1. الوفاء الدّائم

    الوفاء الدّائم عضو مهمّ

    702
    119
    43
    الدّولة:
    تونس
    الولاية:
    بنزرت
    المستوى الدّراسي:
    خيار آخر
    الاختصاص:
    -
    المهنة:
    -

    محور: من أشكال القصّ... ( رسالة الغفران ) شرح نصّ"عربدة في الجنان"

    الموضوع في 'شرح نصّ' بواسطة الوفاء الدّائم, بتاريخ ‏3 يناير 2018.

    شرح نصّ"عربدة في الجنان"
    الأهداف:
    -الفنيّة:-تعاضد أنماط الخطاب و وظائفها
    -من مظاهر الخيال في النصّ:الإحالة على الواقع
    -من وسائل الإضحاك في النصّ:سوء التّفاهم بين الشّخصيات+الاِختلال في الجنّة
    -المضمونيّة:-نقد مفهوم الشعر و وظيفته في نظر بعض المدارس النقديّة
    -التّناقض بين مبدإ العدالة الإلهيّة و مفهوم الشّفاعة و علاقة ذلك بالأوضاع السياسيّة و العقائديّة السّائدة في عصر أبي العلاء
    1-موضوع النصّ:
    يجسّد النصّ خصومة بين شاعرين يتمّ إنهاؤها بتدخّل ابن القارح.
    2-أقسام النصّ:حسب مكوّنات النصّ السّرديّ و أنماط الخطاب
    أ-الخبر/الحكاية
    ب-الخطاب:
    -السّارد و السّرد
    -الوصف
    -الحوار
    التّحليل:
    1-الخبر:الحكاية
    ينفتح النصّ بخصومة بدايتها اِضطراب ترجمه الغضب الذي اِسْتبدّ بالنابغة الجعديّ و قد قابله بالمفاخرة و المفاضلة،خطّة سرديّة تتجاوز الاِضطراب بآخر معاكس.و ذلك شأن ما كان مع الأعشى الطرف الثاني:اضطراب و غضب فحركة معاكسة بالمفاخرة و المفاضلة أيضاً.ثمّ إنّ الخصومة ذاتها تطوّرت من مستوى الأقوال:"أتكلّمني بمثل هذا الكلام يا خليع بني ضُبيْعة.."إلى مستوى الأفعال و العنف الماديّ:"فيضربه بكوز من ذهب..".و قد كان لاِبن القارح فضل فضّ النّزاع بين الشخصيّتين حين تدخّل قولا:"لا عربدة في الجنان".
    2-الخطاب:أساليب الحكاية( أنماط الخطاب )
    أ-السّارد:و هو في هذا النصّ خفيّ لا وجود له،إذ لا يشارك في الأحداث بل يقتصر دوره على نقلها،و وصف الحركات،و توزيع الأقوال بين الشّخصيّات.
    -السّرد:و مادته في النصّ كانت قليلة،إذ تميّزت بالإيجاز.من ذلك قول السّارد:"فيغضب أبو بصير.."و فيه إحالة على الأبعاد النفسيّة المتوتّرة،و قد كانت بسبب اِستفزازات الجعديّ،و هو ما يعني أنّ المعرّي قد غاص في أعماق شخصيّاته،على خلاف ما يرى البعض،و إن كان الأمر غير كثيف.
    و من مادة السّرد أيضاً نجد قول الرّاوي:"و يثب نابغة بني جعدة على أبي بصير فيضربه بكوز من ذهب.."و الفاء بين الفعلين ترجمة للتّعاقب السّريع بينهما.و ذاك التّتابع بين الأفعال،و إن كان زمنيّا خطيّا،فإنّه تصاعديّ تصعيديّ لحركة الانفعال،و هو إلى ذلك تصعيد مفاجئ به تحوّل ردّ الفعل من القول إلى التدخّل المباشر الذي اِتّسم بالعنف.