1. المنصف الحامدي

    المنصف الحامدي عضو

    142
    89
    28
    الدّولة:
    تونس
    الولاية:
    صفاقس
    المستوى الدّراسي:
    جامعي
    الاختصاص:
    عربية
    المهنة:
    أستاذ تعليم ثانوي

    كل منا ملتزم - إدوارد الخراط .

    الموضوع في 'الشّعر الحديث' بواسطة المنصف الحامدي, بتاريخ ‏22 نوفمبر 2017.

    كل منا ملتزم

    إدوارد الخراط

    (ناقد وأديب من مصر)

    لعله كان قد أُشِيعَ في وقت من الأوقات، ولعله مازال يُشاع حتى الآن، أنني كاتب (ذاتي) (أياً كان معنى ذلك..!) وأنني معني بدواخل النفس، وربما (رغباتها المقموعة) كما قيل، وأنني سيريالي النزعة (مع قصور وخطل واضحين في فهم السيريالية، عند من يشيعون تلك الأقوال إذ يتصورونها خيالات وشطحات فانتازية فقط، (ولا يعرفون أنها أساساً ثورة اجتماعية في عقيدة وممارسة أصحابها) ومن ثم فإنني (غير ملتزم).

    وهو كله غير صحيح، وربما كان مبنياً لا على سوء فهم فقط، أو سوء قراءة، بل على سوء نية أيضاً. والحال أن قراءة، حتى لو كانت سريعة غير متأنية، مادامت منزهة عن الغرض، لأعمالي القصصية منذ (حيطان عالية) حتى (تباريح الوقائع والجنون) ولكتاباتي النقدية، بل الشعرية أيضاً تنبئ بوضوح عن التزام حقيقي.

    لست أعفي نفسي، ولا يمكن أن أعفيها (ولا أعفي أحداً) من تبعات الالتزام، ليس هناك بالقطع أية فسحة من نفض عبء التزام ما. كل منا ملتزم، على أن الالتزام فكرة خاض فيها الكثيرون، ولا أظن أحداً وصل إلى الشاطئ، ولعل المفهوم قد تقادم به الزمن، لكنه، في جوهره، لا يبلى قط، نعم إنني ملتزم، وأظنني قلت في أكثر من موضع إن التزامي ليس بأيديولوجية محددة، ولا بنظام فكري محدد، ولا بفلسفة محددة، حتى هذا، إذا صح، فهو التزام محدد بمعنى من المعاني.

    لست مشتغلاً بالسياسة ولا بالفلسفة، ولا بالمسائل الاجتماعية قصراً، ومع ذلك فلا يمكن أن أزعم أنني لست مشغولاً بل مهموماً بها جميعاً.

    هذه الحيرة المستمرة بين هذه الأمور كلها، التي أشغل (بضم الألف) بها، ولا أشتغل (بفتح الألف) بها، ليست، بطبيعة الحال، الفوضى، ولا الضياع، ولا التنصل من التبعة، بل هي، على العكس تماماً، محاولة لا يخف عبؤها بأقصى قدر ممكن من الالتزام والحس بالمسؤولية.

    ما أريد أن أقول هو أن في كل نظام، وفي كل فلسفة، وفي كل منهج، شفرة وفجوة وشرخاً، لا يغيب عني، ويؤرقني، ليس هناك إذن، بطبيعة الأمور، كمال مطلق ولست أستطيع أن آوي إلى كون مغلق على ذاته وكامل الاستدارة، لأن هناك، في كل سماء شرخاً تطل منه نجوم مؤرقة لم أعرف أبداً لا سلام الإيمان المطلق، ولا سلامته، في كل تفاحة دودتها فلم أعرف متعة القضم منها بعين مغمضة.

    وليس هذا الموقف أو (اللا-موقف) عبثياً، أو عدمياً، أونكوصاً، هو، في إحساسي، الالتزام الذاهب إلى أقصى ما يستطيع بمسؤولية ما يمكن أن نسميه رفض الخداع، وقبول النقص في الإنسان وفي المفهومات، مع نشدان المطلق، وانفتاح العين على قصور الكون، وخلل أي نسق فكري مسبق مفروض، مع التسليم بالمجد الإنساني الذي هو، في الوقت نفسه الضعف الإنساني.

    حتى المسيح وهو على الصليب يصرخ: (إلهي، لماذا تركتني) وحتى ماركس قال إنه ليس ماركسياً، بما يعني أن الالتزام المغلق أو الانتماء المغلق ليس إلا أداة في يد البيروقراطيين المحترفين، وحدهم.

