1. جلال البحري

    جلال البحري نجم المنتدى

    1,470
    594
    113
    الدّولة:
    تونس
    الولاية:
    بنزرت
    المستوى الدّراسي:
    دراسات معمّقة
    الاختصاص:
    أدب عربي
    المهنة:
    أستاذ

    محور الشّعر الحديث شرح نصّ: مجنون عائشة

    الموضوع في 'شرح نصّ' بواسطة جلال البحري, بتاريخ ‏7 يناير 2018.

    شرح نصّ: مجنون عائشة
    - محاولة قراءة -
    1- التّقديم
    لئن تعدّدت آليّات الكتابة في الشّعر العربي الحديث و تنوّعت فإنّ الرّؤيا و الحلم و الجنون و التّداعي تُمثّل مفاهيم أساسيّة ساهمت في تشكيل كون شعريّ فريد يُلغز أكثر ممّا يُصرّح و هو ما يفتح الباب على مصراعيه لفعل التّأويل.
    و لا أدلّ على ذلك من هذا النصّ الشّعري للشّاعر عبد الوهاب البيّاتي الذّي بدأ حياته شاعرا رومانسيّا حالما بالحياة ودنيا الطفولة وعالم المثل، ولكنّ حقائق الواقع صدمته فاستولى على نفسه السأم وبدأ يبحث عن قوالب جديدة، واتّخذ الشّعر الحرّ أسلوبا جديدا للتّعبير عن قسوة الحياة وعمّا يعتلج في صدره من أشجان. استمدّ النصّ من ديوان " قصائد حبّ على بوّابات العالم السّبع " و فيه يتوسّل البيّاتي دالّين شعريين ( المرأة و الوطن ) من أجل ابتناء كون شعريّ قائم على التّداعي الحرّ المُوصل إلى مدارات الرّعب و الانسحاق.
    2- النصّ و سياقه
    وردت هذه القصيدة في ديوان " قصائد حبّ على بوّابات العالم السّبع " ( 1972 ) و قد مثّلت " عائشة " الطّفلة- الرّمز قادح القول الشّعري و باعثه في نوع من التّناص الخارجي بينها و بين " وفيقة " في قصيدة " شبّاك وفيقة " لبدر شاكر السيّاب التّي كتبها في مرحلة المرض الأخيرة في المستشفى الأميري في الكويت سنة 1962.
    تُمثّل " عائشة " الطّفلة التّي عرفها البيّاتي في صباه ثمّ فُجع بموتها محور هذه القصيدة و باعث قصائد أخرى " بستان عائشة " " تحوّلات عائشة " و هو ما يجعل النّفس الرّثائي مهيمنا على النصّ و محدّدا لحركاته، إلاّ أنّ الشّاعر استطاع أن ينزاح بالرّثاء عن معناه الأوّلي ليُصبح رثاء للذّات و الوطن و الوجود. كما وفّق البيّاتي في توظيف الذّكرى من أجل معالجة جملة من القضايا الذاتيّة و الجماعيّة و الوجوديّة تتمحور خاصّة حول ثنائيّة الموت و الحياة.
    3- التّقسيم
    يُعتبر التّقسيم دالاّ شعريّا يجبُ أن يُبرّر أوّلا و أن يقودنا إلى تبيّن هندسة النصّ و بنيته ثانيا، فهو مفتوح على التّأويل باعتبار " النصّ جمهرة علامات " حسب تعبير " رولان بارت " و التّقسيم إحدى هذه العلامات النصيّة.
    إنّ المتأمّل في هذا النصّ يلحظ انبناءه على ثلاث حركات حسب معيار المضمون، تمتدّ الحركة الأولى من السّطر الأوّل إلى السّطر السّادس و مدارها فكرة الموت، أمّا الحركة الثّانية فتمتدّ من البيت السّابع إلى البيت التّاسع و الثّلاثين و تتمحور حول فكرة الغربة، و أمّا الحركة الثّالثة فتغطّي بقيّة النصّ و مضمونها فكرة الهروب.
