1. الوفاء الدّائم

    الوفاء الدّائم عضو مهمّ

    702
    119
    43
    الدّولة:
    تونس
    الولاية:
    بنزرت
    المستوى الدّراسي:
    خيار آخر
    الاختصاص:
    -
    المهنة:
    -

    بحوث تربويّة و بيداغوجيّة صعوبات تعليم العربيّة في الثانويّ

    الموضوع في 'فضاء الإطار التّربوي' بواسطة الوفاء الدّائم, بتاريخ ‏30 ديسمبر 2017.

    صعوبات تعليم العربيّة في الثانويّ
    سلوى العباسي


    يزعم تعليم العربيّة في الثّانوي أنّه فاتحة على ممارسات لغويّة غير متناهية العتبات و المآرب، تتقصّد كائنا شديد التعقيد والثراء هي الظّاهرة الأدبيّة بشتّى تجليّاتها، " مّما قد يجعل كلّ الممارسات المجراة على الأدب، لا تنفصم فيها عرى المكتوب عن المقروء،بل لعلّ كلّ مقروء فيها هو مشروع مكتوب، وكلّ مكتوب هو ناتج ضروريّ لنسق قراءة "لسانية واصفة" أو "ميتاليسانية" تنقل لنا معنى اللغة من داخل اللغة نفسها، ومنها يُستمدّ فائض القيمة وتعاد حياكة النّسيج القرائي بمغارز جديدة. فضلا عن القراءة الأدبية تقتضي امتلاك مدركات "الوعي الاختلافي " بفرادة الظاهرة الأدبيّة الذي يناقش بدوره وعيا مؤسسا أو "ممأسسا" يسترفد من آثار التبادل الإنتاجي الثقافي الاجتماعي لذاك الكائن المسمّى أدبا والذي قارب أن يكون حيّا ،لذلك لطالما نعت تدريس الأدب مقارنة ببقية التعلّمات الموصولة بتعليم لغة من اللّغات بـ"المسار اللغويّ الطويل المرهق"
    ففي الثانوي نحن لا نعلّم لغة القواعد النحويّة والصرفيّة والبلاغيّة والعروضيّة وإنّما نعلّم "لغة الأدب"،ولا نعلّم النصّ الخالص، بل ندرّس النصّ الأدبيّ بعينه وبجنسه مفردا ومتعدّدا،بنية وأسلوبا،شكلا وخطابا،مغزى وقيمة، وقولا ملقى داخل مقام، فتصله بالذّوات القارئة والكاتبة صلات متشعّبة،تتطلب حسب الباحث البيداغوجي "ميشال بنعمو"( Michel Benamou) " بيداغوجيا جديدة للنصّ الأدبيّ" :
    1- كفاية لغوية: معجمية ونحوية تسمح بتقصّي مدلولات الألفاظ النصيّة في أبعادها (الاتساقية الانسجاميّة) والقدرة على فهمها وترجمة ذلك الفهم تلخيصا
    2- كفاية أسلوبية تجعل القارئ يقف على صور المجاز الأدبيّ وانزياحاته ومعانيها المباشرة وغير المباشرة
    3- النّفاذ إلى التجربة الجماليّة كليّا (دون تجزيء أو نبذ للمراجع)
    4- تأويل المنطوق النصيّ الأدبيّ في خطاب متّسق مفهوم ( واستخدام الأجهزة القرائية المناسبة المؤدّية للغرض)

    فالقراءة الأدبيّة حسبه تنجز وفق مسار طوريّ يتم بقطع مراحل ثلاث:
    1- الطوّر الدلالي (Phase sémantique): فهما وتفكيكا وتأويلا
    2- الطوّر "المحاكاتي"(phase mimétique بالتّماهي مع العالم المقروء والقدرة على ترجمته خطابا
    3- الطّور الجمالي الموصول بالذّائقة والتذوّق(phase esthétique)

    وفي المقابل يجد مدرّس العربية في الثانوي نفسه ومهما كانت الشعب والمستويات قبالة جمهور لا يقرأ الأدب أو لا يحسن قراءته حتى غدت تعليميّة النصّ الأدبي توسم بـ "تعليميّة ما لايرى"(la didactique de l invisible) وبأنّها مجال "غيبة" أو "تغييب" كليّ لما يجدر بالقارئ المتعلّم إدراكه من عوالم ومعالم قبل أن يلج عتبة المعنى.