و المفاجأة إنّما هي وليدة تلك المفارقة بين المقام و الفعل،بين جنّة القداسة و الخشوع و الوقار...و بين فعل الخصومة و العربدة..فلا يجد القارئ غير أن يعجب و يتعجّب.بل لا يجد إلاّ أن يضحك من تلك المفارقة السّاخرة التي أقامها المعرّي بين صورة الجنّة القرآنيّة،و من ذاك قوله تعالى:"إنّ أصحاب الجنّة اليوم في شغل فاكهون.هم و أزواجهم في ظلال على الأرائك متّكئون.."بينما كان أصحاب ابن القارح في شغل متخاصمين.و عليه فإنّ النصّ القرآني حاضر في ذهن أبي العلاء و هو يشكّل صوره السّاخرة.و لا نعني بالمعارضة أنّ مقاصد المعرّي تتّجه إلى التهكّم من النصّ المقدّس و إنّما تنهض السخريّة بوظيفة نقديّة قوامها فضح سلوك إنسان العصر.
    ب-الوصف:
    و منه ما تعلّق بالمكان و مكوّناته فكان توظيفه ضئيلا،و من ذلك وصف الكوز بأنّه"من ذهب".و الإحالة على معدنه الثّمين تصوير لملامح النّعيم في الجنّة التي بدت ماديّة لا تختلف مطلقا عن حال الدنيا،و ما عرفتْه من بذخ زمن المعرّي،و على ذلك تشهد بلاطات الأمراء.
    و من تجلّيات الوصف أيضاً ما تعلّق بالشخصيّات،و خاصّة منها الخصمان:الأعشى و الجعديّ بطليْ تلك العربدة.و لئن تشكّلت ملامحهما انطلاقا من البعد التاريخيّ الدنيويّ-فكلاهما كان شاعرًا-فإنّ حظّ الخيال في وصفها كان كبيرا،إذ الأعشى،و هو العربيد المستهتر في الدنيا،تحوّل في النصّ العلائيّ إلى رجل"وقور في المجلس،لا يخفّ عند حلّ الحُبوة"بينما تحوّل الجعديّ من وقاره و عزوفه عن الخمرة في الدّنيا-بل وجبت له الجنّة بالحنفيّة-إلى رجل عربيد لا يرى لقداسة الجنّة حرمة.فتعاودنا حينئذ المفارقة،و هي ههنا بين ما كانت عليه الشخصيّات و أفعالها في الأرض/الدنيا،و بين ما أصبحت عليه في السّماء/الجنّة.مفارقة تلاحق القارئ فلا تثير فيه غير الضحك.
    ج-الحوار:
    و هو المادّة الأكثر تواترا في النصّ ممّا يعني أنّ الرّاوي قد تخلّى عن وظيفته للشخصيّات لتبوح بأسرارها.
    و في الحوار يرى البعض ضربا من انحراف النصّ/الرحلة إلى أبعاد مسرحيّة فرجويّة مثل ما ذهبت إلى ذلك بنت الشاطئ،و إن كان الأمر قابلا للردّ من مواطن عدّة.
    أمّا بخصوص الحوار و دوره في النصّ،فنسجّل أنّه كان سجالا/خصاما بين الطرفين( الأعشى و الجعديّ ) بحكم ما دار بينهما من مفاضلة فمفاخرة.و قد تأسّس على جملة من الأساليب اللغويّة و البلاغيّة،من ذلك توظيف التوكيد اللّفظي:"...إنّ بيتا ممّا بنيتُ ليعدل بمائة من بنائك.."و التوكيد المعنويّ ممثّلا في القسم:"أقسم أنّ دخولك الجنّة من المنكرات.."و اللّجوء إلى الاستدراك و الشرط و الاستفهام و الأمر:أساليب متعدّدة ترد منسجمة مع أجواء المفاخرة ذاتها،و ما تقتضيه من مفاضلة مدحا و ذمّا،احتجاجا و دفاعا عن الذات و حطّا من منزلة الآخر و إضعافا لحجّته.غير أنّ الأمر تعدّى إلى الطّعن في الأخلاق و القيم.من ذلك قول النابغة:"أتكلّمني بمثل هذا الكلام يا خليع بني ضُبيْعة..".
