمة ممتدة، فهي حافلة بالأزهار، ربيعا وخريفا، فالتوت ـ كما هو معروف ـ يزهر في الربيع، والبرتقال يزهر في الخريف، ومن خلال الجمع بينهما في سطر واحد، جمعت جيكور بين فصلين متناقضين. وهو يؤكد في خضرة جيكور، وتحول الزمن فيها إلي ربيع دائم.
    ويصل السياب إلي حالة من التوحد والاندماج مع قريته، فعندما يلمس الدفء قلبه يجري دمه في ثراها "لأن قلبه هو الشمس التي تنبض بالنور، وهو الأرض التي تنبض بالقمح والزهر والماء النمير، إن هذا القلب هو نفسه تموز، وهو في ذات الوقت السيد المسيح الذي سوف يحل في كل من يأكل ويشرب منه." (31)
    فهذه الأبيات "قد جعلت من المسيح وتموز شخصا واحداً أو رمزاً لشيء واحد، ومما جعل التطابق هنا ممكناً استعارة فكرة الخبز والنبيذ من العشاء الرباني ومزجها بعلاقة الحياة بين الأرض والشمس في قصة تموز، ولهذا نجد الخبز حين شوي بالنار مات الجزء الطيني فيه وظل الإله." (32)
    ويضم السياب صفة أخري من صفات المسيح، وهي عطفه علي الفقراء وقربه منهم، إذ يقول: "كنت بدءاً وفي البدء كان الفقير."
    ومن الجدير بالإشارة أن السياب يسرف في الاعتماد علي الأفكار والمفاهيم والرموز المسيحية، أكثر من اعتماده المصادر الاسلامية، إذ "يبدو مسيح السياب إلهاً أسطورياً، وثنياً، دنيوياً." (33)
    يوظف الشاعر رموز المعتقد المسيحي لأدائه الشعري، ويستخدم المسيح رمزاً للتضحية والفداء، علماً بأن الإسلام ينفي مسألة قتل المسيح وصلبه، فالقرآن الكريم يصرح: ﴿وَ مَا قَتَلُوهُ وَ مَا صَلَبُوهُ وَ لكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ ﴾ (34). فالإسلام يعتقد أن المسيح لم يصلب بل رفعه الله إليه.
    فالشاعر کان حريصا علي الإفادة من الرموز المتعلقة بالتضحية والفداء وما کان يشکل جوهر عقيدة السيد المسيح من تحمل خطايا البشر، وصولا إلي عالم المعجزات الذي ظل يحلم به حتي آخر لحظة من عمره. (35)
    ومع نهاية المقطع الثاني تطغي ملامح الحياة وأفعالها، بعد أن انتصرت علي فعل الموت.
    فيعتقد السياب أن الخلود الانساني والحياة الحقيقية في الموت، فلا يخشي الموت بل يطلبه ليكون موته استشهاداً في سبيل الآخرين. فإنه يصبح انتصارا للحياة لمجموعها وللجنس البشري، ومن ثم يفضي إلي الخلود. فكان يسعي السياب أن يجد الحياة في الموت إثر فكرتين: فكرة التضحية المسيحية التي تتبدي في تحمل الفادي لخطايا البشر من أجل أن يعم السلام. وفكرة التضحية البدائية التي ارتبطت بالأسطورة الزراعية، والتي تتبدي في موت الإله وبعثه من جديد. (36)
    فالمسيح نموذج كامل للانسان الذي مات في الوهلة الأولي لكي يضم السلام والمستقبل الباهر للآخرين، فاستفاد الشاعر من فكرة التضحية هذه، ووحّد بينه وبين المسيح، ساعياً، أن يشير إلي هدفه المنشود، وهو أن موته ليس عبثا، إنما هو حياة أخري للآخرين الذين سيعيشون من خلال فدائه وتضحيته، ويضيف أن دمه قد صار يجري في كل قلب حتي بعد استشهاده.