    علينا أن نعلّم الأدب، مهما كانت الصعوبات والمعيقات والمشاكل،بل" - حسب رولان بارط" كلّ الاختصاصات يمكن أن تقصى بمفعول بربرية مفرطة أومجتمعية فائقة ،إلاّ الأدب لزام علينا تدريسه والحفاظ على وجوده في مدارسنا لأنّ في المعلم الأدبيّ تلتقي كلّ العلوم وكلّ التخصّصات "

    1/مشاكل الدّرس الأدبيّ في الثّانويّ

    1- "الدّافعية والحاجة إلى تعلّم الأدبيّ":
    من حقائق البديهيات التي توصّل إليها علماء المعرفة (العرفانيون)أنّ ثمّة قوى ونوازع جيّاشة تعتمل في داخل كلّ ذات عارفة تكون نتاج استثارة وجدانية فتُحدث بدورها في الذّهن البشريّ سيرورات انفعال وتحفّز لاستقبال المدروس تيسّر بعد ذلك عملية حصول معرفة ،وإلاّ صار الأمر عصيّا مستعصيا أوضربا من ضروب اللغو وإضاعة الوقت ومنها علينا أن نعتبر القيمة المركزية لمفهوم "الدّافعيّة"(La motivation)
    والتي تعبّر في سياقها المدرسيّ حسب تعريف "رونارد فيو(Ronald Viau :" كلّ حال ديناميّة لها عواملها الرّاتبة في تمثّلات المتعلّم لذاته ومحيطه والتي تشكّل دافعا له نحو التعلّم والقيام بنشاط مّا عن طواعية وبانخراط تامّ إلى حين تحقيق هدف من ذاك التعلّم"
    إذن فلها علاقة وثيقة بـ"تقدير الذّات" ووعيها بقدراتها وحجم إمكاناتها واستراتيجيات تعلّمها ومدى رغبتها في النّجاح أو الفشل
    حينئذ وجب القول إنّه قد آن الأوان الذي وجب فيه أن نكفّ عن التعامل مع الأدب موضوعا تعليميا أو بصفته "شيئا للتعلّم" يطوّع فحسب خدمة لأهداف المدرسة ، لندرّسه أوّلا من أجل الذّات المتعلّمة وثانيا لذاته ومن أجل ذاته لنتعلّم كيف نعلّم دارسه أن يقدّر ذاته من خلال تقدير قيمة ذلك الأدب في ضرب من ضروب البيداغوجيات القديمة المتجدّدة التي تعمل "ثني الأعناق واستمالة القلوب" نحو ما ندرّس، تماما كما كان ينظر أجدادنا العرب القدامى إلى القيمة الأدبيّة ونقدها.
    هكذا يكون بناء المعرفة بالأدب على"تعيير القيمة الأدبية" في ثباتها وتغيّرها في تداولها وتصوّرها فيدعى المتعلّم إلى أن يرتسم لنفسه هدفا من تعلّمها في وقت يجد فيه نفسها متورّطا في الفعل القرائيّ نفسه فعل تماه ومماهاة فلا نكتفي حينها بالفهم والإفهام والتنميط والتقسيم والتشريح ويكون التساؤل الملحّ في بداية كلّ مشروع تعلّم. كيف أجعل درس الأدب ممارسة تواصليّة تستثير الدّافعية وتشحذ الحاجة وتحرّك الهمم ربّما كان ذلك من أجدى الحلول لتصحيح علاقتنا التعليميّة بجيل من المتمدرسين بات ينبذ كلّ ما لايعنيه ويهدر في المقابل جهدنا التدّريسيّ ويجابه جدّيتنا المفرطة بكلّ فنون الاستخفاف والتّنكيل. وهو ما أشار إليه تقريبا "تزيفتان تودوروف"( Tzvetan Todorov) مقرّا أنّ "رغبتنا في تجاوز التصوّر المضيّق للأدب الذي يظهره كما لو كان منقطعا عن العالم الذي نحياه،هي التي تبرر تساؤلنا عن المعنى والحاجة إلى درسه "
    فالقراءة الأدبيّة في الثّانوي تظلّ موزّعة بين بعديها "الأثري"أي "الإنشاء الجماليّ المخلّف لفعل الكتابة" والذي "تتصيّده القراءة على نحو مّا" بكلّ تركاته ومواريثه التاريخيّة الثقافية الاجتماعية الرمزيّة ،و بكلّ ما كان منشدّا إلى التّجربة الجمالية للمبدع وبين "النصيّ" أي " الأدب وقد استحال رمزا لغويّا مكتوبا" محصورا معلّما (من العلامة) يعرف من حدود فضائه الكتابي.
    ولعلّ من أبرز عيوب تناولنا التعليميّ الحاليّ لدرس الأدب في الثّانويّ تغلّب "النصّ" على "الأثر" وتغليب البعد الشكليّ على التّداولي بكلّ ما تطرحه قضيّة "الشّكلنة من مشاكل" مفاهيميّة اصطلاحية منهجيّة تثير قضيّة الأجهزة القرائية التي وجب توظيفها لاجتراح مقروء بعينه.