    هذا التّقسيم تشدّه ثنائيّة الموت و الحياة واقعا و رمزا، فالصّوت المُرتحل في النصّ بدا متمرّدا على العقل و أحكامه ثائرا على المنطق و تبعاته قادما من أتون الجنون و عواصفه. لقد كان نتاج عمليّة استدراج اللّغة للمكبوت الذّي يسكن لاوعي الشّاعر، فكان التّداعي الحرّ استدعاء لتلك التّجارب الفرديّة و الجماعيّة التّي حفرت عميقا في أقاصي النّفس فتولّدت لوحات متناثرة متشظّية تفتقد إلى التّرابط و التّسلسل و التّماسك: موت فغربة فهروب. ثالوث رئيسيّ أطبقت عليه ثنائيّة الموت و الحياة في حركة دائريّة تستدعي الرّمز الدّيني و الأسطوري و تؤسّس كونا شعريّا تحترق فيه الحروف لتبعث من جديد. و كأنّ قدر الشّاعر المثقّف يكمن في وقوفه المأساوي داخل النصّ الشّعريّ بين هذين الحدّين: الموت و الحياة
    أمّا مدارات هذين الحدّين فتتّصل أوّلا بعائشة المرأة رمز البراءة و الطّهارة و العشق في أبعادها الصوفيّة و الرّوحيّة و تتّصل ثانيا بالوطن ( العراق - العربي ) الرّازح تحت نير الاستعباد و التبعيّة و التخلّف في أبعادها السياسيّة و الحضاريّة.
    4- ظاهرة العنوان
    للعنوان أهميّة كبرى في عمليّة القراءة و التّأويل كما يرى ريفاتير: " مؤوّل و عُنصر توجيه أي أنّه بمثابة البوصلة التّي توجّه القارئ إلى إضاءة عتمات النصّ و فراغاته، و من خصائصه الاختزال و الكثافة و الاكتناز بالدّلالة ممّا يجعله مفتوحا مُشْرَعا على التّأويل " فهو بمثابة الثريّا المضيئة عتمات النصّ و مجاهله.
    جاء العنوان مركّبا إضافيّا ( مجنون عائشة ) إضافة تفيد التّخصيص
    إنّ إسناد المجنون إلى عائشة يعقد صلة وثيقة بينهما أي بين الرّجل ( المجنون ) و بين المرأة ( عائشة )
    الجنون هو الخروج عن أحكام العقل و عن مواضعات المجتمع هو ضرب للمنطق و هو قرين الهلوسة و الهذيان و التّداعي.
    كلمة المجنون تستدعي ذلك الإرث الشّعري في غرض الغزل ( مجنون ليلى - مجنون لبنى )
    فهل أنّ مجنون البيّاتي استنساخ أو توالد لمجانين الشّعر القديم ( صدى هؤلاء المجانين ) من باب العجز عن استحداث وسائل تعبيريّة جديدة أم أنّه استحضار واع يهدف إلى تأصيل التّجربة الشعريّة ( المزاوجة بين القديم و الحديث و خدمة المعنى النّاظم للنصّ )؟
    و هل أنّ هذا الاستدعاء للقديم يخذل إنتاجيّة النصّ و مقروئيّته أم أنّه يسير به بعيدا في دُروب الحداثة؟
    عائشة: اسم علم مؤنّث، اسم موغل في القِدم، اسم تُراثيّ يُحيل على عائشة زوجة الرّسول
    هذا الاسم شديد الارتباط كذلك بتجربة الشّاعر:
    هي فتاة تعرّف عليها الشّاعر منذ طفولته و لكنّه فُوجئ بموتها و قد أثّر فيه هذا الحدث تأثيرا بالغا و ألهمه ذلك لكتابة عدّة قصائد حول عائشة
    تتجرّد عائشة في هذا النصّ من دلالاتها المرجعيّة لتتحوّل إلى رمز
    تصبح عبارة مُشعرنة، أي أنّها تبتني دلالات جديدة في سياق النصّ و بقدر تحرّرها من الواقع تُصبح مِجرّة من الدّلالات غير النهائيّة و مفتوحة على التّأويل.
    5- المدخل الإيقاعي
    التخلّي عن عمود الشّعر و تعويض البيت الشّعري بالسّطر.
    التخلّي عن الأوزان مع الالتزام بالتّفعيلة.
    تنوّع القوافي.