    فقد بلغ منتهي الشرف و قمة السمو "فاعل هذا الفعل" فلم يستطر جسده شظايا، ولم تذر روحه هباءً، بل توحد مع الأزمنة "صرت مستقبلا" والأمكنة "ففي كل حفره" والبشر "في كل قلب دمي" والعالم "صرت جيلاً من الناس". (37)
    ويقول الشاعر في المقطع الثالث:
    "هكذا عدتُ، فاصفرّ لما رآني يهوذا ...
    فقد كنت سِرَّه.
    كأن ظلاً، قد اسودّ، مني، وتمثال فكره
    جُمِّدتْ فيه واستلّتِ الروحُ منها،
    خاف أن تفضح الموت في ماء عينيه...
    (عيناه صخره
    راح فيها يواري عن الناس قبره)
    خاف من دفئها، من محالٍ عليه، فخبَّر عنها.
    «أنتَ! أم ذاك ظلي قد ابيضّ وارفضَّ نورا؟
    أنت من عالم الموت تسعي! هو الموتُ مرَّه.
    هكذا قال آباؤنا، هكذا علمونا فهل كان زورا؟»
    ذاك ما ظنّ لما رآني، وقالته نظره" (38)
    يبدأ المقطع الثالث بعرض الدهشة التي تبدو علي أعداء الحياة، عندما يعود المسيح بعد موته. والشاعر "يرمز إلي الحكام بشخصية يهوذا الذي سلم السيد المسيح إلي أعدائه." (39)
    "وقد دهش يهوذا من المسيح الحي بعد الصلب لأنه هو نفسه كان يتمني سراً أن يصبح حياً أبداً مثل المسيح ولكنه لم يجرؤ علي الموت مثله." (40) فكانت عودة "المسيح/ السياب" مبعث دهشة ليهوذا، فيتسائل حائراً متعجباً:
    "أنت! أم ذاك ظلي قد ابيضّ وارفضّ نورا؟
    أنت من عالم الموت تسعي! هو الموت مرّه"
    إن استمرار الحياة بعد الموت عند يهوذا غيرممكن، وهكذا علم وتعلم:
    "هكذا قال آباؤنا، هكذا علمونا فهل كان زورا؟"
    ولذلك يشك في حقيقة الحياة المتجددة.
    يستمر السياب في المقطع الرابع، ويقول:
    "قدمٌ تعدو، قدمٌ، قدمُ
    القبر يكاد بوقع خطاها ينهدمُ.
    أ تري جاءوا؟ من غيرهمُ؟
    قدمٌ.. قدمٌ. قدمُ
    القيتُ الصخر علي صدري،
    أوَ ما صلبوني أمس؟... فها أنا في قبري.
    فليأتواـ إني في قبري.
    من يدري أني...؟ مَن يدري؟
    ورفاق يهوذا؟! من سيصدّق ما زعموا؟
    قدمٌ... قدمُ.
    ها أنا الآن عريانُ في قبريَ المظلم:
    كنتُ بالأمس ألتفّ كالظنّ، كالبرعم،
    تحت أكفانيَ الثلج، يخضلّ زهرُ الدم،
    كنتُ كالظلّ بين الدجي و النهارْ ـ
    ثم فجّرتُ نفسي كنوزاً فعرّيتها كالثمار.
    حين فصّلتُ جيبي قماطاً وكمّي دثار،
    حين دفّأتُ يوماً بلحمي عظامَ الصغار،
    حين عرّيتُ جرحي و ضمّدتُ جرحاً سواه،
    حُطّم السورُ بيني و بين الإلهْ" (41)
    في هذا المقطع نلاحظ تكرر مفردات تدل علي ذات الشاعر، وما يأمله و بخاصة هاجسه في المشي. فمفردة "قدم" تتكرر ثماني مرات، إضافة إلي ما يدل علي المشي والحركة نحو "تعدوـ وقع خطاهاـ جاءوا" ولا شك أن مرضه الجسدي جعله يحنّ إلي "القدم" و يلح عليها في قصائده.
    و علي الرغم من وجود "المسيح/ السياب" في قبره فإنه يحس بأعدائه و يتتبع تحركاتهم. ثم يستمر في التضحية والفداء. ويقف الشاعر مرة أخري عند البقاء للعنصر الإلاهي، حيث يقول:
    "حين دفأت يوما بلحمي عظام الصغار،
    حين عرّيت جرحي و ضمّدت جرحا سواه،
    حطّم السور بيني و بين الإله".