    ذلك أبرز ما يجود به اِستنطاق البناء العامّ للنصّ.و لكنّ القراءة تظلّ مبتورة ما لم نمْعن الحفر في أعماقه و بين ثناياه.فالنصّ كشف بعضا من ملامح الجنّة العلائيّة الخياليّة،إلاّ أنّ البعد التخييليّ فيها لا يتجاوز الواقع الأرضيّ حتّى يعود إليه لينغمس فيه.فالسّارد أجرى الحياة في الجنّة بمثل ما كانت و مازالت عليه في الدنيا:منادمة و مفاخرة و خصومة،إنّه منطق الجنّة العلائيّة و قد تواصل فيها السلوك الإنسانيّ الأرضيّ.و كأنّ الآخرة و جنّتها كالدنيا و أرضها مُنخرمة النّظام،إذ تجرّدت من منطقيّتها و زايلتها روحانيّتها العالية.و قد أُبيح فيها التلفّظ بشعر إباحيّ رآه الجعديّ حجّة للاعتراض على دخول الأعشى إلى الجنّة،بيننا علّق ابن القارح على ما يجري من خصومة-قولا و فعلا-بقوله:"لا عربدة في الجنان،إنّما يُعرف ذلك في الدار الفانية بين السّفلة و الهجاج"و منه تنبثق صورته وَرِعًا تقيّا.و لكنّ الذي حدث في الجنّة هو من جنس ما يقوم به"سقط المتاع"في الدنيا،فهل غَدَتْ الجنّة مرتعا للسفلة؟ و إن كان المعنى سفلة و هجاجا في الفردوس العلائيّ،فهل هي التّراتبيّة الطبقيّة فيها..؟ خاصة و أنّه لا أحد اِعترض-بصرامة-على فعلة الجعديّ و قد عُرف عنه أنّه-تاريخيّا-من أنصار الشيعة الأوائل.
    لعلّها إشارة المعرّي خفية إلى موقفه من سلطة الشيعة عامّة و بني بويه خاصّة،سلطة القوّة لا العدالة،إذ الحجّة أعْيت النابغة فلجأ إلى منطق القوّة،و في ذلك أيضاً قد تكون الإشارة أكثر خفاء إلى ما عرض إلى أبي العلاء نفسه حين أراد الاِنتصار للمتنبّي في مجلس الشريف الرّضى و أُطرد..مثلما ضرب ابن خالويْه أبا الطيّبِ في حضرة سيف الدولة..!
    و هكذا تتشعّب المسائل و القضايا في النصّ العلائيّ،عقائديّة تفتح باي السياسيّ،و سياسيّة تنفتح على ما هو أدبيّ.و ههنا مظهر من مظاهر طرافة الغفران لما تسمح به من قراءات باِعتبارها نصّا إبداعيّا كلّما أوغلت فيه تجلّت لك قضايا جديدة. فلا غرابة،و الحال هذه،أن يرد النصّ العلائيّ مسكونا بهاجس السّؤال الحارق.و هو في هذا المقطع من قسم الرحلة يؤسّس لموقف يشكّك في النظام الإلهيّ،و ينزع الاطمئنان إلى عدالته،بل يشكّك في علمه و قد جاز تصوّر الغلط عليه.جاء ذلك على لسان النابغة حين صرّح قائلا:"...و لو جاز الغلط على ربّ العزّة لقلت:إِنَّكَ غُلِطَ بك".و حتّى بحلمه في موقف آخر حين يقول ابن القارح:"أما علمتما أنّ آدم خرج من الجنّة بذنب حقير".