    ترديد اللاّزمة الإيقاعيّة: " و أسفاه.. ذهبت صيحاتنا سُدٌى "
    يجبُ أن ننظُر إلى الإيقاع كدالّ شعريّ يحتاج إلى التّأويل، بهذا المعنى يُصبحُ الإيقاع ( الدّاخلي و الخارجي ) عُنصرا مُوجّها للمعنى و خادما له فهو ليس عُنصرا شكليّا فقط بل يُسيّج حركة المعنى في النصّ.
    إنّ تحرّر الشّاعر من عمود الشّعر و من الأوزان و من وحدة القافية يُمكن أن يؤوَّل باعتباره حركة غير مُنضبطة مُتمرّدة على القواعد و القوانين مُخترقة للسّنن و المواضعات، و في ذلك انسجام مع المعنى النّاظم لكلّ القصيدة أي ذلك التّداعي الحرّ الذّي يتحوّل فيه النّظم إلى ضرب من الهذيان و الهلوسة و الحلم المُفارق لأحكام العقل و منطِق الجماعة و نظام الكون.
    6- الحركة الأولى: الموت
    تغلب على هذه الحركة الجمل الفعليّة ( تواتر الأفعال: خبّأ - رأى - تطوف - نادى - هوت - نثرت - كتبت ) الدّالة على الحركة، و هي حركة ذهنيّة ( فعل رأيت يتجرّد من حاسّة البصر ليتّصل بالرّؤيا أو البصيرة أو الحلم ) و القرينة الدّالة على ذلك: " خبّأت وجهي بيدي " و حركة ماديّة ( تطوف - نثرت - كتبت )
    إنّ فعل الرّؤيا أو الحلم في هذا النصّ انشقاق عن الواقع و هروب منه و رغبة في تحرّر الذّات من إساره و تطلّع إلى واقع بديل يتحقّق فيه منشود الشّاعر.
    فعل " خبّأت " مُفعم بدلالات سالبة، فالذّات الهاربة من مأساة الواقع توهّمت القدرة على الفعل و الاختيار. و لكنّها كانت محكومة بسلطة الواقع الذّي أجبرها على ذلك الفعل و لسان حالها يقول: " مكره أخوك لا بطل "
    إنّ الهروب من الواقع و الاتّجاه إلى الحلم و الرّؤيا سار في اتّجاهين:
    - أجهض مشروع الشّاعر في تأسيس عالم بديل تتخلّص فيه الذّات من أدران الواقع و مآسيه، لتبين جملة من الصّور الشعريّة التّي تنسحق فيها الذّات: ذات الشّاعر و ذات الحبيبة.
    صور شعريّة توسّلت الحقل المُعجمي الدّيني ( عائشة - تطوف - الحجر الأسود ) و الحقل المعجمي للموت ( أكفان - ضريح ) لترسم مشهدا غير مألوف يندرج في نطاق العجيب و الغريب تستعدّ فيه الذّات إلى موتها فتطوف حول ذاك المكان المقدّس طلبا للخلاص من أدران المادّة و يتحوّل فيه صوت العاشق إلى فعل سالبٍ للحياة فتستحيل الحبيبة رمادا و كذا الشّاعر.
    إنّنا أمام مشهد تتحلّل فيه الذّات العاشقة و المعشوقة و تنسحق فتتحوّل إلى رماد تنثره الرّيح و كأنّ هناك رغبة في التحرّر من سلطان هذا الواقع المتعفّن.
    - إنّ هذا الهروب يتحوّل إلى مشروع يتحقّق فيه منشود الشّاعر في الوصال و الالتحام بالحبيبة و الحلول فيها " و كتبت أسماءنا جنبا إلى جنب على لافتة الضّريح " و في ذلك استدعاء للإرث الشّعري الذّي تردّد فيه هذا المعنى.
    فهذا جميل بن معمر يقول:
    و جاور إذا ما مُتُّ بيني و بينها *** فيا حبّذا موتي إذا جاورت قبري
    يقول محمود درويش: " أحبّك، أموت "
    العشق بهذا المعنى يتحوّل إلى مشروع موت و فناء
    يقول جميل:
    لكلّ حديث بينهنّ بشاشة *** و كلّ قليل عندهنّ شهيد
    العشق بهذا المعنى يتحوّل إلى مشروع شهادة
    إنّ تحوّل الحبيبين إلى رمادٍ نثرته الرّياح رغبة في الانعتاق من سلطان المادّة و التحرّر من تلك الأرض التّي دنّسها البشر فحوّلت إلى أرض خراب تُعشّش فيها الغربان. لقد انتشرت الأفعال الدّالة على الحركة في هذا المقطع لترسم صُورا مُفجعة و مرعبة تُمثّل مسار انتقال الذّات العاشقة من الحياة إلى الموت.
