1. hala

    hala عضو نشيط

    424
    93
    28
    الدّولة:
    TUNISIE
    الولاية:
    TUNIS
    المستوى الدّراسي:
    ماجستير
    الاختصاص:
    تاريخ
    المهنة:
    طالبة

    الفلسفة الحديثة ﺍﻟﻨﻔﺲ ﻭﺍﻟﺠﺴﺪ ﺑﻴﻦ ﺩﻳﻜﺎﺭﺕ ﻭﺳﺒﻴﻨﻮﺯﺍ ‏

    الموضوع في 'بحوث و دراسات فلسفيّة' بواسطة hala, بتاريخ ‏24 ديسمبر 2017.

    ﺍﻟﻨﻔﺲ ﻭﺍﻟﺠﺴﺪ ﺑﻴﻦ ﺩﻳﻜﺎﺭﺕ ﻭﺳﺒﻴﻨﻮﺯﺍ ‏
    ﻋﻠﻲ ﺍﻟﺸﻨﻮﻓﻲ
    _____________

    -1 ‏ﺍﻟﻨﻔﺲ ﻭ ﺍﻟﺠﺴﺪ ﻋﻨﺪ ﺩﻳﻜﺎﺭﺕ :
    ﻛﻠﻨﺎ ﻳﻌﺮﻑ ﺃﻥّ ﺍﻟﺘﺄﻣﻼﺕ ﻳﺤﻤﻞ ﻋﻨﻮﺍﻧﺎ ﻳﺘﻀﻤّﻦ ﺿﺮﻭﺭﺓ ﺍﻟﺘّﻤﻴﺰ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﻨﻔﺲ ﻭﺍﻟﺠﺴﺪ ﻓﻬﺪﻑ ﺩﻳﻜﺎﺭﺕ ﻣﻨﺬ ﺍﻟﺒﺪﺍﻳﺔ ﻫﻮ ﺍﻟﺘّﻤﻴﻴﺰ ﺑﻴﻨﻬﻤﺎ . ﻟﻜﻦ ﺩﻳﻜﺎﺭﺕ ﺍﻟﺬﻱ ﺣﺎﻭﻝ ﻓﻲ ﺍﻟﺘﺄﻣﻼﺕ ﻗﺪﺭ ﺍﻻﺳﺘﻄﺎﻋﺔ ﺃﻥ ﻳﻤﻴّﺰ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﻨﻔﺲ ﻭﺍﻟﺠﺴﺪ ﺃﺩﺭﻙ ﺃﻧّﻪ ﻳﻨﺒﻐﻲ ﻋﻠﻴﻪ ﺃﻥ ﻳﺒﻴّﻦ ﻋﻼﻗﺘﻬﻤﺎ ، ﺃﻱ ﺗﺪﺍﺧﻠﻬﻤﺎ ﻓﻲ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ . ﻓﻬﻮ ﻓﻲ ﺍﻟﺘﺄﻣّﻼﺕ ﻋﻠﻰ ﺍﻷﻗﻞ ﻳﺤﺎﻭﻝ ﺍﻟﺘﻤﻴﻴﺰ ﻭ ﻟﻜﻦ ﻓﻲ ﺍﻻﻧﻔﻌﺎﻻﺕ ﻳﻀﻊ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻤﺴﺄﻟﺔ ﺑﺼﻔﺔ ﺟﺪﻳﺪﺓ ﻹﻳﺠﺎﺩ ﺣﻞّ ﻟﻌﻼﻗﺔ ﺍﻟﻨﻔﺲ ﺑﺎﻟﺠﺴﺪ .
    ﻓﻲ ﺍﻟﺘﺄﻣّﻼﺕ ﻳﻘﺮّ ﺩﻳﻜﺎﺭﺕ ﺃﻥ ﺍﻟﺸﻲﺀ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﺒﻘﻰ ﻗﺎﺭّﺍ ﻭﻻ ﻳﻤﻜﻦ ﻟﻠﺸﻚ ﺃﻥ ﻳﻀﻌﻪ ﻣﺤﻞ ﺭﻳﺐ ﻫﻮ ﺍﻟﻔﻜﺮ ﻛﻔﻜﺮ ﺃﻱ ﺑﻘﻄﻊ ﺍﻟﻨﻈﺮ ﻋﻦ ﻛﻮﻧﻪ ﺻﺤﻴﺤﺎ ﺃﻭ ﺧﺎﻃﺌﺎ ، ﻭﻫﺬﺍ ﺍﻟﻔﻜﺮ ﻫﻮ ﻓﻜﺮ ﻣﺤﺾ ﺃﻱ ﻣﺴﺘﻘﻞ ﻭﻣﺘﻤﻴّﺰ ﻋﻦ ﺍﻟﺨﻴﺎﻝ ﻭﻋﻦ ﺍﻹﺣﺴﺎﺳﺎﺕ ﻭﻋﻦ ﻛﻞ ﻣﺎ ﻗﺪ ﻳﻮﺟﺪ ﻓﻲ ﺍﻟﻨﻔﺲ ﻣﻦ ﺃﺷﻴﺎﺀ ﺃﺧﺮﻯ ، ﻓﺪﻳﻜﺎﺭﺕ ﻳﻤﻴﺰ ﺍﻟﻔﻜﺮ ﻓﻲ ﺍﻟﻨﻔﺲ ﻋﻤﺎ ﻫﻮ ﻣﺨﺎﻟﻒ ﻟﻬﺬﺍ ﺍﻟﻔﻜﺮ . ﻭﻋﻨﺪﻣﺎ ﻳﺘﺴﺎﺀﻝ ﻋﻦ ﺃﻫﻤﻴّﺔ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻔﻜﺮ ﻳﺠﺪ ﺩﻳﻜﺎﺭﺕ ﺃﻧّﻪ ﺟﻮﻫﺮ ﻣﻔﻜّﺮ ، ﻭﻛﻠﻤﺔ ﺟﻮﻫﺮ ﻫﻨﺎ ﺗﺆﺧﺬ ﺑﺎﻟﻤﻌﻨﻰ ﺍﻷﺭﺳﻄﻲ ، ﺇﺫ ﻧﺘﺒﻴّﻦ ﺃﻥّ ﺍﻟﻔﻜﺮ ﻋﻨﺪ ﺩﻳﻜﺎﺭﺕ ﻣﺴﺘﻘﻞّ ﺑﺬﺍﺗﻪ ﺃﻱ ﻻ ﻳﺤﺘﺎﺝ ﺇﻟﻰ ﺷﻲﺀ ﺁﺧﺮ ، ﺃﻱ ﻻ ﻳﺤﺘﺎﺝ ﺇﻟﻰ ﺟﺴﺪ ﻟﻴﻮﺟﺪ ﻫﻮ ﻛﻔﻜﺮ ﺑﻞ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻌﻜﺲ ﺇﻧّﻪ ﺍﻷﻭﺿﺢ ﻭﺍﻷﻛﺜﺮ ﺗﻤﻴﺰ ﻭﻭﺣﺪﺓ ﻭﺛﺒﺎﺕ ﻣﻦ ﺍﻟﺠﺴﺪ . ﻭﻟﻬﺬﺍ ﻧﻜﺘﺸﻔﻪ ﻗﺒﻞ ﺍﻟﺠﺴﺪ ﻭﻧﻤﻴﺰﻩ ﻋﻨﻪ .
    ﻫﺬﺍ ﻫﻮ ﺍﻟﺠﻮﻫﺮ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﻌﺘﺮﻑ ﺑﻪ ﺩﻳﻜﺎﺭﺕ ﺑﺎﻹﺿﺎﻓﺔ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﺠﻮﻫﺮ ﺍﻟﻤﺎﺩّﻱ ﺃﻱ ﺃﻥّ ﺩﻳﻜﺎﺭﺕ ﺍﻟﺬﻱ ﻧﻘﺪ ﺍﻟﺴﺒﺐ ﺍﻟﻐﺎﺋﻲ ﻭﺍﻟﺼﻮﺭ ﺍﻟﺠﻮﻫﺮﻳﺔ ﻟﻜﻮﻧﻬﺎ ﺃﺷﻴﺎﺀ ﻏﺎﻣﻀﺔ ﻭ ﺧﺎﻃﺌﺔ ﻭ ﺟﺐ ﺍﻟﺘﺨﻠﻲ ﻋﻨﻬﺎ ﻣﻮﺟّﻬﺎ ﻧﻘﺪﻩ ﻓﻲ ﺫﺍﺕ ﺍﻟﺤﻴﻦ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻤﺪﺭﺳﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﻳﻌﻴﺐ ﻋﻠﻴﻬﺎ ﺇﺛﺒﺎﺕ ﺍﻟﺼﻮﺭ ﺍﻟﺠﻮﻫﺮﻳﺔ ، ﻳﻘﺮ ﺑﻮﺟﻮﺩ ﺟﻮﻫﺮ ﺍﻟﻔﻜﺮ . ﺫﺍﻙ ﺃﻥ ﺍﻟﻤﺜﺎﻝ ﺍﻟﺸﻬﻴﺮ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﻮﺭﺩﻩ ﺩﻳﻜﺎﺭﺕ ﻓﻲ ﺍﻟﺘﺄﻣّﻞ ﺍﻟﺜﺎﻧﻲ ‏[ ﻣﺜﺎﻝ ﻗﻄﻌﺔ ﺍﻟﺸﻤﻊ ‏] ﻫﻮ ﻣﺜﺎﻝ ﻻ ﻏﻴﺮ ، ﺃﻱ ﻋﻨﺪﻣﺎ ﻧﻘﺮﺃ ﺍﻟﺘﺄﻣﻼﺕ ﻳﺠﺐ ﺃﻥ ﻧﻌﺘﺒﺮ ﺃﻥ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻤﺜﺎﻝ ﺧﺎﺭﺝ ﻋﻦ ﺍﻟﺘﺄﻣﻞ ﺍﻟﺜﺎﻧﻲ ﺧﺎﺻّﺔ ﻭ ﺃﻥ ﺍﻟﻔﻴﻠﺴﻮﻑ ﻳﻠﺢ ﻋﻠﻰ ﻧﻈﺎﻡ ﺍﻷﻓﻜﺎﺭ ، ﻓﻲ ﺣﻴﻦ ﺃﻥ ﻗﻄﻌﺔ ﺍﻟﺸﻤﻊ ﺗﻔﺘﺮﺽ ﻭﺟﻮﺩ ﺍﻟﺠﻮﻫﺮ ﺍﻟﻤﺎﺩﻱ ﻭﻧﺤﻦ ﻻ ﻧﻌﺮﻑ ﺃﻭ ﻻ ﻧﺴﺘﻄﻴﻊ ﺃﻥ ﻧﻌﺮﻑ ﻣﻨﻄﻘﻴّﺎ ﺍﻟﺠﻮﻫﺮ ﺍﻟﻤﺎﺩّﻱ ﺇﻻّ ﻓﻲ ﺍﻟﺘﺄﻣّﻠﻴﻦ ﺍﻟﺨﺎﻣﺲ ﻭﺍﻟﺴﺎﺩﺱ ﻟﺬﻟﻚ ﻓﻬﻮ ﻣﺜﺎﻝ ﻳﻘﺘﻠﻊ ﺍﻗﺘﻼﻋﺎ ﻣﻦ ﺍﻟﻌﺎﻟﻢ ﺍﻟﻤﺎﺩّﻱ ﺧﺎﺭﺝ ﺍﻟﺘّﺴﻠﺴﻞ ﺍﻟﻤﻨﻄﻘﻲ ، ﻭﻫﺬﺍ ﺑﺴﺒﺐ ﺧﺸﻴﺔ ﺩﻳﻜﺎﺭﺕ ﻣﻦ ﺍﻻﻋﺘﺮﺍﺽ ﻋﻠﻴﻪ ، ﻭ ﻫﺬﺍ ﻳﻌﻨﻲ ﺃﻥ ﻏﺎﻳﺔ ﺇﻳﺮﺍﺩ ﻣﺜﺎﻝ ﻗﻄﻌﺔ ﺍﻟﺸﻤﻊ ، ﻫﻲ ﻏﺎﻳﺔ ﺟﺪﺍﻟﻴﺔ ﻻ ﺑﺮﻫﺎﻧﻴﺔ ﻣﻨﻄﻘﻴﺔ . ﻭ ﻫﺬﺍ ﺍﻻﻋﺘﺮﺍﺽ ﻗﺪ ﻳﺘﺄﺗﻰ ﻋﻦ ﺍﻟﺤﺴّﻴﻴﻦ ﺍﻟﺬﻳﻦ ﻛﻤﺎ ﻳﺘﺼﻮّﺭﻫﻢ ﺩﻳﻜﺎﺭﺕ ﻳﺘﺸﺒﺜﻮﻥ ﺑﺎﻟﻘﻮﻝ ﺃﻥ ﺍﻷﻓﻜﺎﺭ ﻧﺎﺗﺠﺔ ﻋﻦ ﺍﻹﺣﺴﺎﺱ ﺧﺎﺻّﺔ ﺣﺴﺐ ﻣﺎ ﻧﻌﺮﻓﻪ ﻣﻨﺬ ﺃﺭﺳﻄﻮ ﻭﺧﺎﺻﺔ ﺣﺴﺐ ﻣﺎ ﺑﺪﺃ ﻳﻈﻬﺮ ﻓﻲ ﺍﻟﻔﻠﺴﻔﺔ ﺍﻻﻧﻘﻠﻴﺰﻳﺔ ﻓﻲ ﺫﻟﻚ ﺍﻟﺤﻴﻦ ﻭﻫﻲ ﻓﻠﺴﻔﺔ ﺣﺴّﻴﺔ ﺗﺠﺮﻳﺒﻴﺔ .
    ﺍﻻﻋﺘﺮﺍﺽ ﻳﻘﻮﻝ : ﺇﻥّ ﺍﻷﻓﻜﺎﺭ ﻻ ﺑﺪّ ﺃﻥ ﺗﻜﻮﻥ ﻧﺎﺗﺠﺔ ﻋﻦ ﺍﻹﺣﺴﺎﺱ ﻓﻜﻴﻒ ﺗﺴﺘﻄﻴﻊ ﻳﺎ ﺩﻳﻜﺎﺭﺕ ﺃﻥ ﺗﺒﺮﻫﻦ ﺑﺄﻥّ ﺍﻟﻔﻜﺮ ﻣﺴﺘﻘﻞ ﻋﻦ ﺍﻟﺠﺴﺪ ﻭ ﻣﺘﻌﺎﻟﻲ ﻋﻠﻴﻪ .
    ﻋﻨﺪﻣﺎ ﻳﺤﻠّﻞ ﺩﻳﻜﺎﺭﺕ ﻣﺜﺎﻝ ﻗﻄﻌﺔ ﺍﻟﺸّﻤﻊ ﻳﺴﺘﻨﺘﺞ ﻓﻲ ﻧﻬﺎﻳﺔ ﺍﻷﻣﺮ ﺃﻥّ ﻣﺎ ﺗﺒﻘّﻰ ﻣﻦ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺠﺴﻢ ﻋﻨﺪﻣﺎ ﻧﺤﺬﻑ ﻋﻦ ﺍﻟﺼﻔﺎﺕ ﺍﻟﺤﺴّﻴﺔ ﺍﻟﻤﺘﻌﺪّﺩﺓ ، ﻫﻮ ﺍﻻﻣﺘﺪﺍﺩ ، ﻭ ﺍﻻﻣﺘﺪﺍﺩ ﻣﻔﻬﻮﻡ ﺭﻳﺎﺿﻲ ﺃﻱ ﻋﻘﻠﻲ ﻧﺠﺪﻩ ﻓﻲ ﺍﻟﻔﻜﺮ ﻭﻻ ﺣﺎﺟﺔ ﻟﻨﺎ ﺇﻟﻰ ﺍﺳﺘﻨﺘﺎﺟﻪ ﺧﺎﺻّﺔ ﻣﻦ ﺍﻹﺣﺴﺎﺱ ﻭﺍﻟﺘﺠﺮﺑﺔ ﺑﻞ ﻫﻮ ﻣﻔﻬﻮﻡ ﻓﻜﺮﻱ ﻣﺤﺾ ﻳﻤﻜﻦ ﻟﻠﻔﻜﺮ ﺃﻥ ﻳﻘﺮّﻩ ﺑﻤﺠﺮّﺩ ﺇﺛﺒﺎﺗﻪ . ﻭ ﺑﻬﺬﺍ ﻳﺘﺤﺼّﻞ ﺩﻳﻜﺎﺭﺕ ﻋﻠﻰ ﻧﺘﻴﺠﺘﻴﻦ ﺿﺪ ﺍﻟﺤﺴّﻴﻴﻦ :
    ﻻ ﻳﺴﺘﻄﻴﻊ ﺍﻟﻤﺬﻫﺐ ﺍﻟﺤﺴّﻲ ﺃﻥ ﻳﺒﻴّﻦ ﻇﻬﻮﺭ ﺍﻷﻓﻜﺎﺭ ﺍﻟﺤﺴّﻴﺔ ﺣﺴﺐ ﻣﺎ ﻳﻌﺘﻘﺪﻩ .
    ﻭ ﻛﺬﻟﻚ ﻓﺈﻧّﻪ ﻻ ﻳﺴﺘﻄﻴﻊ ﺃﻥ ﻳﺒﺮﻫﻦ ﺃﻥّ ﺍﻷﻓﻜﺎﺭ ﺍﻟﻤﺠﺮّﺩﺓ ﻣﺜﻞ ﺍﻷﻓﻜﺎﺭ ﺍﻟﺮﻳﺎﺿﻴﺔ ﻣﺴﺘﻨﺘﺠﺔ ﻣﻦ ﺍﻟﺤﺲّ .
    ﻭ ﻋﻨﺪﻣﺎ ﻧﻘﺎﺭﻥ ﻫﺎﺗﻴﻦ ﺍﻟﻨﺘﻴﺠﺘﻴﻦ ﻧﺤﺼﻞ ﻋﻠﻰ ﺛﺎﻟﺜﺔ : ﺇﻥ ﺍﻟﺤﺴّﻴﻴﻦ ﻳﻨﻬﺰﻣﻮﻥ ﻓﻲ ﻋﻘﺮ ﺩﺍﺭﻫﻢ ﻷﻥّ ﺍﻟﺤﻘﻞ ﺍﻟﺤﺴّﻲ ﻧﻔﺴﻪ ﻳﺒﺮﻫﻦ ﺃﻥ ﻣﺎ ﻧﺠﺪﻩ ﻓﻲ ﻧﻬﺎﻳﺔ ﺍﻷﻣﺮ ﻫﻮ ﻣﺠﻤﻮﻋﺔ ﺃﻓﻜﺎﺭ . ﻓﺎﻟﺤﺲّ ﻳﻨﻬﺰﻡ ﻋﻠﻰ ﻣﺴﺘﻮﻯ ﺗﻔﺴﻴﺮ ﺍﻷﻓﻜﺎﺭ ﺍﻟﻨﺎﺗﺠﺔ ﻋﻦ ﺍﻷﻓﻜﺎﺭ ﻭﻳﻨﻬﺰﻡ ﺣﺘّﻰ ﻋﻠﻰ ﻣﺴﺘﻮﻯ ﺍﻷﻓﻜﺎﺭ ﺍﻟﺘﻲ ﻧﻌﺘﻘﺪ ﺃﻧّﻬﺎ ﻧﺎﺗﺠﺔ ﻋﻦ ﺍﻹﺣﺴﺎﺱ . ﻭ ﻳﻐﻠﻖ ﺩﻳﻜﺎﺭﺕ ﺍﻟﻘﻮﺳﻴﻦ ﺃﻱ ﻳﺒﻴّﻦ ﺃﻥّ ﻣﺜﺎﻝ ﻗﻄﻌﺔ ﺍﻟﺸّﻤﻊ ﻻ ﻳﻤﻜﻦ ﺃﻥ ﻳﻌﻄﻲ ﺃﻱّ ﻗﻴﻤﺔ ﻟﻼﻋﺘﺮﺍﺽ ﺍﻟﻤﻮﺟّﻪ ﻣﻦ ﻃﺮﻑ ﺍﻟﺤﺴﻴﻴﻦ . ﻟﻜﻦ ﺍﻟﺘﺄﻣّﻞ ﺍﻟﺨﺎﻣﺲ ﺑﻌﺪ ﺍﻟﺒﺮﻫﻨﺔ ﻋﻠﻰ ﻭﺟﻮﺩ ﺍﻟﻔﻜﺮ ﻓﻲ ﺍﻟﺘﺄﻣّﻞ ﺍﻷﻭّﻝ ، ﻭ ﻣﺎﻫﻴﺔ ﺍﻟﻔﻜﺮ ﻓﻲ ﺍﻟﺘﺄﻣﻞ ﺍﻟﺜﺎﻧﻲ ، ﻭ ﻭﺟﻮﺩ ﺍﻟﻠﻪ ﻓﻲ ﺍﻟﺘﺄﻣّﻞ ﺍﻟﺜﺎﻟﺚ ﻭ ﺍﻟﺮﺍﺑﻊ ، ‏[ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺘﺄﻣﻞ ﺍﻟﺨﺎﻣﺲ ‏] ﻳﻨﺒﻐﻲ ﺃﻥ ﻳﺒﺮﻫﻦ ﻋﻠﻰ ﻭﺟﻮﺩ ﺍﻟﻌﺎﻟﻢ ﺍﻟﻤﺎﺩّﻱ ﻷﻥّ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻌﺎﻟﻢ ﻣﻮﺟﻮﺩ ﻭﺍﻟﺒﺮﻫﻨﺔ ﻋﻠﻴﻪ ﺗﻜﻮﻥ ﺑﺮﻫﻨﺔ ﻣﻦ ﻧﻮﻉ ﺧﺎﺹّ ﺃﻱ ﺗﺤﺘﺎﺝ ﺇﻟﻰ ﻗﻨﻮﺍﺕ ﺍﻹﺣﺴﺎﺱ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﺒﻴﻦ ﻟﺪﻳﻜﺎﺭﺕ ﺃﻧﻪ ﻳﺸﻌﺮ ﺑﻮﺟﻮﺩ ﺍﻟﻌﺎﻟﻢ ﺍﻟﻤﺎﺩّﻱ ، ﺑﺮﻫﻨﺔ ﺃﻛﺜﺮ ﻗﻴﻤﺔ ﻋﻘﻠﻴﺎ ﻭﻧﻔﺴﻴﺎ ﺃﻱ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﺘﻲ ﻧﺠﺪﻫﺎ ﻓﻲ ﺍﻟﺘﺄﻣّﻞ ﺍﻟﺴّﺎﺩﺱ ﻋﻨﺪﻣﺎ ﻳﻔﻜﺮ ﺩﻳﻜﺎﺭﺕ ﻓﻲ ﺍﻟﻔﻴﺰﻳﺎﺀ ﻭﺍﻟﺮّﻳﺎﺿﻴﺎﺕ . ﺇﺫ ﻧﺠﺪ ﺃﻥ ﺍﻟﻔﻴﺰﻳﺎﺀ ﺭﻳﺎﺿﻴﺔ ﻗﺒﻞ ﻛﻞ ﺷﻲﺀ ﻭﻟﻜﻨّﻬﺎ ﻣﺮﺗﺒﻄﺔ ﺑﺎﻟﺠﻮﻫﺮ ﺍﻟﻤﺎﺩّﻱ . ﻭ ﻳﺒﻴّﻦ ﺻﺎﺣﺐ ﻛﺘﺎﺏ ﺍﻟﺘﺄﻣﻼﺕ ﺍﻟﻤﻴﺘﺎﻓﻴﺰﻳﻘﻴﺔ ﺃﻥّ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺠﻮﻫﺮ ﺍﻟﻤﺎﺩّﻱ – ﻫﻮ ﺃﺳﺎﺳﺎ – ﺍﻣﺘﺪﺍﺩ ﻳﺘﻤﻴّﺰ ﻋﻦ ﺟﻮﺍﻫﺮ ﻣﺎﺩّﻳﺔ ﻣﺨﺘﻠﻔﺔ ﺍﻟﺘﻌﻘّﺪ ﻭ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﻌﻄﻴﻨﺎ ﻣﺠﻤﻮﻋﺔ ﺍﻷﺟﺴﺎﻡ ﺍﻟﻤﺎﺩّﻳﺔ ﺍﻟﻤﻌﺮﻭﻓﺔ ، ﺇﺫﻥ ﻫﻨﺎﻙ ﺟﻮﻫﺮ ﻓﻜﺮﻱ ﻭﺍﺣﺪ ﻭﻣﺠﻤﻮﻋﺔ ﻻ ﻣﺘﻨﺎﻫﻴﺔ ﻣﻦ ﺍﻟﺠﻮﺍﻫﺮ ﺍﻟﻤﺎﺩّﻳﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﺨﻀﻊ ﻛﻠّﻬﺎ ﺇﻟﻰ ﻧﻔﺲ ﺍﻟﻤﻔﻬﻮﻡ ﺍﻟﺮﻳﺎﺿﻲ ﻭﻫﻮ ﻣﻔﻬﻮﻡ ﺍﻻﻣﺘﺪﺍﺩ .