    2- مشكل النحو الأدبيّ:


    من الحقائق البديهيّة في المجال العرفاني الموصول بتعليم الأدب أنّ المتعلّمين لا يتعلّمون بسهولة بنية خطابيّة مجهولة النّسب أو الانتساب، مطموسة أطر الإحالة،فلعلّ تدريس الأدب يكون أيسر باعتماد نمذجات الذّاكرة الخطابية ومنها إرساء مسارات المقارنة والمقايسة بين الأدب المدروس وأشباهه واستدعاء المخزون الدلالي الرمزي مّما تضجّ به عوالم التلميذ وما يتحرّك في ذاكرته من بنى حيّة حافلة بالقصص والمشاهد والمواقف والأقوال.هذا ينسحب أيضا على القوالب الأجناسية والنصيّة المدرّسة باعتماد مناول نحوية فكما لا تتعلّم لغة أجنبيّة تعليما جيّدا الاّ باستثمار آثار التداخل اللغوي وأوجه التشابه بين الأنحاء، وهو ما يعرف في تعليم اللغات الأجنبية للناطقين بغيرها بـ"النحو الترجمان"(la grammaire traduction)كذلك للأدب نحوه وأنحاؤه التي تفرّقها الكتابة وتجمعها الممارسات القرائية الشّارحة الواصفة الضابطة للقواعد والقوانين والميزات، ليغدو تدريس الأدب المكتوب ضربا من ضروب المثاقفة مع الثقافة الشفويّة للمتعلّم وهي الذّاكرة الخطابية بعيدة المدى التي منها تتنزّل مصادر التخييل وفيها تستقرّ مراكز التأويل.
    يقع الأدب بين حدّين كالظاهرة اللغوية تماما:
    حدّ النظري التقعيديّ المقنّن الثابت ("العيار الأدبيّ" و"المعرفة الأدبيّة الخالصة")وحدّ المنجز المتعددّ المتبدّل المتحوّل المنفلت يتأبّى على كل محاولة لتنميطه وجعله فاقدا لصفة الفرادة (الإبداع و"المعرفة الأدبيّة المنجزة").
    ونحن نرى أنه قد آن أوان اكتشاف آثار التعامل النّمطي الشكلاني في تقليص نتائج رؤيتنا التعليميّة إلى الأدب العربيّ(ومن ورائه تعليم النصّ بأنواعه وعبر مختلف مقامات التلقي والإنتاج)،لا سيّما وهي تدّعي أنها تشتغل بـ"المقاربة التّواصليّة".فليس من المعقول أن لا تراعي "الكفاية" المجاليّة لتعليم اللغات وجود "ذاكرة ثقافية خطابيّة مّا" (أي أدبيّة أيضا)، تعتمل آثارها في السلوك التعليمي التعلّمي للمتعلّم وأن لا تعي مدى تأثيرها في توجيه علاقته بالظواهر الأدبية بوعي منه أو دونه.
    هناك ما يعرف في علم الاجتماع بـ"الشخصية الثقافية الحضارية" المميّزة بتاريخها الجمعي وخصائصها الإناسيّة التي تجعل لغة الأدب المدرّس والمتعلّم وثقافته هو مختلفة في فنونها وآدابها وقيمها الأدبية وموضوعاتها و"أغراضها" وأجناسها عن ثقافة غيره، حتى وإن جمعت نظريّة الأدب ماتناثر وتفرّق من نماذج النصوص والآثار والتجارب والخطابات في رؤبة واحدة.
    لقد جعلت المعرفة النصيّة ثراء الظاهرة الأدبيّة وبذخ أشكالها بمثابة ترسيمة كونية موحّدة لتخضعها إلى آلية "النمذجة والتصنيف والتقعيد،وهذا لأنّ غايتها في الأصل أن تبني معرفة كليّة بـ"نحو الأدب" ونظريّته الواصفة عسى أن تسبغ على تلك المعرفة قيمة نظامية لا تستقيم إلاّ بمحاصرة خطاطة الأشكال وصنافة الأجناس والأنماط والأنواع .
