1. المنصف الحامدي

    المنصف الحامدي عضو

    142
    89
    28
    الدّولة:
    تونس
    الولاية:
    صفاقس
    المستوى الدّراسي:
    جامعي
    الاختصاص:
    عربية
    المهنة:
    أستاذ تعليم ثانوي

    المَقَامَةُ الكَرَوَانِيَّةُ

    الموضوع في 'إبداعات نثريّة' بواسطة المنصف الحامدي, بتاريخ ‏26 نوفمبر 2017.

    هذا النص يأبى أن يموت لقد مرت أربعٌ و عشرون سنة على كتابته.
    عثرت عليه صدفة في زاوية لم أفتحها من زمن.






    المَقَامَةُ الكَرَوَانِيَّةُ

    حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بنُ ابْرَاهِيمَ بْنُ أَبِي القَاسِمِ قَالَ :

    " نَزَلْنَا أَيَّامَ الشَّبَابِ مَدِينَةَ حَضْرَموْتَ نَبْغِي حَلَقَاتِ العِلْمِ * فَأَنْفَقْنَا لِحِيَازَتِهِ مَلَكَاتِ العَقْلِ * و سَخَّرْنَا لَهُ جَوارِحَ الجسْمِ * وَكانَتْ السّنَةُ الرَّابِعَةُ أَكْثَرُ السّنَوَاتِ كَدًّا * وَأَضْناهَا جُهْدًا * وَ أَقَلَّهَا لَهْوًا * وأَكْثَرَهَا جِدَّا * وَ أَبْطَأَهَا مَرًّا * وَلَمَّا فَرَغْنَا آخِرَهَا مِنَ الاِمْتِحَانَاتِ العَسِيرَةِ * هَلَّلْنَا لانْقِضَاءِ أَيَّامِ المُرَاجَعَةِ العَصِيبَةِ * وللتَّخَلُّصِ مِنَ الدّفَاتِرِ المُحْرِقَةِ للأعْصَابِ * و المُضْنِيَةِ للأَلْبابِ * وَأَجْمَعْنَا عَلَى قَضاءِ أُمْسِيَةٍ بَعِيدًا عَمَّا يُذَكِّرُنَا بِكَلِمَةٍ أَوْ حَرْفٍ * مِنْ منْظُومٍ وَ مَنْثُورٍ وَ مِنْ نَحْوٍ وَ صَرْفٍ * وَخِلْتُ الرّوحَ فِينَا بُعِثَتْ بَعْدَ مَوَاتٍ * وَنَحْنُ نَتَنَاوَبُ فِي الوُقُوفِ أَمَامَ بَقِيَّةٍ مِنْ مِرْآةٍ * وَكَنْتُ الأَحْرَصَ عَلَى تصْفِيفِ بِضْعِ شُعَيْرَاتٍ * فَمُنْذُ شبَابِي كُنْتُ أَجْلَحَ الرَّأْسِ * كَثِيرَ البُؤْسِ * وَافِرَ اليَأْسِ * رَغْمَ شِدَّتِي وَبَأْسِي * ، وَ خَرَجْنَا خَمْسَتُنَا نَحُثُّ السَّيْرَ حَثّا * وَنَشُقُّ الشّوارِعَ شَقًّا * وَ نَدُقُّ الأرْضَ بِنِعَالِنَا دَقّا * وَ مَرَرْنَا بالمَدِينَةِ العَتيقَةِ * ذَاتِ الأَزقَّةِ المُزْدَحِمَةِ *والحِيطَانِ المَتَداعِيَةِ * وبِهَا خَلْقٌ كَثِيرٌ * وَلَغَطٌ وَفِيرٌ * وَ سِلَعٌ تَقْلِيدِيَّةٌ * وبضَاعَةُ أَجْنَبِيَّةُ *
    فَلَمْ تَسْتَوْقِفْنَا تِلْكَ الصُّنُوفُ * ولَمْ تَجْلِبْنَا إِلَيْهَا الصُّفُوفُ * وحِينَ عَبَرْنَا المَدِينَةََ * تَفَاجَأْنَا بِبَوَاسِلِ الشّرْطَةِ يُوقِفُونَ المَارَّةَ * وَيُرْهِبَونَ العَامّةَ * و يُفَتِّشَونَ فِي الأوْرَاقِ * كَأَنَّ الجَمِيعَ مِنَ السُّرَّاقِ * وَنَادَانَا أَحَدُهُمْ بِصَوْتٍ قَدْ نَعَقَ * ذِي دَوِيٍّ قَدْ صَعَقَ * فَخُلِعَتْ عَنْ نَوَاحِيهَا قُلُوبُنَا * وارْتَعَدَتْ رَهْبَةً فَرَائِصُنَا * وَسَلَّمْنَاهُ عَلَى عَجَلٍ وَثَائِقَنَا * فَحَمْلَقَ فِيهَا وَفِينَا * وَبَعْدَ طُولِ انْتِظَارٍ رَدَّهَا عَلَيْنا * وَ أَمْسَكَ بِتَلاَبِيبِ غَيْرِنَا * بَعْدَ أَنْ أَمَرَنَا بِٱسْتِكْمَالِ مَسِيرِنَا * فَأَنْشَدْتُ :