    ففي هذا المقطع لاحظنا بروز ملامح السياب إلي جانب شخصية المسيح و مكوناتها.
    ويقول السياب في المقطع الخامس:
    "فاجأ الجند حتى جراحي و دقات قلبي
    فاجأوا كلّ ما ليس موتاً وإن كان في مقبره
    فاجأوني كما فاجأ النخلة المثمرة
    سربُ جَوْعي من الطير في قريةٍ مقفره"(42)
    وفي المقطع السادس:
    "أعين البندقيات يأكلن‌َ دربي،
    شُرَّعٌ تحلم النارُ فيها بصلبي،
    إن تكن من حديد و نار، فأحداقُ شعبي
    من ضياء السماوات، من ذكرياتٍ و حُبِّ
    تحمل العبءَ عني فيندي صليبي، فما أصغره
    ذلك الموتُ، موتي، وما أكبره!" (43)
    في المقطع الخامس غطت مفاجأة الموت علي كل شيء، وفي المقطع السادس "قد عكس الشاعر فكرة الفداء حين جعل الشعب يحمل العبء عن المصلوب فيندى صليبه". (44)
    فهو يبين "الحاجة إلي الفدائي المنقذ مؤكّداً علي وجوب هذا الفعل من قبل أبناء المفازة الذين يحيون حياة القحط و الجفاف. ويقطعون في الضباب الأعمي. حيث أن كلاً من هؤلاء الموتى الأحياء ينطوي علي طاقة هائلة من الحياة بحاجة إلي لحظة تفجر." (45)
    تعود القصيدة في المقطع الأخير إلي حيث بدأت، ليظهر "المسيح/ السياب" مسمراً علي صليبه، منتظراً فجر خلاصه، بثورة عارمة:
    "بعد أن سمّروني و ألقيتُ عينيَّ نحو المدينهْ
    كدتُ لا أعرف السهلَ والسور و المقبرهْ:
    كان شيءٌ، مدي ما تري العينُ،
    كالغابة المزهره،
    كان، في كلّ مرمي، صليبٌ و أمّ حزينه
    قدِّس الربُّ!
    هذا مخاضُ المدينة" (46)
    "هكذا كان تصور بدر لعذابه و عذاب الأمة العربية، علي أنه مخاض يليه ميلاد حياة جديدة. بل إنه شعر إنه هو نفسه تجسيد للأمة العربية كلها في تألمه، و أن الشعب العربي و قد سحقه الصراع العظيم بين الشرق و الغرب من جهة و بين العقائد المتنافسة و المصالح العربية، المتنافرة من جهة أخري سيخرج من ذلك كله في النهاية منتصراً لينعم بحياة جديدة لا يبقي فيها حكام عرب ظالمون مثل يهوذا بل أمة عربية خالدة جرؤت أن تصبر علي العذاب و تموت علي الصليب لكي تقهر الموت و تكون لها حياة موفورة." (47)
    فالشاعر يصر علي استمرار الحياة، و قد يفهم من المقطع الأخير "أن كثرة المصلوبين لا تدل علي أن الحياة لن تتجدد، بل ان موت هؤلاء هو طريق البعث من جديد، كذلك عادت جيكور إلي الحياة حين صلب ابنها، وكذلك ستعود المدينة إلي الحياة حين كثر المصلوبون من أبنائها." (48)
    فرائعة السياب "المسيح بعد الصلب" تنتهي بهذا المقطع محاولا أن يتخلص من القناع. ونراه بالرغم من مرضه حيث لا شفاء منه متفائلا.
    هكذا يتخد السياب شخصية المسيح (ع) قناعاً في قصيدته، ينطق من خلالها، و يجعلها تنطق بما يريد. فنحن لا نلمح حضورا مباشرا للسياب في قصيدته و نشعر بأن المتکلم ليس هو الشاعر، بل المسيح.
    نجح السياب في توظيف شخصية السيد المسيح للتعبير عن تجربته المعاصرة، کما نجح في التوحد مع هذه الشخصية.