    ﻭ ﻻ ﻳﻀﻊ ﺩﻳﻜﺎﺭﺕ ﻣﺴﺄﻟﺔ ﻋﻼﻗﺔ ﺍﻟﻨﻔﺲ ﺑﺎﻟﺠﺴﺪ ﻓﻲ ﺍﻟﺘﺄﻣﻼﺕ ، ﺑﻞ ﺇﻧّﻬﺎ ‏[ ﺍﻟﺘﺄﻣّﻼﺕ ‏] ﺗﻨﺘﻬﻲ ﺑﻌﺪ ﺃﻥ ﺍﻛﺘﺸﻒ ﺩﻳﻜﺎﺭﺕ ﺃﻭﻻ ﺃﻧّﻪ ﻣﻮﺟﻮﺩ ﻛﻔﻜﺮ ، ﺛﺎﻧﻴﺎ ﺃﻥّ ﻣﺎﻫﻴﺘﻪ ﻓﻜﺮﻳﺔ ، ﺛﺎﻟﺜﺎ ﺃﻧﻪ ﺟﻮﻫﺮ ﻣﺴﺘﻘﻞ ، ﺭﺍﺑﻌﺎ ﺟﻮﻫﺮ ﻣﺴﺘﻘﻞ ﻟﻜﻦ ﻣﺘﻨﺎﻫﻲ ، ﺧﺎﻣﺴﺎ ﺃﻧﻪ ﻣﺘﻨﺎﻫﻲ ﻷﻧّﻪ ﻭﺟﺪ ﻣﻦ ﻃﺮﻑ ﻓﻜﺮ ﻻ ﻣﺘﻨﺎﻫﻲ ﻭﺳﺎﺩﺳﺎ ﺃﻥ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺠﻮﻫﺮ ﺍﻟﻤﺘﻨﺎﻫﻲ ﺍﻟﻤﺴﺘﻘﻞ ﺍﻟﺒﺴﻴﻂ ﻣﻮﺟﻮﺩ ﻓﻲ ﻋﻼﻗﺔ ﻣﺎ ﻣﻊ ﺍﻟﺠﺴﺪ ﻭ ﺫﻟﻚ ﻋﻦ ﻃﺮﻳﻖ ﺍﻟﺸﻌﻮﺭ ﺑﺎﻟﺠﺴﻢ ، ﻟﻜﻦ ﺩﻳﻜﺎﺭﺕ ﻻ ﻳﻀﻊ ﺑﺼﻔﺔ ﻣﺒﺎﺷﺮﺓ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻤﺸﻜﻞ ﻋﻠﻰ ﻣﺴﺘﻮﻯ ﺍﻟﺘﺄﻣّﻼﺕ ﻟﺬﻟﻚ ﻳﻤﻜﻦ ﺃﻥ ﻧﻌﺘﺒﺮ ﺃﻥّ ﺍﻟﺘﺄﻣّﻼﺕ ﻫﻲ ﻛﺘﺎﺏ ﺍﻟﺘﻤﻴﻴﺰ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﺠﺴﺪ ﻭ ﺍﻟﻨﻔﺲ ﻓﻲ ﺣﻴﻦ ﺍﻻﻧﻔﻌﺎﻻﺕ ﻫﻮ ﻛﺘﺎﺏ ﺍﻟﻌﻼﻗﺔ ﻭﺍﻟﻮﺣﺪﺓ ﺑﻴﻨﻬﻤﺎ . ﻭ ﻟﻜﻦ ﻟﻤﺎﺫﺍ ﻟﻢ ﺗﻌﺘﺒﺮ " ﺍﻟﺘﺄﻣّﻼﺕ " ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻌﻼﻗﺔ ﻭﺍﻛﺘﻔﺖ ﺑﻤﺴﺄﻟﺔ ﺍﻟﺘﻤﻴﻴﺰ؟
    ﺇﻥّ ﻫﺪﻑ ﺩﻳﻜﺎﺭﺕ ﻓﻲ ﺍﻟﺘﺄﻣﻼﺕ ﺣﺴﺒﻤﺎ ﻳﻌﻠﻦ ﻋﻨﻪ ﻓﻲ " ﺍﻟﺘﺄﻣﻞ ﺍﻷﻭﻝ " ﻫﻮ ﻫﺪﻑ ﻋﻠﻤﻲ ﺇﺑﺴﺘﻴﻤﻲ ، ﺃﻱ ﻭﺿﻊ ﺃﺳﺲ ﻭﺍﺿﺤﺔ ﻟﻠﻌﻠﻢ ﺗﺮﺗﻜﺰ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻔﻜﺮ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﻌﻨﻲ ﻋﻨﺪ ﺩﻳﻜﺎﺭﺕ ﺩﺍﺋﻤﺎ ﻓﻜﺮ ﻭﺍﺿﺢ ﻭﻣﺘﻤﻴﺰ ﺃﻱ ﺍﻟﺼﺤﻴﺢ ﻭﻳﻔﺮﺽ ﻧﻔﺴﻪ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻌﻘﻞ . ﻓﺪﻳﻜﺎﺭﺕ ﺇﺫﻥ ﻻ ﻳﺮﻳﺪ ﺗﻔﺴﻴﺮ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ، ﻓﻬﻮ ﻻ ﻳﻬﺘﻢّ ﺑﺎﻷﺧﻼﻕ ﻭﻻ ﺑﺎﻟﻄﺐّ ﻭﺇﻧّﻤﺎ ﺑﺎﻟﻤﺒﺎﺩﺉ ﺍﻷﻭﻟﻰ ﺍﻟﻮﺍﺿﺤﺔ ﻟﻜﻞّ ﻓﻜﺮ ﻋﻠﻤﻲ ﻣﻤﻜﻦ . ﻭﻫﺬﻩ ﺍﻟﻤﺒﺎﺩﺉ ﻫﻲ ، ﺃﻭّﻻ ، ﺍﻟﺘّﻤﻴﻴﺰ ﺑﻴﻦ ﺍﻷﻓﻜﺎﺭ ﺣﺘّﻰ ﻧﺘﺤﺼّﻞ ﻓﻲ ﻧﻬﺎﻳﺔ ﺍﻷﻣﺮ ﻋﻠﻰ ﺃﺑﺴﻄﻬﺎ ﻭﻻ ﻧﻘﺮ ﺑﺼﺤﺘﻬﺎ ﺇﻻّ ﺇﺫﺍ ﺃﻗﺮﺭﻧﺎ ﺃﻧّﻬﺎ ﺑﺴﻴﻄﺔ ﻭﻭﺍﺿﺤﺔ ، ﺛﺎﻧﻴﺎ " ﺭﺑﻂ ﻫﺬﻩ ﺍﻷﻓﻜﺎﺭ ﺍﻟﺒﺴﻴﻄﺔ ﻣﻊ ﺑﻌﻀﻬﺎ ﻭﻣﺤﺎﻭﻟﺔ ﺍﻟﺘﺜﺒّﺖ ﻓﻲ ﻛﻞّ ﻣﺮﺓ ﻋﻦ ﻃﺮﻳﻖ ﺍﻹﺭﺍﺩﺓ ﻣﻦ ﺻﺤﺔ ﻫﺬﻩ ﺍﻷﻓﻜﺎﺭ ﺍﻟﺒﺴﻴﻄﺔ ﻭﺗﺴﻠﺴﻠﻬﺎ ، " ﺛﺎﻟﺜﺎ " ﺇﺭﺟﺎﻉ ﻛﻞ ﺍﻷﺷﻴﺎﺀ ﺇﻟﻰ ﻣﺒﺪﺃ ﻭﺍﺣﺪ ‏( ﺇﺭﺟﺎﻉ ﻛﻞ ﺍﻟﺠﻮﺍﻫﺮ ﺍﻟﻤﺎﺩّﻳﺔ ﺇﻟﻰ ﻣﻔﻬﻮﻡ ﺍﻻﻣﺘﺪﺍﺩ ‏) ﻭ ﺑﻄﺒﻴﻌﺔ ﺍﻟﺤﺎﻝ ﻻ ﻳﻤﻜﻦ ﻟﻠﺘﺄﻣّﻼﺕ ﺇﻻ ﺃﻥ ﺗﺆﺩّﻱ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﺘّﻤﻴﻴﺰ ﺍﻟﻜﻠﻲ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﻔﻜﺮ ﻭﺍﻟﺠﺴﻢ ﻭ ﻓﻲ ﺍﻟﻔﻜﺮ ﻧﻔﺴﻪ ﺑﻴﻦ ﺍﻷﻓﻜﺎﺭ ﺍﻟﺒﺴﻴﻄﺔ ﻭﺍﻷﻓﻜﺎﺭ ﺍﻟﻤﺮﻛﺒﺔ ﻻ ﺇﻟﻰ ﻭﺟﻮﺩ ﻋﻼﻗﺔ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﺠﺴﻢ ﻭ ﺍﻟﻨﻔﺲ . ﻟﻜﻦ ﺩﻳﻜﺎﺭﺕ ﻳﻌﺘﻘﺪ ﺃﻥ ﺃﺟﺰﺍﺀ ﺍﻟﻔﻠﺴﻔﺔ ﻣﺘﻜﺎﻣﻠﺔ ﻭﺃﻧّﻬﺎ ﺗﺸﻜﻞ ﻭﺣﺪﺓ ، ﻭ ﻳﻨﺒﻐﻲ ﺃﻥ ﺗﺆﺩّﻱ ﺇﻟﻰ ﺳﻠﻮﻙ ﻓﺮﺩﻱ ﻭﺍﺟﺘﻤﺎﻋﻲ ﻣﻌﻴﻦ ﻭ ﻟﺬﺍ ﻳﻨﺒﻐﻲ ﻋﻠﻴﻪ ﺃﻥ ﻳﻀﻊ ﻣﺴﺄﻟﺔ ﻋﻼﻗﺔ ﺍﻟﻨﻔﺲ ﺑﺎﻟﺠﺴﺪ ﻋﻠﻰ ﻣﺴﺘﻮﻯ ﺁﺧﺮ ﻻ ﻳﻜﻮﻥ ﻣﺘﻨﺎﻗﻀﺎ ﻣﻊ ﻧﺘﺎﺋﺞ ﺍﻟﺘﺄﻣﻼﺕ ﻭ ﻟﻜﻨﻪ ﻳﻜﻮﻥ ﻣﻜﻤﻼ ﻟﻪ . ﻭ ﻫﺬﺍ ﻣﺎ ﻧﺠﺪﻩ ﺃﺳﺎﺳﺎ ﻻ ﻓﻲ ﻛﺘﺎﺏ ﺍﻟﺘﺄﻣّﻼﺕ ﺑﻞ ﻓﻲ ﻛﺘﺎﺏ ﺍﻻﻧﻔﻌﺎﻻﺕ .
    ﻋﻤﻠﻴﺔ ﺗﻮﺣﻴﺪ ﺍﻟﺠﺴﺪ ﻭ ﺍﻟﻨﻔﺲ ﻓﻲ ﻛﺘﺎﺏ " ﺍﻻﻧﻔﻌﺎﻻﺕ " ﻣﺘﺄﺗﻴﺔ ﻣﻦ ﺿﺮﻭﺭﺓ ﻓﻬﻢ ﻓﺮﺩﻳﺔ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﺃﻱ ﻛﻴﻒ ﻳﺴﺘﻄﻴﻊ ﺩﻳﻜﺎﺭﺕ ﺍﻧﻄﻼﻗﺎ ﻣﻦ ﺗﻤﻴﻴﺰ ﺍﻟﺠﻮﺍﻫﺮ ﻭﺗﻌﺪّﺩﻫﺎ ﺃﻥ ﻳﻔﺴّﺮ ﻓﺮﺩﻳﺔ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ، ﺃﻱ ﺃﻥ ﻳﺒﻴّﻦ ﺗﻌﺎﻣﻞ ﺍﻻﻣﺘﺪﺍﺩ ﻣﻊ ﺍﻟﻔﻜﺮ ﻓﻲ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﻓﻘﻂ . ﻓﺪﻳﻜﺎﺭﺕ ﺇﺫﻥ ﻻ ﻳﺒﺤﺚ ﻓﻲ ﻭﺣﺪﺓ ﻋﻼﻗﺔ ﺍﻟﺠﺴﻢ ﺑﺎﻟﻨﻔﺲ ﻟﻔﻬﻢ ﻛﺎﺋﻨﺎﺕ ﺃﺧﺮﻯ ﻣﺜﻠﻤﺎ ﻧﺠﺪ ﺫﻟﻚ ﻋﻨﺪ ﺃﺭﺳﻄﻮ ﺃﻭ ﻓﻴﻤﺎ ﺑﻌﺪ ﻋﻨﺪ " ﺳﺒﻴﻨﻮﺯﺍ " ﻭ " ﻻﻳﺒﻨﻴﺘﺰ " ﻭ ﺇﻧّﻤﺎ ﻋﻨﺪ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﻓﻘﻂ ، ﻓﺎﻹﻧﺴﺎﻥ ﻣﻦ ﺣﻴﺚ ﻫﻮ ﺟﺴﺪ ﻳﺨﻀﻊ ﻟﻠﺘّﺤﺪﻳﺪ ﺍﻟﻌﺎﻡ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﻌﻄﻴﻪ ﺩﻳﻜﺎﺭﺕ ﻟﻠﺠﺴﻢ ﻛﺎﻣﺘﺪﺍﺩ ، ﻭﻣﻦ ﺣﻴﺚ ﻫﻮ ﺭﻭﺡ ﻳﺨﻀﻊ ﻟﺘﺤﺪﻳﺪ ﺍﻟﻨّﻔﺲ ﻛﻔﻜﺮ ﻣﺤﺾ ﻭ ﺧﺎﻟﺺ . ﻛﻴﻒ ﻳﺘﻔﺎﻋﻞ ﺇﺫﻥ ، ﻫﺬﺍﻥ ﺍﻟﻨّﻮﻋﺎﻥ ﻣﻦ ﺍﻟﺠﻮﺍﻫﺮ ﻓﻲ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﺑﺎﻟﺬﺍﺕ ؟
    ﻋﻨﺪ ﺃﺭﺳﻄﻮ ﻭ ﻟﺘﻔﺴﻴﺮ ﻛﻞ ﺍﻟﻜﺎﺋﻨﺎﺕ ﺍﻟﺤﻴّﺔ ﻫﻨﺎﻙ ﻣﺒﺪﺃ ﻋﺎﻡ ﻳﻤﻜﻨﻪ ﻣﻦ ﺑﻴﺎﻥ ﻭﺣﺪﺓ ﺍﻟﻨﻔﺲ ﺑﺎﻟﺠﺴﻢ ﻭﻫﻲ ﻋﻼﻗﺔ ﺍﻟﻤﺎﺩّﺓ ﺑﺎﻟﺼﻮﺭﺓ . ﻓﺠﻮﻫﺮ ﺍﻟﻜﺎﺋﻦ ﺍﻟﺤﻲ ﺑﺼﻔﺔ ﺧﺎﺻّﺔ ﻣﺘﻜﻮّﻥ ﻣﻦ ﺻﻮﺭﺓ ﻭ ﻣﻦ ﻣﺎﺩّﺓ ﻭ ﺍﻟﺼﻮﺭﺓ ﻫﻲ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﻌﻄﻲ ﻭﺣﺪﺓ ﺍﻟﻤﺎﺩّﺓ ، ﺣﻴﺎﺓ ﺍﻟﻜﺎﺋﻦ ﻫﻲ ﻣﺎ ﺗﺘﺄﺗّﻰ ﺩﺍﺋﻤﺎ ﻋﻦ ﻃﺮﻳﻖ ﺇﺿﺎﻓﺔ ﺍﻟﺼﻮﺭﺓ ﻟﻠﻤﺎﺩّﺓ . ‏( ﻧﺤﻦ ﻧﻌﺮﻑ ﺃﻧﻪ ﺑﺎﻟﻨﺴﺒﺔ ﻷﺭﺳﻄﻮ ﻛﻠﻤﺔ ﺟﻮﻫﺮ ﺗﻌﻨﻲ ﻋﺪّﺓ ﺃﺷﻴﺎﺀ ﺇﻣّﺎ ﺍﻟﻤﺎﺩّﺓ ﺃﻭ ﺍﻟﺼّﻮﺭﺓ ﺃﻭ ﺍﻟﻤﻜﻮّﻥ ﻣﻦ ﻣﺎﺩّﺓ ﻭﺻﻮﺭﺓ ﻭﻳﺒﺪﻭ ﺃﻥّ ﺗﺤﺪﻳﺪﺍﺕ ﺃﺭﺳﻄﻮ ﻏﻴﺮ ﺷﺎﻓﻴﺔ ﺩﺍﺋﻤﺎ ﻷﻧﻨﺎ ﻻ ﻧﺴﺘﻄﻴﻊ ﻣﻦ ﻛﺘﺎﺏ ﺇﻟﻰ ﺁﺧﺮ ﻓﻲ ﺑﻌﺾ ﺍﻷﺣﻴﺎﻥ ﺃﻥ ﻧﻌﺮﻑ ﺑﺎﻟﻀﺒﻂ ﻣﺎ ﻳﻌﻨﻲ ﺃﺭﺳﻄﻮ ﺑﻜﻠﻤﺔ ﺟﻮﻫﺮ ﻓﻨﻜﺘﻔﻲ ﻓﻘﻂ – ﺇﺫﻥ – ﺑﻔﻬﻢ ﺳﺮﻳﻊ ﻭﻋﺎﻡ ﻟﻠﻘﻮﻝ : ﺇﻥ ﺍﻟﻤﺎﺩّﺓ ﻋﺎﺩﺓ ﻣﺎ ﺗﻘﺎﻝ ﻛﺠﻮﻫﺮ ﻟﻜﻦ ﻛﺠﻮﻫﺮ ﻳﺮﻏﺐ ﻓﻲ ﺻﻮﺭﺓ ‏) . ﻓﺎﻟﺼّﻮﺭﺓ ﺇﺫﻥ ﺑﻬﺬﺍ ﺍﻟﻤﻌﻨﻰ ﻋﻠﻰ ﺍﻷﻗﻞ ﺟﻮﻫﺮ ﺑﺄﺗﻢ ﻣﻌﻨﻰ ﺍﻟﻜﻠﻤﺔ . ﻟﻜﻦ ﻫﻨﺎﻟﻚ ﺻﻌﻮﺑﺔ ﺃﺧﺮﻯ ﻷﻥ ﺃﺭﺳﻄﻮ ﻳﻌﺘﺒﺮ ﺃﻥ ﺍﻟﺠﻮﻫﺮ ﺍﻟﺤﻘﻴﻘﻲ ﻫﻮ ﺍﻟﻤﻜﻮّﻥ ﻣﻦ ﻣﺎﺩﺓ ﻭﺻﻮﺭﺓ ﻭ ﺫﻟﻚ ﺧﺎﺻّﺔ ﻋﻨﺪﻣﺎ ﻳﺮﻳﺪ ﺃﻥ ﻳﻔﺴّﺮ ﺍﻟﺠﻮﺍﻫﺮ ﺍﻟﺠﺴﻤﻴﺔ ﺍﻟﻤﻠﻤﻮﺳﺔ ﻭﺑﺼﻔﺔ ﺃﺧﺺّ ﻣﻨﻬﺎ ﺟﻮﺍﻫﺮ ﺍﻟﻜﺎﺋﻨﺎﺕ ﺍﻟﺤﻴّﺔ ﻓﻨﺤﻦ ﻧﺴﺘﻄﻴﻊ ﺃﻥ ﻧﻘﻮﻝ ﻣﺜﻼ ﺃﻥ ﺍﻟﻠﻪ ﺟﻮﻫﺮ ﺑﻤﻌﻨﻰ ﺻﻮﺭﺓ ﻓﻘﻂ ﻣﺴﺘﻘﻠّﺔ ﺗﻤﺎﻣﺎ ﻋﻦ ﺍﻟﻤﺎﺩّﺓ ﺑﻞ ﻭ ﻧﻘﻮﻝ ﺃﻛﺜﺮ ﻣﻦ ﺫﻟﻚ ﺃﻥ ﺍﻟﻠﻪ ﻫﻮ ﺍﻟﺠﻮﻫﺮ ﺍﻷﻭﻝ ﻷﻧﻪ ﺟﻮﻫﺮ ﺗﺨﻠﺺ ﺗﻤﺎﻣﺎ ﻣﻦ ﺍﻟﻤﺎﺩﺓ ﻓﻬﻮ ﻗﺪ ﻳﻌﺘﺒﺮ ﻣﻦ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺰﺍﻭﻳﺔ ﺍﻟﻤﺤﺮﻙ ﺍﻟﺬﻱ ﻻ ﻳﺘﺤﺮﻙ ﺃﻭ ﺍﻟﻔﻜﺮ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﻔﻜﺮ ﻓﻲ ﻧﻔﺴﻪ ﻓﻘﻂ ﻻ ﻳﻔﻜﺮ ﻓﻲ ﺷﻲﺀ ﺧﺎﺭﺝ ﺫﺍﺗﻪ . ﻭ ﺑﻬﺬﺍ ﺍﻟﻤﻌﻨﻰ ﻳﻌﺘﺒﺮ ﺍﻟﺠﻮﻫﺮ ﺍﻷﺳﻤﻰ ﻫﻮ ﺍﻟﺼﻮﺭﺓ ﺭﻏﻢ ﺃﻥّ ﺃﺭﺳﻄﻮ ﻳﻘﻮﻝ ﺃﻥ ﺍﻟﺠﻮﻫﺮ ﺍﻟﺤﻘﻴﻘﻲ ﻫﻮ ﺍﻟﻤﻜﻮّﻥ ﻣﻦ ﺍﻟﺼﻮﺭﺓ ﻭﺍﻟﻤﺎﺩﺓ . ﻟﻜﻦ ﻟﻴﺲ ﻫﻨﺎﻟﻚ ﺗﻨﺎﻗﺾ ﻛﻠﻴﺎ ﻷﻧﻪ ﻋﻨﺪﻣﺎ ﻧﻘﻮﻝ ﺃﻥ ﺍﻟﺠﻮﻫﺮ ﺍﻟﻜﺎﻣﻞ ﻫﻮ ﻛﺎﻣﻞ ﺧﺎﺻﺔ ﺑﺼﻮﺭﺗﻪ ﺑﺄﺗﻢ ﻣﻌﻨﻰ ﺍﻟﻜﻤﺎﻝ . ﺇﺫﻥ ﺍﻟﺠﻮﻫﺮ ﺍﻷﺳﻤﻰ ﺍﻛﺘﻤﺎﻻ ﻫﻮ ﺟﻮﻫﺮ ﺍﻹﻻﻩ ﻭﻛﻞ ﺍﻟﺠﻮﺍﻫﺮ ﺍﻟﻤﻜﻮّﻧﺔ ﻣﻦ ﻣﺎﺩﺓ ﻭﺻﻮﺭﺓ ﻣﻮﺣﺪﺓ ﻋﻠﻰ ﻛﻞ ﺣﺎﻝ ﺑﺎﻟﺼﻮﺭﺓ . ﻭ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻤﺒﺪﺃ ﺍﻟﻌﺎﻡ ﻣﻜﻦ ﺃﺭﺳﻄﻮ ﺿﻤﻦ ﻧﻄﺎﻕ ﻧﺴﻘﻪ ﻣﻦ ﺍﻋﺘﺒﺎﺭ ﺃﻥ ﺍﻟﻜﺎﺋﻨﺎﺕ ﺍﻟﺤﻴﺔ ﻣﻮﺣﺪﺓ ﺑﺼﻮﺭﺗﻬﺎ ﺍﻟﺘﻲ ﻫﻲ ﺃﺳﻤﻰ ﻣﻦ ﺻﻮﺭﺓ ﺍﻟﻜﺎﺋﻨﺎﺕ ﻏﻴﺮ ﺍﻟﺤﻴﺔ . ﻭ ﻋﻼﻗﺔ ﺍﻟﻤﺎﺩّﺓ ﺑﺎﻟﺼﻮﺭﺓ ﻳﻤﻜﻦ ﺃﻥ ﺗﻔﻬﻢ ﻣﻦ ﺯﺍﻭﻳﺔ ﺛﻨﺎﺋﻴﺔ ﻣﻔﻬﻮﻣﻲ ﺍﻟﻘﻮﺓ ﻭﺍﻟﻔﻌﻞ . ﻓﺎﻟﻤﺎﺩﺓ ﻣﻮﺟﻮﺩﺓ ﺑﺎﻟﻘﻮﺓ ﻭﺍﻟﺼﻮﺭﺓ ﻣﻮﺟﻮﺩﺓ ﺑﺎﻟﻔﻌﻞ ﻭ ﻣﻌﻨﻰ ﺍﻟﻔﻌﻞ ﻫﻮ ﺇﻳﺠﺎﺩ ﺣﻘﻴﻘﺔ ﻣﻮﺟﻮﺩﺓ . ﻭ ﻟﻬﺬﺍ ﻓﺘﻜﻮﻳﻦ ﺟﻮﻫﺮ ﻣﻌﻴﻦ ﻳﻔﻬﻢ " ﺑﺎﻟﻔﻌﻞ " ‏( ﺿﺪ ﺍﻟﻘﻮﺓ ‏) ﻭﻫﻨﺎ ﻳﻤﻜﻦ ﺃﻥ ﻧﻌﺎﺩﻝ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﺼﻮﺭﺓ ﻭﺍﻟﻔﻌﻞ .