    يعدّ المشروع مفيدا من جهة "عرفانية" تركّز الوعي "الخطاطي" بالبنى القوليّة المنتجة للأدب وأشكال خطابه إلا أنّها من جهة أخرى،قد تغيّب الذوات القارئة بصفتها ذوات مريدة، راغبة، مرتغبة في ما تقرأ تختار الانخراط في فعل القراءة النصيّة الأدبيّة لأنها ترى فيه "فعلا اجتماعيا وإبداعيا خاصّا (حميما) ، تمتلك بواسطته ملمحها القرائي الفريد الذي يجلو (الفرد القارئ)،وهو ما يسميه علماء الاجتماع،(خاصة "جاك ليونارد" (Jaques Léonard)"الرأسمال الرمزي للقارئ" أو"أفق الانتظار"
    ومن ثمّ، وجب على الدّرس الأدبي الجديد أن نعيد النصاعة إلى قديم قيمه و أثيل معاييره ليعيد الألق والنّصاعة إلى قيم الفرادة والتفرد والاختلاف داخل ما هو متشابه منمّط متضارع. عليه أن يفلح في استعادة آثار حضور الذات الأديبة في الكلام ذاتا مسهمة في إنشاء المعنى المدرّس بخلق مسارات التفاعل المباشر الحيوي مع الذات المتلقيّة وهي تعايش مقام التلقيّ وتحيا أحوال "العجب" و"الالتذاذ" والطرب والانتشاء أو تترقّى مراقي الفهم والتأمل والتدبّر في مأتى الفكرة و قيمة الأسلوب وخاصيّة الشكل وآثار المعنى ليتسنّى لها الوصول في نهاية المطاف إلى المغزى وبلوغ المقصد ما ظهر منه وما بطن. على المدرسة التونسية أن تدرّس الأدب مستقبلا بطرق مغايرة متغايرة تستفيد في ذات الوقت من محصّلات النقد الكوني للنص الأدبي ،لكن لا تغفل الحاجة الأوكد إلى مزيد تمتين صلة متعلّميها بالظاهرة الأدبيّة، ومنها الآداب الوطنيّة المحليّة في أبعادها الجغرافية المتفاوتة .ذاك ما يكسبه القدرة على التمييز بين السياقات المحليّة والأجنبيّة فيكون التمثّل المرجعيّ ترميما لأفق انتظار كسرته التوجهات التقليديّة لمدرسة الشكل والبنية بما أحدثته من انحرافات وفجوات مفتعلة بين الأطر المرجعية للنصّ الأدبي وبين قنوات الإدراك والتّخييل.
    إنّ النص في حقيقته اللغويّة اللسانيّة ليس قطعة لغويّة مجتزأة من أثر وسياق، بل هو جامع بنائيّ خطابي غرضي تتزاحم عند ولوجه المفاهيم والمقولات والمداخل والأدوات لتتطلّب توفر عتاد منهجيّ، ليس دائما على تلك الدرجة من الانسجام والاتساق والشمولية والثبات التي يظننّ. فمتى اختار المدرّس مدخل الخصائص الأجناسية قد يصطدم بمثول أكثر من متصوّر لما يقصد به مصطلح الجنس الأدبي (الرؤية الإنشائية الأرسطية الكلاسيكية؟أم الرؤية الإنشائيّة النصّانيّة الحديثة والمنظور الشّعريّ العربي القديم الذي لا يعرف للكلام الأدبي غير جنسين هما الشعر والنثر ولا يقرّ بمنظومة أغراض خارج أغراض الشعر ومعانيها ؟ أليس المعنى في أدبنا العربيّ القديم معنى شعريّا بالأساس مأتاه سيادة الرؤية الفلسفية لنظريّة "المحاكاة" الأرسطيّة على ذهنية النقاد العرب القدامى الذين عنوا عناية بالغة بنقد "الأقاويل الشعريّة" ولم يفلحوا كثيرا في تأسيس نظريّة خاصّة بنقد "الأقاويل النثريّة" ومن ورائها الأجناس النثريّة؟ فبقي حظّ النّثر من درسهم النقديّ ضئيلا لا يتجاوز ما قيل في قوانين صناعة الخطاب النحوي وحسن تركيب اللفظ وأنواع الكلم ونظرية البيان وأصول البلاغة لم يعد وعيهم النثري الجملة والكلمة والتركيب ولم يصل إلى الإلمام بالظاهرة النصيّة أوالأجناسية في تعقّدها وثرائها، رغم إقرارهم بأسبقية النّثرعن الشعر واعتبارهم إياه جنس الأجناس.
