1. سمر

    سمر عضو

    233
    52
    28
    الدّولة:
    تونس
    الولاية:
    بنزرت
    المستوى الدّراسي:
    جامعي
    الاختصاص:
    عربيّة
    المهنة:
    طالبة

    بحوث و دراسات دراسة تأليفية شاملة: رسالة الغفران

    الموضوع في 'بحوث و دراسات' بواسطة سمر, بتاريخ ‏2 ديسمبر 2017.

    دراسة تأليفية شاملة لأهم المسائل التي من شأنها أن تعرض لدارس رسالة الغفران

    بنية الرسالة

    -1/ رسالة الغفران : نص الفوضى والتداعي
    -2/ رسالة الغفران : نص البناء المحكم
    أ* التحول من الترسل إلى القص
    ب* الفن القصصي في الرحلة من خلال
    **منطق الأحداث
    ** الشخصيات
    ** الزمان
    ** المكان

    الخيال في رسالة الغفران

    1/ مصادره : القران
    الشعر
    الواقع الحضاري

    2/ تجلياته: في الزمان
    في المكان
    في الشخصيات
    في الأحداث

    السخرية في رسالة الغفران

    استجلاء مظاهر السخرية من خلال:
    • المفارقات بين طبيعة المكان المقدس وما يؤتى فيه من سلوك مدنس
    • عدم التوازن بين الفعل والنتيجة
    • قلب المواقف الجادة إلى مشاهد هزلية
    • التناقض بين الصفة والسلوك

    القضايا المطروحة في رسالة الغفران

    • النقد السياسي
    • القضايا الأدبية
    • القضايا الاجتماعية

    -1/ بنية الرسالة

    1* رسالة الغفران: نص الفوضى و التداعي

    تعددت التصنيفات المتعلقة بالنص الغفراني ولعل منشأ هذا الاختلاف السؤال التالي : "هل أن الكتابة في رسالة الغفران خاضعة إلى نسق و منطق وبناء محكم أم إنها إلى التداعي والفوضى أقرب؟"

    قد يتعجل القارئ الحكم في شان الرسالة العلائية فينزع عنها كل أصول البناء المحكم فيعتبر فن الكتابة فيها قائما على فيض الخاطر و تداعيات الوجدان ويتخيل نصوصها مناظر مختلفة وحوادث متفرقة وجمعا بين أماكن مشتتة و شخصيات متباينة وتوالدا لاستطرادات كثيرة من شانها أن تفقد الرسالة لا نظامها فقط بل كذلك جماليتها و أدبيتها
    ولعل هذا الحكم على الرسالة وتجريدها من صفة تماسك البناء والصياغة لم ينشأ من عدم بل هناك حجج تدعمه من خارج النص و داخله
    أ الحجج الخارجية
    نتيجة للمقارنة بين الرسالة و ديوان اللزوميات الذي بدا فيه المعري صارما متشددا في المعاني المطروحة أو في بناء القصائد ومن هنا فإن غياب الصرامة الشكلية في الغفران قد اعتمده البعض حجة لتجريدها من أدبيتها و صفة البناء المحكم ولعل المقارنة بين رسالة ابن القارح الابتدائية و رسالة أبي العلاء الجوابية توضح هذه الرؤية فخروج المعري عن المسائل التي طرحها ابن القارح واضح وجلي خاصة في قسم الرحلة وبهذا تكون الرسالتان قائمتين على جدلية التوافق والاختلاف ولعل هذا الرسم البياني من شانه أن يوضح هذا الاختلاف
    وبذلك تكون المقارنة بين الرسالتين حجة تجرد رسالة الغفران من البناء المحكم لتعمد أبي العلاء الخروج عن النظام وكسر الترتيب الذين وردت عليما رسالة ابن القارح ولهذا نميل إلى أن الكتابة في رسالة الغفران تداعيات فكر وتناسل قضايا لا يشدها منطق ولا تخضع نسق بل هي أقرب إلى الفوضى والتشتت.

    ب الحجج الداخلية
    من الحجج التي نستمدها من داخل النص والتي تنفي عنه صفة النظام نذكر
    *اختلال بناء الرسالة
    الرسالة القصة
    مرجع الخطاب
    واقع خيال

    صيغة الخطاب متحقق ممكن

    نمط الخطاب
    جدي هازل
    الزمان
    ماض وحاضر مستقبل
    المكان
    عالم الدنيا عالم الآخرة

    * عدم تماسك البناء باعتبار سيطرة التناص الذي تنوعت بموجبه أشكال التعبير و أجناسه في الرسالة فنجد
    - تمازج المنثور والمنظوم
    - تقاطع النثر والشعر
    - اجتماع الشروح اللغوية والقران
    - تداخل الأحاديث النبوية و الأقوال المنثورة

    • انعدام وحدة التأليف ذلك أن المعري طرح عدة مواضيع لا تربط بينها صلة فنجد العقائدي والسياسي والأخلاقي والأدبي
    * غياب الترتيب المنطقي للأحداث فمشهد الحشر مثلا يرد بعد دخول الجنة
    * خضوع الأحداث لمنطق الفجائية والصدفة : ذلك أن الأحداث تتداعى في غير نظام لأن الراوي يقتفي أثر بطله الذي كان" يسير في الجنة على غير منهج".
    - يجدر بنا بعد هذا العرض أن نبحث في أسباب هذه الفوضى والتي يمكن تجميعها في النقاط التالية:
    سبب نفسي فأبو العلاء ضاق ذرعا بقيود الشكل التي أملتها عليه كتب اللزوميات والفصول والغايات فكانت الغفران سعيا جاد منه للتحرر من هذه القيود
    سبب أدبي يعود إلى رغبة أبي العلاء في إثبات قدرته وكفاءته الأدبية مما أدى به إلى فقدان القدرة على التحكم في الشكل والبناء
    سبب عقائدي تكون بمقتضاه هذه الفوضى متعمدة و عن وعي لأنها وليدة رغبة أبي العلاء في التستر وإخفاء حقيقة موقفه
    2*-رسالة الغفران :نص البناء المحكم

    أ * التحول من الترسل إلى القص

    لئن اعتبرنا قسم الرحلة خروجا عما يقتضيه الرد على رسالة ابن القارح و استطرادا مطولا اخل ببناء الغفران وأخرجها من جنس الترسل فإن استقراء السياقات التي تسبق الرحلة مباشرة يثبت أن أبا العلاء أحكم الانتقال من الرد إلى الرحلة من ذلك أن المعجم اللغوي السابق للرحلة يتميز باحتوائه أفعالا توحي بالانتقال من الأرض إلى السماء (رفع شفع قرب عرج ...) ولم يكن التمهيد للانتقال والرفع بهذه الأفعال وحدها بل نجد توظيف النص القرآني من خلال آيتين أولاهما تتضمن معنى صعود الكلم الطيب والثانية تتضمن تشبيه رسالة ابن القارح بالكلمة الطيبة التي تمنح صاحبها شجرة طيبة في الجنة وبهذه الآية كان الانتقال إلى الحديث عن الشجر الذي غرس لابن القارح في الجنة
    - يمكن أن نستدل أيضا بقصة المعراج فيكون بذلك صعود ابن القارح شبيها بصعود الرسول (ص) إلى السماء
    ═◄إذن إن الرحلة ليست نشازا بالنسبة إلى الرسالة