    ﻭ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺘﻔﺴﻴﺮ ﺍﻷﺭﺳﻄﻲ ﻟﻮﺣﺪﺓ ﻛﺎﺋﻦ ﻣﺎ ﻻ ﻳﻤﻜﻦ ﻟﺪﻳﻜﺎﺭﺕ ﺃﻥ ﻳﺄﺧﺬﻩ ﺑﻌﻴﻦ ﺍﻻﻋﺘﺒﺎﺭ ﻭ ﺫﻟﻚ ﻟﻌﺪّﺓ ﻋﻮﺍﻣﻞ :
    ﻷﻥ ﺩﻳﻜﺎﺭﺕ ﺑﺤﺴﺐ ﻣﺎ ﻧﺴﺘﻨﺘﺠﻪ ﻣﻦ ﻓﻠﺴﻔﺘﻪ ﻭﺣﺴﺒﻤﺎ ﻳﻠﺢ ﻋﻠﻴﻪ ﻓﻲ ﻓﻬﻤﻪ ﻟﻠﻄﺒﻴﻌﺔ ، ﻳﺮﻳﺪ ﺃﻥ ﻳﻠﻐﻲ ﺍﻟﺴﺒﺐ ﺍﻟﺼﻮﺭﻱ ﻭﺃﻥ ﻳﻘﺮ ﻓﻘﻂ ﺍﻟﺴﺒﺐ ﺍﻟﻤﺎﺩﻱ ﻭ ﺍﻟﺴﺒﺐ ﺍﻟﻔﺎﻋﻞ .
    ﻷﻥّ ﻣﻔﻬﻮﻡ ﺍﻟﻨﻔﺲ ﻧﻔﺴﻪ ﺗﻐﻴّﺮ ﻣﻨﺬ ﺃﺭﺳﻄﻮ ﻭﺻﻮﻻ ﺇﻟﻰ ﺩﻳﻜﺎﺭﺕ ﺣﻴﺚ ﺍﻛﺘﺴﻰ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻤﻔﻬﻮﻡ ﺻﺒﻐﺔ ﺩﻳﻨﻴﺔ ﻻ ﺗﻌﻨﻲ ﻓﻘﻂ ﺍﻟﻮﺣﺪﺓ ﻭﺍﻟﺒﺴﺎﻃﺔ ﻭﺍﻟﺴّﻤﻮ ﻭﺇﻧﻤﺎ ﺍﻟﺒﻘﺎﺀ ﻭﺍﻟﺨﻠﻮﺩ ﻭ ﻛﺬﻟﻚ ﻣﻔﻬﻮﻡ ﺍﻟﻤﺴﺆﻭﻟﻴﺔ ﺃﺧﻼﻗﻴﺎ . ﻭ ﻣﻦ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺰﺍﻭﻳﺔ ﻟﻢ ﺗﻌﺪ " ﺍﻟﺼﻮﺭﺓ ﺗﺴﺘﻄﻴﻊ ﺃﻥ ﺗﻔﺴﺮ ﻣﻔﻬﻮﻡ ﺍﻟﻤﺴﺆﻭﻟﻴﺔ . ﻭ ﻋﻨﺪﻣﺎ ﻧﻌﺘﺒﺮ ﻣﻔﻬﻮﻡ ﺍﻟﻨﻔﺲ ﺣﺴﺐ ﺍﻟﻠﻐﺔ ﺍﻟﻔﻠﺴﻔﻴﺔ ﺍﻟﺪﻳﻜﺎﺭﺗﻴﺔ ﻳﻀﻤﺤﻞ ﺍﻟﺘﻔﺴﻴﺮ ﺍﻷﺭﺳﻄﻲ ﺍﻟﻌﺎﻡ ﻭ ﻳﻌﻄﻲ ﺿﺮﻭﺭﺓ ﺗﻔﺴﻴﺮ ﻭﺣﺪﺓ ﺍﻟﻨﻔﺲ ﺑﺎﻟﺠﺴﺪ ﻓﻲ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﻓﻘﻂ .
    ﻷﻥ ﺩﻳﻜﺎﺭﺕ ﻳﺮﻳﺪ ﺃﻥ ﻳﻔﺴﺮ ﻻ ﻋﻼﻗﺔ ﺍﻟﻨﻔﺲ ﺑﺎﻟﺠﺴﺪ ﻓﻘﻂ ﺑﻞ ﻋﻼﻗﺔ ﺍﻟﺠﺴﺪ ﺑﺎﻟﻨﻔﺲ . ﻓﻌﻨﺪﻣﺎ ﻧﻌﺘﺒﺮ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﻭﺣﺪﺓ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﻨﻔﺲ ﻭﺍﻟﺠﺴﺪ ﻳﻤﻜﻦ ﺃﻥ ﻧﻨﻈﺮ ﺇﻟﻴﻪ ﻣﻦ ﺯﺍﻭﻳﺘﻴﻦ ﺍﺛﻨﺘﻴﻦ : ﺇﻣﺎ ﻣﻦ ﺯﺍﻭﻳﺔ ﺗﺄﺛﻴﺮ ﺍﻟﻨﻔﺲ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺠﺴﺪ ﻭ ﻫﺬﺍ ﻳﺒﻴّﻦ ﻋﻨﺪ ﺩﻳﻜﺎﺭﺕ ﻓﻌﻞ ﺍﻹﺭﺍﺩﺓ ﺍﻟﺘﻲ ﻳﻘﻮﻝ ﻋﻨﻬﺎ ﻓﻲ ﺍﻟﺘﺄﻣﻞ ﺍﻟﺮﺍﺑﻊ ﺃﻧﻬﺎ ﺍﻟﺸﻲﺀ ﺍﻟﻮﺣﻴﺪ ﺍﻟﻼﻣﺘﻨﺎﻫﻲ ﻓﻲ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﻭﺗﺠﻌﻠﻨﻲ ﺃﺷﺒﻪ ﺍﻟﻠﻪ . ﻭﺇﻣّﺎ ﻣﻦ ﺯﺍﻭﻳﺔ ﺗﺄﺛﻴﺮ ﺍﻟﺠﺴﺪ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻨﻔﺲ ﻓﻴﻌﻄﻴﻨﺎ ﺍﻻﻧﻔﻌﺎﻻﺕ . ﻭ ﺑﺎﻟﺮﻏﻢ ﻣﻦ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺼﺒﻐﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﺃﻭﺭﺩﻧﺎ ﺑﻬﺎ ﻫﺎﺗﻴﻦ ﺍﻟﺰﺍﻭﻳﺘﻴﻦ ﻓﻠﻴﺲ ﺛﻤﺔ ﺗﻨﺎﻇﺮ Symétrie ﺑﻴﻨﻬﻤﺎ ﺭﻏﻢ ﺃﻥ ﻛﻞ ﻣﻨﻬﻤﺎ ﻳﺆﺛﺮ ﻋﻠﻰ ﺍﻵﺧﺮ ﻷﻥ ﺍﻟﻨﻔﺲ ﺗﺼﻞ ﺑﺼﺒﻐﺔ ﺃﻭ ﺑﺄﺧﺮﻯ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﺘﺤﻜﻢ ﻓﻲ ﺍﻟﺠﺴﺪ ﺃﻱ ﺳﻴﻄﺮﺓ ﺍﻟﻌﻘﻞ ﻋﻠﻰ ﺍﻻﻧﻔﻌﺎﻻﺕ ﺇﺫ ﻳﻌﺘﻘﺪ ﺩﻳﻜﺎﺭﺕ ﺃﻧﻪ ﻣﻦ ﺍﻟﻮﺍﺟﺐ ﺃﻥ ﻧﺴﻴﻄﺮ ﻋﻠﻰ ﺍﻻﻧﻔﻌﺎﻻﺕ .
    ﻟﻬﺬﻩ ﺍﻟﻌﻮﺍﻣﻞ ﺍﻟﺜﻼﺛﺔ ﻻ ﻳﻤﻜﻦ ﻟﺪﻳﻜﺎﺭﺕ ﺃﻥ ﻳﺴﺘﻌﻤﻞ ﻓﻲ " ﺃﻱ ﺷﻜﻞ " ﺍﻟﺘﻔﺴﻴﺮ ﺍﻷﺭﺳﻄﻲ ﻟﻠﺼﻮﺭﺓ ﻭﻋﻼﻗﺔ ﺍﻟﺼّﻮﺭﺓ ﺑﺎﻟﻤﺎﺩﺓ ، ﺫﻟﻚ ﺃﻥ ﻣﺎ ﻳﺮﻣﻲ ﺇﻟﻴﻪ ﺩﻳﻜﺎﺭﺕ ﺃﺳﺎﺳﺎ ﻓﻲ ﺑﺤﺜﻪ ﻋﻦ ﻭﺣﺪﺓ ﺍﻟﻨﻔﺲ ﺑﺎﻟﺠﺴﺪ ﺃﻭ ﻋﻼﻗﺘﻬﻤﺎ ﺑﺒﻌﺾ ﻟﻴﺲ ﺍﻟﻔﻬﻢ ﺍﻟﻌﻠﻤﻲ ﻟﻸﻧﺴﺎﻥ ﺑﻞ ﺑﻴﺎﻥ ﻗﺪﺭﺓ ﺍﻟﻨﻔﺲ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺴﻴﻄﺮﺓ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺠﺴﺪ . ﻓﻜﻴﻒ ﺗﺘﺤﺪّﺩ ﺍﻟﻨﻔﺲ ﻓﻲ ﺍﻟﺘﺄﻣﻼﺕ ؟
    ﺗﻈﻬﺮ ﺍﻟﻨﻔﺲ ﻓﻲ ﺍﻟﺘﺄﻣّﻞ ﺍﻟﺜﺎﻧﻲ ﻋﻠﻰ ﻣﺴﺘﻮﻳﺎﺕ ﻣﺨﺘﻠﻔﺔ : ﻋﻠﻰ ﻣﺴﺘﻮﻯ ﺍﻟﻮﺟﻮﺩ ، ﻋﻠﻰ ﻧﻄﺎﻕ ﺍﻟﻤﺎﻫﻴﺔ ، ﻣﻦ ﺣﻴﺚ ﻫﻲ ﺟﻮﻫﺮ ﻭ ﻋﻠﻰ ﻧﻄﺎﻕ ﺍﻟﺬﻫﻦ . ﻭ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻤﺴﺘﻮﻳﺎﺕ ﺍﻷﺭﺑﻌﺔ ﺗﺪﺧﻞ ﺿﻤﻦ ﺇﻃﺎﺭ ﺫﺍﺗﻲ ﻓﻘﻂ ، ﺃﻱ ﺗﻈﻬﺮ ﻛﺎﺳﺘﺜﻨﺎﺀ ﻟﻔﺮﺿﻴﺔ ﺍﻟﺸّﻴﻄﺎﻥ ﺍﻟﻤﺎﻛﺮ . ﺫﻟﻚ ﺃﻥ ﺍﻟﺸﻚ ﺍﻟﺪﻳﻜﺎﺭﺗﻲ ‏( ﻭﻫﻮ ﺷﻚ ﻣﻨﻬﺠﻲ ﻷﻧﻪ ﺍﻓﺘﺮﺍﺽ ﻣﻨﻄﻘﻲ ﻓﻘﻂ ﻻ ﻳﻨﺘﺞ ﻋﻦ ﻣﻌﺎﻧﺎﺓ ﺗﺠﺮﺑﺔ ﺣﻘﻴﻘﻴﺔ ، ﻭﻫﻮ ﺷﻚّ ﻛﻠّﻲ ﻷﻧﻪ ﻳﻄﺒّﻖ ﺣﺘﻰ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺮﻳﺎﺿﻴﺎﺕ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﺒﺪﻭ ﻟﺪﻳﻜﺎﺭﺕ ﻭ ﻷﻭّﻝ ﻭﻫﻠﺔ ﺍﻟﻨّﻤﻂ ﺍﻷﺳﻤﻰ ﻟﻠﻮﺿﻮﺡ ﻭﺍﻟﺘﻤﻴﻴﺰ ﺃﻱ ﺍﻟﺤﻘﻴﻘﺔ ، ﻭﻫﻮ ﺷﻚ ﺟﺬﺭﻱ ﻷﻧّﻪ ﻻ ﻳﻄﺒّﻖ ﻋﻠﻰ ﺑﻌﺾ ﺍﻟﺤﺎﻻﺕ ﺍﻟﺤﺴّﻴﺔ ﺃﻭ ﺍﻟﻤﻌﺎﺩﻻﺕ ﺍﻟﺮﻳﺎﺿﻴﺔ ﻭﺇﻧّﻤﺎ ﻋﻠﻰ ﻣﺒﺎﺩﺋﻬﺎ ﺑﺮﻣﺘﻬﺎ ‏) . ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺸﻚ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﺼﻌﺪ ﻋﻦ ﻃﺮﻳﻖ ﻓﺮﺿﻴﺔ ﺍﻹﻟﻪ ﺍﻟﻤﺎﻛﺮ ﻭ ﻳﺒﻘﻰ ﺳﺎﺭﻱ ﺍﻟﻤﻔﻌﻮﻝ ﺇﻟﻰ ﺣﺪﻭﺩ ﺍﻟﺒﺮﻫﻨﺔ ﻋﻠﻰ ﻭﺟﻮﺩ ﺍﻟﻠﻪ ﻳﺘﺮﻙ ﻣﻜﺎﻧﺎ ﺷﺎﻏﺮﺍ ﻻﺳﺘﺜﻨﺎﺀ ﻭﺣﻴﺪ ﻭ ﻫﻮ " ﺍﻟﻜﻮﺟﻴﺘﻮ ." ﻳﻌﻨﻲ ﻫﺬﺍ ﺃﻥّ ﺍﻟﻜﻮﺟﻴﺘﻮ ﻻ ﻳﻤﻜﻦ – ﻓﻲ ﺍﻟﺘﺄﻣﻞ ﺍﻷﻭﻝ ﻭ ﻓﻲ ﺍﻟﺘﺄﻣﻞ ﺍﻟﺜﺎﻧﻲ – ﺃﻥ ﻳﻜﻮﻥ ﺣﻘﻴﻘﺔ ﻣﻄﻠﻘﺔ ﺑﻞ ﻳﺒﺪﻭ ﺣﻘﻴﻘﺔ ﻣﺆﻗﺘﺔ ﻳﻤﻜﻦ ﺃﻥ ﻻ ﻧﺠﺪ ﻟﻬﺎ ﺻﻔﺎﺕ ﺣﻘﻴﻘﻴّﺔ ﺇﻥّ ﻟﻢ ﻧﺒﺮﻫﻦ ﻋﻠﻰ ﻭﺟﻮﺩ ﺍﻟﻠﻪ . ﻟﻜﻦ ﻫﺬﺍ ﺍﻻﺳﺘﺜﻨﺎﺀ ﻳﺪﺧﻞ ﻓﻲ ﻋﻼﻗﺔ ﻣﻌﻘﺪّﺓ ﻣﻊ ﺍﻟﻀﻤﺎﻥ ﺍﻟﻤﻮﺿﻮﻋﻲ ﻟﻠﺤﻘﻴﻘﺔ ﻭﻫﻮ ﺍﻟﻠﻪ . ﺇﺫ ﻫﻮ ﻣﻦ ﻧﺎﺣﻴﺔ ﺍﺳﺘﺜﻨﺎﺀ ﺫﺍﺗﻲ ﻭﺣﻘﻴﻘﺔ ﺁﻧﻴﺔ ﻓﻘﻂ ، ﻭ ﻟﻜﻨّﻪ ﻣﻦ ﻧﺎﺣﻴﺔ ﺃﺧﺮﻯ ﻳﺼﻞ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﺒﺮﻫﻨﺔ ﻋﻠﻰ ﻭﺟﻮﺩ ﺍﻟﻠﻪ ، ﺃﻱ ﻳﺼﻞ ﺇﻟﻰ ﻭﺿﻊ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺤﻘﻴﻘﺔ . ﻭ ﻫﺬﺍ ﻳﻤﺜﻞ ﻧﻮﻋﺎ ﻣﻦ ﺍﻟﻤﻔﺎﺭﻗﺔ "Paradoxe" ﻷﻥّ ﺍﻟﺤﻘﻴﻘﺔ ﺍﻟﻤﻄﻠﻘﺔ ﺗﺒﺪﻭ ﻧﺎﺗﺠﺔ ﻋﻦ ﺣﻘﻴﻘﺔ ﺫﺍﺗﻴﺔ ﻭﻣﺆﺳّﺴﺔ ﻟﻬﺎ . ﻟﻜﻦ ﺩﻳﻜﺎﺭﺕ ﻳﻔﺮﺩ ﺗﺤﻠﻴﻼ ﺿﺎﻓﻴﺎ ﻟﻬﺬﺍ ﺍﻟﻜﻮﺟﻴﺘﻮ ، ﺇﺫﻥ ﺃﻧﺎ ﻣﻮﺟﻮﺩ ﻛﻜﻮﺟﻴﺘﻮ ﺑﻘﻲ ﻋﻠﻰ ﺃﻥ ﺃﺑﺤﺚ ﻋﻦ ﻣﺎﻫﻴﺔ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻮﺟﻮﺩ ﺃﻱ ﻣﺎﻫﻴﺔ ﺍﻟﻔﻜﺮ . ﻭ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻌﻼﻗﺔ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﻮﺟﻮﺩ ﻭﺍﻟﻤﺎﻫﻴﺔ ﺗﺒﺪﻭ ﻭ ﻛﺄﻧﻬﺎ ﻻ ﺗﺤﺘﺮﻡ ﻣﻨﻬﺠﻴﺔ ﺩﻳﻜﺎﺭﺕ ، ﺫﻟﻚ ﺃﻥ ﻫﺬﺍ ﺍﻷﺧﻴﺮ ﻳﻠﺢ ﻣﻨﻬﺠﻴّﺎ ﻋﻠﻰ ﺍﻻﻧﻄﻼﻕ ﻣﻦ ﺍﻟﻤﺎﻫﻴﺔ ﻟﻔﻬﻢ ﺍﻟﻮﺟﻮﺩ ﻻ ﺍﻟﻌﻜﺲ . ﻓﻨﺤﻦ ﻧﺮﻯ ﻣﺜﻼ ﻋﻨﺪﻣﺎ ﻳﺒﺮﻫﻦ ﺩﻳﻜﺎﺭﺕ ﻋﻠﻰ ﻭﺟﻮﺩ ﺍﻟﻠﻪ ﻳﻜﺘﺸﻒ ﺃﻭﻻ ﻣﺎﻫﻴﺔ ﺍﻟﻠﻪ ﻭ ﻫﻲ ﻓﻜﺮ ﻻ ﻣﺘﻨﺎﻩ ﺛﻢ ﻳﻘﺮّ ﺛﺎﻧﻴﺎ ﺃﻥّ ﺍﻟﻠﻪ ﻣﻮﺟﻮﺩ ﻛﻤﺎ ﻧﺮﻯ ﺩﻳﻜﺎﺭﺕ ﻓﻲ ﺍﻟﺘﺄﻣّﻞ ﺍﻟﺨﺎﻣﺲ ﻳﻜﺘﺸﻒ ﻣﺎﻫﻴﺔ ﺍﻷﺟﺴﺎﻡ ﺃﻱ ﺍﻟﻤﺎﺩّﺓ ﻋﻦ ﻃﺮﻳﻖ ﺍﻻﻣﺘﺪﺍﺩ ﺛﻢ ﻳﻘﺮّ ﺑﻮﺟﻮﺩ ﺍﻟﻌﺎﻟﻢ ﺍﻟﻤﺎﺩّﻱ ﻓﻴﻤﺎ ﺑﻌﺪ .