    ولعّلنا ندرّس من ذاك الأدب أجناس نثره الخاصّة به دون سواه كـ"الخبر" و"المقامة" و"النّادرة" و"الحكاية المثليّة" والرّسالة وغير ذلك ،بينما نحن نستعين بجهاز نقدي لاحق، متأخر، عن زمن إنشائه، غريب كلّ الغرابة عن فضائها الثقافي وسياق إنتاجها الأصيل الذي لم يعرف غير عدد محدود من تلك الأجناس. يقول أبو هلال العسكري في "الصّناعتين":"أجناس الكلام المنظوم ثلاثة الرسائل والخطب والشعر"
    وجب القول حينئذ إنّ المدرسة تدين في معرفتها بالأدب العربيّ النثريّ القديم إلى محصّلات النّقد الأكاديمي وسبل قراءته لنظرية النصّ والأجناس الأدبيّة برؤية حديثة تعتمد مقولات مجتلبة من فضاء النقّد الغربي وخاصة الدراسات السرديّة والألسنية الأسلوبيّة بشتّى مناهجها واتجاهاتها.
    (يحصي الباحث عبد العزيز شبيل في أطروحته الهامّة حول "نظريّة الأجناس الأدبيّة في التّراث النّقدي" عددا من المقاربات التي تناولت قضيّة الجنس الأدبي في النظريّة الأدبيّة الغربيّة الحديثة هي تقريبا "المقاربة النمطيّة" مع "كارل فييتور"(Karl Viëtor) والمقاربة التاريخيّة مع "هانس روبرت ياوس"H.R.Jauss)" (والمقاربة الحركيّة التّفاعليّة مع "روبرت شولس"(R.Scholes) والمقاربة النقديّة مع "جيرار جينات"(G.Genette) ومدرسة "التلقّي" خاصّة مع "وولف ديتير ستمبل"(Wolf Dieter Stempel) ومن "وجهة نظر التّفسير" مع "جاك ماري شافّر"(J.M.Schaeffer)
    ومن ثم فجلّ مقولات النقد النصّي النثري العربي لا صلة لها بذاك الأدب محتدا ومنشأ ،وإنّما وقع تطويعها لبناء الدّرس الأدبيّ المعاصر تعويضا عن نقص ابستمولوجي رهيب مردّه أزمة من أبرز أزمات الثقافة العربيّة وقد كفّت منذ عصور عن إنتاج المعرفة الأدبيّة لتصبح مجرّد ناقلة لتلك المعرفة.
    ألسنا نعاني أزمة نقد عربيّ مهما أنكرنا الأمر أو قلّلنا من حجم أهميّته وآثاره الأكاديميّة التعليميّة مردّها حسب النّاقد وهب أحمد روميّة" إصابته بالعجز عن مواجهة المذاهب النقديّة العالميّة المعاصرة فاستسلم لها لكنّه عدّ نفسه - مخادعة للذات وتضليلا لها- جزءا من تلك المذاهب فامتلأ بروح النّخبة وزها بروح الاستعلاء الأرستقراطي بينما هو نقد مأزوم سليل ثقافة مأزومة امتدتّ إليها أزمة الحياة العربيّة المعاصرة" ؟
    يكابد مدرّس النصوص الأدبية أيضا وبنفس الجسامة التعليميّة التقويميّة انقطاع الصلة أحيانا بين مرحلة إعدادية قوامها "البنى الطرازية"(les prototypes) ومدخلها إلى درسّ النصّ المقروء والمكتوب ما يعرف بـ"الطّراز"(Prototype)" الذي شقّق منه مفهوم النمط النصّي"(Type de texte) والنوع، وبين مرحلة ثانوية مدخلها الرئيس والرأسيّ "الجنس الأدبيّ" وخصائصه الأثريّة التي تحمل محمل السمات النصيّة والخطابيّة الشكليّة في وقت واحد ليتشابك البعدان مجدّدا أي الأثر والنصّ ويلتبس المقوّم الأجناسي ببقية المقوّمات وتزداد المسألة لبسا وغموضا في مستويي "المفهمة" والإجراء .
