1. المنصف الحامدي

    المنصف الحامدي عضو

    129
    78
    28
    الدّولة:
    تونس
    الولاية:
    صفاقس
    المستوى الدّراسي:
    جامعي
    الاختصاص:
    عربية
    المهنة:
    أستاذ تعليم ثانوي

    مقالات فكريّة و حضاريّة فلسفة المؤامرة: أيديولوجيا التبرير وعقيدة الضعفاء.

    الموضوع في 'فضاء الفكر' بواسطة المنصف الحامدي, بتاريخ ‏13 نوفمبر 2017 في 13:59.

    فلسفة المؤامرة: أيديولوجيا التبرير وعقيدة الضعفاء.
    محمد السويلمي

    منذ الفتنة الكبرى ونحن نلعن المؤامرة والمتآمرين، برّأنا السلف من كلّ الأوزار وجعلناهم نماذج فوق الخطأ والخطيئة، ووضعناها على عاتق يهوديّ قدم من اليمن اسمه عبد الله ابن سبأ أحدث الفتنة وبعثر المسلمين من المدينة إلى مصر إلى دمشق إلى البصرة، وتلاعب بالصحابة الأخيار وبثّ الأقاويل فتلطّخ العصر الذهبيّ بالدماء الأرجوانيّة وتناسلت حروب دمويّة من واقعة الجمّل إلى النهروان إلى صفّين، وتساقطت رؤوس الخلفاء الصحابة في اغتيالات دراميّة، وعشرات آلاف المسلمين تُطيح بهم نزوات المذهب والسلطان والقبيلة والغنائم. كلّ هذا بسبب مؤامرة يهوديّ قدم من اليمن؟؟؟ لا أحد تساءل عن فتنة السلطة والمال والقبيلة؟ لا أحد تساءل أين ذهبت تعاليم القرآن وسيرة الرسول، وعبقُ النبوّة لا يزال عالقا بالقلوب والعقول والأجساد؟ لا حلّ أمام أيديولوجيا الأرثودكسيّة الإسلاميّة غير فكرة "المؤامرة" للتبرير والتهرّب من المسؤوليّة والتملّص من الاعتراف بالخطأ. فلسفة "المؤامرة" هذه سكنت عقولنا واستوطنت خطاباتنا وأعمت بصائرنا عن الحقائق الموضوعيّة والتحليل العقلانيّ وتحوّلت إلى نوع من الرهاب(الفوبيا) تبرّر به الأنظمة قمعها لكلّ صوت مناوئ، وتشغّل وسائل الإعلام عقول الجماهير بفكرة المؤامرة على كلّ ألوانها؟ الانقلابات العسكريّة دائما مؤامرات، والأزمات السياسيّة دوما مؤامرات، حتّى الكوارث الطبيعيّة دوما مؤامرات، حتّى حماقاتنا ومعاصينا ورذائلنا مؤامرات شيطانيّة.
    من أيّامنا الخوالي إلى أيّامنا الراهنات نلعن مؤامرات الأعداء الذين يتربّصون بنا، فالحداثة التقنيّة والفكريّة مؤامرة في عيون الشيوخ الفقهاء، وحقوق الإنسان وحريّة الفكر والمواطنة مؤامرة في عيون الملوك والأمراء والرؤساء الذين صدئت مؤخّراتهم في الكراسيّ الفاخرة، وحروبنا وأزماتنا السياسيّة والعرقيّة والطائفيّة مؤامرة صنعها العدوّ الغربيّ ونفّذتها طوابير الداخل. ألسنا نحن الذين صنعنا هذا الواقع البائس بعقولنا المتحجّرة ومعتقداتنا البالية وأنظمتنا الديناصوريّة؟ في اليمن كما في سوريا كما في العراق كما في ليبيا كما في فلسطين تسيل دماؤنا وتنكشف عوراتنا، ولكن هل كلّ هذا مؤامرة؟ ألسنا نحن بالتواطؤ والجهل وسحر الغنائم والأحقاد منْ صَنَع ذلك؟ يكفي أن نتساءل عن عقيدة القتل والدم من أين جاءت؟ من الذين صنعوا العنف الدينيّ المسلّح؟ من غسل العقول ودرّب وموّل وسلّح ونظّر؟ الفتاوى والفضائيّات والأموال والمؤتمرات هي التي نسجت هذه المأساة الجماعيّة. الأنظمة بعسكرها الطاهرين وعائلاتها الحاكمة الميامين وسماسرة الفكر هي التي أشعلت هذه الحرائق وأحيت الأحقاد القديمة. أستغرب كيف لا تصيب المؤامرات الصينيّين أواليابانيّين أوالبرازيليين أوالهنود وغيرهم وتصيبنا نحن فقط؟. نعم توجد مؤامرات، ولكنّ ضعفنا وتخلّفنا وعمالتنا هي التي تقلبها واقعا معيشا. فلنبدأ بأنفسنا: القوّة ليست في المؤامرات بل في خورنا وضعفنا. لقد صارت فلسفة المؤامرة سلعة أيديولوجيّة قديمة فابحثوا لنا عن بضائع جديدة تبرّر وتشرّع.
    أعجب بهذه المشاركة salma