    ═◄ فالرحلة إذن استطراد والاستطراد من مقومات فن الترسل ولئن طال فإنه كان عملا واعيا .يقول أبو العلاء " وقد أطلت في هذا الفصل ونعود الآن للإجابة عن الرسالة "
    إن هذا الاستطراد يدعونا حتما إلى استجلاء نوع آخر من التحول نتبينه في الجدول التالي

    الرسالة الرحلة

    المعري
    باث معلوم
    راو مجهول

    ابن القارح
    متقبل معلوم
    موضوع حديث

    ب * البناء المحكم للرحلة من خلال المقومات القصصية

    درجت المناهج الأدبية الحديثة على تقسيم المقومات القصصية إلى حكاية وخطاب فما سنتناوله في القصة بما هي حكاية هو البنية الحدثية و الشخصيات و الزمان والمكان أما القصة بما هي خطاب فسنتناول فيها عنصري الراوي و أنماط الكتابة

    1/ القصة بما هي حكاية

    1-1* البنية الحدثية أو منطق الأحداث
    إن ورود مشهد الحشر بعد دخول الجنة من أهم الدلائل التي احتج بها النقاد على فوضى البناء في النص العلائي لكن تعميق النظر والقراءة يثبت عكس هذا التعليل .فأبو العلاء تعمد ذلك بان كسر النسق الزمني حتى ترتبط مفاصل الحكاية ارتباطا عضويا يحكمه الانسجام فوسط الاضطراب بين هدوءين فالهدوء ماثل في كل مشاهد الرحلة الفردوسية أما الاضطراب فلا يرد غلا في مشهد الحشر فتلخص القصة في الشكل التالي

    اضطراب
    المحشر

    هدوء هدوء

    أما تجوال ابن القارح في الجنة والذي كان على غير منهج فمقصود إذ كان غرض المعري من ذلك تسجيل أكبر عدد ممكن من القضايا والمواقف لذلك كانت أحداث الرحلة من مختلف الصنوف لان شواغل المعري تستوجب تنويع الأحداث إذ الغرض من حشدها هو إثارة قضايا أدبية وعقدية واجتماعية تضمنت مواقفه النقدية .

    ═◄كل جولة من جولات ابن القارح في الجنة وكل لقاء بشخصية مثل مناسبة لطرح قضية من القضايا
    انطلاقا مما سبق تنبين أن نسق الأحداث قد خضع لضربين من العلاقات :
    *علاقات انضمامية فالأحداث تتنامى دون أن تخضع لمنطق السببية بل لمبدأ التجاور مما يجعل النص مفتوحا منسجما مع حركة البطل "الذي يسير على غير منهج " وذلك من قبيل قوله :" ويبدو له ان يصنع مأدبة في الجنان...." أو قوله "يخطر له حديث كان يسمى النزهة في الدار الفانية "
    * علاقات استتباعية بمعنى أن تكون العلاقات بين الأحداث علية فالمقطوعات السردية مرتبطة ببعضها البعض ارتباط النتيجة بالسبب ومثال ذلك:
    يقول ابن القارح" فكيف لنا بأبي بصير فلا تتم كلمة إلا وأبو بصير قد خمسهم " فالتحاق الأعشى بمجلس المنادمة يؤثر في المجلس أولا عندما يقول ابن القارح "يا أبا بصير أنشدنا قولك..." ويؤثر في المجلس ثانية عندما يقول لبيد "سبحان الله يا أبا بصير بعد إقرارك بما تعلم غفر لك وحصلت في جنة عدن" ويؤثر في نفس المجلس ثالثة عندما ينشب خلاف بينه وبين النابغة الجعدي فيتفرق المجلس .

    1-2*الشخصيات تتميز الرحلة بكثرة الشخصيات ولا تعني هذه الكثرة الفوضى واللانظام وإنما تخضع الشخصيات لنظام واضح مخصوص هو أن أغلب الشخصيات تظهر مرة واحدة في الرحلة ثم تختفي وبين هذه الشخصيات على كثرتها تشابه واختلاف فكلها تشترك في وجودها الافتراضي وفي أن لكل شخصية منها حياتين حياة قضتها في الدنيا و حياة تقضيها في الآخرة كما نلاحظ أن جل الشخصيات من الشعراء وحتى من لم يكن شاعرا فله علاقة بالشعر إما حفظا أو نقدا أو رواية
    و أما مواطن الاختلاف بين الشخصيات فأكثر ما تتجلى في أنها لا تستغرق الحيز الزمني نفسه في الرحلة ففي حين يحضر ابن القارح الرحلة من بدايتها إلى نهايتها تكتفي بعض الشخصيات الأخرى بالظهور ثم الاختفاء
    ═◄تبعا لهذا كان ابن القارح بطلا محوريا فكل شيء في الجنة له صلة به وكل شخص يعرض عنه ابن القارح يمحي من القصة كليا

    إن من أظهر الدلائل على إحكام البناء في الرحلة تصوير الشخصيات وتدبير العلاقات بينها التي تبقى رغم تنوعها محكومة بمنطق الثنائيات

    ۞ ثنائية الإفراد (ابن القارح) والجمع (الآخرون)
    ۞ثنائية الحضور والغياب
    ۞ثنائية الحركة والسكون ففي أغلب الأحيان تكون الشخصيات ساكنة إذا تحرك ابن القارح وتتحرك إذا سكن هو
    كما تجتمع هذه الشخصيات بسؤال بم غفر لك أو لم غفر لك فتتولد حينئذ قصص فرعية غير منفصلة عن القصة الأم
    هذا ويمكن أن نورد أنماطا أخرى بين من العلاقات بين الشخصيات مثل

    * التكامل بين رضوان وزفر
    *التباين بين النابغة الجعدي و الأعشى
    * التماثل بين عوران قيس –توفيق السوداء –حمدونة الحلبية

    ═◄تجمع هذه الشخصيات بين التاريخي والثقافي و الاجتماعي من جهة والتخييلي القصصي من جهة أخرى فالأعشى مثلا له مرجعية تاريخية في الدنيا كشاعر وله وجود فني قصصي في الرحلة . فحياة كل شخصية في الرحلة ما هي إلا امتداد فني لحياته في الآخرة