    الدّرس الأدبيّ في الثانوي هو نقطة التقاء ومجمع تقاطع بين شبكة من المفاهيم النصية المقطعية الخطابية المقصدية ،تختلط في مفرقها وتتفرّق في غضونها آثار حضور الذّات المنتجة في المنجز الخطابي الأدبيّ وعناصر المقام القولي وسياقاته والآثار المحيلة على "التلفّظ" بما يبرز كذلك ثقل الأسلوب قيمة ومدخلا ومهيكلا لمختلف تلك المستويات والأبعاد.
    وقد يلج المدرّس وكذلك المتعلّم النصّ الشعري بأدوات نثريّة وقد تكون البنية الواحدة المبسّطة المختزلة أكثر من بنية لتصل درجة التركيب والتضمين والحذف والإضمار والتوازي والتكرار والتشاكل أقصى حدود التداخل والتشويش، ممّا يجعل المعرفة الأدبية خليطا متزاحما، غير متجانس، مكتظا بالمفاهيم التي تختلط في ذهن المتعلم وتظهر صعوبة استعمالها خاصّة في الكتابة المقاليّة والتحليل الأدبيّ لتغدو المعرفة الأدبيّة بنوعيها "العامّة" و"الشكليّة" شبيهة المتاهة أو السّديم.
    لم يجد المدرّس وهندسة الدرس الأدبيّ عموما إلى حدّ الآن الأجوبة المقنعة عن أبرز الإشكالات والصعوبات والعوائق النفسية الاجتماعية الأخلاقية التي تطرحها المعرفة الإجرائيّة بالنصّ الأدبيّ بمختلف أنواعه.
    وهي مشكلات حقيقيّة لا تزال تحول دون نجاح ذاك الدّرس في تحقيق أهدافه مجابها معترك التحوّلات القيميّة المجتمعيّة التي باتت تعتمل في صلب المؤسسة التربويّة نتيجة تأثر مباشر أو غير مباشر بأفكار مؤسسات أخرى كالعائلة وتنشئتها الاجتماعية ووسائل الإعلام والثقافة السياسية المجتمعيّة للمجموعات الاجتماعيّة المسيطرة على قنوات نقل المدروس الأدبيّ أو القوى المحرّكة لمسارات التلقّي في ارتباطها كليّا أو جزئيّا بمفهوم "الإيديولوجيا".
    لا يفتأ درس الأدب يفقد توهّجه وقيمته ومنزلته في المدرسة والمجتمع لينتصب "الأدب" هدفا تعليميّا أقرب إلى "الأمثولة" أو "الطوبا"(Utopie) المفارقة للواقع التي لا تقوى على محايثة ضاغطاته وإكراهاته، فيظهر ذاك الدرس متخلّفا (خلافا ربما لدروس أخرى حازت المنزلة والقيمة بفعل فواعل: التوجيه ونتائج الامتحانات الوطنية ومتطلبات سوق الشغل بينما المتعلّم لا ينتظر من المدرسة سوى أن تمنحه شغلا )
    لا يزال الدرس الأدبيّ يظهر للمتلقّي والباحث التعليميّ في مظهر الدرس الخائب، المفرغ من جدواه، العاجز عن تحريك الدافعيّة وقد استحالت قيمه الجمالية ومصنّفات أعلامه ومدوّنة آثاره "أشبه بالفيتيش الأدبيّ" في مجتمع اختار الرفع من شأو العلوم و"التقانيات" الحديثة مقابل الحطّ من قيمة الثقافة الشعريّة.
    ولا مشاحة في أنّ ينقص الدّرس الأدبي الحالي هو "التربية الأدبية" قبل التفكير في الطرق الموصلة إلى المعرفة الأدبية ونحن لا ننفك في حيرة من أمرها، بما أنّنا لم نفلح حدّ الآن في القضاء على عوائقها وتذليل صعوباتها وأهمّ تلك الصعوبات الإحساس بالنفرة من الأدب والفرقة بينه وبين المتعلّم وانتظاراته وانعدام القيمة ومشاعر العبث والعجز والخيبة لدى المدرّس.