    لكنّ التّأويل يفتح هذا المقطع على دلالات ثاوية يتحوّل فيها القُبح إلى جمال، فتكون تجربة الموت انتصارا للحبّ و العشق و هو ما يجعلنا نتحدّث عن جماليّة القبح في الشّعر العربي الحديث.
    القبح بهذا المعنى رفض للواقع و انشقاق عنه، فالذّات الحالمة بواقع مُغاير ستسحقها تلك الغربة النّاتجة عن تلك المفارقة بين الموجود و المنشود
    فما مظاهر هذه الغربة؟
    7- الحركة الثّانية: الغربة
    انفتح المقطع الثّاني بنصّ فرعي ورد على لسان عائشة الحبيبة، إذ اخترق صوتها عالم القصيدة و كأنّ هناك رغبة في تكسير ذلك الصّمت الذّي لازمها في الحركة الأولى.
    حركة حدّد مآلها صوت الشّاعر ( ناديتها ) الذّي أدّى إلى احتراقها و احتراق العاشق بعدها.
    فهل أنّ صوت عائشة في بداية المقطع الثّاني قادمٌ من عالم الأموات أم هو صوت سابق لتجربة الموت؟
    إنّ الإجابة عن هذا السّؤال تفتح مجال التّأويل على مصراعيه، فالصّوت تردّدت فيه جملة فعليّة ( سينتهي النّهار ) أشارت إلى زمن المستقبل القريب ( أكّدت هذا المعنى العلامة اللغويّة: " عمّا قريب " ) و دلّت على الانتقال من النّهار إلى اللّيل أي من النّور إلى الظّلمة و من الحياة إلى الموت.
    غير أنّ هذا الموت المنتظر تشي حركة النصّ بكونه موتا لاحقا للموت الأوّل و القرينة النصيّة الدّالة على ذلك ( فُتحت للبدويّ و هو في غربته الأبواب ) و قد وظّفت المرأة الحبيبة صيغة الأمر الدّال على الالتماس لتأكيد تلك الرّغبة الجامحة في الوصال و التوحّد ( ضُمّني بين ذراعيك ) و الانطلاق و طلب الارتواء ( خذني نحلة عطشى إلى الأزهار ) و التحرّر و الانعتاق ( بين البحر و السّماء و الصّحراء ) و هنا تحضر مرجعيّة التصوّف التّي تتوق إلى التّسامي عن طريق " تعذيب الجسد أملا في الوصول إلى تلك اللّحظة التّي تتحرّر فيها الرّوح من إساره فتصعد إلى ذلك العالم العلوي و تتّحد مع الذّات الإلهيّة: الحلول في الذّات الإلهيّة )
    إنّنا أمام تجربة العشق الصّوفي التّي استدعاها الخطاب الشّعري من التّراث العربي القديم و أثبتت تأثّر البيّاتي بالشّيخ الأكبر ابن عربي.
    صوت الحبيبة إذن اخترق عالم الشّاعر و هو في غربته ( فرنسا ) بعيدا عن موطنه ( العراق ) و كأنّه حمل معه ذكرى حبيبته عند خروجه من وطنه و كأنّ المقطع الأوّل القائم على الحلم و الرّؤيا استدعاء لتلك الحبيبة و رغبة في أن تحمل الرّيح صورها العالقة في العراق إلى منفاه.
    صوت اقتحم عالم الشّاعر اقتحاما و فتح النصّ على أبعاد رمزيّة، فكانت الحبيبة هنا رمزا للتحرّر و الانعتاق.
    تُواصل القصيدة إلغازها و غموضها فكأنّها تسعى إلى تعمية المعنى و العصف بأفق انتظار المتلقّي، فصوت عائشة كان يُوهم بالمفعوليّة من خلال انتظار ذلك القدر المفتوح على النّهايات ( سينتهي ) لتكون عبارة ( مدّت يدها للنّار ) نقضا لهذا المعنى و إثباتا لرغبة المرأة في صنع هذا القدر و كأنّ الاحتراق المعبّر عن تجربة الموت قرار ذاتيّ تتحرّر فيه الذّات من براثن ذلك الواقع.