    " قد استطاع الشاعر أن يعبر من خلال القناع تعبيرا غير مباشر عن أفكاره السياسية و الاجتماعية، فامتزج الذاتي بالموضوعي، و توحد الشاعر بقناعه، فأبدي له هذا الصنيع وجوها فنية جديدة، و استطاع أن يوظف الموضوع توظيفا معاصرا" (49)
    و استعار السياب في هذه القصيدة ثلاثة من ملامح شخصية المسيح في الموروث المسيحي؛ هي الصلب، و الفداء، و الحياة من خلال الموت، ليصور من خلالها مدي معاناته و العذاب الذي تحمله في سبيل بعث أمته. (50)
    فالصلب رمز للعذاب الذي يعانيه الشعب الجائع، و تشير التضحية إلي السياب الذي اظطهد و أبعد و تشرّد، فهو يموت من أجل فكرة لا تنتهي بموته، لأنه يعيش في وجدان الآخرين.
    و القناع في هذه القصيدة قد حمل رموزاً حضارية هي مزيج من عناصر مسيحيه وإسلامية و نضالية و إنسانية و ذاتية. (51)
    يجدر بالإشارة أن القرائن الموجودة في القصيدة تشير إلي أن التجربة المعاصرة هي المقصودة، و ما القناع سوي وسيلة، درامية تعبيرية، فثمة نخيل العراق، و ثمة صور لجيكور رمز الريف العراقي، و هي التي تتضمن السور و المقبرة و السفينة التي تهوي إلي القاع، و هذا دليل علي أن مشكلة السياب في المدينه هي الرزق و الوجود، و لذلك ظلّ يحنّ حنيناً رومانسياً إلي الريف. (52)
    تبين لنا من خلال تحليل هذه القصيدة أن الشاعر لقد وفق في توظيف المسيح (ع) قناعا فنيا- ذاتا وتاريخا ونصا شعريا- مجسدا قدرته الفنية علي استيعابه، والتعبير به عن تجارب معاصرة.
    النتيجة
    1ـ إن القناع أحد أشكال الرمز و وسيلة للتعبير عن تجربة معاصرة.
    2ـ الرمز وسيلة فنية للتعبير عن الذات و الموضوع، أما القناع فهو وسيلة فنية للتعبير عن الذات فقط.
    3- إن قصيدة القناع تجلٍّ من تجليات حداثة القصيدة العربية.
    4ـ السياب هو رائد قصيدة القناع علي مستوى الإبداع.
    5‌‌ـ إن قصيدة "المسيح بعد الصلب" أولي القصائد التي تم فيها توظيف القناع بشكل ناضج و فاعل في الشعر العربي.
    6ـ كان السياب يستخدم الرمز و الأسطورة في قصائده كثيرا، و كانت حاجته إلي الرموز قوية بسبب نشوبه في أزمات و تقلبات نفسية و جسمية.
    7ـ اتخذ السياب شخصية المسيح (ع) قناعا في قصيدة "المسيح بعد الصلب" و تحدث من خلال هذه الشخصية عما يعانيه.
    8ـ يعتمد السياب في قصيدة "المسيح بعد الصلب" علي الأفكار و الرموز المسيحية، أكثر من اعتماده المصادر الإسلامية.
    9ـ يستعير السياب ثلاثة من ملامح شخصية المسيح (ع): الصلب، و الفداء، والحياة من خلال الموت.
    10ـ إنه يستلهم قصة صلب المسيح (ع) ليقيم نوعا من التوازي بين تجربة المسيح المصلوب، و تجربته الشخصية.
    11ـ يعبّر الشاعر من خلال القناع تعبيرا غير مباشر عن أفكاره السياسة و الاجتماعية

  2. رائد خليل

    رائد خليل ضيف جديد

    1
    0
    1
    الدّولة:
    العراق
    الولاية:
    الانبار
    المستوى الدّراسي:
    جامعي
    الاختصاص:
    اللغة العربية
    المهنة:
    مدرس
    اين بقية البحث. قائمة المصادر والمراجع لم تذكر