    3- مشاكل ربط الصلة مع المقروء وبناء العوالم المرجعية للأطر الأدبيّة:

    كيف نجعل من التاريخي والتداولي والوسائطي يخدم اقتدارات الفهم والإفهام؟ كيف نعيد ترميم معالم العالم المتخيّل بالتسريد والتوصيف والرسم التشكيلي والتمثيل الفوتوغرافي والمسرحي والدرامي السينمائي؟ ما القيمة المرجعيّة لأيقوني حينما يدرج بإزاء اللساني أو الصورة على النصّ والنصّ على الصورة؟ هل نستغني اليوم عن "السنيرة" وعن "الدّرس الأدبي المسنير" الذي يعيد الحياة إلى هوامد النصوص و يستجمع بقايا الذوات الكاتبة ويقف على رسوم تجاربها الدّارسة؟
    هذه الأسئلة وغيرها تجعل من قضية الإدراك في تعلّم الأدب مسألةعلى غاية من الأهميّة لأنها مدرج من مدارج التّخييل وهذا ما سيجلي قيمة الأدب الوسائطي بكلّ ما تؤدّيه الفنون من أدوار تذلّل صعوبات الفهم وتصل بالعوالم المرجعية وتحرّك الدّافعية وتسمح بالإنتاج وإعادة الإنتاج.عندها يصحّ القول "إنّنا قد أسهمنا فعلا في "خلق المسارات الحيّة لبناء المعنى الأدبي وبقائه حيّا " .
    أعجب بهذه المشاركة المنصف الحامدي
  2. المنصف الحامدي

    المنصف الحامدي عضو

    161
    115
    43
    الدّولة:
    تونس
    الولاية:
    صفاقس
    المستوى الدّراسي:
    جامعي
    الاختصاص:
    عربية
    المهنة:
    أستاذ تعليم ثانوي