    أما الذي يعرف ما هو الصدق، فلعله، أيضاً لا يعرف المحدودية، أي إنه يعرفها، ولكنه في معرفته هذه يتجاوزها، ولعله يعرف، أيضاً لوعة التفتح على التناقضات بلا نهاية، في سياق نوع معقد من الانسجام الجياش المتفاعل.

    مع ذلك كله، فإن الالتزام هو أساساً التزام بالفن وليس التزاماً مفروضاً من عل لا من سلطة حزبية ولا من سلطة علوية، لا من سلطة (أخلاقية) اجتماعية ولا من سلطة عقيدة سياسية أو دينية أو غيرها، إذا اتخذت شكل (السلطة).

    الالتزام بقيم الفن ومتطلباته القاسية يعني بالضرورة التزاماً بقيمة الحرية، حرية الفنان وحرية الآخر، فما من حد على الحرية إلا الحرية نفسها، وما من قيد على حرية (الذات) إلا حرية (الآخر) في الحوار، لا (حرية) روع أو ردع أو قمع.

    ومعنى ذلك أن الالتزام الأمين في الأدب هو بالضرورة التزام بقيم العقلانية والديمقراطية والحرية. هذا التناغم الفذ بين الالتزام والحرية هو في تصوري لب الفن الحق.

    ولعل روبين أوستل، أستاذ الأدب العربي في كلية القديس يوحنا، أكسفورد، قد أدرك ببصيرة، موقفي من مفهوم الالتزام عندما قال في كلمة احتفالية:

    "ذلك يفضي بي إلى الخصيصة العظيمة الأخرى في أعمالك، ولعلها جديرة بالاعتزار والتقدير فوق كل شيء، فعلى الرغم من الالتزام السياسي الواضح الذي وسم بميسمه حياتك وعملك، وهو التزام أجله وأشاركك فيه إلى حد ما، فإنك لم تقيد عملك الإبداعي بأية أيديولوجية معينة، ومع ذلك، وسواء أحببت ذلك أو رفضته، فأنت صوت جماعتك. إن جماعتك، بشكل حاسم، تشمل وتجمع، ولا تنحي ولا تفرق، إن عالم أدبك هو عالم المصريين القداس والإغريق والرومان والأقباط واليهود والمسلمين، هو في الحقيقة عالم كل من واتاه حسن الحظ بأن ضرب بجذوره في أرض مصر الخصيبة، هي الجماعة الوحيدة الممكنة في بلدك المباركة، هذا ماضيها وهذا مستقبلها، هذه هي رسالتك".

    قد لا أكون مستحقاً لذلك كله، ولكني أتصور أنه يشير إلى الاتجاه الصحيح.

    ولعل هذا هو اتجاه التغيير الذي طرأ في الفترة الأخيرة عند الحس الأدبي العام على مفهوم الالتزام، أما عندي فإن هذا المفهوم الذي أسلفت تصويره بقدر ما يسعني من إيجاز وأمانة، لم يتغير قط، منذ أن بدأ الوعي- عندي - بمسائل الفن والمجتمع معاً.

    وحتى في عز اشتغالي بالحركة الثورية في إسكندرية الأربعينيات كنت (ملتزماً) بما جاء في كتاب ليون تروتسكي (عن الأدب والفن):

    "في مجال الإبداع الفني يجب للخيال أن يتجنب كل قيد، لا يجب له تحت أية دعوى أن يبيح لنفسه الامتثال لأية قيود... إننا نؤكد عزمنا الحاسم على التمسك بمبدأ الحرية الكاملة للفن".

    وقد كنت دائماً على يقين من أن الحلم إنما "يعني لدى الفنان - وهو يعني بشكل عام - إرادة التحرر من واقع يتزايد استلاباً، إرادة تغيير الوطن إلى الأبد"، أي تغيير الذات والوطن معاً إلى الأجمل والأفضل والأعدل، في تناغم فذ - من جديد - بين الالتزام والحلم.

    كان ذلك - ومازال، وأرجو أن يظل دائماً - تصوري عن الحرية في الالتزام - أو الالتزام في الحرية، لأن حرية الفن عندي هي الشيء الذي يمكن أن يهدد بالفعل رسوخ قيم المجتمع التقليدي المحافظ، إذ إن الفن في الحرية يسدد بالضرورة نقداً راديكالياً جذرياً للنظم الاجتماعية القائمة التي تستشعر منه الخطر على استمرار سطوتها.