    غير أنّ مآلات ذلك ( مدّت ) كانت مُربكة تفتح النصّ على التّأويل، فالعلاقة بين السّبب و النّتيجة كانت غير منطقيّة، فما العلاقة بين مدّت يدها للنّار و بين احتراق السّفينة في بحر قزوين و فتح الأبواب للبدويّ؟
    إنّ تأويل هذه الأسطر الشعريّة القائمة على منطق فنّيّ يناقض منطق الوعي و أحكامه باعتبار النصّ ضربا من التّداعي الحرّ يحتاج إلى تدبّر الأبعاد الرّمزيّة لها، فقد تكون هذه السّفينة هي عينها عائشة بما تمثّله من معاني الاحتواء و الأمان و الوطن. فيكون احتراقها بهذا المعنى احتراقا للشّاعر و هدما للوجود و فتحا لأبواب الرّعب و الجحيم. و هنا تنقطع صلات الشّاعر مع العالم الخارجي فيكون احتراق الحبيبة احتراقا للوجود " فلا كوكب الصّباح مازال مضيئا و لا النّاقة مازالت تُثير الشّاعر "
    لقد افتقد الوجود معناه بعد انحلال المرأة الحبيبة و تفسّخها و هو ما يجعلها عنوان الحياة الحقيقيّة بما فيها من خصب و نماء.
    بغيابها تتجرّد الطّبيعة من نبضها فتصير " هباء منثورا " تكنسه الرّيح إلى هوّة الجحيم.
    إنّ هذا الإحساس المُفجع بانهيار العالم زادت حدّته بتلك الغربة الخانقة التّي حاصرت الشّاعر و نغّصت عليه حياته: غربة ماديّة و غربة نفسيّة و غربة وجوديّة
    غربة مركّبة جعلت الشّاعر يبحث عن الخلاص فكان استدعاء المرجعيّة الدّينيّة و الأسطوريّة ملاذا.
    تظهر المرجعيّة الدّينيّة في " سفر الخروج ": هو من كُتب اليهود المقدّسة يُعبّر عن تلك الرّحلة التّي قام بها النبيّ موسى و قومه من مصر إلى بلاد كنعان فرارا من بطش الفرعون.
    يُمكن أن نفسّر استدعاء البيّاتي لهذا الرّمز الدّيني بتلك الرّغبة الجامحة في الخروج من ذلك العالم المُتعفّن و من تلك الغربة المركّبة ( ماديّة و نفسيّة و وجوديّة )
    و هو ما يظهر كذلك في استدعاء الرّمز الأسطوري بنوعيه: التّعازيم التّي تُشير إلى الخرافة و السّحر و كأنّ الشّاعر كان يتطلّع إلى عصا موسى الخارقة التّي ستجلب الخصب و النّماء ( سقوط مطر الأسفار ) أو عشتار آلهة الحبّ و الخصب، و هو ما يشي بتلك الرّغبة في بعث الحياة من جديد و في إخصاب تلك الأرض التّي ماتت و في تحقيق الخلاص.
    غير أنّ هذا الاستدعاء يظلّ مطلبا مستحيلا عبّرت عنه تلك الجمل الخبريّة المنفيّة ( لم نجد... لا تعازيم... ) و بهذا تنغلق الدّائرة المأساويّة فما فُتح بعد غرق عائشة هي أبواب الجحيم و بقيت بوّابة البُستان حُلما بعيد المنال.
    و هنا ينفتح المقطع الشّعريّ على نوع من الوقفة الطلليّة المُحيلة على معاني الخراب و الموت و الفناء، و لكنّ الطّريف في هذه الوقفة التّي مدّت جسور التّواصل بين هذه القصيدة و بين الشّعر العربيّ القديم تلك الصّور الشّعريّة المُبتكرة، فذاك الحبّ الذّي غادر المكان بمغادرة الحبيبة عبّر عنه الشّاعر بطريقة تنقل التّجربة من إطار الذّات إلى إطار الجماعة، فصارت كلّ خيام الحبّ في الصّحراء منهوبة و قد أكّدت هذا المعنى و ثبّتته تلك الجملة الاسميّة التقريريّة، و كأنّ الصّحراء تحوّلت في كليّتها إلى مكان لا معنى فيه للحبّ و القيم السّامية، و لم يبقى للبدويّ أو للمحبّ إلاّ مداعبة الرّباب بما هي تعبير عن تمحّض حياته للحزن و الألم. و حتّى الحيوان ( الغزلان ) الذّي حلّ في المكان أصابه الذّعر بعد أن وقع في مصيدة الموت.