    ﻧﺴﺘﻨﺘﺞ ﺃﻥّ ﺍﻟﻌﻼﻗﺔ ﺍﻟﻤﻮﺟﻮﺩﺓ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﺘﺄﻣﻞ ﺍﻷﻭﻝ ﻭ ﺍﻟﺘﺄﻣﻞ ﺍﻟﺜﺎﻧﻲ ، ﺃﻱ ﺑﻴﻦ ﺍﻛﺘﺸﺎﻑ ﻭﺟﻮﺩ ﺍﻟﻜﻮﺟﻴﺘﻮ ﻭﺍﻛﺘﺸﺎﻑ ﻣﺎﻫﻴﺔ ﺍﻟﻜﻮﺟﻴﺘﻮ ، ﺗﺒﺪﻭ ﻛﺄﻧّﻬﺎ ﻻ ﺗﺤﺘﺮﻡ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻤﻨﻬﺞ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﺘﺒﻌﻪ ﺩﻳﻜﺎﺭﺕ ﻓﻲ ﺑﺤﺜﻪ . ﻭ ﻟﻜﻦ ﺑﺎﻟﻨﺴﺒﺔ ﻟﻬﺬﻩ ﺍﻟﺤﺎﻟﺔ ﺍﻷﻭﻟﻰ ﻓﻠﻴﺲ ﻫﻨﺎﻟﻚ ﻓﻲ ﺍﻟﺤﻘﻴﻘﺔ ﻋﺪﻡ ﺍﺣﺘﺮﺍﻡ ﻟﻠﻤﻨﻬﺞ ﺍﻟﺪﻳﻜﺎﺭﺗﻲ ، ﻷﻥّ ﺍﻟﻤﻌﻨﻲ ﺑﺎﻟﻮﺟﻮﺩ ﻫﻨﺎ ﻫﻮ ﻭﺟﻮﺩ ﺍﻟﻔﻜﺮ ﻻ ﻭﺟﻮﺩ ﺷﻲﺀ ﺧﺎﺭﺝ ﻋﻦ ﺍﻟﻔﻜﺮ ﻗﺒﻞ ﺍﻟﻠﻪ ﺃﻭ ﺍﻟﻌﺎﻟﻢ ﺍﻟﻤﺎﺩّﻱ . ﻭ ﻭﺟﻮﺩ ﺍﻟﻔﻜﺮ ﻛﻔﻜﺮ ﻳﺨﺘﻠﻒ ﺗﻤﺎﻣﺎ ﻋﻦ ﻋﻼﻗﺔ ﻭﺟﻮﺩ ﺍﻷﺷﻴﺎﺀ ﺍﻷﺧﺮﻯ ﺑﻤﺎﻫﻴﺘﻬﺎ ، ﻓﻼ ﻏﺮﺍﺑﺔ ﺇﺫﻥ ﻓﻲ ﺃﻥ ﻳﻨﻄﻠﻖ ﺩﻳﻜﺎﺭﺕ ﻣﻦ ﺍﻟﻮﺟﻮﺩ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻤﺎﻫﻴﺔ ﺑﻤﺎ ﺃﻥّ ﺍﻟﻮﺟﻮﺩ ﻫﻨﺎ ﻫﻮ ﺍﻟﻔﻜﺮ ﻓﻘﻂ . ﻭ ﻣﺎﻫﻴﺔ ﺍﻟﻔﻜﺮ ﻫﻨﺎ ﺗﺘﺤﺪّﺩ ﻋﻠﻰ ﻣﺴﺘﻮﻳﻴﻦ : ﻛﺠﻮﻫﺮ ﻭ ﻛﺬﻟﻚ ﺩﺍﺧﻞ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺠﻮﻫﺮ ﻋﺒﺮ ﺗﻤﻴﻴﺰ ﺿﺮﺑﻲ Modale، ﺫﻟﻚ ﺃﻥّ ﺍﻟﻔﻜﺮ ﻛﺠﻮﻫﺮ ﻳﺨﺘﻠﻒ ﻋﻦ ﺍﻟﻤﺎﺩّﺓ ﻛﺠﻮﻫﺮ ﺟﻮﻫﺮﻳﺎ ﺃﻱ ﺣﻘﻴﻘﻴّﺎ ﺃﻱ ﻋﺒﺮ ﺗﻤﻴﻴﺰ ﺣﻘﻴﻘﻲ . ﺑﻴﻨﻤﺎ ﺍﻟﻔﻜﺮ ﻛﺠﻮﻫﺮ ﻳﺨﺘﻠﻒ ﻋﻤﺎ ﻳﻐﺎﻳﺮ ﺍﻟﻔﻜﺮ ﻓﻲ ﺍﻟﺮّﻭﺡ ﺿﺮﺑﻴّﺎ ﻓﻘﻂ . ﺑﻤﻌﻨﻰ ﺃﻥّ ﺍﻟﻔﻜﺮ ﻳﺨﺘﻠﻒ ﻋﻦ ﺍﻟﻤﺨﻴﻠﺔ ﻭﺍﻹﺭﺍﺩﺓ ﻭﺍﻹﺣﺴﺎﺱ ﺍﺧﺘﻼﻓﺎ ﺿﺮﺑﻴّﺎ ﻷﻥّ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻌﻨﺎﺻﺮ ﺩﺍﺧﻠﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﺮّﻭﺡ ﻭﻟﻜﻨّﻬﺎ ﻻ ﺗﺪﺧﻞ ﻓﻲ ﺗﺤﺪﻳﺪ ﺍﻟﻔﻜﺮ . ﻣﻌﻨﻰ ﻫﺬﺍ ﺃﻥ ﺍﻟﻜﻮﺟﻴﺘﻮ ﻳﻤﻜﻦ ﺃﻥ ﻳﺤﺪّﺩ ﺭﻭﺣﺎﻧﻴّﺎ ﺫﻟﻚ ﺃﻧّﻪ ﻳﺨﺘﻠﻒ ﻋﻦ ﺍﻹﺭﺍﺩﺓ ﻭﺍﻟﻤﺨﻴﻠﺔ . ﻟﻜﻦ ﺩﻳﻜﺎﺭﺕ ﻳﺸﻌﺮ ﺑﺄﻥ ﻫﺎﺗﻴﻦ ﺍﻟﺤﻘﻴﻘﺘﻴﻦ ﺻﻌﺒﺘﺎ ﺍﻟﻔﻬﻢ ﺫﻟﻚ ﺃﻥّ ﺍﻟﻔﻠﺴﻔﺔ ﺍﻟﻴﻮﻧﺎﻧﻴﺔ ﻭ ﺧﺎﺻّﺔ ﺍﻷﺭﺳﻄﻴﺔ ﻭﺍﻟﻔﻠﺴﻔﺔ ﺍﻟﻤﻌﺎﺻﺮﺓ ﺍﻟﺘﺠﺮﻳﺒﻴﺔ ﻭﺍﻟﻀّﻤﻴﺮ ﺍﻟﻤﺸﺘﺮﻙ ، ﻛﻞّ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻤﻮﺍﻗﻒ ، ﺗﻌﺘﺒﺮ ﻋﺎﺩﺓ ﺃﻥّ ﺍﻟﻤﻌﺮﻓﺔ ﺗﺒﺪﺃ ﻣﻊ ﺍﻟﺤﺲ ﺑﻴﻨﻤﺎ ﺩﻳﻜﺎﺭﺕ ﻳﺮﻳﺪ ﺃﻥ ﻳﺒﻴّﻦ ﺍﻟﻌﻜﺲ ﺗﻤﺎﻣﺎ ﻭ ﻟﻬﺬﺍ ﻳﺸﻌﺮ ﺑﻀﺮﻭﺭﺓ ﺍﻟﻮﻗﻮﻑ ﻋﻨﺪ ﻫﺬﺍ ﺍﻻﻋﺘﺮﺍﺽ ﻭﺃﻥ ﻳﺠﻴﺐ ﻋﻠﻴﻪ ﻭﺫﻟﻚ ﺑﺘﺤﻠﻴﻞ ﻗﻄﻌﺔ ﺍﻟﺸّﻤﻊ .
    ﻭ ﺗﺘﻤﺜﻞ ﺇﺷﻜﺎﻟﻴﺔ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻨّﺺ ﻓﻲ ﻣﺤﺎﻭﻟﺔ ﺍﻹﺟﺎﺑﺔ ﻋﻠﻰ ﺍﻋﺘﺮﺍﺽ ﻣﻠﺢ ﻣﻮﺟﻪ ﻣﻦ ﻗﺒﻞ ﺍﻟﻈﻦ ﺍﻟﻤﺸﺘﺮﻙ ﻭ ﺍﻟﺘﺠﺮﺑﻴﻴﻦ . ﻳﺤﻠّﻞ ﺩﻳﻜﺎﺭﺕ ﺇﺫﻥ ، ﻗﻄﻌﺔ ﺍﻟﺸّﻤﻊ ﻓﻴﺤﺬﻑ ﻋﻨﻬﺎ ﺍﻟﺸﻜﻞ ﻭﺍﻟﻠّﻮﻥ ﻭﺍﻟﻄﻌﻢ ﻭ ﺍﻟﺮﺍﺋﺤﺔ ﻭ ﺍﻟﺤﺠﻢ ﻓﻼ ﻳﺒﻘﻰ ﻓﻲ ﺍﻟﻨّﻬﺎﻳﺔ ﺇﻻ ﺍﻻﻣﺘﺪﺍﺩ ﺍﻟﺬﻱ ﻫﻮ ﻣﻔﻬﻮﻡ ﺫﻫﻨﻲ . ﺇﺫﻥ ﻣﻌﺮﻓﺔ ﺍﻟﺠﺴﻢ ﺗﻜﻮﻥ ﻋﻦ ﻃﺮﻳﻖ ﺍﻟﺬّﻫﻦ . ﻟﻜﻦ ﻻ ﻳﻨﺒﻐﻲ ﺃﻥ ﻧﻔﻬﻢ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻨّﺺ ﻋﻠﻰ ﺃﻧّﻪ ﻳﺮﻣﻲ ﺇﻟﻰ ﺑﻴﺎﻥ ﺃﻥّ ﺍﻟﻌﺎﻟﻢ ﺍﻟﻤﺎﺩّﻱ ﻣﻮﺟﻮﺩ ﻭﻳﺮﺟﻊ ﻓﻬﻤﻪ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﺬﻫﻦ ﻷﻥّ ﺍﻟﺒﺮﻫﻨﺔ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻌﺎﻟﻢ ﺍﻟﻤﺎﺩّﻱ ﻻ ﺗﻮﺟﺪ ﺇﻻ ﻓﻲ ﺍﻟﺘﺄﻣّﻠﻴﻦ ﺍﻟﺨﺎﻣﺲ ﻭﺍﻟﺴّﺎﺩﺱ . ﻭ ﺍﻟﻨﺘﻴﺠﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﻳﺼﻞ ﺇﻟﻴﻬﺎ ﺩﻳﻜﺎﺭﺕ ﺗﺘﺠﺎﻭﺯ ﻣﺎ ﺃﺭﺍﺩ ﺃﻥ ﻳﺼﻞ ﺇﻟﻴﻪ ﻓﻲ ﺍﻟﺒﺪﺍﻳﺔ . ﻓﻠﻘﺪ ﺃﺭﺍﺩ ﺩﻳﻜﺎﺭﺕ ﺃﻥ ﻳﺒﻴّﻦ ﻓﻘﻂ ﺃﻥّ ﺍﻟﻤﻌﺮﻓﺔ ﺍﻟﺬﻫﻨﻴﺔ ﻻ ﺗﻨﺘﺞ ﻋﻦ ﺍﻟﺤﺲّ . ﻟﻮ ﻭﺻﻞ ﺩﻳﻜﺎﺭﺕ ﺇﻟﻰ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺤﺪّ ﻓﻘﻂ ﻟﻜﺎﻥ ﺟﻮﺍﺑﻪ ﻛﺎﻓﻴﺎ ﻭﻣﻘﻨﻌﺎ ﻟﻜﻨﻪ ﺑﻴّﻦ ﺃﻛﺜﺮ ﻣﻦ ﺫﻟﻚ ﻷﻧّﻪ ﺍﺳﺘﻨﺘﺞ ﺃﻥ ﺍﻟﻤﻌﺮﻓﺔ ﺍﻟﺤﺴّﻴﺔ ﻧﻔﺴﻬﺎ ﻻ ﺗﺄﺗﻲ ﺇﻻّ ﻋﻦ ﻃﺮﻳﻖ ﺍﻟﺬّﻫﻦ ﺃﻱ ﺃﻥّ ﻫﻨﺎﻟﻚ ﻗﻠﺐ ﻻﻋﺘﺮﺍﺽ ﺍﻟﺘﺠﺮﻳﺒﻴﻴﻦ . ﻫﺎﺗﺎﻥ ﺍﻟﻨﺘﻴﺠﺘﺎﻥ ﺗﻨﺘﺠﺎﻥ ﺃﺭﺑﻊ ﻧﺘﺎﺋﺞ ﺃﺧﺮﻯ ﺇﺫ ﻧﺮﻯ ﺃﻥّ ﺍﻟﻤﻌﺮﻓﺔ ﺍﻟﺤﺴّﻴﺔ ﺳﺘﻄﺮﺩ ﻣﻦ ﺛﻼﺙ ﻣﺠﺎﻻﺕ ﻭﺗﺒﻘﻰ ﻣﺸﺮﻭﻋﺔ ﺟﺰﺋﻴّﺎ ﻓﻲ ﻣﺠﺎﻝ ﻭﺍﺣﺪ :
    1 ‏) ﺍﻟﺤﻮﺍﺱ ﻻ ﺗﻌﻄﻴﻨﺎ ﻣﻌﺮﻓﺔ ﺑﺎﻷﺷﻴﺎﺀ ﺍﻟﺬﻫﻨﻴﺔ .
    2 ‏) ﻭﻫﻲ ﻛﺬﻟﻚ ﻻ ﺗﻌﻄﻴﻨﺎ ﻣﻌﺮﻓﺔ ﺍﻷﺷﻴﺎﺀ ﺍﻟﺤﺴّﻴﺔ ﺃﻱ ﺗﻄﺮﺩ ﻓﻲ ﻣﺠﺎﻝ ﺍﻷﺷﻴﺎﺀ ﺍﻟﺤﺴّﻴﺔ .
    3 ‏) ﺇﻥّ ﺍﻟﺤﻮﺍﺱ ﺗﻄﺮﺩ ﻣﻦ ﻣﻌﺮﻓﺔ ﻭﺟﻮﺩ ﺍﻟﻔﻜﺮ ﻭﻣﺎﻫﻴﺔ ﺍﻟﻔﻜﺮ . ﺃﻱ ﺃﻥ ﺍﻟﻤﻌﺮﻓﺔ ﺍﻟﺤﺴّﻴﺔ ﺗﻄﺮﺩ ﻋﻠﻰ ﻣﺴﺘﻮﻯ ﻭﺟﻮﺩ ﺍﻟﻔﻜﺮ ﻭﻋﻠﻰ ﻣﺴﺘﻮﻯ ﻣﺎﻫﻴﺘﻪ ﻛﻔﻜﺮ .
    4 ‏) ﺍﻟﺤﻮﺍﺱ ﺗﺒﻘﻰ ﻣﺸﺮﻭﻋﺔ ﺟﺰﺋﻴﺎ ﻓﻲ ﻣﻌﺮﻓﺔ ﻭﺟﻮﺩ ﺍﻷﺷﻴﺎﺀ ﺍﻟﺤﺴّﻴﺔ ﻓﻘﻂ ، ﻷﻥ ﺍﻟﻤﻌﺮﻓﺔ ﺍﻟﺤﺴّﻴﺔ ﻣﻌﺮﻓﺔ ﻏﺎﻣﻀﺔ ﻋﻦ ﻃﺮﻳﻖ ﺍﻟﺸﻌﻮﺭ .
    ﺃﻣّﺎ ﻛﻴﻒ ﻳﺘﻤﺜﻞ ﺍﻟﻔﻜﺮ ﺑﻤﺎ ﻫﻮ ﺃﻳﺴﺮ ﻣﻌﺮﻓﺔ ، ﻓﺬﻟﻚ ﻣﺎ ﻧﻼﺣﻈﻪ ﻋﻠﻰ ﻣﺴﺘﻮﻯ ﺍﻟﺘﻔﻜﻴﺮ ﻓﻘﻂ ﺃﻱ ﺃﻧّﻪ ﻋﻠﻰ ﻋﻜﺲ ﻣﻦ ﻳﻌﺘﻘﺪ ﻣﻦ ﺃﻥ ﺍﻻﻧﻄﻼﻕ ﻣﻦ ﺍﻟﺤﻮﺍﺱ ﻳﻤﻜﻨﻨﺎ ﻣﻦ ﻣﻌﺮﻓﺔ ﺍﻟﻔﻜﺮ ﻧﻔﺴﻪ ﻓﺈﻥ ﻫﺬﺍ ﺍﻻﻧﻄﻼﻕ ﻫﻮ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﻤﺜﻞ ﻋﺎﺋﻘﺎ ﻓﻲ ﻧﻈﺎﻡ ﺍﻟﻔﻜﺮ ، ﺇﺫ ﺃﻧﻨﺎ ﻓﻲ ﺣﻴﺎﺗﻨﺎ ﺍﻟﻌﺎﺩﻳﺔ ﻧﺘﺸﺒﺚ ﺑﺎﻟﺤﺲّ ﺑﻞ ﻭ ﻧﻌﺘﻘﺪ ﺃﻧّﻪ ﻣﺼﺪﺭ ﺍﻷﻓﻜﺎﺭ ﻣﻊ ﺃﻧّﻨﺎ ﻻ ﻧﺴﺘﻄﻴﻊ ﺑﺴﻬﻮﻟﺔ ﺍﻟﺘﺨﻠّﻲ ﻋﻦ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻌﻘﻞ . ﺃﻱ ﺃﻥ ﺩﻳﻜﺎﺭﺕ ﻳﻘﻠﺐ ﺍﻻﻋﺘﺮﺍﺽ ﺍﻟﺘﺠﺮﻳﺒﻲ ﺍﻟﺤﺴّﻲ ﺍﻷﺭﺳﻄﻲ ﻓﻴﻘﻮﻝ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﺴّﻤﻰ ﻣﺼﺪﺭﺍ ﻣﻦ ﻃﺮﻑ ﻫﺆﻻﺀ ﻣﺎ ﻫﻮ ﺇﻻّ ﻋﺎﺋﻖ ﻳﻨﺒﻐﻲ ﺍﻟﺘﺨﻠّﻲ ﻋﻨﻪ . ﻭ ﻟﺬﻟﻚ ﻓﻜﻠﻤﺔ " ﺃﻳﺴﺮ " ﺗﻌﻨﻲ ﺳﻬﻮﻟﺔ ﻭﺻﻮﻝ ﺍﻟﻔﻜﺮ ﺇﻟﻰ ﺫﺍﺗﻪ ﻋﻨﺪﻣﺎ ﻳﺤﺘﺮﻡ ﻧﻈﺎﻡ ﺍﻟﻔﻜﺮ ﻓﻘﻂ . ﺃﻣّﺎ ﺇﺫﺍ ﻟﻢ ﻧﺤﺘﺮﻡ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻨﻈﺎﻡ ﻓﺈﻥّ ﻣﻌﺮﻓﺔ ﺍﻟﻔﻜﺮ ﻟﺬﺍﺗﻪ ﺗﻜﻮﻥ ﺃﺻﻌﺐ .
    ﺫﻟﻚ " ﺃﻥ ﺍﻟﻔﻜﺮ ﺃﺳﺒﻖ ﻣﻌﺮﻓﺔ ﻣﻦ ﺍﻟﺠﺴﻢ " ﻫﻮ ﻣﺎ ﻳﺘﻀﺢ ﻣﻌﻨﺎﻩ ﻋﻠﻰ ﻧﻄﺎﻕ ﻧﻈﺎﻡ ﺍﻟﻔﻜﺮ ﺩﺍﺋﻤﺎ ﻷﻥّ ﺍﻷﺳﺒﻘﻴﺔ ﺍﻟﻌﺎﺩﻳﺔ ﻫﻲ ﺃﺳﺒﻘﻴﺔ ﺍﻟﺤﺲّ ﻭﻟﺬﺍ ﻭﺟﺐ ﻋﻠﻴﻨﺎ ﺇﻥ ﻧﺤﻦ ﺃﺭﺩﻧﺎ ﻣﻌﺮﻓﺔ ﺍﻟﻔﻜﺮ ﻣﻌﺮﻓﺔ ﺣﻘﻴﻘﻴﺔ ﺃﻥ ﻧﺘﺨﻠّﻰ ﺑﻜﻞ ﻣﺎ ﻟﻨﺎ ﻣﻦ ﺇﺭﺍﺩﺓ ﻋﻦ ﻛﻞّ ﻣﺎ ﻳﺸﻮﺏ ﺍﻟﻔﻜﺮ ﺍﻟﺨﺎﻟﺺ ﻭﻳﺘﺪﺍﺧﻞ ﺿﻤﻨﻪ ، ﻟﻨﻨﺘﺒﻪ ﻛﺬﻟﻚ ﺇﻟﻰ ﺳﻠﺴﻠﺔ ﺍﻷﻓﻜﺎﺭ ﻭ ﻧﺤﺬﻑ ﻛﻞّ ﻣﺎ ﺍﺳﺘﻄﻌﻨﺎ ﻣﻦ ﺣﺲّ ﻳﺸﻮّﻩ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻤﻌﺮﻓﺔ .
    ﺑﻘﻲ ﺃﻥ ﻧﺒﻴّﻦ ﻣﺎﻫﻴﺔ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻔﻜﺮ؟ ﻟﻘﺪ ﻗﻠﻨﺎ ﺃﻧّﻪ ﺟﻮﻫﺮ ، ﺇﻥّ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻜﻠﻤﺔ ﺗﺄﺧﺬ ﺑﻤﻌﻨﺎﻫﺎ ﺍﻟﻘﺪﻳﻢ ﺃﻱ ﺑﻤﻌﻨﺎﻫﺎ ﺍﻷﺭﺳﻄﻲ "substra" ﺃﻱ ﻛﺸﻲﺀ ﻣﺴﺘﻘﻞّ ﺑﻨﻔﺴﻪ . ﻟﻜﻦ ﻻ ﺑﺎﻟﻤﻌﻨﻰ ﺍﻟﺬﻱ ﺃﺻﺒﺢ ﺩﺍﺭﺟﺎ ﻋﻨﺪ ﺷﺮّﺍﺡ ﺃﺭﺳﻄﻮ ، ﺃﻱ ﺍﻟﻤﻌﻨﻰ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﻜﻮﻥ ﻓﻴﻪ ﺍﻟﺠﻮﻫﺮ ﻣﺘﻜﻮّﻧﺎ ﻣﻦ ﺍﻟﺼّﻮﺭﺓ ﻭﺍﻟﻤﺎﺩﺓ ، ﻭﻻ ﺑﻤﻌﻨﻰ ﺳﺒﻴﻨﻮﺯﺍ " ﺍﻟﻤﺴﺒﺐ ﻟﺬﺍﺗﻪ ." ﻓﻌﻨﺪ ﺃﺭﺳﻄﻮ ﻳﻜﻮﻥ ﺍﻟﺠﻮﻫﺮ ﺫﻟﻚ ﺍﻟﺸﻲﺀ ﺍﻟﺬﻱ ﺗﺤﻤﻞ ﻋﻠﻴﻪ ﺍﻟﻤﺤﻤﻮﻻﺕ ﺃﻭ ﺗﻮﺿﻊ ﻋﻠﻴﻪ ﺃﺷﻴﺎﺀ ﺃﺧﺮﻯ . ﺇﻥ ﺍﻟﺠﻮﻫﺮ ﻣﺴﺘﻘﻞ ﺑﺬﺍﺗﻪ ، ﻗﺎﺋﻢ ﺑﺬﺍﺗﻪ . ﻭﻋﻨﺪﻣﺎ ﻧﻘﻮﻝ ﺃﻥّ ﺍﻟﻔﻜﺮ ﻛﺠﻮﻫﺮ ﻣﺴﺘﻘﻞ ﺑﺬﺍﺗﻪ ﻓﺬﻟﻚ ﻳﻌﻨﻲ ﺑﺎﻟﻨﺴﺒﺔ ﻟﺪﻳﻜﺎﺭﺕ ﺃﻧﻪ ﻣﺴﺘﻘﻞ ﻣﺘﻤﻴﺰ ﻋﻦ ﺍﻟﻤﺎﺩﺓ ﻻ ﺑﻤﻌﻨﻰ ﺃﺭﺳﻄﻲ . ﺇﻥ ﺍﻟﺠﻮﻫﺮ ﺍﻟﻤﺎﺩﻱ ﻣﺮﻛﺐ ﺃﻣﺎ ﺍﻟﺠﻮﻫﺮ ﺍﻟﻔﻜﺮﻱ ﺑﺴﻴﻂ ﻻ ﻳﻘﺴّﻢ ، ﻭﺍﻟﺬﻱ ﻻ ﻳﻘﺴّﻢ ﻋﻠﻰ ﻣﺴﺘﻮﻯ ﺍﻟﻤﻜﺎﻥ ﻳﻜﻮﻥ ﺑﺎﻟﻨﺴﺒﺔ ﻟﺪﻳﻜﺎﺭﺕ ﺃﺯﻟﻲ ﻋﻠﻰ ﻣﺴﺘﻮﻯ ﺍﻟﺰّﻣﺎﻥ ﺃﻱ ﺃﻥّ ﺍﻟﺒﺴﻴﻂ ﺃﺯﻟﻲ : ﺍﻟﻨﻔﺲ ﺧﺎﻟﺪﺓ ﺑﻴﻨﻤﺎ ﺍﻟﺠﺴﻢ ﻓﺎﻥ ‏( ﺍﻟﻤﺎﺩّﺓ ﻓﺎﺳﺪﺓ ‏) .