    مازال هذا التصور قائماً وصحيحاً عندي، مهما بدا من ترنح أو تخاذل الكثيرين أمام ضراوة التغيرات الكوكبية في سياق ما يطلق عليه (العولمة) وهو ما يعني هيمنة القطب الإمبريالي الأمريكي الواحد على مقدرات وثقافات الشعوب.

    وما زالت الحاجة قوية بل ربما أقوى من أي وقت مضى- في الفن وفي الحياة معاً- إلى أن يكون العمل على النمو الفردي للحياة الروحية مواكباً بل مقوماً من ضرورات العمل ضد سيطرة الأيديولوجيات أياً كانت وضد النظم السلطوية أياً كانت.

    ومازال تصوري قائماً على أن الأيروطيقية هي في الأساس ثورية على الصعيد الفردي وعلى الصعيد الاجتماعي معاً، وأن الفن في ذاتيته وأيروطيقيته يمكن بل ينبغي (دون إلزام علوي) أن يكون على نحو من الأنحاء ملتزماً، في حريته، بالمعركة الاجتماعية ضد البؤس والظلم الاجتماعي- بل ضد الجور الكوني نفسه- وإن حق الحلم- في الفن وفي الحياة - هو نفسه فريضة الالتزام.

    ومازلت أرى أن لكل إنسان الحق في نصيبه من الخبز ونصيبه من الشعر، وكذلك نصيبه من الحلم.

    وعلينا أن ننصت إلى "الصوت الملهم الدافئ المتفجر من الينابيع الحارة الأولية، ينابيع الحياة، صوت الفن... إلى الرمالات الهامة المنبعثة من مكامن النفس، من الأغوار البعيدة القريبة... التي تخفق بها الأجواء العميقة من القلب.. إن صوت الفن في المجتمع.. لا يمكن أن يكون إلا قوة إيجابية دافعة" أي قوة اجتماعية في الاتجاه الصحيح.

    ولكنني- مع ذلك - أتصور أن هذه الحماسة التي لعل فيها قدراً من البراءة أو البكارة- ولا أقول السذاجة أبداً- قد تعقدت الآن، وأن آليات عمل الفن في التغيير الاجتماعي، وهو لب مفهوم الالتزام - قد اتضح أنها أكثر تركيباً وتعقيداً مما كان متصوراً في الأربعينيات الزاهرة، ولا أقول البائدة.

    الآن يُخامرني شك كبير في أن عمل الروائي العربي الأصيل أو الشاعر، أو المبدع بصفة عامة (أياً كان تحديد معايير الأصالة والإبداع، إن كان لها معايير مسبقة) يستطيع أن يقوم بوظيفة، فعالة، مؤثرة على الآليات الاجتماعية، بشكل مباشر وملموس وعلى المدى القريب، وخاصة في المرحلة الواهنة التي مازالت فيها الأمية الأبجدية لا تقل في أحسن الفروض عن نسبة 50% وتكاد تصل عامة إلى 70%، وما زالت الأمية الثقافية، إن صح هذا التعبير، شائعة، وبشكل أخص بعد أن ارتفع مد وسائل الإعلام الجماهيرية وأصبحت فنون (بيع) المنتجات أو السلع الفنية التي تتخذ مظهر الفن، أبرع وأدق وأكثر سطوة. أتصور أن الرواية أو القصيدة المكتوبة والمطبوعة التي يمكن أن نعتبرها مما ينتمي إلى الفن الرفيع، أو إلى الكتابة الجيدة على الأقل، أصبحت على هامش حياتنا الاجتماعية، جداً.

    لكن هذا لا يعني أنه من المقبول أو حتى من الممكن أن ننفي من البداية وظيفة الشعر والأدب والرواية. بل يعني أن هذا التهميش (المقصود ربما) ليس هو "الهامشية" جوهر الفن ليس، بذاته، إنه هامشي، بل إنه في بؤرة الحياة الإنسانية فردية أو اجتماعية على السواء، صحيح أن ثمة إحساساً يزداد في العالم العربي خاصة في الفترة الأخيرة، بأن المثقف عامة، والكاتب والروائي والشاعر خاصة، معزول عن المجتمع، وأنه كم مهمل، وأنه ليست له فاعلية، وليست له سلطة، وليست له فرصة المشاركة في اتخاذ القرار الذي يهمه كما يهم مجتمعه.
    أعجب بهذه المشاركة سمر