    الانعتاق من التّجربة الذاتيّة و الانفتاح على التّجربة الجماعيّة مظهر من مظاهر حداثة هذا الشّعر.
    إنّ انبناء هذه القصيدة على مبدإ المعاودة الذّي يُكرّس تلك البنية الدّائريّة الدّالّة على استحالة الخلاص من تلك المأساة المروّعة التّي أطبقت على الشّاعر و الجماعة و الوجود يظهر أيضا من خلال اقتحام صوت عائشة عالم القصيدة من جديد و كأنّه قدر لا يُفارق الشّاعر. فالمرأة الفرنسيّة التّي كانت الذّات الشّاعرة تأمل في أن تكون بديلا عن عائشة الماضي أو أن تكون عنصر تخفيف و سلوان أصبحت مشروعا غير قابل للتحقّق، فهي لم تستطع أن تصمد أمام صوت عائشة و لا أن تُرجّح ذاتها أمام قدر عائشة.
    إنّها امرأة تُشبه الرّبيع و لكنّها لا يُمكن أن تتطابق معه ( الرّبيع في باريس يُولد مرّتين... في شكل امرأة ترهص بالبراعم الخضراء و الضّياء و المطر ) بل إنّ الخطاب الشّعريّ قام بتجريدها من ما به يكون الإنسان إنسانا فتحوّلت إلى مادّة بلا روح أو إلى شاة بلا قلب. و هو ما يفسّر ذاك الطّباق الذّي توسّله الشّاعر ( بكيت - تضحك ) فالعلاقة بينه و بين المرأة الفرنسيّة لا يُمكن أن تقوم إلاّ على الانفصال و لا يُمكن أن تتجاوز المادّة إلى الرّوح.
    إنّ هذه المقارنة التّي تنتهي إلى تفضيل عائشة المرأة الشرقيّة على تلك المرأة الفرنسيّة العابرة تُخفي مفاضلة أخرى بين الوطن و بلاد الغربة.
    7- الحركة الثّالثة: الهروب
    توسّل الشّاعر جملة من الحقول المعجميّة في هذه الحركة الثّالثة منها الحقل المعجمي للأدب و الثّقافة ( رسائل - كتب - أكتب ) و الحقل المعجمي للاستبداد و القمع ( أحرق - الفاشست - ختموا فمي - شمع الصّمت - مطارد - مقتول ) و الحقل المعجمي للحريّة و الانعتاق ( هربت ) ليرسم صورة المثقّف في العالم العربيّ. و قد بدت صورة مأساويّة تُصادر فيها السّلطات الدّكتاتوريّة الاستبداديّة حقّ التّعبير عن الأفكار بل و تُصادر فيها حتّى الأحلام. و هو ما جعل المثقّف يستبطنُ مشاعر الخوف و الرّهبة من تلك السّلطة الجائرة.
    غير أنّ هذا المعنى الشّعري اصطدم بمعنى أخر مناقض دلّ عليه توسّل الشّاعر للنّاسخ الحرفي " لكنّ " الدّال على الاستدراك، فمن الظّلمة ينبثق النّور و من الشدّة يولد الفرج و من الاستبداد تينع الحريّة. لقد عبّر الشّاعر عن ثورته على الموجود من خلال تفعيل النّضال و المقاومة، و لو كان ذلك بالهروب المادّي من عاصمة الخلافة ( بغداد ) و هنا يتحرّر الخطاب الشّعريّ من آنيّة اللّحظة ليمدّ جسور التّواصل إلى ذلك التّاريخ المأساويّ الذّي قمع الفكر و صادر الكلمة و اغتال المثقّف، و هو ما قد يفسّر تلك العبارة المأساة التّي اقتحمت النّصّ الشّعريّ ( وا أسفاه... ذهبت صيحاتنا صدى ) و كانت صرخة مدويّة عابرة للزّمن.