    ﻭ ﻣﻦ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻤﻨﻄﻠﻖ ﻓﺈﻥ ﺍﻟﻌﻼﻗﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﻧﺠﺪﻫﺎ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﺠﺴﺪ ﻭ ﺍﻟﻨﻔﺲ ﻋﻨﺪ ﺩﻳﻜﺎﺭﺕ ﻭﺇﻥ ﻛﺎﻧﺖ ﻋﻼﻗﺔ ﺟﻮﻫﺮﻳﻦ ﻣﺴﺘﻘﻠّﻴﻦ ﻣﺘﻤﻴّﺰﻳﻦ ﻓﺈﻧّﻬﺎ ﺗﺮﻣﻲ ﻓﻲ ﺍﻟﺤﻘﻴﻘﺔ ﺇﻟﻰ ﻧﻈﺮﺓ ﺃﻭ ﻣﻮﻗﻒ ﺃﺧﻼﻗﻲ ﻣﻌﻴّﻦ ﺃﻱ ﺃﻥّ ﺍﻟﺪﺭﺍﺳﺔ ﺍﻷﻧﺘﺮﺑﻮﻟﻮﺟﻴﺔ ، ﻭ ﻧﻌﻨﻲ ﺑﺬﻟﻚ ﺩﺭﺍﺳﺔ ﺗﺮﻛﻴﺒﺔ ﻃﺒﻴﻌﺔ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﻓﻲ ﺣﺪّ ﺫﺍﺗﻪ ، ﻟﻴﺴﺖ ﺩﺭﺍﺳﺔ ﻋﻠﻤﻴﺔ ﻣﺤﺎﻳﺪﺓ ﻭ ﺇﻧّﻤﺎ ﺗﺘﻀﻤّﻦ ﻣﻨﺬ ﺃﺳﺎﺳﻬﺎ ﻣﺎ ﻳﺮﻣﻲ ﺇﻟﻴﻪ ﺩﻳﻜﺎﺭﺕ ﻓﻲ ﻧﻬﺎﻳﺔ ﺍﻟﻤﻄﺎﻑ ، ﻭ ﻫﻮ ﺑﻴﺎﻥ ﺃﻥ ﺍﻟﺠﺴﺪ ﻳﻨﺒﻐﻲ ﺃﻥ ﻳﺨﻀﻊ ﻟﻠﻌﻘﻞ ﺑﺎﻋﺘﺒﺎﺭ ﺃﻥّ ﺍﻟﺠﺴﺪ ﻫﻮ ﻣﺼﺪﺭ ﺍﻻﻧﻔﻌﺎﻻﺕ ﻭﺑﺎﻋﺘﺒﺎﺭ ﻫﺬﻩ ﺍﻷﺧﻴﺮﺓ ﻋﻨﺪ ﺩﻳﻜﺎﺭﺕ ﻏﻴﺮ ﻃﺒﻴﻌﻴﺔ ﻭﺇﻥ ﻛﺎﻧﺖ ﺗﻔﻬﻢ ﺑﻄﺮﻳﻘﺔ ﻃﺒﻴﻌﻴﺔ ﺃﻱ ﻃﺮﻳﻘﺔ ﻋﻠﻤﻴﺔ . ﻭ ﻟﻜﻨّﻬﺎ ﺗﺒﻴّﻦ ﻓﻲ ﺍﻟﺤﻘﻴﻘﺔ ﺿﻌﻒ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﺨﻀﻊ ﻟﻬﺬﻩ ﺍﻻﻧﻔﻌﺎﻻﺕ . ﺇﺫﻥ ﺍﻟﻨﻈﺮﺓ ﺍﻷﺧﻼﻗﻴﺔ ﻫﻲ ﺍﻟﺘﻲ ﺃﺩّﺕ ﺑﺪﻳﻜﺎﺭﺕ ﺇﻟﻰ ﻫﺬﺍ " ﺍﻟﻤﻮﻗﻒ ﺍﻻﻧﺜﺮﺑﻮﻟﻮﺟﻲ " ﻭﻻ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻌﻜﺲ ، ﺣﺴﺐ ﻣﺎ ﻳﺮﻳﺪ ﺩﻳﻜﺎﺭﺕ ﺃﻥ ﻳﻌﺮﺽ ﻟﻨﺎ ﺫﻟﻚ ، ﻛﻤﺎ ﻫﻮ ﻣﻌﺮﻭﻑ ﻣﺜﻼ ﻓﻲ ﺍﻟﺘﺄﻣّﻼﺕ . ﻓﻨﺤﻦ ﻋﻨﺪﻣﺎ ﻧﺘﺼﻔّﺢ ﺍﻟﺘﺄﻣّﻼﺕ ﻭﻧﺘﺘﺒّﻊ ﺧﻄﻰ ﺩﻳﻜﺎﺭﺕ ﻓﻲ ﺑﻴﺎﻥ ﺃﺳﺒﻘﻴﺔ ﻣﻌﺮﻓﺔ ﺍﻟﻨﻔﺲ ﻋﻦ ﺍﻟﺠﺴﺪ ﻭ ﺑﺴﺎﻃﺔ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻨّﻔﺲ ﻭ ﺗﻮﺣﻴﺪﻫﺎ ﻟﻠﺠﺴﺪ ﻻ ﻧﺘﻨﺒّﻪ ﻓﻲ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻘﺮﺍﺀﺓ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﺨﻠﻔﻴﺎﺕ ﺍﻟﺘﻲ ﺳﻮﻑ ﺗﻈﻬﺮ ﻓﻴﻤﺎ ﺑﻌﺪ ﻓﻲ ﻛﺘﺎﺏ " ﺍﻻﻧﻔﻌﺎﻻﺕ " ﺣﻴﺚ ﻧﺠﺪ ﺩﻳﻜﺎﺭﺕ ﻳﺠﻌﻞ ﺍﻟﺠﺴﺪ ﻳﺨﻀﻊ ﻟﻠﻨّﻔﺲ ﺑﻴﻨﻤﺎ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻤﺒﺪﺃ ﻏﺎﺋﺐ ﻓﻲ ﺍﻟﺘﺄﻣﻼﺕ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﻜﺘﻔﻲ ، ﻓﻘﻂ ، ﺑﺘﺒﻴﺎﻥ ﺃﻥ ﺍﻟﻨﻔﺲ ﺃﺳﺒﻖ ﻭ ﺃﻳﺴﺮ ﻣﻌﺮﻓﺔ ﻣﻦ ﺍﻟﺠﺴﺪ . ﺇﺫﺍ ﻳﻨﺒﻐﻲ ﺃﻥ ﻧﻘﺮﺃ ﻫﺬﻳﻦ ﺍﻷﺛﺮﻳﻦ ﻓﻲ ﺍﻟﺤﻘﻴﻘﺔ ﺑﺼﻔﺔ ﻋﻜﺴﻴﺔ ، ﺃﻱ ﺃﻥ ﻧﺒﺪﺃ ﺑﻜﺘﺎﺏ " ﺍﻻﻧﻔﻌﺎﻻﺕ " ﻟﺒﻴﺎﻥ ﺍﻟﻐﺎﻳﺔ ﺍﻟﺤﻘﻴﻘﻴﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﻳﺮﻣﻲ ﺇﻟﻴﻬﺎ ﺩﻳﻜﺎﺭﺕ ﺛﻢ ﻧﺘﺘﺒﻊ ﺍﻟﻮﺳﺎﺋﻞ ﻭ ﺟﻤﻠﺔ ﺍﻷﻓﻜﺎﺭ ﺍﻟﺘﻲ ﻳﻮﺭﺩﻫﺎ ﻓﻲ ﺍﻟﺘﺄﻣّﻼﺕ ، ﻟﻨﻔﻬﻢ ﺃﻥ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺘّﻤﻴﻴﺰ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﻘﺮﻩ ﻟﻠﻨﻔﺲ ﻋﻦ ﺍﻟﺠﺴﺪ ﻳﻤﻬّﺪ ﺷﻴﺌﺎ ﻓﺸﻴﺌﺎ ﻟﻠﻐﺎﻳﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﻛﻨﺎ ﻭﺿﻌﻨﺎﻫﺎ ﻣﻨﺬ ﺍﻟﺒﺪﺍﻳﺔ ﻓﻲ ﻗﺮﺍﺀﺗﻨﺎ ﻻ ﻟﻜﺘﺎﺏ " ﺍﻟﺘﺄﻣّﻼﺕ " ﻭﺇﻧﻤﺎ ﻟﻜﺘﺎﺏ " ﺍﻻﻧﻔﻌﺎﻻﺕ ."
    ﺇﻥّ ﺍﻟﻨﻈﺮﺓ ﺍﻟﺪﻳﻜﺎﺭﺗﻴﺔ ﻟﻺﻧﺴﺎﻥ ﻭ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﺮﻯ ﻓﻲ ﻣﺴﺘﻮﻳﻴﻦ ﺍﺛﻨﻴﻦ : ﺍﻟﻤﺴﺘﻮﻯ ﺍﻷﺧﻼﻗﻲ ﻭﺍﻟﻤﺴﺘﻮﻯ ﺍﻷﻧﺘﺮﺑﻮﻟﻮﺟﻲ ﺗﺘﻤﻴّﺰ ﺟﺬﺭﻳّﺎ ﻋﻦ ﺍﻟﻨﻈﺮﺓ ﺍﻟﺘﻲ ﺳﺎﺩﺕ ﻓﻲ ﺍﻟﻔﻠﺴﻔﺔ . ﻭ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻨﻈﺮﺓ ﺗﺮﺗﻜﺰ ﺃﺳﺎﺳﺎ ﻋﻠﻰ ﺗﺜﺒﻴﺖ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﺜﻨﺎﺋﻴﺔ ﻓﻲ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ، ﻭ ﻋﻦ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺜﻨﺎﺋﻴﺔ ﻳﺼﺪﺭ ﺍﻟﻤﻮﻗﻒ ﺍﻷﺧﻼﻗﻲ ﺍﻟﻤﺜﺎﻟﻲ ﺍﻟﻤﻌﺮﻭﻑ ، ﻓﺎﻹﻧﺴﺎﻥ ﺍﻧﻔﻌﺎﻻﺕ ﻣﻦ ﺟﻬﺔ ﻭ ﻋﻘﻞ ﻣﻦ ﺟﻬﺔ ﺃﺧﺮﻯ ، ﻭ ﻟﻜﻦ ﻻ ﺍﻟﻌﻘﻞ ﻭ ﻻ ﺍﻻﻧﻔﻌﺎﻻﺕ ﻳﺸﻜّﻼﻥ ﺑﺤﻖّ ﺍﻟﻄّﺒﻴﻌﺔ ﺍﻟﺒﺸﺮﻳﺔ ، ﻓﻤﺎ ﻋﻠّﺔ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻤﻮﻗﻒ ؟
    ﺇﺫﺍ ﻛﺎﻧﺖ ﺍﻻﻧﻔﻌﺎﻻﺕ ﻻ ﺗﺸﻜﻞ ﺍﻟﻄﺒﻴﻌﺔ ﺍﻟﺒﺸﺮﻳﺔ ﻷﻧﻬﺎ ﺩﻟﻴﻞ ﺍﻟﻀﻌﻒ ﻓﻲ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻄﺒﻴﻌﺔ ﻭ ﺗﺒﻴّﻦ ﻛﻴﻒ ﻳﺆﺩّﻱ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻀﻌﻒ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﺮﺫﻳﻠﺔ ، ﻓﺈﻥ ﺍﻟﻌﻘﻞ ﻛﺬﻟﻚ ﻻ ﻳﺸﻜﻞ ﺟﺰﺀﺍ ﻃﺒﻴﻌﻴّﺎ ﻓﻲ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﻷﻧّﻪ ﻭﺍﺭﺩ ﻣﻦ ﺃﻓﻖ ﺁﺧﺮ ، ﺃﻓﻖ ﻣﺘﻌﺎﻟﻲ ﺭﻏﻢ ﻛﻮﻥ ﺩﻳﻜﺎﺭﺕ ﻳﻨﺰﻝ ﺍﻟﻌﻘﻞ ﻓﻲ ﺍﻟﻨﻔﺲ . ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﻫﻮ ﺇﺫﻥ ، ﻋﻘﻞ ﻣﺘﻌﺎﻝ ﻣﻦ ﺟﻬﺔ ﻭ ﺍﻧﻔﻌﺎﻻﺕ ﻟﺼﻴﻘﺔ ﺑﻄﺒﻴﻌﺔ ﺍﻟﺤﻴﻮﺍﻥ ﺃﻱ ﺃﻧﻬﺎ ﺗﺆﺩﻱ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﺮّﺫﻳﻠﺔ ﻣﻦ ﺟﻬﺔ ﺃﺧﺮﻯ ، ﻭ ﻫﺬﺍ ﻳﺆﺩّﻱ ﺇﻟﻰ ﺍﻋﺘﺒﺎﺭ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﻣﺠﺮﺩ ﺣﻴﺰ ﻧﺰﺍﻉ ﺑﻴﻦ ﻫﺬﻳﻦ ﺍﻟﻌﺎﻣﻠﻴﻦ . ﻭ ﺍﻟﻨﻈﺮﺓ ﺍﻷﺧﻼﻗﻴﺔ ﺗﺘﻤﺜﻞ ﻓﻲ ﻣﺤﺎﻭﻟﺔ ﺗﻐﻠﻴﺐ ﺍﻟﻌﻘﻞ ﻋﻠﻰ ﺍﻻﻧﻔﻌﺎﻻﺕ ﺑﺎﻋﺘﺒﺎﺭ ﺃﻥّ ﺍﻟﻌﻘﻞ ﻭ ﻟﻮ ﺃﻧّﻪ ﻻ ﻳﻜﻮّﻥ ﺍﻟﻄﺒﻴﻌﺔ ﺍﻟﺒﺸﺮﻳﺔ ﻓﺈﻧّﻪ ، ﻋﻠﻰ ﻛﻞ ﺣﺎﻝ ، ﺃﺳﻤﻰ ﻣﻦ ﺍﻻﻧﻔﻌﺎﻻﺕ . ﺃﻣّﺎ ﺇﺫﺍ ﺍﻋﺘﺒﺮﻧﺎ ﺃﻥّ ﺍﻟﻌﻘﻞ ﻻ ﻳﻜﻮﻥ ﺑﺎﻟﻀﺮﻭﺭﺓ ﺿﺪ ﺍﻻﻧﻔﻌﺎﻻﺕ ﻭ ﻻ ﺍﻻﻧﻔﻌﺎﻻﺕ ﺗﻀﺎﺩ ﺍﻟﻌﻘﻞ ، ﺃﻱ ﺃﻥ ﺍﻟﻌﻘﻞ ﻳﺼﻴﺮ ﻣﺠﺮﺩ ﺍﻧﻔﻌﺎﻝ ﻃﺒﻴﻌﻲ ﻣﺜﻞ ﻏﻴﺮﻩ ﻣﻦ ﺍﻻﻧﻔﻌﺎﻻﺕ ، ﻓﺈﻥ ﺍﻟﻨﻈﺮﺓ ﺍﻷﺧﻼﻗﻴﺔ – ‏( ﺍﻷﻧﺘﺮﺑﻮﻟﻮﺟﻴﺔ ‏) ﺍﻟﺘﻲ ﺳﺎﺩﺕ ﺍﻟﻔﻠﺴﻔﺔ ﺳﺘﺘﻐﻴّﺮ ﺗﻤﺎﻣﺎ ، ﻭﻫﻮ ﻣﺎ ﻟﻢ ﻳﺤﺼﻞ ﻣﻊ ﺩﻳﻜﺎﺭﺕ ﻭ ﺣﺪﺙ ﻓﻌﻼ ﻣﻊ ﺳﺒﻴﻨﻮﺯﺍ . ﻟﻜﻦ ﻟﻜﻲ ﻳﺤﺼﻞ ﺫﻟﻚ ﻳﻨﺒﻐﻲ ﺍﻋﺘﺒﺎﺭ ﺃﻥّ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﻻ ﻳﺘﻜﻮّﻥ ﻣﻦ ﺟﺴﺪ ﻋﻠﻰ ﺣﺪﻩ ﻭ ﻧﻔﺲ ﻋﻠﻰ ﺣﺪﺓ ، ﺛﻢ ﻻ ﻣﻦ ﺣﻴﺚ ﺍﻋﺘﺒﺎﺭ ﺭﺑﻂ ﺍﻟﻨﻔﺲ ﻭ ﺍﻟﺠﺴﺪ ﻣﻊ ﺑﻌﻀﻬﺎ ، ﺑﻞ ﺍﻋﺘﺒﺎﺭ ﺃﻥّ ﺍﻟﻨﻔﺲ ﻟﻴﺴﺖ ﺇﻻّ ﻣﺠﻤﻮﻋﺔ ﺍﻷﻓﻜﺎﺭ ﺍﻟﺘﻲ ﻟﻴﺴﺖ ﺧﺎﻟﺪﺓ ، ﻭ ﺇﻧّﻤﺎ ﻣﺠﻤﻮﻋﺔ ﺍﻷﻓﻜﺎﺭ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﻌﺒّﺮ ﻋﻦ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﺗﻌﺒﻴﺮﺍ ﺧﺎﺻﺎ ﻭ ﺍﻟﺠﺴﺪ ﻣﺠﻤﻮﻋﺔ ﺣﺮﻛﺎﺕ ﻭ ﺍﻧﻔﻌﺎﻻﺕ ﺗﻌﺒّﺮ ﺗﻌﺒﻴﺮﺍ ﻣﻌﻴﻨﺎ ﻋﻦ ﺍﻟﺠﺴﺪ ، ﻭ ﺗﻌﺒﻴﺮ ﺍﻟﺠﺴﺪ ﻫﻮ ﻧﻔﺲ ﺗﻌﺒﻴﺮ ﺍﻷﻓﻜﺎﺭ ﻋﻨﺪ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﺃﻱ ﻻ ﻓﺮﻕ ﺣﻘّﺎ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﻔﻜﺮﺓ ﻭﺍﻟﺤﺮﻛﺔ ، ﺑﻴﻦ ﺍﻟﺠﺴﺪ ﻭ ﺍﻟﻔﻜﺮ .