    1-3*الزمان لم يكن انتقال زمن الخطاب وتحوله من الماضي إلى الحاضر اعتباطيا أو ناشئا عن عدم وإنما اقتضته ضرورات فنية فلولا هذا التحول لما انتقل الخطاب من الواقع إلى الخيال ولما تحول أبو العلاء من مترسل إلى راو وابن القارح من متقبل إلى موضوع حديث.
    ولئن اعتمد المعري التوفيق بين الزمن الخارجي القائم على الذاكرة لاسترجاع حياة الشخصية وبين الزمن النسبي والزمن المطلق، فإن الرحلة تبدو خالية من العنصر الزمني إذ ليس لنا في رحلة الغفران ما يحدد موقع الأحداث من الزمان لأن الأحداث تجري في عالم متحرر من الزمن وخارج عن كل تحديد ولا غرابة في ذلك فنحن في الرحلة أمام زمن سرمدي وإضافة إلى هذين الزمنين يمكن أن نضيف زمنا ثالثا هو زمن التلفظ إذ يحصل التطابق بين زمن السرد وزمن الحدث أو بين الرواية والوقائع بما يعني أن الحديث يقع في زمن وقوع الأفعال والقارئ حينها يعيش بالمشاهدة ما يقع أمامه في زمن واحد
    1-4* المكان قام المكان في رسالة الغفران دليلا على إحكام البناء الذي يثير التعجب فالمعري لم يقدمه دفعة واحدة بل على جزء فضاءاته بحسب حركة البطل وتنقله فيه ومن هنا يمكن استجلاء مستويين للمكان :
    *1 / مستوى عام وهو ثنائية الأرض والسماء (ابن القارح بين الموجود والمنشود)
    *2/ مستوى خاص :وهو ثلاثية الجنة والمحشر والجحيم

    2/ الخيال

    إن إثبات مفردة "الخيال" يتطلب تعريفا لهذا المصطلح يمكن أن يطمأن إليه. يقول طه حسين " إن الرحلة من القصص الخيالي النادر و إنها أول قصة خيالية عند العرب. و قد تبنى هذا الحكم من النقاد كبنت الشاطئ و جليل الهنداوي و فرج بن رمضان. و لعل جميع هؤلاء يتفقون على أن المقصود بالخيال هو الصورة الرمزية التي تجسم المعنى المجرد تجسيما حسيا واضحا أو هو صورة المواد القديمة و قد أخرجت في هيئة جديدة مغايرة لهيئتها الأصلية في واقعها المحسوس.
    يقتضي فعل القص بالضرورة نشاطا تخييليا يعيد فيه الكاتب بناء العالم فيخرجه على نحو مخصوص يرتضيه ذوقه و تميله حاجة الكاتبة الفنية و تحدد و جهته مقاصد دقيقة. و يعتبر الخيال من العناصر اللافتة للنظر في رحلة الغفران. يقول الأستاذ كمال العزابو: تتملك القارئ لرحلة الغفران حيرة و دهشة من هذا العالم العجيب في أحداثه و شخوصه و فضائيه المكاني و الزماني.
    و الخيال يشغل وظائف مختلفة لعل أهمها شد القارئ بما يحققه له من خرق للمألوف كما أنه يمكن الأديب من تجاوز الرقابة كما يرى تودوروف و من ثمة فإن اللجوء إلى هذا اللون من الأدب يصبح ضرورة زمن الأزمات والقهر بعبارة الأستاذ كمال العزابو.

    2-1*/مصادره
    أ-/ القران هو أهم مصدر استقى منه أبو العلاء عناصر عالمه الآخر ومياسمه العامة بجنته وناره ولا عجب في ذلك والقران هو النص المقدس الذي تتواتر فيه آيات تصور مصير الإنسان يوم الحشر وصورة الجنة والنعيم من جهة وصورة النار وأحوال الكافرين من جهة أخرى .
    ولقد أخذ أبو العلاء من القران أكثر المادة التي صاغ منها عالمه الآخر بل كاد ينقل السور القرآنية نقلا .فالجنة العلائية بما فيها من ظلال ووفرة أنهار جارية لبنا وعسلا وماء قريبة من قوله تعالى " وتجري في أصول ذلك الشجر أنهار تختلج من ماء .." ففي الجنة أنهار من عسل مصفى و في القرآن أنه: مثل الجنة وعد المتقون فيها أنهار من ماء غير آسن و أنهار من لبن لم يتغير طعمه و أنهار من خمر لذة للشاربين و أنهار من عسل مصفى. و أهل الجنة في القرآن منزوعي غل الصدور في قوله تعالى:" و نزعنا ما في صدورهم من غل". و كذلك جنة أبي العلاء: فصدر أحمد بن يحيى من هنالك غسل من الحقد على محمد بن يزيد.

    وأما جهنم التي صورها أبو العلاء ومل فيها من وسائل تعذيب فهي قرآنية لا ريب ولا شك فهذا مشهد إبليس وهو يضطرب في الأغلال ومقاطع الحديد تأخذه من أيدي الزبانية أو ليست هذه الصورة مجسمة في قوله تعالى " إن الأغلال في أعناقهم والسلاسل يسحبون في الجحيم ثم في النار يسجرون "

    ب-/ الشعر هو ثاني المصادر التي اعتمدها ابو العلاء لإنشاء الخيال في الرحلة. فيندر أن يمر مشهد من المشاهد دون أن يورد له المعري شيئا من الشعر فهو يعرض لنا على سبيل المثال أبا ذؤيب الهذلي في الجنة يحتلب ناقة في إناء من الذهب محققا له قوله في الدنيا:
    و إن حديثا منـــــــك لو تعلمينه جنى النحل في ألبان عود مطافل
    مطافيل أبكار حديث نتاجها تشاب بماء مثل ماء المفاصل
    و من أمثلة ذلك أيضا انقلاب الفاكهة حورا مستوحى من قصيدة بشار:
    حتى إذا ما اشتهت ريحي و أعجبها و نحن في خلوة مثلت إنسانا

    وبهذا قد يتحول الشعر إلى مادة حدثية إذ يكون الحدث القصصي تحقيقا لمجاز شعري فيتطابق المتن القصصي مع المتن الشعري

    ج-/ الواقع الحضاري الواقع والخيال في رسالة الغفران يمتزجان امتزاجا متفاعلا فتصبح الرحلة الخيالية كالواقع نفسه لكن بشكل فني مبتدع ومن هنا تنتفي مقولة إن الخيال هو خلق شيء من لا شيء لان صورة العالم الآخر التي رسمها أبو العلاء مستوحاة إلى حد بعيد من صورة العالم الأدنى