    بِئْسَ هَذِهِ الأَقْدَارْ ** * يَا صَدِيقِي عَمَّــــــــارْ
    هَذَا كَيَوْمِ الفُجَارْ*** شُبَّتْ لأَجْلِهِ النَّـــــــــــارْ


    وَ ٱسْتَرْدَدْنَا أَنْفَاسَنَا * وَحَمَدْنَا اللَهَ عَلَى سَلَامَتِنَا * وَأَزْمَعْنَا التَّوَجُّهَ شَطْرَ أَحَدِ الفَنَادِقِ * وَوَجَدْنَا أَنْفُسَنَا أَمَامَهُ بَعْدَ بِضْعٍ مِنَ الدَّقَائِقِ * وَطَفِقَ كُلٌّ مِنَّا يُحَمْلِقُ قَارِئًا " نُزْلُ الكَرَوَانُ " * فَقُلْنَا هُنَا مُتْعَتُنَا وَ الأَمَانُ * فِيهِ تَرْتَاحُ السِّيقَانُ * وَ تَزُولُ الأَشْجَانُ * وَتَحُلُّ البَهْجَةُ وَ يَتَحَقَّقُ السُّلْوَانُ * ودَلِفْنَا نَطْلُبُ رَوْحَ النُّفُوسِ وَرَاحَةَ الأَبْدَانِ * إِلَى النُّزْلِ فَخْمِ البُنْيَانِ * مُتَصَنِّعِينَ الأَنَاقَةَ * لاَعنِينَ الفَاقَةَ * شَاتِمِينَ الشُّرْطَةَ وَ صَلَفَها * مُتَبَرِّمِينَ مِنَ الهَاجِرَةِ وَحَرِّهَا * مَشْدُوهِينَ مُنْبَهِرِينَ صَامِتِينَ * وَارْتَبَكَتْ خَطْوَاتُنَا* وَأَحْسَسْنَا أَنَّ الجَمِيعَ يَرْقُبُنَا * وَيَسْخَرُ مِنْ كَثْرَةِ الْتِفَاتَاتِنَا * وَوَقَعَتْ عَيْنَايَ عَلَى طَاوِلَةٍ حِذَاءَ مَاءٍ رَقْرَاقٍ * فَحَضَرَنِي مَا قَرَأْتُ عَنْ سَامُرَّاءَ العِرَاقِ * فَالمَكَانُ أَخضَرُ مُزْهِرٌ نَدِيٌّ * وَكِدْتُ أَنْطِقُ شِعْرًا لَوْ لَمْ يَكُنْ بِلِسَانِي عِيٌّ * فَرَدَّدْتُ فِي سِرِّي * مَا قَالَهُ أَبُو فِرَاسٍ الحَمْدَانِي:

    وَالمَـاءُ يَفْصِلُ بَيْنَ رَوْضِ الـــــــزَّهْرِ فِي الشَّطَّيْنِ فَصْلاَ
    كَبِسَاطِ وَشْــــــــيٍ جَرَّدَتْ *** أَيْدِي القُيُونِ عَليْهِ نَصْلاَ