    -2 ‏) ﺍﻟﻨﻔﺲ ﻭ ﺍﻟﺠﺴــﺪ ﻋﻨﺪ ﺳﺒﻴﻨـﻮﺯﺍ :
    ﻟﻔﻬﻢ ﻋﻼﻗﺔ ﺍﻟﻨﻔﺲ ﺑﺎﻟﺠﺴﺪ ﺃﻭ ﺑﺎﻷﺣﺮﻯ ﻋﻼﻗﺔ ﺍﻟﺠﺴﺪ ﺑﺎﻟﻨﻔﺲ ﻛﻤﺎ ﻳﻔﻬﻤﻬﺎ ﺳﺒﻴﻨﻮﺯﺍ ﻳﻨﺒﻐﻲ ﺃﻥ ﻧﺘﻌﺮّﺽ ﺇﻟﻰ ﺃﻫﻢّ ﺍﻟﺤﻘﺎﺋﻖ ﺍﻟﺘﻲ ﻳﺮﻛﺰ ﻋﻠﻴﻬﺎ ﻓﻲ ﺍﻟﻔﺼﻞ ﺍﻷﻭﻝ ﻣﻦ ﻛﺘﺎﺏ " ﺍﻷﺧﻼﻕ ." ﻳﺒﺘﺪﺃ ﻛﺘﺎﺏ " ﺍﻷﺧﻼﻕ " ﺑﺒﻴﺎﻥ ﺃﻥ ﺍﻟﻠﻪ ﺳﺒﺐ ﻟﺬﺍﺗﻪ ﻭﺃﻧﻪ ﻻ ﻣﺘﻨﺎﻩ ﻣﻄﻠﻖ ﻭﺃﻧﻪ " ﻣﻜﻮّﻥ " ﻣﻦ ﻋﺪﺩ ﻻ ﻣﺘﻨﺎﻩ ﻣﻦ ﺍﻟﺼﻔﺎﺕ . ﻓﺎﻟﻠﻪ ﻫﻮ ﺍﻟﺠﻮﻫﺮ ﺍﻟﻮﺣﻴﺪ ﻭﻫﻮ ﺳﺒﺐ ﻟﻨﻔﺴﻪ ﻻ ﻣﺘﻨﺎﻩ ﻣﻄﻠﻘﺎ ﻭﻳﺤﺘﻮﻱ ﻋﻠﻰ ﻋﺪﺩ ﻻ ﻣﺘﻨﺎﻩ ﻣﻦ ﺍﻟﺼّﻔﺎﺕ . ﻭ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﻻ ﻳﻌﺮﻑ ﻣﻦ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺼﻔﺎﺕ ﺇﻻ ﺻﻔﺘﻴﻦ ﻓﻘﻂ : ﺍﻻﻣﺘﺪﺍﺩ ﻭﺍﻟﻔﻜﺮ ، ﻭﻣﺎﻫﻴّﺔ ﺍﻟﻠﻪ ﻣﻌﺎﺩﻟﺔ ﺗﻤﺎﻣﺎ ﻟﻘﻮﺗﻪ Essence = Puissance. ﻭ ﻣﺎ ﻳﻌﻨﻴﻪ ﺫﻟﻚ ﻫﻮ ﺃﻥ ﺍﻟﻠﻪ ﻻ ﻳﺨﻠﻖ . ﺃﻣﺎ ﺍﻟﺼﻔﺘﺎﻥ ﺍﻟﻼﻣﺘﻨﺎﻫﻴﺘﺎﻥ – ﺍﻻﻣﺘﺪﺍﺩ / ﺍﻟﻔﻜﺮ – ﻓﻤﻜﻮّﻧﺘﺎﻥ ﻣﻦ ﻋﺪﺩ ﻻ ﻣﺘﻨﺎﻩ ﻣﻦ ﺍﻟﻀﺮﻭﺏ - modes- ﻭ ﻛﻞ ﻣﺎ ﻫﻮ ﻣﻮﺟﻮﺩ ﻟﻴﺲ ﺇﻻ ﺿﺮﺑﺎ ﻣﻌﻴﻨﺎ ، ﺇﻣﺎ ﺿﺮﺏ ﻣﻦ ﺍﻟﺼﻔﺔ ﺍﻟﻼﻣﺘﻨﺎﻫﻴﺔ ﻟﻼﻣﺘﺪﺍﺩ ، ﻭﺇﻣّﺎ ﺿﺮﺏ ﻟﻠﻔﻜﺮ ﺍﻟﺬﻱ ﻫﻮ ﺻﻔﺔ ﻻ ﻣﺘﻨﺎﻫﻴﺔ ﺍﻳﻀﺎ ، ﻭﺇﻣّﺎ ﺿﺮﺏ ﻟﺼﻔﺔ ﺃﺧﺮﻯ ﻻ ﻧﻌﺮﻓﻬﺎ ﺃﻭ ﻛﺬﻟﻚ ﻣﻜﻮّﻥ ﻣﻦ ﺿﺮﺑﻴﻦ . ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﻫﻮ ﺑﺎﻟﻨﻬﺎﻳﺔ ﻋﻼﻗﺘﻪ ﺿﺮﺑﻴﻦ ‏( ﻓﻜﺮ / ﺍﻣﺘﺪﺍﺩ ‏) ﻭ ﻫﺬﺍ ﻣﺎ ﻳﻌﻨﻲ ﺃﻥّ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﻟﻢ ﻳﻌﺪ ﻳﻌﺘﺒﺮ ﻛﺠﻮﻫﺮ ﻣﺘﻤﻴّﺰ ﺧﺎﺻّﺔ ﺑﻞ ﺃﺻﺒﺢ ﻣﺠﺮّﺩ ﺿﺮﺏ ﺃﻭ ﻋﻼﻗﺔ ﺑﻴﻦ ﺿﺮﺑﻴﻦ ﻣﺜﻞ ﻏﻴﺮﻩ ﻣﻦ ﺍﻟﻜﺎﺋﻨﺎﺕ . ﻭ ﻟﺬﻟﻚ ﻳﺒﺪﺃ ﺳﺒﻴﻨﻮﺯﺍ ﺍﻟﻔﺼﻞ ﺍﻟﺜﺎﻧﻲ ﺑﻘﻮﻟﻪ : ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﻳﻔﻜﺮ ‏( ﺃﻱ ﺃﻥ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﻟﻴﺲ ﻓﻜﺮﺍ ﻓﺤﺴﺐ ، ﻭﻫﺬﺍ ﺍﻟﻔﻜﺮ ﻟﻴﺲ ﻣﺎﻫﻴﺔ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ‏( ﺩﻳﻜﺎﺭﺕ : ﻣﺎﻫﻴﺔ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﺍﻟﻔﻜﺮ .((
    ﻭﺍﻟﻔﻜﺮ ﻋﻨﺪ ﺳﺒﻴﻨﻮﺯﺍ ﻟﻴﺲ ﻟﻪ ﻧﻔﺲ ﺍﻟﻤﻌﻨﻰ ﺍﻟﺪﻳﻜﺎﺭﺗﻲ : ﻓﺎﻟﻔﻜﺮ ﻋﻨﺪﻩ ﻣﺠﻤﻮﻋﺔ ﺃﻓﻜﺎﺭ ﻭﺑﺎﻟﺘﺎﻟﻲ ﻻ ﻛﻤﺎ ﻫﻮ ﺍﻟﺸﺄﻥ ﻋﻨﺪ ﺩﻳﻜﺎﺭﺕ ﺃﻥ ﺍﻟﻔﻜﺮ ﻫﻮ ﺫﺍﺕ ﻣﻔﻜﺮﺓ . ﻓﻬﺬﻩ ﺍﻟﻤﻘﻮﻟﺔ ‏( ﺍﻟﺬﺍﺕ ﺍﻟﻤﻔﻜﺮﺓ ‏) ﻗﺪ ﺗﻌﻨﻲ ﺃﻧﻪ ﺇﺫﺍ ﻭﺟﺪ ﻓﻜﺮ ﻣﺎ ، ﻓﻬﺬﺍ ﺍﻟﻔﻜﺮ ﻣﻮﺟﻮﺩ ﻓﻲ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﻭ ﻻ ﺗﻌﻨﻲ ﺃﻥ ﻣﺎﻫﻴﺘﻪ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﻫﻮ ﻓﻜﺮ ، ﺑﻞ ﻳﻌﻨﻲ ﺃﻥ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﻗﺪ ﻳﻔﻜﺮ ﺃﻭ ﺑﺎﻷﺣﺮﻯ ﻗﺪ ﻻ ﻳﻔﻜﺮ . ﻭ ﺑﺼﻔﺔ ﺃﺩﻕ ﺃﻥ ﻣﺎ ﻻ ﻳﻔﻜﺮ ﺇﻧﺴﺎﻥ ﺑﻤﺎ ﺃﻥ ﺍﻟﻔﻜﺮ ﻻ ﻳﺤﺪّﺩ ﻣﺎﻫﻴﺔ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ . ﻭ ﻋﻨﺪﻣﺎ ﻧﺴﻠﻢ ﺑﺬﻟﻚ ﻳﺼﺒﺢ ﺷﺮﻋﻴﺎ ﺃﻥ ﻧﻘﻮﻝ ﺃﻥ ﺍﻟﻄﻔﻞ ﻭﺍﻟﻤﺠﻨﻮﻥ ‏( ﻛﻠﻴﻬﻤﺎ ﺇﻧﺴﺎﻥ ‏) . ﻭ ﺩﻳﻜﺎﺭﺕ ﻋﻠﻰ ﻋﻜﺲ ﺳﺒﻴﻨﻮﺯﺍ ﺗﻤﺎﻣﺎ ﻻ ﻳﻘﻮﻝ ﺑﺄﻥ ﺍﻟﻤﺠﻨﻮﻥ ﺇﻧﺴﺎﻥ ﺑﻞ ﻫﻮ ﻛﺎﺋﻦ ﺑﺸﺮﻱ ﻣﺸﻮﻩ ﺃﻱ ﻣﺴﺨﺔ . ﻓﻲ ﺣﻴﻦ ﺑﺎﻟﻨﺴﺒﺔ ﻟﺴﺒﻴﻨﻮﺯﺍ ﻳﻤﺜﻞ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﺍﻟﺬﻱ ﻻ ﻳﻔﻜﺮ ﺇﻧﺴﺎﻧﺎ ، ﻭ ﺑﻬﺬﺍ ﻳﺘﺨﻠّﻰ ﺳﺒﻴﻨﻮﺯﺍ ﻋﻦ ﺍﻟﺜﻨﺎﺋﻴﺔ ﺍﻟﺪﻳﻜﺎﺭﺗﻴﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﻇﻬﺮﺕ ﺧﻼﻝ ﺍﻟﻘﺮﻥ 17 ﻭ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﻔﺼﻞ ﺑﻴﻦ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﺍﻟﻤﺨﺒﻮﻝ ﻭ ﺍﻟﻌﺎﻗﻞ ﻓﻲ ﺣﻴﻦ ﺃﻥ ﻣﻼﺣﻈﺔ ﺳﺒﻴﻨﻮﺯﺍ ﻻ ﺗﻔﺮﺯ ﺃﻱ ﺗﻤﻴﻴﺰ ﻭﺃﻱ ﺇﻗﺼﺎﺀ ﻟﻨﻮﻉ ﻣﺎ ﻣﻦ ﺍﻟﺒﺸﺮ .
    ﺑﻤﺎ ﺃﻧﻨﺎ ﻻ ﻧﻌﺮﻑ ﺇﻻ ﺻﻔﺘﻴﻦ ﻻ ﻣﺘﻨﺎﻫﻴﺘﻴﻦ – ﺍﻟﻔﻜﺮ ﻭﺍﻻﻣﺘﺪﺍﺩ – ﻭ ﺑﻤﺎ ﺃﻥ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﻋﻼﻗﺔ ﺑﻴﻦ ﺿﺮﺑﻴﻦ ﻣﻮﺍﺯﻳﻴﻦ ﻟﻬﺎﺗﻴﻦ ﺍﻟﺼّﻔﺘﻴﻦ ﺃﻱ ﺿﺮﺏ ﺍﻟﺮّﻭﺡ ﻭ ﺿﺮﺏ ﺍﻟﺠﺴﺪ ، ﻭ ﻟﻜﻦ ﺃﻳﻀﺎ ﺑﻤﺎ ﺃﻥ ﻛﻞ ﺻﻔﺔ ﻟﻴﺴﺖ ﻟﻬﺎ ﻋﻼﻗﺔ ﺳﺒﺒﻴﺔ ﺑﺎﻟﺼﻔﺎﺕ ﺍﻷﺧﺮﻯ ، ﻓﻼ ﺍﻟﺠﺴﺪ ﻳﺆﺛﺮ ﻓﻲ ﺍﻟﻨﻔﺲ ﻭﻻ ﺍﻟﻨﻔﺲ ﺗﺆﺛّﺮ ﻓﻲ ﺍﻟﺠﺴﺪ ، ﻭ ﻫﺬﺍ ﺑﻌﻜﺲ ﻣﺎ ﻳﻘﻮﻟﻪ ﺩﻳﻜﺎﺭﺕ ‏( ﺍﻟﻨﻔﺲ ﺗﻔﻌﻞ ﻓﻲ ﺍﻟﺠﺴﻢ ﻭﻫﺬﺍ ﻳﻨﻔﻌﻞ ﺑﻬﺎ ‏) ، ﻓﺒﺎﻟﻨﺴﺒﺔ ﻟﺴﺒﻴﻨﻮﺯﺍ ﻛﻞ ﻣﺎ ﻫﻨﺎﻟﻚ ، ﻫﻮ ﺗﻮﺍﺯ ﻓﻘﻂ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﺠﺴﺪ ﻭ ﺍﻟﻨﻔﺲ . ﻭ ﻣﻦ ﻫﻨﺎ ﻧﻼﺣﻆ ﻛﻴﻒ ﻳﺒﺘﺪﺃ ﺳﺒﻴﻨﻮﺯﺍ ﻓﻲ ﻧﻘﺪ ﻣﺴﺄﻟﺔ ﻋﻼﻗﺔ ﺍﻟﻨﻔﺲ ﺑﺎﻟﺠﺴﺪ ﻋﻨﺪ ﺩﻳﻜﺎﺭﺕ ﺑﺪﻭﻥ ﺃﻥ ﻳﻘﻮﻡ ﺑﺄﻱّ ﻧﻘﺪ ﻓﻌﻠﻲ ﻭ ﻣﺒﺎﺷﺮ ﻷﻥ ﻓﻠﺴﻔﺔ ﺳﺒﻴﻨﻮﺯﺍ ﻫﻲ ﻣﺠﺮﺩ ﻭﺿﻊ ﻟﻨﻔﺲ ﺍﻷﻓﻜﺎﺭ ﺑﺼﻔﺔ ﺇﻳﺠﺎﺑﻴﺔ ﻻ ﺳﻠﺒﻴّﺔ ، ﻷﻧﻪ ﺳﻴﺒﻴﻦ ﺃﻥّ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻤﺴﺄﻟﺔ ﻟﻴﺴﺖ ﻣﺸﻜﻼ ﻓﻠﺴﻔﻴّﺎ ﺣﻘﻴﻘﻴّﺎ ، ﻭﺛﺎﻧﻴﺎ ، ﻭ ﺑﺼﻔﺔ ﺧﺎﺻﺔ ، ﺳﻴﺒﻴﻦ ﺃﻥّ ﺍﻟﻨﻔﺲ ﻭ ﺍﻟﺠﺴﻢ ﻫﻤﺎ ﻓﻲ ﺁﺧﺮ ﺍﻟﺘﺤﻠﻴﻞ ﺷﻲﺀ ﻭﺍﺣﺪ ، ﻓﻠﻴﺲ ﻫﻨﺎﻟﻚ ﺟﺴﻢ ﻣﻦ ﺟﻬﺔ ﻭ ﻧﻔﺲ ﻣﻦ ﺟﻬﺔ ﺃﺧﺮﻯ ، ﻭ ﻟﻜﻦ ﺑﺎﻟﺮّﻏﻢ ﻣﻦ ﻫﺬﺍ ﻓﻬﻨﺎﻟﻚ ﻋﻼﻗﺔ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﻨﻔﺲ ﻭﺍﻟﺠﺴﺪ ﻋﻨﺪ ﺳﺒﻴﻨﻮﺯﺍ .
    ﻟﻤﺎﺫﺍ ﻟﻴﺲ ﻫﻨﺎﻟﻚ ﺟﺴﺪ ﻣﻦ ﻧﺎﺣﻴﺔ ﻭ ﻧﻔﺲ ﻣﻦ ﻧﺎﺣﻴﺔ ﺃﺧﺮﻯ ﻭ ﺑﺎﻟﺮّﻏﻢ ﻣﻦ ﻫﺬﺍ ﺗﻮﺟﺪ ﻋﻼﻗﺔ ﺭﺍﺑﻄﺔ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﺠﺴﺪ ﻭﺍﻟﻨﻔﺲ ؟
    ﺇﻥ ﻃﺮﺡ ﺍﻹﺷﻜﺎﻝ ﺑﺎﻟﻨﺴﺒﺔ ﻟﺴﺒﻴﻨﻮﺯﺍ ﻳﺨﺘﻠﻒ ﺟﻮﻫﺮﻳﺎ ﻋﻤﺎ ﻫﻮ ﻋﻨﺪ ﺩﻳﻜﺎﺭﺕ ، ﺫﻟﻚ ﻷﻥ ﻛﻞ ﺿﺮﺏ ﻣﻦ ﺿﺮﻭﺏ ﺻﻔﺔ ﻣﺎ ﻣﻮﺍﺯ ﻟﻀﺮﺏ ﻣﺎ ﻣﻦ ﺿﺮﻭﺏ ﻛﻞ ﺍﻟﺼﻔﺎﺕ ﺍﻷﺧﺮﻯ ﺍﻟﻼﻣﺘﻨﺎﻫﻴﺔ . ﻭ ﺑﻤﺎ ﺃﻥ ﺍﻟﻨﻔﺲ ﻫﻲ ﺿﺮﺏ ﻣﻮﺍﺯ ﻟﻤﺠﻤﻮﻋﺔ ﺍﻟﻀّﺮﻭﺏ ﺍﻷﺧﺮﻯ ، ﻓﻬﻲ ﻛﻀﺮﺏ ﻟﻬﺎ ﻓﻜﺮﺓ ﻣﻮﺍﺯﻳﺔ ﻓﺘﻜﻮﻥ ﺍﻟﻨﻔﺲ ﻓﻜﺮﺓ ﺍﻟﻔﻜﺮﺓ "L'idée de l'idée" ﻭ ﺑﻤﺎ ﺃﻥ ﻓﻜﺮﺓ ﺍﻟﻔﻜﺮﺓ ﻟﻬﺎ ﻓﻜﺮﺓ ﻣﻮﺍﺯﻳﺔ ﻟﻬﺎ ﺗﺼﺒﺢ ﻓﻜﺮﺓ ﺍﻟﻨﻔﺲ ﻓﻜﺮﺓ ﻓﻜﺮﺓ ﺍﻟﻔﻜﺮﺓ . ﻭ ﻫﻜﺬﺍ ﺇﻟﻰ ﻣﺎ ﻻ ﻧﻬﺎﻳﺔ ﻓﺘﺼﺒﺢ ﺍﻟﻨﻔﺲ ﺃﻓﻜﺎﺭﺍ ﻋﺪﺩﻫﺎ ﻻ ﻣﺘﻨﺎﻫﻴﺔ ﻓﻲ ﺣﺪّ ﺫﺍﺗﻬﺎ . ﻭ ﺑﻤﺎ ﺃﻥّ ﻛﻞ ﺿﺮﺏ ﻣﻦ ﺍﻟﻀﺮﻭﺏ ﺍﻷﺧﺮﻯ ﺍﻟﻤﻮﺍﺯ ﻟﻔﻜﺮﺓ ﻣﺎ ﻣﻮﺍﺯ ﻟﻬﺬﻩ ﺍﻟﻔﻜﺮﺓ ، ﻓﺈﻥ ﺍﻟﻔﻜﺮﺓ ﻛﻔﻜﺮﺓ ﺗﻌﺒّﺮ ﻋﻤّﺎ ﻫﻮ ﻣﻮﺟﻮﺩ ﻓﻲ ﺿﺮﺏ ﺍﻻﻣﺘﺪﺍﺩ ﺃﻱ ﺗﻌﺒّﺮ ﻋﻦ ﺍﻟﺠﺴﺪ ﻭ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺘﻌﺒﻴﺮ ﻳﻌﻨﻲ ﺃﺳﺎﺳﺎ ﻓﻌﻞ ﺍﻟﺠﻮﻫﺮ ﺍﻟﻮﺣﻴﺪ ﺍﻟﻮﺍﺣﺪ (Unité / Unicité) ﻭ ﻫﻮ ﻧﻔﺲ ﺍﻟﻔﻌﻞ ﻓﻲ ﺟﻤﻴﻊ ﺍﻟﺼّﻔﺎﺕ ، ﺃﻱ ﻣﺎ ﻧﺠﺪ ﻟﻪ ﺃﺛﺮ ﻓﻲ ﺍﻟﺠﺴﻢ ﺃﻭ ﻓﻲ ﺍﻟﻨﻔﺲ ﺃﻭ ﻓﻲ ﺍﻹﻟﻪ ﻫﻮ ﻧﻔﺲ ﺍﻟﻔﻌﻞ ﺃﻭ ﺍﻟﺸﻲﺀ ﻷﻥ ﺍﻟﻠﻪ ﺃﻭ ﺍﻟﺠﻮﻫﺮ ﻳﻌﺒّﺮ ﻋﻦ ﻧﻔﺴﻪ ﺑﻨﻔﺲ ﺍﻟﺼﻔﺔ ﻭ ﺍﻟﻄّﺮﻳﻘﺔ ﻓﻲ ﻛﻞ ﺍﻟﻀﺮﻭﺏ . ﺇﺫﻥ ﺍﻟﻌﻼﻗﺔ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﻨﻔﺲ ﻭ ﺍﻟﺠﺴﺪ ﺗﺼﺒﺢ ﻋﻨﺪ ﺳﺒﻴﻨﻮﺯﺍ ﻋﻼﻗﺔ ﺷﻲﺀ ﺑﻨﻔﺴﻪ ، ﺃﻱ ﻣﺎ ﻧﻌﺘﺒﺮﻩ ﻧﻔﺲ ﻳﻤﻜﻦ ﺃﻥ ﻧﻌﺘﺒﺮﻩ ﺟﺴﺪ ﻭﺍﻟﻌﻜﺲ ﺑﺎﻟﻌﻜﺲ ﻓﻠﻴﺲ ﻫﻨﺎﻙ ﻓﺼﻞ ﺣﻘﻴﻘﻲ ﺑﻴﻨﻬﻤﺎ ﻭ ﻻ ﺇﺷﻜﺎﻟﻴﺔ ﺑﺤﺚ ﺗﻤﻴّﺰ ﺑﻴﻨﻬﻤﺎ . ﻟﺬﻟﻚ ﻓﺈﻥ ﺳﺒﻴﻨﻮﺯﺍ ﻳﻌﻴﺐ ﻋﻠﻰ ﺩﻳﻜﺎﺭﺕ ﻓﺼﻞ ﻫﺬﻳﻦ ﺍﻟﻀﺮﺑﻴﻦ ﻭ ﺍﻟﺪّﺧﻮﻝ ﻓﻲ ﻣﺸﻜﻠﺔ ﺍﻟﺒﺤﺚ ﻋﻦ ﺍﻟﻌﻼﻗﺔ ﺑﻴﻨﻬﻤﺎ ﻓﻲ ﺣﻴﻦ ﺃﻥ ﺍﻷﻣﺮ ﻻ ﻳﻘﺘﻀﻲ ﺍﻓﺘﻌﺎﻝ ﺃﻱ ﻣﺸﻜﻞ .
    ﻭ ﺍﻟﻤﻮﺍﺯﺍﺓ ﺑﻴﻦ ﻫﺬﻳﻦ ﺍﻟﻀّﺮﺑﻴﻦ ﻋﻨﺪ ﺳﺒﻴﻨﻮﺯﺍ ﻳﻤﻜﻦ ﺇﻋﺘﺒﺎﺭﻫﺎ ﻣﻦ ﺛﻼﺛﺔ ﻧﻮﺍﺣﻲ :
    ﺗﻮﺍﺯﻱ ﺍﻧﻄﻮﻟﻮﺟﻲ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﻔﻜﺮﺓ ﻭ ﻛﻞ ﺿﺮﺏ ﻣﻦ ﺿﺮﻭﺏ ﺍﻟﺼّﻔﺎﺕ ﺍﻷﺧﺮﻯ ، ﺃﻱ ﺇﻥّ ﻟﻜﻞ ﺿﺮﺏ ﻣﻦ ﻛﻞ ﺍﻟﺼّﻔﺎﺕ ﻧﻔﺲ ﺍﻟﻘﻴﻤﺔ ﺍﻷﻧﻄﻮﻟﻮﺟﻴﺔ . ﻭ ﻣﻦ ﻫﻨﺎ ﻧﺮﻯ ﺃﻧﻪ ﻟﻴﺲ ﺛﻤﺔ ﺩﺍﻉ ﻟﻠﻘﻮﻝ ﺃﻧﻪ ﻫﻨﺎﻙ ﺿﺮﺏ ﺃﺳﻤﻰ ﻣﻦ ﺿﺮﺏ ﺁﺧﺮ ﺑﻤﺎ ﺃﻥ ﺍﻟﺘﻮﺍﺯﻱ ﺍﻷﻧﻄﻮﻟﻮﺟﻲ ﻳﺤﺘّﻢ ﺃﻥ ﻳﻜﻮﻥ ﻫﻨﺎﻟﻚ ﺗﻄﺎﺑﻘﺎ ﺑﻴﻦ ﻛﻞ ﺍﻟﺼّﻔﺎﺕ ﻭ ﻋﻨﺪﻣﺎ ﻧﻄﺒﻖ ﺍﻟﻌﻼﻗﺔ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺠﺴﺪ ﻭﺍﻟﻨﻔﺲ ﻧﻔﻬﻢ ﺃﻧﻪ ﻟﻴﺴﺖ ﺍﻟﻨﻔﺲ ﺃﺳﻤﻰ ﻣﻦ ﺍﻟﺠﺴﺪ ﻭ ﻻ ﻫﺬﺍ ﻫﻮ ﺃﻳﻀﺎ ﺃﺭﺫﻝ .
    ﺗﻮﺍﺯﻱ ﻋﻠﻰ ﻣﺴﺘﻮﻯ ﺍﻟﻤﺎﻫﻴﺔ ، ﺃﻱ ﻭﺟﻮﺩ ﺗﻄﺎﺑﻖ ﺑﻴﻦ ﻛﻞ ﺿﺮﺏ ﻣﻦ ﺿﺮﺏ ﺻﻔﺔ ﻣﻊ ﻛﻞ ﺿﺮﺏ ﻣﻦ ﺿﺮﻭﺏ ﺻﻔﺔ ﺃﺧﺮﻯ ، ﺑﺤﻴﺚ ﺃﻥ ﺍﻟﻨﻔﺲ ﻫﻲ ﺍﻟﺠﺴﺪ ﺍﻟﻤﻨﻈﻮﺭ ﻟﻪ ﻣﻦ ﺟﻬﺔ ﺻﻔﺔ ﺍﻟﻔﻜﺮ ﻭ ﺍﻟﺠﺴﺪ ﻫﻮ ﺍﻟﻨﻔﺲ ﺍﻟﻤﻨﻈﻮﺭ ﻟﻬﺎ ﻣﻦ ﺟﻬﺔ ﺻﻔﺔ ﺍﻻﻣﺘﺪﺍﺩ .
    ﺗﻮﺍﺯﻱ ﻋﻠﻰ ﻣﺴﺘﻮﻯ ﺍﻟﻘﻮﺓ ﻭ ﺍﻟﻔﻌﻞ ﻓﻠﻴﺲ ﻫﻨﺎﻟﻚ ﺗﺄﺛﻴﺮ ﺿﺮﺏ ﻣﻦ ﺻﻔﺔ ﻣﺎ ﻋﻠﻰ ﺿﺮﺏ ﻣﻦ ﺻﻔﺔ ﺃﺧﺮﻯ ، ﻭ ﻟﻬﺬﺍ ﻓﺈﻥ ﺿﺮﺏ ﺍﻟﻨﻔﺲ ﻣﺴﺎﻭ ﻭﻣﻌﺎﺩﻝ ﻭ ﻣﺮﺗﺒﻂ ﺑﻀﺮﺏ ﺍﻟﺠﺴﺪ ﺩﻭﻥ ﺃﻥ ﻳﻜﻮﻥ ﻫﻨﺎﻟﻚ ﺗﺄﺛﻴﺮ ﺍﻟﻨﻔﺲ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺠﺴﺪ ﺃﻭ ﺗﺄﺛﻴﺮ ﺍﻟﺠﺴﺪ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻨﻔﺲ ، ﻓﻔﻌﻞ ﻻﺍﻟﻨﻔﺲ ﻫﻮ ﻋﻴﻦ ﻓﻌﻞ ﺍﻟﺠﺴﺪ ﻭ ﻫﻮ ﺍﻟﻔﻌﻞ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﻨﺤﻮ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻤﺤﺎﻓﻈﺔ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺒﻘﺎﺀ .
    ﻭ ﺇﻟﻰ ﺟﺎﻧﺐ ﺫﻟﻚ ‏( ﺇﻟﻰ ﺟﺎﻧﺐ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺘﻮﺍﺯﻱ ﺍﻟﻌﺎﻡ ‏) ﻫﻨﺎﻟﻚ ﺗﻮﺍﺯﻱ ﺧﺎﺹ ﺑﻴﻦ ﻛﻞ ﺿﺮﺏ ﻣﻦ ﺿﺮﻭﺏ ﺻﻔﺔ ﺍﻟﻔﻜﺮ ﻭ ﺍﻟﻀﺮﻭﺏ ﺍﻟﻼﻣﺘﻨﺎﻫﻴﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﺼﻔﺎﺕ ﺍﻷﺧﺮﻯ .
    ﺇﻥ ﺍﻟﺠﺴﻢ ﻋﻨﺪ ﺳﺒﻴﻨﻮﺯﺍ ﻫﻮ ﺿﺮﺏ ﻳﻌﺒّﺮ ﻋﻦ ﻣﺎﻫﻴﺔ " ﺍﻟﻠﻪ ،" ﻭﻫﻮ ﻣﻮﻗﻒ ﻳﻨﺘﻬﻲ ﺇﻟﻴﻪ ﺳﺒﻴﻨﻮﺯﺍ ﻓﻲ ﻛﺘﺎﺏ ﺍﻷﺧﻼﻕ ﺣﻴﺚ ﻳﻘﺪﻡ ﺟﻤﻠﺔ ﻣﻦ ﺍﻹﻗﺮﺍﺭﺍﺕ ، ﺍﺧﺘﺮﻧﺎ ﺃﻥ ﻧﻮﺭﺩ ﺍﻟﺒﻌﺾ ﻣﻨﻬﺎ ﻟﻨﺘﺘﺒﻊ ﺑﻨﺎﺀ ﺃﻃﺮﻭﺣﺘﻪ ﺣﻮﻝ ﺍﻟﺠﺴﺪ :
    ﺍﻟﺒﺪﻳﻬﻴﺔ 1 : ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﻳﻔﻜﺮ .
    ﺍﻟﻘﻀﻴﺔ 1 : ﺍﻟﺘﻔﻜﻴﺮ ﺻﻔﺔ ﻟﻠﻪ ﺃﻱ ﺃﻥ ﺍﻟﻠﻪ ﺷﻲﺀ ﻳﻔﻜّﺮ .
    ﺍﻟﻘﻀﻴﺔ 2 : ﺍﻻﻣﺘﺪﺍﺩ ﺻﻔﺔ ﻟﻠﻪ ﺃﻱ ﺃﻥ ﺍﻟﻠﻪ ﺷﻲﺀ ﻣﻤﺘﺪّ .
    ﺍﻟﻘﻀﻴﺔ 7 : ﻧﻈﺎﻡ ﻭﺗﺴﻠﺴﻞ ﺍﻷﻓﻜﺎﺭ ﻫﻮ ﻧﻔﺲ ﻧﻈﺎﻡ ﻭﺗﺴﻠﺴﻞ ﺍﻷﺷﻴﺎﺀ .
    ﺍﻟﻘﻀﻴﺔ 10 : ﺍﻟﺠﻮﻫﺮ ﻻ ﻳﻤﻜﻦ ﺃﻥ ﻳﻜﻮﻥ ﻣﺎﻫﻴﺔ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﺃﻱ ﺃﻥ ﺍﻟﺠﻮﻫﺮ ﻻ ﻳﻜﻮﻥ ﺻﻮﺭﺓ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ .
    ﺍﻟﻘﻀﻴﺔ 11 : ﻣﺎ ﻳﻜﻮّﻥ ﺍﻟﺮّﻭﺡ ﺍﻹﻧﺴﺎﻧﻴﺔ ﻟﻴﺲ ﺇﻻّ ﻓﻜﺮﺓ ﻟﺸﻲﺀ ﻣﻔﺮﺩ ﻭﻣﺤﺪﻭﺩ ﻣﻮﺟﻮﺩ ﺑﺎﻟﻔﻌﻞ ‏( ﻟﻴﺲ ﺑﺎﻟﻤﻌﻨﻰ ﺍﻷﺭﺳﻄﻲ ﻟﻠﻮﺟﻮﺩ ﺑﺎﻟﻔﻌﻞ ‏) .
    ﺍﻟﻘﻀﻴﺔ 13 : ﻣﻮﺿﻮﻉ ﺍﻟﻔﻜﺮﺓ ﺍﻟﺘﻲ ﻫﻲ ﺍﻟﺮّﻭﺡ ﺍﻹﻧﺴﺎﻧﻴﺔ ﻫﻮ ﺍﻟﺠﺴﻢ ﺃﻱ ﺿﺮﺏ ﻣﻤﺘﺪ ﻣﻮﺟﻮﺩ ﺑﺎﻟﻔﻌﻞ
    ﺍﻟﻼﺯﻡ : ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﻣﻜﻮّﻥ ﻣﻦ ﺭﻭﺡ ﻭﺟﺴﺪ ﻭﺇﻧﻤﺎ ﻣﺮﻛﺐ ﻣﻦ ﻋﺪﺩ ﻛﺒﻴﺮ ﻣﻦ ﺍﻷﻓﻜﺎﺭ .
    ﺍﻟﻘﻀﻴﺔ 15 : ﺍﻟﻔﻜﺮﺓ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﻜﻮّﻥ ﺍﻟﻨﻔﺲ ﺍﻹﻧﺴﺎﻧﻴﺔ ، ﺃﻱ ﺍﻟﻮﺟﻮﺩ ﺍﻟﺼﻮﺭﻱ ﻟﻠﺮّﻭﺡ ﺍﻹﻧﺴﺎﻧﻴﺔ ﻟﻴﺴﺖ ﺑﺴﻴﻄﺔ .
    ﺍﻟﻘﻀﻴﺔ 16 : ﺍﻟﻔﻜﺮﺓ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﻨﺘﺞ ﻋﻦ ﺍﻧﻔﻌﺎﻝ ﻳﻘﻊ ﻓﻲ ﺍﻟﺠﺴﻢ ﺍﻹﻧﺴﺎﻧﻲ ، ﺗﻌﺒّﺮ ﻋﻦ ﻃﺒﻴﻌﺔ ﺍﻟﺠﺴﻢ ﺍﻹﻧﺴﺎﻧﻲ ﻭﻓﻲ ﻧﻔﺲ ﺍﻟﻮﻗﺖ ﺗﻌﺒّﺮ ﻋﻦ ﺍﻷﺟﺴﺎﻡ ﺍﻟﺨﺎﺭﺟﻴﺔ .
    ﻭ ﻫﻜﺬﺍ ﻓﺈﻥ ﺍﻟﺮّﻭﺡ ﻭﺍﻟﺠﺴﻢ ﻫﻤﺎ ﻓﻲ ﺍﻟﺤﻘﻴﻘﺔ ﻧﻔﺲ ﺍﻟﺸﻲﺀ ﻟﻜﻦ ﻧﻨﻈﺮ ﺇﻟﻴﻬﺎ ﺗﺎﺭﺓ ﻣﻦ ﺯﺍﻭﻳﺔ ﺻﻔﺔ ﺍﻟﻔﻜﺮ ﻭ ﺗﺎﺭﺓ ﺃﺧﺮﻯ ﻣﻦ ﺯﺍﻭﻳﺔ ﺻﻔﺔ ﺍﻻﻣﺘﺪﺍﺩ . ﻭ ﻋﻦ ﻫﺬﺍ ﻳﻨﺘﺞ ﺃﻥّ ﻧﻈﺎﻡ ﺃﻓﻌﺎﻝ ﺍﻟﺠﺴﻢ ﻳﺘﻤﺎﺷﻰ ﺃﻭ ﻳﺘﻨﺎﺳﺐ ﻣﻊ ﻧﻈﺎﻡ ﺃﻓﻌﺎﻝ ﺍﻟﺮّﻭﺡ . ﻭ ﺫﻟﻚ ﻳﻌﻨﻲ ﺃﻥ ﻛﻞ ﺍﻧﻔﻌﺎﻝ ﻫﻮ ﺍﻧﻔﻌﺎﻝ ﺍﻟﺮّﻭﺡ ﻭﺍﻟﺠﺴﻢ ﻓﻲ ﻧﻔﺲ ﺍﻟﻮﻗﺖ ﻋﻜﺲ ﺩﻳﻜﺎﺭﺕ ﺍﻟﺬﻱ ﺣﻴﻨﻤﺎ ﻳﺴﺘﻌﻤﻞ ﻛﻠﻤﺔ ﻓﺎﻋﻠﻴﺔ "affective" ﻓﺈﻧﻪ ﻳﻌﻨﻲ ﺑﺬﻟﻚ ﺗﺄﺛﻴﺮ ﺍﻟﺮّﻭﺡ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺠﺴﻢ ﻭﺑﻜﻠﻤﺔ ﻣﻨﻔﻌﻠﺔ ﻳﻌﻨﻲ ﺗﺄﺛﻴﺮ ﺍﻟﺠﺴﻢ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺮّﻭﺡ .
    ﻣﻤﺎ ﻳﺒﺮﺯ ﻟﻨﺎ ﺍﻻﺧﺘﻼﻓﺎﺕ ﺍﻟﻬﺎﻣّﺔ ﺑﻴﻦ ﺩﻳﻜﺎﺭﺕ ﻭﺳﺒﻴﻨﻮﺯﺍ ، ﺍﺧﺘﻼﻓﺎﺕ ﻳﻤﻜﻦ ﺃﻥ ﻧﻠﺨﺼﻬﺎ ﻓﻲ ﺍﻟﻨﻘﺎﻁ ﺍﻟﺘﺎﻟﻴﺔ :
    ﺍﻟﺠﺴﺪ ﻭﺍﻟﻨﻔﺲ ﻣﺘﻮﺍﺯﻳﺎﻥ ﻟﻬﻤﺎ ﻧﻔﺲ ﺍﻟﻘﻴﻤﺔ ﻭﻟﻜﻨﻬﻤﺎ ﻳﺨﺘﻠﻔﺎﻥ ﻣﻌﺮﻓﻴﺎ .
    ﺍﻟﻔﻜﺮ ﻟﻪ ﺃﻓﻀﻠﻴﺔ ﻓﻬﻮ ﺻﻔﺔ ﻣﻌﺒّﺮﺓ ﻋﻦ ﺍﻟﺼّﻔﺎﺕ ﺍﻷﺧﺮﻯ : ﺃﻓﻀﻠﻴﺔ ﻋﻨﺪ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﻭﻟﻴﺲ ﻋﻨﺪ ﺍﻟﻠﻪ .
    ﺍﻷﻓﻀﻠﻴﺔ ﺍﻟﺜﺎﻧﻴﺔ : ﻓﻲ ﺻﻔﺔ ﺍﻟﻔﻜﺮ ﻧﻔﺴﻬﺎ ﻟﻜﻞّ ﺿﺮﺏ ﻣﻦ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻀﺮﻭﺏ ﻓﻜﺮﺓ .
    ﺍﻷﻓﻀﻠﻴﺔ ﺍﻟﺜﺎﻟﺜﺔ : ﻓﻲ ﺍﻟﻌﻤﻖ ﻛﻞّ ﻓﻜﺮﺓ ﺗﺮﺑﻄﻬﺎ ﻓﻜﺮﺓ ﺃﺧﺮﻯ .
    ﺗﻮﺍﺯﻱ ﻋﺎﻡ ﺃﻧﻄﻮﻟﻮﺟﻲ ﺃﻱ ﺗﻮﺍﺯﻱ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﺼﻔﺎﺕ ﺍﻟﻼﻣﺘﻨﺎﻫﻴﺔ .
    ﺗﻮﺍﺯﻱ ﺧﺎﺭﺝ ﺍﻟﻔﻜﺮ : ﺍﻟﻔﻜﺮ ﻳﻌﺒّﺮ ﻋﻦ ﻛﻞ ﺍﻟﻀﺮﻭﺏ ﺍﻷﺧﺮﻯ ﺍﻟﺨﺎﺭﺟﺔ ﻋﻦ ﺍﻟﻔﻜﺮ .
    ﺗﻮﺍﺯﻱ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﻔﻜﺮ ﻭﺍﻻﻣﺘﺪﺍﺩ .
    ﺗﻮﺍﺯﻱ ﺩﺍﺧﻞ ﺍﻟﻔﻜﺮ ﻓﻘﻂ ﺑﻴﻦ ﻓﻜﺮﺓ ﻭﻓﻜﺮﺓ .
    ﻭ ﻣﺎ ﻧﻼﺣﻈﻪ ﺍﻧﻄﻼﻗﺎ ﻣﻦ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻤﻘﺘﻄﻔﺎﺕ ﻣﻦ ﺍﻟﻔﺼﻞ ﺍﻟﺜﺎﻧﻲ ﻣﻦ ﻛﺘﺎﺏ ﺍﻷﺧﻼﻕ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﺒﺤﺚ ﻓﻲ ﺃﺻﻞ ﻭﻃﺒﻴﻌﺔ ﺍﻟﺮّﻭﺡ ﺃﻥ ﺳﺒﻴﻨﻮﺯﺍ ﻳﺒﺪﺃ ﻓﻲ ﺩﺭﺍﺳﺘﻪ ﻟﻠﺮّﻭﺡ ﺑﻌﺮﺽ ﻓﻴﺰﻳﺎﺋﻲ ﻟﻤﻜﻮّﻧﺎﺕ ﺍﻟﻔﺮﺩ ﻛﻔﺮﺩ ﻭﻫﺬﻩ ﺍﻟﻤﻜﻮّﻧﺎﺕ ﺗﻨﻄﺒﻖ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻔﺮﺩ ﺍﻹﻧﺴﺎﻧﻲ ﻭﻛﻞّ ﺃﻧﻮﺍﻉ ﺍﻷﻓﺮﺍﺩ ﺍﻷﺧﺮﻯ ، ﻭ ﻣﺎ ﻳﻤﻴﺰ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﻫﻮ ﺍﻟﺘﻌﻘﻴﺪ ﻭﻗﺪﺭﺓ ﺍﻟﻔﺮﺩ ﺍﻹﻧﺴﺎﻧﻲ ﻋﻠﻰ ﺃﻥ ﻳﻨﻔﻌﻞ ﺃﻛﺜﺮ ﻣﻦ ﺍﻷﻧﻮﺍﻉ ﺍﻷﺧﺮﻯ . ﻭ ﻫﺬﺍ ﻳﻌﻨﻲ ﺃﻧّﻪ ﻟﻴﺲ ﻫﻨﺎﻙ ﺗﻤﻴﻴﺰ ﺟﻮﻫﺮﻱ ﺃﻭ ﻃﺒﻴﻌﻲ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﻔﺮﺩ ﺍﻹﻧﺴﺎﻧﻲ ﻭﻏﻴﺮﻩ ﺑﻞ ﻣﺴﺘﻮﻯ ﺃﺭﻗﻰ ﻓﻲ ﺍﻟﺘّﺮﻛﻴﺐ ﻓﻘﻂ ﻋﻜﺲ ﻣﺎ ﻳﻌﺘﻘﺪﻩ ﺩﻳﻜﺎﺭﺕ ﺍﻟﺬﻱ ﻭﺇﻥ ﺃﻗﺮ ﺃﻥ ﺍﻟﺠﺴﻢ ﺍﻹﻧﺴﺎﻧﻲ ﻓﻴﺰﻳﺎﺋﻴﺎ ﻳﺸﺒﻪ ﻛﻞّ ﺍﻷﺟﺴﺎﻡ ﺍﻷﺧﺮﻯ ﻓﺈﻧﻪ ﺃﻓﺮﺩ ﻟﻪ ﻗﻮﻻ ﺧﺎﺻﺎ .
    ﺍﻧﻄﻠﻖ ﺳﺒﻴﻨﻮﺯﺍ ﺇﺫﻥ ، ﻓﻲ ﺩﺭﺍﺳﺘﻪ ﻟﻠﺮّﻭﺡ ﻣﻦ ﻣﻌﺎﻟﺠﺔ ﺍﻟﻤﺴﺄﻟﺔ ﺍﻟﻔﻴﺰﻳﺎﺋﻴﺔ ﺃﻭﻻ ﻛﻤﺪﺧﻞ ﻟﺪﺭﺍﺳﺔ ﺍﻟﺮّﻭﺡ ﺣﺘﻰ ﻳﺆﻛﺪ ﺃﻥ ﺍﻟﻘﻴﺰﻳﺎﺀ ﻳﺠﺐ ﺃﻥ ﺗﺴﺒﻖ ﺩﺭﺍﺳﺔ ﺍﻟﺮّﻭﺡ " ﺍﻟﺠﺴﻢ ﻗﺒﻞ ﺍﻟﺮّﻭﺡ " ﻋﻜﺲ ﺩﻳﻜﺎﺭﺕ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﻌﺘﻘﺪ ﺃﻥ ﺍﻟﻤﺮﻭﺭ ﺑﺘﺤﻠﻴﻞ ﺍﻟﺠﺴﻢ ﻳﺠﻌﻞ ﻣﻌﺮﻓﺔ ﺍﻟﻨﻔﺲ ﺃﻛﺜﺮ ﺗﻌﻘﻴﺪﺍ ﻭﻏﻤﻮﺿﺎ ﻭﻟﻬﺬﺍ ﻳﻨﺒﻐﻲ ﻣﻌﺮﻓﺔ ﺍﻟﺮّﻭﺡ ﻣﺒﺎﺷﺮﺓ ﻷﻧﻬﺎ ﺃﺑﺴﻂ ﻣﻌﺮﻓﺔ / ﺃﻳﺴﺮ ﻣﻌﺮﻓﺔ .
    ﻛﻤﺎ ﻧﺮﻯ ﻣﻨﺬ ﺑﺪﺍﻳﺔ ﺍﻟﻔﺼﻞ ﺍﻟﺜﺎﻧﻲ ﻣﻦ ﻛﺘﺎﺏ ﺍﻷﺧﻼﻕ ﺃﻥ ﺍﻻﻣﺘﺪﺍﺩ ﺃﺻﺒﺢ ﻣﻊ ﺳﺒﻴﻨﻮﺯﺍ ﺻﻔﺔ ﻟﻠﻪ ﺇﻟﻰ ﺟﺎﻧﺐ ﺻﻔﺔ ﺍﻟﻔﻜﺮ ﻭ ﺇﻟﻰ ﺟﺎﻧﺐ ﺍﻟﺼّﻔﺎﺕ ﺍﻟﻼﻣﺘﻨﺎﻫﻴﺔ ﺍﻷﺧﺮﻯ ، ﻭ ﻫﺬﺍ ﻳﻌﻨﻲ ﺃﻧﻪ ﻷﻭّﻝ ﻣﺮّﺓ ﻓﻲ ﺗﺎﺭﻳﺦ ﺍﻟﻔﻠﺴﻔﺔ ﺍﺭﺗﻘﻰ ﺍﻻﻣﺘﺪﺍﺩ ﻭ ﺑﺎﻟﺘّﺎﻟﻲ ﺍﻟﻤﺎﺩّﺓ ﺇﻟﻰ ﻣﺴﺘﻮﻯ ﻃﺒﻴﻌﺔ ﺍﻟﻠﻪ . ﻓﻠﻢ ﻳﻌﺪ ﺑﺎﻹﻣﻜﺎﻥ ﺍﻟﺘﻤﻴﻴﺰ ﺍﻻﻧﻄﻮﻟﻮﺟﻲ ﻭ ﺍﻟﻤﺎﻭﺭﺍﺋﻲ ﻭ ﺍﻷﺧﻼﻗﻲ ﺑﻴﻦ ﺭﻭﺡ ﺳﺎﻣﻴﺔ ﻭﺟﺴﻢ ﺃﺩﻧﻰ ﺑﻤﺎ ﺃﻥّ ﺍﻻﻣﺘﺪﺍﺩ ﻭﺍﻟﻔﻜﺮ ﺃﺻﺒﺤﺎ ﻋﻠﻰ ﻧﻔﺲ ﺍﻟﻤﺴﺘﻮﻯ . ﻭ ﺑﻬﺬﻩ ﺍﻟﻜﻴﻔﻴﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﺠﻌﻞ ﺍﻻﻣﺘﺪﺍﺩ ﻭﺍﻟﻔﻜﺮ ﻣﺘﺴﺎﻭﻳﺎﻥ ﻓﻲ ﻃﺒﻴﻌﺔ ﺍﻟﻠﻪ ، ﻳﻤﻬﺪ ﺳﺒﻴﻨﻮﺯﺍ ﺇﻟﻰ ﻧﻮﻋﻴﺔ ﺍﻟﻌﻼﻗﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﻜﻮﻥ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﺠﺴﻢ ﻭﺍﻟﺮّﻭﺡ ﻓﻲ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﺃﻱ ﻳﻤﻬّﺪ ﺇﻟﻰ ﻣﺒﺪﺃ ﺗﺴﺎﻭﻱ ﺍﻟﺠﺴﻢ ﻭﺍﻟﺮّﻭﺡ ﻓﻲ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﺫﻟﻚ ﺃﻧﻪ ﻋﻠﻰ ﻏﺮﺍﺭ ﺍﻟﻄﺒﻴﻌﺔ ﺍﻹﻟﻬﻴﺔ ﺍﻟﻤﻜﻮّﻧﺔ ﻣﻦ ﻋﺪﺩ ﻻ ﻣﺘﻨﺎﻩ ﻣﻦ ﺻﻔﺎﺕ ﻻ ﻣﺘﻨﺎﻫﻴﺔ ﻣﻦ ﺑﻴﻨﻬﺎ ﺍﻻﻣﺘﺪﺍﺩ ﻭﺍﻟﻔﻜﺮ ، ﻓﺈﻥ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﻣﻜﻮّﻥ ﻣﻦ ﺿﺮﺑﻴﻦ ﻟﻬﺎﺗﻴﻦ ﺍﻟﺼّﻔﺘﻴﻦ ﺍﻷﺧﻴﺮﺗﻴﻦ : ﺿﺮﺏ ﺍﻟﺠﺴﻢ ﻭﺿﺮﺏ ﺍﻟﺮّﻭﺡ ﻛﻀﺮﺑﻴﻦ ﻣﺘﺴﺎﻭﻳﻴﻦ : ﻭﺍﻟﺘﺴﺎﻭﻱ ﻫﻨﺎ ﻳﻌﻨﻲ ﻧﻔﺲ ﺍﻟﻘﻴﻤﺔ ﺍﻷﻧﻄﻮﻟﻮﺟﻴﺔ ، ﻭﻟﻬﻤﺎ ﻛﺬﻟﻚ ﻧﻔﺲ ﺍﻟﻔﻌﻞ ﻓﻬﻤﺎ ﻣﺘﻌﺎﺩﻻﻥ ﺃﻱ ﺃﻥ ﻣﺎ ﻳﺤﺪﺙ ﻓﻲ ﻭﺍﺣﺪ ﻣﻨﻬﻤﺎ ﻳﺤﺪﺙ ﻓﻲ ﺍﻵﺧﺮ ﻓﻜﻠﻤﺔ ﺍﻟﺘﺴﺎﻭﻱ ﻳﻨﺒﻐﻲ ﺃﻥ ﺗﺄﺧﺬ ﻓﻲ ﻣﻌﻨﺎﻫﺎ ﺍﻟﻮﺍﺳﻊ .