    2-2*/ تجلياته
    العناصر التي تخضع لفعل التخيل في قسم الرحلة من رسالة الغفران هي:
    * المكان:
    سما به المعري إلى عوالم الخوارق يتخيله محشرا و صراطا و جحيما بمواصفات تخرق المعقول ( كثبان العنبر، أنهار اللبن و العسل و الخمر....) و قد تدرج في وصفه مواكبة لمرحلة نزهة ابن القارح في العالم الآخر ثم إنه ساعد فنيا عللى تأطير أحداث الحكاية بالكشف عن جوانب من ملابستها المادية.
    و من مظاهر الخيال في المكان التصاق عالم الأرض بعالم السماء إذ يقول إبن القارح في استرجاعه لموقف الحشر: لما نهضت أنتفض من الريم و حضرت حرصات القيامة....فخيال الكاتب في هذا الشاهد هو الذي قرن بين الريم و هو القبر كمكان أرضي دنيوي و حرصات القيامة و هي مساحة أخروية. كذلك كان التجاور بين الجنة و النار مظهرا من مظاهر هذا الخيال غذ يقول المعري: فإذا هو بإمرأة في أقصى الجنة قريبة من المطلع إلى النار فيقول من أنت فتقول أنا الخنساء السلمية....
    * الزمان:
    خضع لفعل التخييل لخروجه عن الزمان التاريخي إلى الزمن الغيبي (الأخرة). فجاء زمانا سرمديا مطلقا تلتقي فيه كل الأزمنة فيجتمع فيه الجاهلي و الإسلامي و من عاش في الدنيا و من خلد الأخرة. وهو إذن زمان متجاور للعادي و المألوف في المقاييس المادية الواقعية فالبرهة تقدر بنحو عشرة أيام من أيام الفانية. كما أن الزمن في الجنة نهار دائم لا ليل فيه.
    * الشخصيات:
    خضعت للفعل التخييلي إذ عمد المعري إلى إعادة خلقها في عالم الحكاية و بذلك اكتسبت جوهرا تخيليا باللغة هذه الشخوص جمعها أبو العلاء في إطار واحد رغم انتماءاتها الزمنية المختلفة و أجناسها المتباينة فامحي بفعل الخيال كل فرق بين الحيوان و الإنسان و بين اللاهوت و الناسوت و ذلك باد من خلال ما جرى بين المختلفين من تحاور إذ يمر ملك فيقول إبن القارح: يا عبد الله أخبرني عن الحور العين و من أطراف الحوارات التخييلية ما جرى بين ابن القارح و الحية إذ يقول له: لو تشرفت رضابي.
    *الأحداث: و يظهر الخيال في أحداث مثلا من خلال تحول طبيعة الشجر فعوض أن تثمر فاكهة أصبحت بفعل الخيال تثمر حورا. يقول المعري: فيأخذ سفر جلة أو رمانة أو تفاحة أو ما شاء الله من الثمار فيكسرها فتخرج منها جارية حوراء عيناء تيرق لحسنها حوريات الجنان.
    و من خيال الأحداث أيضا أن ابن القارح إذا أراد عنقودا من العنب أو غيره انقضت من الشجرة بمشيئة الله.

    رسالة الغفران بين ظاهر الهزل و باطن الجد و النقد
    1
    1/ ظاهر الهزل و السخرية:
    يعتبر الجانب الهزلي قطبا من أقطاب الإنشداد إلى الرسالة و القارىء في هذا المجال منشغل بما تمليه العبارة من صور ساخرة عابثة و قد تجلى الهزل هذه في مواضع عدة و بآليات مختلفة يمكن أن نرجعها إلى أربعة أصناف:
    أ/ السخرية من إبن القارح:
    السخرية بالمفارقات:
    - بين المكان و السلوك: عربدة في الجنان.
    - بين المقام و المقال: خوف إبن القارح من السقوط في مشهد القنص مثلا.
    - بين المجهود و النتيجة: محاولات ابن القارح التقرب من رضوان خازن الجنان.
    - بين الغفران و سببه: دخول الجنة ببيت من الشعر أو قصيدة.
    - بين القول و الفعل: ابن القارح يدعو إلى عدم العربدة و يعربد و يدعو إلى عدم التخاصم و يخاصم و يدعو نفسه إلى الصبر يوم الحشر و لا يصبر.
    السخرية بالموقف:
    - رغبة ابن القارح في كتابة شعر الجن ثم عدوله عنه إذ يقول : فيهم الشيخ بأن ]كتتب منه ثم يقول....و لست بموفق إن تركت لذات الجنة و أقبلت أنتسخ آداب الجن. فيبدو البطل صارفا نفسه في موقفه عن اللذة المعرفية إلى اللذة المادية.
    - حوار ابن القارح و إبليس حول صناعة الأدب.
    - خلوة لبن القارح بحوريتين حمدونة و توفيق السوداء و اكتشافه لحقيقتهما الدنيوية.
    السخرية بالحركة:
    - مشهد عبور الصراط و الجارية تحمله زقفونة.
    - مشهد ابن القارح وهو متعلق بركاب إبراهيم.
    - مشهد فرار إبن القارح من الحية التي راودته إذ يقول المعري: فيذعر منها و يذهب مهرولا في الجنة.
    السخرية بالعبارة:
    - الاستهلال الثعباني: خالف المعري شروط في الرسالة الأدبية فبدل أن تكون مدحا للمرسل إليه نجد أبا العلاء ينزاح عن هذه السنة فيبدأ الرسالة بالأفاعي و الثعابين و السموم لتتحول الديباجة تحية رمزية تؤكد على التشابه بين ابن القارح و الثعابين في التلون و التلوي.
    - جدل الظاهر المدحي و الباطن الضاحك: أجري المعري مقدمة الرسالة على ثنائية الظاهر و الباطن فكان ظاهر الكلام مدحا و باطنه سخرية كالتشبيه اللامعقول لرسالة ابن القارح بالنصوص المقدسة و اعتبار القارئ لها كالقارئ للقرآن.
    - السخرية بالجمل الدعائية التي تثير تهكما عليه من خلال التناقص بين مضمون الدعاء و سلوك البطل كقوله: و يخلو – لا أخلاه الله من الإحسان – بحوريتين. و أين الإحسان مما أتاه البطل من سلوك.
    - الاستطرادات و الشروح اللغوية: تشغل وظيفة السخرية من ابن القارح بتنزيله و هو المدعي للمعرفة منزلة التلميذ أمام منزلة التلميذ أمام شيخ العصر أبي العلاء.
    - اعتماد كلمات تحمل المعنى و ضده من قبيل: مسجور (ملآن و فارغ) أو مأجور ( أجر إلهي أو أجر دنيوي).
    - استعمال غريب الألفاظ: جحجلول/ كفرطاب / زقفونة.
    في الرحلة إذن كثافة للأساليب الهزلية الساخرة وظفها المعري ليعبث بابن القارح و ليسخر من السائد أيضا:
    * ابن القارح شخصا:
    - شيخ يتصابى: و ذلك في مشهد اختلاله بحوريتين.
    - شيخ عديم الصبر: مشهد يوم الحشر: و خفت في العرق من الغرق.
    - شيخ متملق: مدحه لرضوان خازن الجنان.
    - شيخ دعي: ادعاؤه أنه أكثر الناس حفظا للشعر و للغريب.
    * ابن القارح أديبا:
    - التكسب بالشعر.
    - انتحال الشعر و التكلف فيه.
    * ابن القارح عقيدة:
    - أظهر المعري رقيق منافقا الدين يختلس النظر أثناء السجود ناظرا إلى عجيزة الجارية.
    كما صوره متظاهرا بالورع متضلعا في الدين من خلال استشهاده بالقرآن.
    ب/ السخرية من السائد:
    * السخرية من المعتقدات الخرافية:
    غير خاف ما كان في أثناء الرحلة من سخرية واضحة تتعلق بالأوهام التي رانت على العقول حتى صارت قلوب الناس غلفا و على أبصارهم غشاوة و من بين هذه الأوهام و المعتقدات ما راج من إيمان مادي مجسد بالجن و العفاريت و أنهم يتشكلون ليستخفوا من الناس و أنهم يؤثرون في الدنيا إذ يقول شيخ العفاريت أبو هدرش لابن القارح عند زيارته لجنة العفاريت: إنا أعطينا الجولة في الدار الماضية فكان أحدنا إن شاء صار حية رقشاء و إن شاء صار عصفورا و إن شاء صار حمامة.
    و الظاهر أن هذه الخرافات قد راجت إلى الحد الذي تكلف فيه أديب هو المرزباني جعل ديوان للجن يقول عنه شيخ الجن: إنما ذلك هذيان لا معتمد عليه.
    * السخرية من تصور العامة للعالم الآخر:
    و تظهر هذه السخرية في متعلقات العالم الآخر من جنة و نار و عبور صراط. فالجنة قد حشد فيها كل المتع الحسية من ولدان مخلدين و جوار قوارير و طعام و شراب و لهو. و الصراط صوره المعري ساخرا كما تمثله الناس عصرئذ مدخلا إلى الجنة من عبره سلم إلى جنته و من تعثر كان على جرف هاو فهوى به في نار جهنم.
    * السخرية من معتقد التعويض:
    و كانت هذه السخرية بأن حقق المعري للناس في جنته ما كان ينقصهم في دنياهم فالأعشى قد صار عشاه حورا معروفا و إنحناء ظهره قواما موصوفا. و زهيرا بن أبي سلمى الذي عمر فنكس في الخلق صار في الجنة شابا كالزهرة الجنية... كأنه ما لبس جلباب هرم. و حمدونة الت يطلقها زوجها لرائحة كرهها من فيها صارت كأنها الياقوت و المرجان و توفيق السوداء أصبحت أمصع من الكافور. و الظاهر أن المعري قد سخر من فكرة التعويض لأن أصحاب الجاهو الأثرة اتخذوها ذريعة يطمئنون بها الفقراء خاصة إذا ما تدعمت بفكرة القضاء و القدر.