    هل يعني هذا أنّ الشّاعر المثقّف قد يئس من التّغيير بعد أن رأى أحلامه تُداس تحت أقدام الرّقيب و بعد أن تمدّد الظّلام و تبدّد النّور و عمّ الخراب و الموت؟
    إنّ انفتاح فعل التّأويل على تعدّد القراءات يُطيح بهذه النّظرة التّشاؤميّة الطّاغية على النّصّ، فهناك قرائن نصيّة تشي بنقضيها، فصوت الشّاعر المثقّف لا يمكن أن يذهب أدراج الرّياح و لا يُمكن أن يكون عملا عبثيّا غير مُثمر. فالكتابة تستحيلُ فعل بعث و تأسيس، بما أنّ القضيّة لا يُمكن أن تٌسقطها بنادق الموت.
    تُصبح الكتابة نارا ملتهبة تلتهم هذا العالم المتعفّن ( زمن الفوضى و عصر الرّعب ) فتحترق تلك الأدران التّي تحدّ من إنسانيّة الإنسان شيئا فشيئا إلى أن يتأسّس ذلك العالم البديل.
    إنّ تفاؤل هذا النّصّ يُولد من رحم المأساة " فالأرض التّي تنهار ستلد حتما الرّجال و الأفكار "
    حداثة هذا النّصّ الشّعري تتأسّس خاصّة من الحلم و الرّؤيا و الخرافة و الأسطورة و الجنون، و هو ما جعل الحدود بين الأزمنة و الأمكنة تندثر و يُعاد تشكيلها فضاءات لكون شعريّ أسطوريّ لا يخلو من غموض مقصود.
    لغة هذا النّصّ و صورة الشّعريّة تتأسّس على الغموض و الإلغاز و تعمية المعنى
    يبدو توظيف البيّاتي للرّمز طريفا في هذا النّصّ، فهو قد توسّله بطريقة مباشرة ( سفر الخروج - عشتار ) و بطريقة غير مباشرة ( طائر الفينيق: الاحتراق ليس عنوان فناء بل هو إيذان ببعث متجدّد )
    هل أنّ مواطن الغموض في هذا النّصّ الشّعريّ هي من أسباب الضّعف أم من عوامل القوّة؟
    و ألا يُعتبر الإلغاز قطعا مع المتلقّي و تعمية للمعنى أمامه أم أنّه حافز على التّأويل و دافع إلى إعادة القراءة؟
    آخر تعديل بواسطة المشرف: ‏7 يناير 2018
    أعجب بهذه المشاركة المنصف الحامدي
  2. المنصف الحامدي

    المنصف الحامدي عضو

    152
    97
    28
    الدّولة:
    تونس
    الولاية:
    صفاقس
    المستوى الدّراسي:
    جامعي
    الاختصاص:
    عربية
    المهنة:
    أستاذ تعليم ثانوي
    قصيدة مجنون عائشة لا تسلم نفسها للقارئ إلاّ بشق الأنفس بل لعلها لا تسلّم له نفسها أصلا ، وهو ما حدا بالناقد العراقي عدنان الظاهر إلى اعتبارها مجرد هذر لغوي غير مسؤول لأنّ غموضها غموض سلبي لغياب المفاتيح التي يمكن توسلها لفك المغالق فيها ... إنّ البيّاتي - حسب هذا الناقد - قصد التعمية و تظاهر بسعة الاطلاع وعِوَضَ إقامة الجسور بينه والقارئ وضع الحواجز حاجزا من ورائه حاجز ...
    شكرا أستاذ على مجهودكم فقد اقتحمتم تلك المجاهل و كشفتم عن المخبوء و وضحتم الغامض فجاء تحليلكم متميّزا بالدقة والعمق والثراء .
    نعم البياتي مثقف مضطهد في زمن عربي يخصى فيه الحلم و الحالمون
    وعائشة تموت ولكنها لا تموت
    هي الحلم ... المبعوثة على الدوام ...
    - إنّ الصراع الدرامي في القصيدة عنيف بين الوجود والعدم وبين الحرّية والاضطهاد و بين البعث والفناء ... هذه الثنائيات هي التي خلقت كونا شعريّا فسيحا متراميا ... أزمنته و أمكنته و شخصيّاته وأساطيره و رموزه ...
    ولكن
    أيكفي هذا لتكون القصيدة متصالحة مع قارئها مستوفية شروط الإبداع ؟
    آخر تعديل: ‏8 يناير 2018