    ﻭﻫﻜﺬﺍ ﻳﺠﻌﻞ ﺳﺒﻴﻨﻮﺯﺍ ﺍﻟﺮّﻭﺡ ﻭﺍﻟﺠﺴﻢ ﺿﺮﺑﻴﻦ ﻣﺘﺴﺎﻭﻳﻴﻦ ﻭ ﻳﻘﻀﻲ ﺑﺬﻟﻚ ﻋﻠﻰ ﻣﺸﻜﻠﺔ ﻋﻼﻗﺔ ﺍﻟﺮّﻭﺡ ﺑﺎﻟﺠﺴﻢ ، ﺃﻱ ﻟﻢ ﺗﻌﺪ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻤﺴﺄﻟﺔ ﻓﻲ ﻓﻠﺴﻔﺘﻪ ﻣﺸﻜﻠﺔ ﻣﺜﻠﻤﺎ ﻛﺎﻥ ﺍﻷﻣﺮ ﻋﻨﺪ ﺩﻳﻜﺎﺭﺕ ﺫﻟﻚ ﺃﻥّ ﺩﻳﻜﺎﺭﺕ ﻋﻨﺪﻣﺎ ﺗﻌﺮﺽ ﻟﻬﺬﻩ ﺍﻟﻌﻼﻗﺔ ﺑﻴّﻦ ﺍﻟﺼﻌﻮﺑﺎﺕ ﺍﻟﺘﻲ ﻳﺒﺤﺚ ﻟﻬﺎ ﻋﻦ ﺣﻞّ . ﻭ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺤﻞ ﺍﻟﺬﻱ ﺍﺭﺗﺂﻩ ﺩﻳﻜﺎﺭﺕ ﻓﻲ ﺍﻟﻨّﻬﺎﻳﺔ ﻫﻮ ﺃﻥ ﺍﻟﻌﻼﻗﺔ ﺗﺘﻢ ﻓﻲ ﻣﺴﺘﻮﻯ ﺍﻟﻐﺪﺓ ﺍﻟﺼّﻨﻮﺑﺮﻳﺔ . ﻭ ﻓﻲ ﻣﺪﺧﻞ ﺍﻟﻔﺼﻞ ﺍﻟﺮﺍﺑﻊ ﻳﻮﺭﺩ ﺳﺒﻴﻨﻮﺯﺍ ﻓﻲ ﻛﺘﺎﺑﻪ ﺍﻷﺧﻼﻕ ﺑﻌﺾ ﺍﻟﻨﺼﻮﺹ ﺍﻟﺪﻳﻜﺎﺭﺗﻴﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﺘﺤﺪﺙ ﻋﻦ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻐﺪّﺓ ﺍﻟﺼّﻨﻮﺑﺮﻳﺔ ﻭﻳﺴﺨﺮ ﻣﻦ ﺫﻟﻚ ﻗﺎﺋﻼ : ‏« ﺃﻥ ﺩﻳﻜﺎﺭﺕ ﻛﺎﻥ ﺃﻛﺜﺮ ﻇﻼﻣﻴﺔ ﻣﻦ ﺍﻟﻤﺪﺭﺳﻴﻴﻦ ﺍﻟﺬﻳﻦ ﻧﻌﺘﻬﻢ ﺑﺎﻟﻈﻼﻣﻴﺔ ‏» ﻓﻜﻴﻒ ﻳﺴﺘﻄﻴﻊ ﺩﻳﻜﺎﺭﺕ ﺍﻟﻌﻘﻼﻧﻲ ﺍﻟﺸﻬﻴﺮ ﺃﻥ ﻳﻘﻊ ﻓﻲ ﻣﺜﻞ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻤﻬﺎﺯﻝ ، ﻓﻬﺬﻩ ﺍﻟﻤﺴﺄﻟﺔ ﻟﻢ ﺗﻌﺪ ﻣﺸﻜﻞ ﺑﻞ ﺭﺑﻤﺎ ﻟﻢ ﻳﻌﺪ ﻫﻨﺎﻟﻚ ﻭﺟﻮﺩ ﺣﺘّﻰ ﻟﻌﻼﻗﺔ ﻣﻤﻜﻨﺔ ﺑﻤﺎ ﺃﻥ ﺍﻟﻀّﺮﺑﻴﻦ ﻣﺘﺴﺎﻭﻳﻴﻦ ﺑﻞ ﻫﻤﺎ ﻓﻲ ﺍﻟﺤﻘﻴﻘﺔ ﻧﻔﺲ ﺍﻟﺸﻲﺀ ﺑﻤﺎ ﺃﻧﻬﻤﺎ ﻳﻌﺒّﺮﺍﻥ ﻋﻦ ﻧﻔﺲ ﺍﻟﺸﻲﺀ . ﻭﻫﺬﺍ ﻳﻌﻨﻲ ﺃﻧﻪ ﻟﻢ ﻳﻌﺪ ﻫﻨﺎﻟﻚ ﺗﻘﺎﺑﻞ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﺠﺴﻢ ﻭﺍﻟﺮّﻭﺡ ‏( ﺍﻟﻤﺸﻜﻞ ﻋﻨﺪ ﺩﻳﻜﺎﺭﺕ ﻫﻮ ﻓﻲ ﻭﺟﻮﺩ ﻋﻼﻗﺔ ﺑﻴﻦ ﺷﻴﺌﻴﻦ ﻣﺘﻨﺎﻓﺮﻳﻦ ‏) ، ﻓﺒﺎﻟﻨﺴﺒﺔ ﻟﺴﺒﻴﻨﻮﺯﺍ ﻗﻮﺓ ﺍﻟﺠﺴﻢ ﻫﻲ ﻋﻴﻨﻬﺎ ﻗﻮّﺓ ﺍﻟﺮّﻭﺡ ﻭﺿﻌﻒ ﺍﻟﺠﺴﻢ ﻫﻮ ﺑﺬﺍﺗﻪ ﺿﻌﻒ ﺍﻟﺮّﻭﺡ ﻭ ﺑﺎﻟﻨﺴﺒﺔ ﻟﺪﻳﻜﺎﺭﺕ ﻋﻨﺪﻣﺎ ﺗﻀﻌﻒ ﺍﻟﺮّﻭﺡ ﻳﻘﻮﻱ ﺍﻟﺠﺴﻢ ﻭﻋﻨﺪﻣﺎ ﺗﻘﻮﻱ ﺍﻟﺮّﻭﺡ ﻳﻀﻌﻒ ﺍﻟﺠﺴﻢ . ﻭ ﺑﻤﺎ ﺃﻧّﻪ ﻟﻢ ﻳﻌﺪ ﻫﻨﺎﻙ ﻣﺸﻜﻞ ﻭ ﻻ ﺗﻘﺎﺑﻞ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﺠﺴﻢ ﻭ ﺍﻟﺮّﻭﺡ ﺑﻞ ﻓﻘﻂ ﺗﺴﺎﻭﻱ ﺑﻴﻦ ﺷﻴﺌﻴﻦ ﻓﺈﻥ ﺍﻟﻤﺒﺪﺃ ﺍﻷﺧﻼﻗﻲ ﺍﻟﻜﻼﺳﻴﻜﻲ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﻨﺸﺄ ﻋﻦ ﺍﻟﺘﻘﺎﺑﻞ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﺮّﻭﺡ ﻭﺍﻟﺠﺴﻢ ﻭﻣﺤﺎﻭﻟﺔ ﺗﻐﻠﻴﺐ ﺇﺭﺍﺩﺓ ﺍﻟﺮّﻭﺡ ﻋﻠﻰ ﺍﻧﻔﻌﺎﻻﺕ ﺍﻟﺠﺴﻢ ، ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻤﺒﺪﺃ ﺍﻷﺧﻼﻗﻲ ﻟﻢ ﻳﻌﺪ ﻟﻪ ﺃﻱ ﻣﻔﻌﻮﻝ ﻋﻨﺪ ﺳﺒﻴﻨﻮﺯ ﻭ ﻫﻮ ﻣﺎ ﻳﻈﻬﺮ ﻣﻦ ﺧﻼﻝ ﻧﻈﺮﻳﺔ ﺍﻟﻜﻮﻧﺎﺗﻮﺱ "Conatus" ﻛﻤﺎﻫﻴﺔ ﻟﻺﻧﺴﺎﻥ ﻣﻦ ﺣﻴﺚ ﻫﻮ ﺿﺮﺏ ، ﺃﻱ ﺭّﻏﺒﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﺤﺎﻓﻈﺔ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺒﻘﺎﺀ .
    ﺇﻥ ﺗﻌﺮﻳﻒ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﻛﺮﻏﺒﺔ ﻭﺑﻴﺎﻥ ﺃﻥّ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺮﻏﺒﺔ ﻫﻲ ﻓﻲ ﻧﻔﺲ ﺍﻟﻮﻗﺖ ﺭﻏﺒﺔ ﺍﻟﺠﺴﻢ ﻭﺍﻟﺮّﻭﺡ ﻣﻌﺎ ﻳﺘﻨﺎﻓﻰ ﺗﻤﺎﻣﺎ ﻣﻊ ﺗﻌﺮﻳﻒ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﻋﻨﺪ ﺩﻳﻜﺎﺭﺕ ﻛﺮﻭﺡ ﻓﻘﻂ ﻋﻠﻰ ﻣﺴﺘﻮﻯ ﺍﻟﻤﺎﻫﻴﺔ . ﻭ ﺑﻤﺎ ﺃﻥّ ﺍﻟﺮﻏﺒﺔ ﻫﻲ ﺍﻟﻤﺤﺎﻓﻈﺔ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺒﻘﺎﺀ ﺃﻭﻻ ﻭﺑﺎﻟﺬﺍﺕ ﻓﺈﻥ ﺍﻻﻧﻔﻌﺎﻻﺕ ﺃﻭ ﺍﻷﺣﺎﺳﻴﺲ ﺇﻣﺎ ﺃﻥ ﺗﻜﻮﻥ ﺃﺣﺎﺳﻴﺲ ﺇﻳﺠﺎﺑﻴﺔ ﻧﻜﻮﻥ ﻓﻴﻬﺎ ﻓﺎﻋﻠﻴﻦ ﺃﻭ ﻧﻜﻮﻥ ﻓﻴﻬﻤﺎ ﻣﻨﻔﻌﻠﻴﻦ Passifs / actifs . ﻭ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺘﻤﻴﺰ ﺍﻟﺴﺒﻴﻨﻮﺯﻱ ﺑﻴﻦ ﺍﻻﻧﻔﻌﺎﻻﺕ ﻣﻦ ﺍﻟﺼﻨﻒ ﺍﻷﻭﻝ ﻭ ﺑﻴﻦ ﺍﻻﻧﻔﻌﺎﻻﺕ ﻣﻦ ﺍﻟﺼﻨﻒ ﺍﻟﺜﺎﻧﻲ ﻳﺘﻨﺎﻓﻰ ﻣﻊ ﺗﻤﻴﻴﺰ ﺩﻳﻜﺎﺭﺕ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﻘﺮّ ﺃﻧﻨﺎ ﻋﻨﺪﻣﺎ ﻧﻜﻮﻥ ﻓﺎﻋﻠﻴﻦ ﻓﻌﻠﻨﺎ ﻳﻨﺘﺞ ﻋﻦ ﺍﻹﺭﺍﺩﺓ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﻨﺘﺞ ﻋﻦ ﺍﻟﺮّﻭﺡ ﻭﻋﻦ ﺗﺄﺛﻴﺮ ﺍﻟﺮّﻭﺡ ﻓﻲ ﺍﻟﺠﺴﻢ ﻭ ﻋﻨﺪﻣﺎ ﻧﻜﻮﻥ ﻣﻨﻔﻌﻠﻴﻦ ﻓﺈﻥ ﺍﻻﻧﻔﻌﺎﻻﺕ ﺗﻜﻮﻥ ﻧﺎﺗﺠﺔ ﻋﻦ ﺗﺄﺛﻴﺮ ﺍﻟﺠﺴﻢ ﻓﻲ ﺍﻟﺮﻭﺡ ﺑﻴﻨﻤﺎ ﻳﺮﻯ ﺳﺒﻴﻨﻮﺯﺍ ﺃﻧﻪ ﻋﻨﺪﻣﺎ ﻧﻜﻮﻥ ﻓﺎﻋﻠﻴﻦ ﻧﻜﻮﻥ ﻓﺎﻋﻠﻴﻦ ﺟﺴﻤﺎ ﻭﺭﻭﺣﺎ ﻣﻌﺎ ﻭﻋﻨﺪﻣﺎ ﻧﻜﻮﻥ ﻣﻨﻔﻌﻠﻴﻦ ﻧﻜﻮﻥ ﻣﻨﻔﻌﻠﻴﻦ ﺟﺴﻤﺎ ﻭﺭﻭﺣﺎ . ﻭ ﻫﺬﺍ ﻳﺒﻴﻦ ﻣﻦ ﺟﺪﻳﺪ ﺃﻥ ﺳﺒﻴﻨﻮﺯﺍ ﻳﻌﺘﻘﺪ ﺃﻥ ﻋﻼﻗﺔ ﺍﻟﺮﻭﺡ ﺑﺎﻟﺠﺴﻢ ﻟﻴﺴﺖ ﻣﺒﻨﻴﺔ ﻋﻠﻰ ﺗﺄﺛﻴﺮ ﺍﻟﻮﺍﺣﺪ ﻓﻲ ﺍﻵﺧﺮ ﻫﻨﺎﻟﻚ ﻋﻼﻗﺔ ﺗﻮﺍﺯﻱ ﻓﻘﻂ .
    ﻭﻳﻤﻜﻦ ﺃﻥ ﻧﺪﻗﻖ ﻟﺘﻮﺿﻴﺢ ﻣﻮﻗﻒ ﺳﺒﻴﻨﻮﺯﺍ ﻣﻦ ﻋﻼﻗﺔ ﺍﻟﺮّﻭﺡ ﻭﺍﻟﺠﺴﻢ ، ﻭﺟﻬﺎﺕ ﺍﻟﻨﻈﺮ ﺍﻟﺘﻲ ﻳﺨﺘﻠﻒ ﻓﻴﻬﺎ ﺻﺎﺣﺐ ﻛﺘﺎﺏ ﺍﻷﺧﻼﻕ ﻋﻦ ﺩﻳﻜﺎﺭﺕ :
    ﻧﻔﻲ ﺍﻟﻔﻌﻞ ﺍﻟﻤﺘﺒﺎﺩﻝ Réfutation de l'action réciproque .
    ﻋﻼﻗﺔ ﺗﻮﺍﺯﻱ : ﻛﻞ ﻣﺎ ﻳﻘﻊ ﻓﻲ ﺍﻟﺠﺴﻢ ﻳﻘﻊ ﻓﻲ ﺍﻟﺮّﻭﺡ ﺑﺪﻭﻥ ﺃﻱ ﺗﺄﺛﻴﺮ ﻣﺘﺒﺎﺩﻝ .
    ﺍﻟﺘّﻄﺎﺑﻖ : ﺃﻥ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻌﻼﻗﺔ ﻫﻲ ﻋﻼﻗﺔ ﺷﺒﻪ ﺑﻨﻔﺴﻪ .
    ﻭ ﻳﻈﻬﺮ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺘﻄﺎﺑﻖ ﻛﺬﻟﻚ ﻓﻲ ﻋﻼﻗﺔ ﺍﻻﻧﻔﻌﺎﻻﺕ ﺑﺎﻟﻌﻘﻞ ، ﻭ ﻫﺬﺍ ﻻ ﻳﻌﻨﻲ ﺃﻥ ﻛﻠﻤﺔ ﺍﻧﻔﻌﺎﻻﺕ ﺗﺪﻝ ﻋﻠﻰ ﺃﻧﻬﺎ ﺍﻧﻔﻌﺎﻻﺕ ﺍﻟﺠﺴﻢ ﻭ ﺑﺎﻟﺘّﺎﻟﻲ ﻓﺈﻥ ﻋﻼﻗﺔ ﺍﻻﻧﻔﻌﺎﻻﺕ ﺑﺎﻟﻌﻘﻞ ﻫﻲ ﻋﻼﻗﺔ ﺗﻌﺒّﺮ ﻋﻦ ﺍﻟﺮّﻭﺡ ﻭﺍﻟﺠﺴﻢ ، ﺑﻞ ﻫﻲ ﻋﻼﻗﺔ ﺃﻓﻌﺎﻝ ﻏﺎﻣﻀﺔ ‏( ﺍﻟﻤﺨﻴﻠﺔ ‏) ﺑﺄﻓﻌﺎﻝ ﻭﺍﺿﺤﺔ ، ﻫﺬﺍ ﻋﻠﻰ ﻣﺴﺘﻮﻯ ﺍﻟﻔﻜﺮ ، ﺃﻣﺎ ﻋﻠﻰ ﻣﺴﺘﻮﻯ ﺍﻟﺠﺴﻢ ﻓﻬﻲ ﻋﻼﻗﺔ ﺣﺮﻛﺎﺕ ﻓﺎﻋﻠﺔ ﺑﺄﺧﺮﻯ ﻣﻨﻔﻌﻠﺔ . ﻭ ﺑﺼﻔﺔ ﺃﺩﻕ ﻋﻼﻗﺔ ﺍﻻﻧﻔﻌﺎﻻﺕ ﺑﺎﻟﻌﻘﻞ ﻻ ﻳﻔﻬﻤﻬﺎ ﺳﺒﻴﻨﻮﺯﺍ ﺑﻄﺮﻳﻘﺔ ﻣﺘﻤﻴﺰﺓ ﺣﻘﺎ ، ﺫﻟﻚ ﺃﻥ ﺍﻟﻌﻘﻞ ﻫﻮ ﺩﺭﺟﺔ ﻣﻦ ﺩﺭﺟﺎﺕ ﺍﻻﻧﻔﻌﺎﻻﺕ ، ﻷﻥّ ﺍﻟﺘﻤﻴﻴﺰ ﺑﻴﻦ ﺍﻻﻧﻔﻌﺎﻻﺕ ﺍﻟﻔﺎﻋﻠﺔ (actives) ﻭ ﺑﻴﻦ ﺍﻻﻧﻔﻌﺎﻻﺕ ﺍﻟﻤﻨﻔﻌﻠﺔ (passives) ﻟﻴﺲ ﻟﻪ ﻧﻔﺲ ﺍﻟﻤﻌﻨﻰ ﻋﻨﺪ ﺳﺒﻴﻨﻮﺯﺍ ﻭ ﺩﻳﻜﺎﺭﺕ ، ﻓﻌﻨﺪ ﺩﻳﻜﺎﺭﺕ "Passion" ﺗﺨﺘﻠﻒ ﺟﻮﻫﺮﻳﺎ ﻋﻦ "Action" ﺫﻟﻚ ﻷﻥ "Action." ﻫﻲ ﺗﺎﺑﻌﺔ ﻟﻠﺮﻭﺡ ﻭ "Passion." ﺗﺎﺑﻌﺔ ﻟﻠﺠﺴﻢ ، ﻭﻟﻜﻦ ﻋﻨﺪ ﺳﺒﻴﻨﻮﺯﺍ ﻳﻤﺜﻞ ﺍﻻﻧﻔﻌﺎﻝ ﻣﺎﻫﻴﺔ ﺍﻟﻀﺮﺏ ﻭ ﺑﺎﻟﺘﺎﻟﻲ ﻓﺈﻥ Action. / Passion. ﺗﻌﻨﻲ ﻧﻔﺲ ﺍﻟﺸﻲﺀ . ﻟﺬﻟﻚ ﻳﻨﺒﻐﻲ ﺃﻥ ﻧﺆﻛﺪ ﻋﻠﻰ ﺃﻥ ﺳﺒﻴﻨﻮﺯﺍ ﻳﻘﺮّ ﺃﻥ ﺍﻻﻧﻔﻌﺎﻻﺕ ﻭﺍﻟﻌﻘﻞ ﻣﻌﺎ ﻳﺮﺟﻌﺎﻥ ﺇﻟﻰ ﻃﺒﻴﻌﺔ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﻭ ﺫﻟﻚ ﻳﻌﻨﻲ :
    ﺃﻥ ﺍﻻﻧﻔﻌﺎﻻﺕ ﻃﺒﻴﻌﻴﺔ ، ﺃﻱ ﺗﻔﺴّﺮ ﺑﺎﻟﺮﺟﻮﻉ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻄﺒﻴﻌﺔ ﺍﻹﻧﺴﺎﻧﻴﺔ ﻋﻜﺲ ﺍﻟﻨﻈﺮﻳﺔ ﺍﻷﺧﻼﻗﻴﺔ ﺃﻭﻻ ﻭﻋﻜﺲ ﻣﻮﻗﻒ ﺩﻳﻜﺎﺭﺕ ﺛﺎﻧﻴﺎ ، ﺇﺫ ﺃﻧﻨﺎ ﻟﺴﻨﺎ ﻣﺨﻴﺮﻳﻦ ﻷﻥ ﻧﻜﻮﻥ ﻣﻨﻔﻌﻠﻴﻦ ﺃﻭ ﺍﻟﻌﻜﺲ .
    ﺍﻟﻌﻘﻞ ﻃﺒﻴﻌﻲ ﻓﻲ ﻇﺮﻭﻑ ﺇﻧﺘﺎﺟﻪ ﻛﻌﻘﻞ ﻭﻓﻲ ﻣﺘﻄﻠﺒﺎﺗﻪ – exigences – ﻭﺫﻟﻚ ﻳﻔﻬﻢ ﺑﻘﺪﺭﺓ ﺍﻟﺠﺴﻢ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺘﻔﻜﻴﺮ ﻓﻲ ﻣﺘﻄﻠﺒﺎﺗﻪ ﺃﻱ ﺃﻥ ﺍﻟﻌﻘﻞ ﻻ ﻳﻘﺒﻞ ﺇﻻّ ﺍﻷﻣﻮﺭ ﺍﻟﻄﺒﻴﻌﻴﺔ ﻓﺎﻟﻌﻘﻞ ﺇﺫﻥ ﻟﻴﺲ ﺿﺪ ﺍﻟﻄﺒﻴﻌﻲ ﺇﻧﻤﺎ ﻫﻮ ﻓﻲ ﺍﻟﻨﻬﺎﻳﺔ ﻣﻮﺍﻓﻖ ﻟﻬﺎ ﻭﻳﺠﺎﺭﻳﻬﺎ ﻭﻻ ﻳﻨﺒﻐﻲ ﺃﻥ ﻳﻜﻮﻥ ﻣﺎﻟﻜﺎ ﺃﻭ ﺳﻴﺪﺍ ﻟﻠﻄﺒﻴﻌﺔ ﻣﺜﻠﻤﺎ ﻫﻮ ﺍﻟﺸﺄﻥ ﻋﻨﺪ ﺩﻳﻜﺎﺭﺕ ﺃﻱ ﺃﻥ ﻳﻜﻮﻥ ﺍﻟﻌﻘﻞ ﻣﺸﺘﺮﻛﺎ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﻄﺒﻴﻌﺔ ﻭ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ، ﺃﻱ ﺃﻥ ﺍﻟﻌﻘﻞ ﻫﻮ ﺍﻷﻓﻜﺎﺭ ﺍﻟﻤﺸﺘﺮﻛﺔ ﻭ ﺍﻟﺼﺤﻴﺤﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﺪﺭﻙ ﺃﻥ ﺑﻴﻦ ﺍﻷﺷﻴﺎﺀ ﻋﻼﻗﺎﺕ .