    2/ باطن الجد في رسالة الغفران
    لعل القارىء أمام رسالة الغفران يتجاذبه قطبان قطب الخصائص الفنية كقيمة في حداثتها تنتمي إلى الفن و قطب يجذبه إلى المعري على توظيفه تلك الخصائص للنفاذ إلى جملة من القضايا ناقدا ساخرا يقول حسين الواد: إن نص الرحلة في رسالة الغفران.....لا يشد القارىء إليه بحكم ما في بنيته الفنية من أسرار التفوق و أسباب التبريز فحسب. فلدلالته أيضا من القوة ما يستفز الذهن و يأسر.....فكان أثر أدبي.....إنما يدخل مهما تعهد في ذاته قوة الإمتناع عن دلالته في مناظرة مع واقع تفكري و اجتماعي. و في هذا المجال تتبدي النزعة العلائية العقلية في التناول. و لكن الملاحظ أن المنزع العقلي الذي لم يكن مباشرا كشأنه في اللزوميات إذا يقول:
    كذب الظن لا إمام سوى العقل مشيرا في صبحه و المساء
    كان أسلوبه و منزعه العقلي في الغفران باديا حينا متواريا أحيانا وراء السخرية و التهكم من السائد فيتحول ابن القارح إذا من ذات مقصود إلى نموذج أو رمز لكل الناس. و يرتبط المنزع العقلي في رسالة الغفران بثروة أبي العلاء على السائد من حياة الناس كما يرتبط بحيرته إزاء المسلمات الفكرية المتعلقة بعالم الغيب.
    أ- القضايا الأدبية:
    استأثرت القضايا الأدبية بالنصيب الأوفر من النقد: فالأدب محور الرحلة الغفرانية خاصة و أن المعري جعل ابن القارح متميزا عن سائر الشخصيات في الجنة بالذاكرة و الحفظ و الرغبة في المحاورات و المجادلات اللغوية و أهم القضايا التي شغلت الشعراء في الجنة كما شغلت المعري هي الشعر.
    * حد الشعر: تجلت الروح النقدية لدى المعري في تقديم تعريف "جديد" للشعر يحتل فيه الذوق مكانة هامة. و يخرج تعريف الشعر مما أصابه من جفاف عند سابقيه أمثال قدامة بن جعفر الذي يعرف الشعر بقوله:" الشعر كلام موزون مقفى يدل على معنى" و قد ورد تعريف المعري على لسان ابن القارح عندما سأله رضوان " و ما الأشعار"؟ فقلت" الأشعار جمع شعر و الشعر كلام موزون تقبله الغريزة على شرائط إن زاد أو نقص أبانه الحس". فالمعري في هذا الموقف التعريف يلح على السليقة و الموهبة من جهة و على ذوق المتلقي من جهة أخرى. ثم إن لفظتي الغريزة و الحس تجعلان الأدب الحق لدى المعري هو ما توفر فيه الإحساس و بذلك يسقط من ديوان الشعر كل غرض أدبي خلا من صدق العاطفة و أول هذه الأغراض هو المدح.
    * مقاييس نقد الشعر: لم يكتف المعري برسم حد جديد للشعر بل عرض أيضا جملة من الآراء النقدية تعكس ما شاع في عالم الشعر من مقاييس مثل:
    - مقاييس الكم: لهذا المقياس أنصار و مدافعون يرون جودة الشعر في طول النفس و سعة التصرف في اللغة و المعاني القدرة على تمطيط القول. و مثل نابغة بن جعدة نموذجا لهذا الفريق إذ يقول في خصومته مع الأعشى" و إني لأطول منك نفسا و أكثر تصرفا و لقد بلغت بعدد البيوت م لا يبلغه أحد من العرب قبلي".
    - مقاييس الكيف: أنصاره يرفضون طول النفس لأن الطول يعثر بصاحبه و يلجئه إلى تركيم اللغة دون تمييز الجيد من الرديء و دون إعمال القريحة. فالبيت الجيد حسن السبك يعدل مائة بيت دون جودة قريحة. يقول الأعشى مخاطبا النابغة و قد اشتدت الخصومة بينهما:" و إن بيتا مما بنيت ليعدل بمائة من بنابك و إن أسهبت في منطقك فإن المسهب كحابط الليل".
    == يمثل هذان الصوتان في الخصومة الأدبية بعض ما شاع في عالم الشعر من مقاييس بعضهما يقوم على الإسهاب و يقوم على الإسهاب و يقوم البعض الآخر على الجودة. أما صوت المعري و إن كان ضمنيا فهو من أنصار الجودة الرافضين للإسهاب الذي ينزل بالشعر إلى درجة الإسفاف.
    * نقد شعر المديح: قرن المعري المدح بالكذب على النفس: فالمديح لا يصدر إلا عن نفس كاذبة. و خير دليل على ذلك اعتراف ابن القارح بهذه الصفة حيث يقول: " فلما أقمت في موقف زهاء شهر أو شهرين و خفت في العرق من الغرق زينت لي النفس الكاذبة أن أنظم أبياتا في رضوان".
    و قرن المعري بالمدح الإفتراء و التحسين لما قبح من أخلاق أيضا. فهو تزييف للحقائق. و قد اعتبره النابغة نقيصه استغلها في خصومة ليشتم الأعشى حيث يقول:" و أنت لاه بعفارتك تفتري على كرائم قومك و إن قومك إن صدقت فخريا لك و لمقرك". و قد أبرز المعري موقفه من المدح بينا في جعل النابغة الجعدي يشبه الأعشى المداح بالكلب النابح بحثا عن بعض الفضلات إذ يقول عن زوجته الأعشى:" لقد و فقت الهزازية في تخليتك. عاشرت منك النابح عشي فطاف الأحوية على العظام المنتبدة". كما ظهر هذا الموقف أيضا في استنكار حمزة على ابن القارح مدحه في اللجنة معتبرا المدح دنسا و إثما في مكان مقدس إذ يقول: و يحك أفي مثل هذا الموطن تجيئني بالمديح.
    * السرقة الأدبية: تمثلت السرقة الأدبية في السطو على شعر الآخرين: فابن القارح يحفظ قصائد فحول الشعراء و يغير بعضها و ينسبها إلى نفسه لقضاء مآربه كالدخول إلى الجنة إذا يقول:" زينت لي النفس اكاذبة أن أنظم أبياتا في رضوان خازن الجنان عملتها في وزن ' قفا نبك من ذكرى حبيب و عرفان" ووسمتها برضوان".
    ثم إن المعري يتعرض لمسألة الإنتحال بمعنى تسبة أبياتا لغير قائلها و ذلك عندما جعل ابن القارح يلتقي بأعشى قيس فيقول له: يا أبا بصير أنشدنا قولك:
    أمن قتلة بالأنقاء دار غير محلوله
    كأن لم تصحب الحي بها بيضاء عطبوله
    فيقول الأعشى:" ما هذه مما صدر عني و إنك منذ اليوم لمولع بالمنحولات"
    * نقد النحاة: مارس النحاة دور النقاد و غيروا الشعر على مقاس قواعدهم فانتهوا إلى تأويلات بعيدة عن الشائع و المألوف بل تدل أحيانا على الجنون. و لم يكن أمر التأويل هيئا عند المعري لأنه ضرب من التجني على المبدع و على اللغة. لذلك أنطق الشعراء بالاحتجاج على النحويين مثال أبي على الفارسي إذ نقل ابن القارح مجلس أستاذة قائلا:" و إذا جماعة من هذا الجنس كلهم يلومونه على تأويله".
    و إجمال القول أن المعري قد حرص على ربط المعرفة و العلم و الأدب بدفع الشر و جلب الخير و ذلك ما صدق قوله في اللزوميات:
    إذا كان علم الناس ليس بدافع و لا نافع فالخسر للعلماء
    ب- القضايا الإجتماعية:
    * نقد الطبقية في المجتمع: صور طبقتين متناقضتين: واحدة ترفل في النعيم و تسكن القصور و تنهل من اللذات المادية و أخرى تعيش فقرا و بؤسا. لذلك جاءت بعض الصور محيلة على حياة الترف طورا و حياة البؤس طورا آخر حيث يقول المعري متحدثا عن ابن القارح في سياق عودته إلى محله في الجنان بعد فراغه من النزهة" و يتكىء على فراش من السندس" و يقول أيضا واصفا بعض مكونات الجنة" و ينظر الشيخ الجليل في رياض الجنة فيرى قصرين منفيين". و في المقابل نجد البيت الحقير للحطيئة" و إذا هو ببيت في أقصى الجنة كأنه حفش أمة راعية و فية رجل ليس عليه نور سكان الجنة و عنده شجرة قميئة ثمرها ليس بزاك". و تظهر الطبقية أيضا في حضور الأسياد و العبيد و الجواري في جنة الغفران فهذه فاطمة الزهراء تهب ابن القارح جاريتها لتخدمه في الجنان" قالت الزهراء: " عليها السلام : قد وهبنا لك هذه الجارية. فخذها كي تخدمك في الجنان".