    وَ بَقِيتُ أُمَتِّعُ طَرْفِي مَسْتَذْكِرًا أَحْلَى الكَلاَمِ * وَتَدَافَعَتْ إِلَيَّ أَبْهَى الآمَالِ وَ الأَحْلاَمِ * وَ أَشَرْتُ إِلَى أَحَدِنَا بِالجُلُوسِ * وَ إِلَى الثَّانِي بِتَرْكِ التَّجَهُّمِ وَالعُبُوسِ * أَمّا عَمّارٌ فَشَارِدٌ هيْمَانُ *وَ خَامِسُنَا واجِمٌ حَيْرَانُ *وَتَسَمَّرَتْ أَنْظَارُنَا مُمْعِنَةً فِي المَسْبَحِ وَمَائِهِ الفِضّيِّ * وَ شَكْلِهِ اللَّوْلَبِيِّ * وَ قَدْ امْتَلَأَ سَبَّاحِينَ وَ سَبّاحَاتٍ * أَعَاجِمَ وَأَعْجَمِيَّاتٍ * حَتَّى أَقْبَلَ عَلَيْنَا شَابٌّ أَنِيقٌ مُحْتَلِقٌ * يَعْلُو رَاحَتَهُ طَبَقٌ * مَيْدَعَتُهُ حَمْراءُ * وَرَبْطَةٌ فِي عُنُقِهِ سَوْدَاءُ * وَسارَعَ بِالسُّؤَالِ عَمّا نشْرَبُ * وسَاءَهُ صَمْتُنَا عَمَّا نَرْغَبُ * وَلَكِنَّهُ أَعَادَ السُّؤَالَ بِأَدَبٍ * مَتَحَيِّرًا مِنْ وُجُومٍ بِلاَ سَبَبٍ * فَشَجُعَ أَحَدُنَا وَ طَلَبَ شَايًا * مُشَيحًا بِوَجْهِهِ تَحْسَبُهُ بَايًا * وَإِذْ بِالشّابِّ يَضْحَكُ سَاخِرًا * وَرَأَيْتُ فَمَ صَاحِبِي فَاغِرًا * وَعَلَتْهُ دَهْشَةٌ * و أَصَابَتْنَا وَإِيَّاهُ وَجْمَةٌ * فَأَخْبَرَنَا النّادِلُ بِعَدَمِ وُجُودِ المَشْرُوبَاتِ البَخْسَةِ * فَلَيْسَ النّزْلُ كالمَقَاهِي الشَّعْبِيَّةِ * وَ أَطْلَعَنَا عَلَى قَائِمَةٍ طَوِيلَةٍ * كُحُولٍ بِأَسْمَاءٍ عَجِيبَةٍ * وَ صُنُوفٍ مِنَ القَهْوَةِ غَريبَةٍ * و أَنْوَاعٍ مِنَ مشْرُوبَاتِ غَازِيّةِ * فَقُلْتُ وَقَدْ اعْتَدَلْتُ " كَابُوسَانْ " * وَرَدَّدَهَا البَاقُونَ كَأَنَّهُمْ اشْتَرَكُوا مَعِي فِي اللِسَان * وَلَمّا انْصَرَفَ سَادَ الوُجُومُ و خَرَسَتِ الحَنَاجِرُ * وَطَالَ الانْتِظَارُ فَضجَّتِ الأنْفُسُ * وَلَمّا لَمَحْنَاهُ مُقْبِلاً وعَلَى طَبَقِهِ المَشْرُوبُ * تَبَسَّمَتْ لِمَرْآهُ الضّمَائِرُ وَ القُلُوبُ * وَعَزَّ عَلَيْنَا واللهِ الوُثُوبُ * فَالكابُوسانْ هِيَ الأَمَلَ الوَحِيدُ المَرْقُوبُ * و أَحْدَثْنَا مِنْ سُرُورِنَا جَلَبَةً * فَبَعَثْنَا فِي نَفْسِ الشَّابِّ رَيْبَةً وحَيْرَةً * وَسَرِيعًا مَا طَلَبَ الثّمَنَ وَوَجْهُهُ قَدِ ٱرْبَدَّ * فقَالَ عَمّارُ وَبِنَفْسِهِ قَدِ ٱعْتَدَّ * أَمْهِلْنَا حَتَّى نَحْتَسِيهَا فَمَا أمْهَلنَا * وَأَلْحَحْنَا عَلَيْهِ فَمَا أَصْغَى إِلَيْنَا * وَكَانَ الثّمَنُ بَاهِضًا فَجَزِعْنَا * وَكِدْنَا نُجْهِشُ بِالبُكَاءِ * لِمَا أَصَابَ جُيُوبَنَا مِنَ البَأْسَاءِ * ثُمَّ دَفَعْنَا مَا كَانَ مَعَنَا حَتّى آخِرَهُ * طَرِيفَهُ وَمُتْلَدَهُ * وَغَادَرْنَا النُّزلَ الصّمْتُ يَلُفُّنَا * والذُّهُولُ يَطَوِّقُنَا * وَلَمَّا إلَى شَوَارِعِنَا جُزْنَا * وإِلَى مَواضِعَ أَلِيفَةٍ صِرْنَا * تَفَجَّرَتْ قَهْقَهَاتُنَا * وَتَعَالَتْ بِالضَّحِكِ أَصْوَاتُنَا * وٱنْقَلَبَ حَالُنَا سُرُورًا * وعَادَ َتَجَهّمُنَا حُبُورًا فَأَنْشَدْتُ :

    لله دَرُّ عَمَّار الجَزّارْ *** غَضِبَ غَضْبَة مِغْوَارْ
    جَادَ بَعدَهَا بِمَا لَدَيْهِ *** لخَيْرِ صَحْبٍ وَ جِوارْ
    آخر تعديل: ‏28 نوفمبر 2017