    لقد أتاح الرّاوي للشخصيّات أن تتكلّم و تتصرّف في النصّ حسب إرادتها و أهوائها فكان الخلل في أقوالها و أفعالها،خلل يتولّد من المفارقة بين المقام ( الجنّة ) و بين المقال و الفعل،فكان الإضحاك،و به تنهض السّخرية.و عليه،فهل رحلة الغفران غير سفر بين العقل و الفنّ،هزءا بل رفضا و نقدا لكلّ عقيدة/تصوّر يرى الجنّة فضاء عربدة و دَنَس،رفضا و نقدا لكلّ سلوك يحكّم الخمرة و تبعاتها،و لا يعتدّ بالعقل و رصانته..؟
    إنّه المعرّي يضحك،يسخر و ينقد،يهدم فلا نغبطه شرف البناء أو إعادة التأسيس،بناء ما هدمه إنسان القرن الخامس بتصوّراته السّخيفة.و الهدم و البناء،ههنا،لا يطال قضايا العقيدة إلاّ بقدر ما يلامس المسائل الأدبيّة و النقديّة.ملامسة تبدو في النصّ من خلال النّظر إلى معيار الجودة في الشّعر:أهو الكمّ و الكثرة أو الإسهاب بما هو نفس شعريّ طويل لغة و معنى..؟
    معيار أكّدنا عليه النابغة الجعديّ،و رآه آية تفوّقه على غيره من الشعراء،فقال:"و إنّي لأطول منك نفسا،و أكثر تصرّفا،و لقد بلغت بعدد البيوت ما لم يبلغه أحد من العرب قبلي..".تصوّر يرفضه الأعشى في صورة بلاغيّة طريفة أخرجت"شاعر الإسهاب"-إن جازت العبارة-في الصورة خاطب اللّيل لا سبيل أمامه لإدراك الجيّد من الرّديء.فرأى فضل إجادة في الكيف لا في الكمّ حين ردّ مخاطبا الجعديّ:"و إنّ بيتا ممّا بنيت ليعدل بمائة من بنائك".و هو موقف يؤسّس الملاءمة بين اللفظ و المعنى،بين الفكرة عمقا و الصّياغة إيجازا شأن ما كان مع المعرّي في لزوميّاته،و منه يكون انتصاره لرأي الأعشى.
    و إلى ذلك يعرض أبو العلاء إلى شعر المدح و صورة المدّاح نفاق و كذب،تكسّب يرى أبو بصير صاحبه في صورة مجازيّة مقذعة-كلبا نابحا طاف الأحوية المنتبذة-فأين الصّدق في هذا الشعر و ناظمه..؟
    و من صفة الصّدق هذه تتسرّب إلى النصّ إشكاليّات أخرى هي من قبيل الدعوة إلى التفريق بين الشاعر و مت يقول،و بين الفنّ و حياة صاحبه.و قد يكون غضب النابغة على الأعشى حين وثب عليه إلاّ في بعض مظاهره اِحتجاجًا على اِتّهامات لحقته:ألست القائل:
    فدخلْت إذ نام الرّقي بُ فبتّ دون ثيابها
    فهل للنقد مقاييس فنيّة أم معايير أخلاقيّة أو حسابات شخصيّة..؟
    تلك بعض من مسائل الأدب و النقد شغلت أبا العلاء،و كأنّه يريد تأسيس مدينته الفاضلة في حنّته المتخيّلة و قد جعلها منتدى لرجال الأدب و من لهم به علاقة،مدينة رفض فيها كلّ زيف./.
    & محمد رمضان الشابي
    ملاحظة:
    يمكن تقسيم هذا النصّ وفق التمشّي التالي:النّسق التصاعديّ ثمّ الانحدار نحو الهدوء.
    أعجب بهذه المشاركة المنصف الحامدي
  2. المنصف الحامدي

    المنصف الحامدي عضو

    161
    115
    43
    الدّولة:
    تونس
    الولاية:
    صفاقس
    المستوى الدّراسي:
    جامعي
    الاختصاص:
    عربية
    المهنة:
    أستاذ تعليم ثانوي
    تحليل يتميز بالشمول صِيغ بلغة جزلة