    * نقد الوساطة في المجتمع: تتجلى الوساطة في مواطن عديدة من لرحلة الغفران. و لعل أهمها و أوضحها تلك المتصلة بشخصية ابن القارح خاصة وهو يتعجل دخول الجنة. و لم يتحقق له ذلك إلا بعد وساطات متعددة إذ يقول ابن القارح الحشر:" فوقفت عند محمد صلى الله عليه و سلم فقال: " من هذا الأتاوى؟ - أي الغريب- فقالت فاطمة هذا رجل سأل في فلان و فلان".
    * تقديم قيم المجتمع: تراجعت القيم الأصيلة في عصر المعري و هذا ما يفسر تضاؤلها في رحلة الغفران لتحل محلها قيم مذمومة مثل الكذب و الرياء و الخداع حتى أضحى الصدق نشازا يجازي عليه المرء بالمكانة الحقيرة شأن الحطيئة الذي فاز ببيت حقير في أقصى الجنة لأنه كان صادقا مع نفسه. في حين يفوز غيره بنعيم الجنة و ملذاتها معتمدا النفاق و الكذب.
    * نقد التهافت على اللذة: اشتملت جنة الغفران على أصناف شتى من الملذات أهمها المشروبات و المأكولات و الحلويات. فتعددت مجالس الخمر و أجناس المسكرات حتى أضحت جنة الغفران "مهرجانا خمريا". و بما أن المشروبات تستدعي بالضرورة المأكولات فقد جمع المعري ألوانا شتى من المآكل لعل أبرزها تلك التي اجتمعت في المأدبة التي أقامها ابن القارح. و إلى جانب لذة الخمر و الأكل نجد لذة الجنس: فقد تفنن المعري في عرض الحور العين خاصة و أن لبطله ابن القارح رغبة لا تنطفئ إذ يجمع حوريتين هما حمدونة و توفيق السوداء" و يقبل على كل واحدة منهما يرتشف رضابها...."
    * نقد وضعية المرأة: اقتصر دور المرأة في جنة الغفران على أمرين اثنين هما:
    - تحقيق المتعة لأهل الجنة
    - الوساطة لابن القارح كي يدخل الجنة. و يتجلى ذلك في وساطة فاطمة الزهراء.
    وهو دور سياسي سلبي يذكرنا بدور زوجات الأمراء و الملوك في البلاط.
    ج- القضايا السياسية:
    إن المتأمل في الغفران أن يجد موقف المعري من السياسة وهو نفس موقفه منهم في اللزوميات فقد عاب عليهم سياستهم الأمور بالهوى و النزوات فهم من العقل خلاء إذ يقول في اللزوميات:
    يسوسون الأمور بغير عقل فينفذ أمرهم و يقال ساسة
    و المعري إذ ينقم على الساسة فإنه أشد نقمة على ظلمهم خاصة إذ يقول في اللزوميات أيضا:
    ظلموا الرعية و استجازوا كيدها و عدوا مصالحهم و هم أجراؤها
    لقد شكل المعري هذه الصورة في مواقف مختلفة:
    * عبر المعري عن نقمته على الملوك دون استثناء. فأدخلهم النار و أمعن في تصوير ما يلقونه من عذاب إذ يقول:" و الشوس لجبابرة من الملوك تجذبهم الزبانية إلى الجحيم و النسوة ذوات التيجان يصرن بألسنة من الوقود فتأخذ في فروعهن و أجسادهن فيصحن: هل من فداء؟ هل من عذر يقام و الشباب من أولاد الأكاسرة يتضاعفون في سلاسل النار...فلا فادي و لا معين و كلهم مدانون. لذلك تواتر معجم من قبيل "الشوس"و "الجبابرة" و "الظالمين".
    * نقد توتر العلاقة بين الراعي و الرعية: فالإله غائب وهو رمز لغياب السلطة السياسية في حين تتخذ الحاشية القرارات.
    * نقد الجوسسة المنتشرة في عصره إذ كان للملك عين كثيرة تنتقل له ما يدور في المجتمع ليتلافى بعض الثروات فيقول على لسان ابن القارح وهو بصدد الإصلاح بين الندماء:
    "يجب أن يحذر من ملك يعبر فيري هذا المجلس فيرفع حديثه إلى الجبار الأعظم فلايجر ذلك إلا إلى ما تكرهان...".
    * كما نقد ظاهرة مستشرية في القرن الرابع وهي ظاهرة إحاطة السلطان نفسه بذوي قرباه لا لكفاءتهم و لا لقدرتهم بل تعصبا فالرسول في الجنة وهو رمز السلطة قد أحاط نفسه بعمه حمزة و فاطمة و ابنيه إبراهيم و القاسم و زوجته خديجة و ابن عمه علي. فهم الفاعلون الغافرون الراحمون المعقبون فابن القارح لما وقف بين يدي الرسول قال الرسول: من هذا الأتاوي – أي الغريب – فقالت له فاطمة: هذا رجل سأل فيه فلان و فلان و سمت جماعة من الأئمة الطاهرين فشفع له. و قد يكون المعري بذلك يشير إلى ما كان للمرأة في عصره من دور في البلاطات و في توجيه السياسة التي شهدت في ذلك العصر تذخل الجواري و النساء في شؤون الحكم.
    د- نقد القضايا العقائدية:
    حظيت القضايا العقائدية بتفكير المعري. و يمكن أن يتحدد بعضها في:
    * الغفران: أعمل المعري فكره في قضية الغفران و وصلها بالعدل الإلهي على غرار المعتزلة و انتهى إلى أن الأمرين يتعارضان لأن الله قد وهب الإنسان عقلا و بعث إليه بالأنبياء فلم يعد من دلع للمغفرة بل إن العدل في محاسبته على ما أتى من أعمال. و غير خاف ما في طيات هذا الموقف من صدى للجدل الفكري كان يدور بين الفرق الإسلامية و نذكر خاصة السنة التي تأخذ بظاهر النص و المعتزلة التي كانت تعتمد العقل في التفسير.
    * الشفاعة: إذا كانت المغفرة تطلب من الله فإن الشفاعة تطلب من الرسول لتشمل آل البيت و تتسع دائرتها أكثر لتشمل قبيلة قريش. هكذا تصورها الناس في عصر المعري على إختلاف مذاهبهم. فالسيعة تجعل آل البيت شفيعا و أهل السنةشفيعهم الرسول. أما الحرمة التي بها تتحقق الشفاعة في جنة الغفران فهي الكلمة الطيبة. فكل من طلب الشفاعة عبر عن قدرة على القول الحسن إخفاء لسلوك خالف به تعاليم الدين فجعل الأعشى يدخل الجنة لأنه مدح الرسول في الدنيا و المعري ينقد مثل هذا التصور الساذج لا لأنه لا يصل القول بالفعل فقط بل لأنه يتعارض مع العدل الإلهي أيضا. وهو أيضا يفتح الباب رحبا يغري الإنسان بارتكاب المعاصي أملا في شفاعة على اعتبار بسيط ساذج فالأعشى حكم عليه بالإلقاء في الجحيم ثم يشفع له الرسول ليبطل حكم الله و يجعل الأعشى في الجنة. ثم إن هذه الشفاعة قد تجمع الفاسق و الماجن في نفس المقام القدسي. ألم يستنكر النابغة الجعدي وجود الأعشى في الجنة فقال له:" أتكلمني بمثل هذا الكلام يا خليع بني ضبيعة و قد مت كافرا و أقررت على نفسك بالفاحشة" ثم يقول: لحقك أن تكون في الدرك الأسفل من النار...ولو جاز الغلط على رب العزة لقلت إنك قد غلط بك.
    * التوبة: مثلت التوبة مبحثا من المباحثات العقائدية التي أثارها المعري في رحلة الغفران.
    فأبو العلاء يسخر من فكرة التوبة التي بين الأوساط العامة. فبعد أن يقضي الإنسان من لذاته الوطر و ينحسر ظل العمر تراه يقضي إلى التوبة حجا. و هذا الإيمان ينزع بالإنسان إلى شرب السم إتكالا على ما عنده من الترياق كما ورد في المثل. فالتوبة الحقيقية لا تكون إلا في مرحلة القدرة لتكون توبة اقتدار و منع للنفس عن هواها لا توبة اضطرار لما عجزت عن مأتاها.
    يقول المعري في اللزوميات:
    فكيف ترجي أن تثاب و إنما يرى الناس فضل النسك و المرء شارخ

    رسالة الغفران و تعدد القراءات
    إنه متى كان الأثر الإبدلعي ثريا كان متمنعا من القراءة الواحدة و كان متعدد الاحتمالات و القراءات. و كذا كانت رسالة الغفران للمعري فالناظر في المدونة النقدية يلحظ بسيطا حجم ما كتب حولها من قراءات نقدية قوة و منهجا و عمق تحليل و لكن الذي يجمع بينها هو أنها كشفت عن ثراء النص و غموضه و خلوده في آن.. و على هذا الأساس يمكن أن نحدد القراءات التالية:
    1/ رسالة الغفران سخرية من ابن القارح و نيل منه: في هذه القراءة يتوجه التلميذ إلى إثبات العلاقة المباشرة بين الرسالة و بين المرسل إليه بمعنى أن كل ما فيها من خيال و سخرية و تفنن في القص إنما هو بالأساس لغاية النيل من ابن القارح.
    ففي الخيال يمكن أن نركز على الخيال الشهواني الذي يفضح ابن القارح و بذلك تتحول أنهار الخمرة و سعد الرحيق المختوم لم تكن سوى تعريضا بابن القارح الذي عرف في الدنيا بعشقه للملذات فصوره المعري عبدا لهواه و من مظاهر اعتماد الخيال لفضح ابن القارح أيضا تلك المآدب التي كان يقيمها البطل إرضاء لشهواته و كذا قل في الحور العين و الجواري الجميلات فعشق ابن القارح للمرأة و اللذات الجسدية هي التي أملت على المعري أن يملأ له الجنة بالجواري و القيان.
    أما عن السخرية و توجيهها المباشر لابن القارح فيمكن للتلميذ أن يعود إلى الهزل و السخرية من هذه الدراسة و أن يستفسد من السخرية من ابن القارح لوحده دون السخرية من السائد.
    2/ رسالة ابن القارح فضح للسائد و نقد للموجود و تشهير بالواقع: في هذه القراءة على التلميذ أن يعتبر ابن القارح غير مقصود لذاته بل هو نموذج الإنسان أيام المعري بمعنى أننا نخرج من البعد الذاتي للرسالة إلى البعد الموضوعي. و يمكن للتلميذ هنا أن يعود إلى السخرية من السائد في قسم ظاهر الهزر من هذا العمل و أن يضيف إليه السخرية من الواقع السياسي أي فضح الممارسات السياسية السلبية كالظلم و الأنانية و تحقيق المآرب الذاتية.
    و السخرية من الواقع الأدبي كشعر المديح و السرقات و الانتحال. لكن مع ضرورة التركيز على الأسلوب الساخر فدون تناول الأسلوب الساخر تكون القراءة نقدية. و مع الحذر من الوقوع في سرد المعلومات فذلك ليس من التحليل في شيء.
    لا بد إذن أن تتبين الفرق بين مصطلح النقد و مصطلح الهزل و السخرية و الفضح فالنقد فيه طابع جدي و أما الهزل و السخرية و الفضح ففيه طابع هزلي و عندها لا بد من تناول الشكل أي الأسلوب الساخر لنبين أنه فضح و سخرية.

    3/ سخرية الغفران تطاول على المقدس:

    ويمكن أن تبين هذه القراءة في مستويات مختلفة:

    - تدنيس فضاء الجنة: إذ تتحول الجنة حيزا للعربدة و المجون و الشذوذ و العنف اللفظي و المادي وهو ما لا يتناسب مع فضاء الجنة المقدس.
    - التشكيك في العدل الإلهي: يظهر ذلك من خلال اعتراض بعض الشخصيات على الجزاء و العقاب كاعتراض نابغة بني جعدة على دخول الأعشى إلى الجنة حيث يقول :" ولو جاز الغلط على رب العزة لقلت إنه غلط بك". و كاعتراض نابغة بني جعدة على دخول الأعشى إلى الجنة حيث يقول : "ولو جاز الغلط على رب العزة لقلت إنه قد غلط بك". و كاعتراض أوس بن حجر على وجوده في النار.
    - إبطال الأحكام الإلهية: و نتبين ذلك من خلال تدخل آل البيت لتغيير مصير الشخصيات الحقيقي من النار إلى الجنة. فالتحويل اعتراض على الحكم الإلهي و مثال ذلك قصة دخول الأعشى إلى الجنة بفعل شفاعة علي بن أبي طالب.
    - المساس بصورة الله: يبدو الله في رحلة الغفران ملبيا لرغبات أهل الجنة و شهواتهم فقد صوره المعري في صورة الساهر على راحة أهل الجنة و المطيع لأهوائهم حتى الشاذة منها و لا دور له في الجنة غير ذلك.
    إفراغ الوضعيات المصيرية من جديتها: التجأ المعري إلى الرسم الكاريكاتوري لبعض الوضعيات الجادة. و مثال ذلك إنشغال البطل إبن القارح و بعض الشخصيات بمسائل لغوية ونحوية في يوم المحشر كما صور يوم المحشر في مشهد تزاحم فوضوي. و من الأمثلة على إفراغ الوضعيات المصيرية من جديتها ذلك الرسم الكاريكاتوري لمشهد عبور ابن القارح للصراط حيث صوره يعبر الصراط على ظهر جارية و قد حملته زقفونة في يوم وصفه النص القرآني بأنه تذهل فيه كل مرضعة عما أرضعت .
    - الرسم المادي الدنيوي للجنة: إن امتلاء بالقيان و الجواري الراقصات و المغنيات يجعلها ذات طابع مادي خالص خاصة و قد حضرت فيها كل المتع المادية و الحسية فكأن عالم الجنة خلو من الأبعاد الروحية و الدينية القدسة.
    4/ رسالة الغفران تعبير عن القدرة الأدبية: ونتبين ذلك من خلال الشرح و الاستطرادات ووظائفها المذكورة سابقا.
    5/ رسالة الغفران ذات طابع تعليمي للقارئ: وهنا نعتبر الإستطردات و الشروح موجهة لغاية تعليمية فتجمع الرسالة بذلك الإمتاع و الإفادة و هي من خصائص الأدب عموما و الرسالة الأدبية تحديدا.
    6/ رسالة الغفران نقد للموجود: و فيه يدرج التلميذ جملة القضايا المطروحة مع ضرورة الوعي بأن هذه القضايا تتفاوت من حيث الجرأة فالقضايا السياسية و الدينية تحتل المرتبة الأولى من حيث الجرأة.
    خاتمة:
    إن قارئ رسالة الغفران كابن القارح يهرول مذعورا في جنتها بين القصص و الترسل و بين الخيال و الواقع و بين الهزل و الجد كأنما قدت من عالم غير المألوف. فهي تدنينا لتصدنا ز تجود لتجحد. هكذا حالنا مع رسالة الغفران تزاور عن فهمها ذات اليمين ثم تفرضنا ذات الشمال و نحن في حيرة منها. فقد سعت لها أقلام النقاد قديما و حديثا و هي تجري بهم في موج كالجبال و ما إلى يقين من سبيل شأنها شأن النصوص المعالم التي ترقى إلى مصاف الإبداع الإنساني غير المحدود. و حسبنا منها إثارة بعض القضايا و إنارة بعض زواياها عونا للتلميذ و دفعا له إلى عالم الفكر و الإبداع
    أعجب بهذه المشاركة المنصف الحامدي
  2. المنصف الحامدي

    المنصف الحامدي عضو

    142
    89
    28
    الدّولة:
    تونس
    الولاية:
    صفاقس
    المستوى الدّراسي:
    جامعي
    الاختصاص:
    عربية
    المهنة:
    أستاذ تعليم ثانوي
    كل التقدير على هذا العمل المتكامل
    لا ريب أن شموله من العنت ووضوحه من كدّ الفكر و الخاطر .
    ملاحظة أولى : " وتجري في أصول ذلك الشجر أنهار تختلج من ماء " نسب هذا القول سهوا إلى الله تعالى وهو من رسالة الغفران وقد ورد في تناولك الخيالَ ومصادرَه .
    و ثانية متصلة بالمجاورة بين النار و الجحيم ، إنّها ليست ابتكارا علائيا و إنّما ذكر ذلك في سورة الأعراف حيث يطلع أهل الجحيم على أصحاب النعيم ، يقول تعالى : " ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة أن أفيضوا علينا من الماء أو ممّا رزقكم الله قالوا إنّ الله حرّمها على الكافرين " الأعراف - الآية 50
    و ثالثة الأثافي
    أخطاء لا يعرَى منها أحد وهي من جرّاء هذه الحواسيب التي نستعملها فليست أقلامنا تزل ولكن فرض علينا الواقع تركها .
    ورد ذلك في بعض المواضع مثل تشرفت رضابي بدل ترشفت و غذ بدل إذ و الإبدلعي و المقصود الإبداعي .
    أين الرسم البياني الذي يوضح الاختلاف و الائتلاف بين رسالة الغفران واللزوميات؟
    أرجو التصويب مع الشكرمُسبقا
    خالص الاحترام .
    آخر تعديل: ‏3 ديسمبر 2017