?

ما رأيك في هذا الشّرح؟

  1. واضح

    2 صوت
    100.0%
  2. غير واضح

    0 صوت
    0.0%
  1. جلال البحري

    جلال البحري نجم المنتدى

    1,462
    548
    113
    الدّولة:
    تونس
    الولاية:
    بنزرت
    المستوى الدّراسي:
    دراسات معمّقة
    الاختصاص:
    أدب عربي
    المهنة:
    أستاذ

    محور الحماسة شرح نصّ: خشعوا لصولتك

    الموضوع في 'شرح نصّ' بواسطة جلال البحري, بتاريخ ‏10 أكتوبر 2017.

    كثيرا ما يكون الشّعر وليد وقائع تتحوّل إلى صور مختلفة التشكّل حسب مقتضيات المقام، فلا يكون التاريخ مجرّد أحداث منجزة بل قوادح لتشكيل الصّور الفنيّة و أطرف ما فيه تجاور فنّين متقابلين في الأصل: " فنّ التّجميل " و " فنّ التّقبيح " أي المدح و الهجاء. و هذا ما تكشفه مقطوعة الحال الواردة في ديوان أبي تمّام في مدح أبي سعيد الثّغري التي تصوّر مظاهر بطولة القائد العربي و القيم التّي يحملها و التّشنيع بالقائد الرّومي و التّنكيل به.

    فما الوسائل الفنيّة التّي توسّلها الشّاعر في مدحه و في هجائه؟

    و ما المعاني الحماسيّة التّي سيّجت حركة القصيدة؟

    يُمكن تقسيم النصّ إلى ثلاثة مقاطع حسب معيار المضمون

    - ب 1 + ب 2: مكانة الممدوح

    - من ب 3 إلى ب 15: وصف القائد المنتصر من خلال تتبّع تفاصيل المعركة

    - البقيّة: وصف القائد المنهزم من خلال تتبّع نتائج المعركة

    المقطع الأوّل: مكانة الممدوح

    استهلّ الشّاعرُ قصيدته بأسلوب خبريّ تقريريّ وظّف فيه أداة التّحقيق ( قد ) مقترنة بفعل في صيغة الماضي دلالة على الإثبات و التّأكيد و التّقرير، فمدار القول يرتقي إلى مصاف الأعمال الجليلة التّي تستحقّ أن يُخلّدها النّصّ الشّعريّ. فكيف يُمكن للشّعر أن يتغاضى عن تلك الأخبار التّي لا يُوجد مُعادل لها، و كأنّها لُبّ الأخبار وزبدتها. و للإلحاح على هذه الفكرة نفهم معنى استعمال الشّاعر لفعل مزيد ( صرّح ) على وزن ( فعّل ) دلالة على المبالغة و التّكثير و توسّله الاستعارة المكنيّة في كلمتي " صرّحت " و " استبشرت "، فالأخبار تمرّدت على مفعوليّتها باعتبارها نتاج عمليّة القول فأصبحت الفاعل و المفعول به في الوقت نفسه، و الأمصار اكتسبت صفات الإنسان فاستبشرت بفتوحات الممدوح و كأنّها كانت تنتظر بفارغ الصّبر هذا القائد الفذّ الذّي سيُخلّصها من المفسدين.

    هذا الرّفع من شأن الممدوح ( فاعليّة الممدوح و ذيوع صيته ) يُفسّر سبب تقدّم المتمّمين ( عن محضها: مفعول به / بفتوحك: مفعول لأجله ) في صدر البيت الأوّل و عجزه على الفاعلين ( الأخبار / الأمصار ) و كأنّ الممدوح هو الوحيد المختصّ بالفاعليّة.

    و يظهر هذا المشغل أيضا في استعمال صيغتي الجمع ( الأخبار – الأمصار )

    الممدوح إذن نراه في مستوى اللّغة الشّعريّة يُنافسُ بقيّة الفواعل في المحلاّت الإعرابيّة، فهو يتقدّمها و يُزيحها عن مكانها، و هو أيضا يتمرّد على سُنن الضّمائر بواسطة تقنية الالتفات في الضّمائر فنراه في البداية يتقمّص ضمير المخاطب المفرد ( أنت ) ثمّ يتحوّل إلى ضمير الغائب ( أبو سعيد ) ليعود إلى ضمير المتكلّم المفرد. و كأنّه الحاضر الغائب، ففي حضوره عمل السّيف و في غيابه عمل القول.

    هذا الحضور المقترن بالسّيف أربك مخطّطات الأعداء و أطاح بأوهامهم ، فسقطت القلاع و حُصّنت الثّغور، و هو ما يجعل عمل السّيف فعلا استباقيّا يهدفُ إلى حماية الدّولة العربيّة الإسلاميّة. و قد استعمل الشّاعرُ حرف الشّرط ( لولا ) الذّي يدلّ على امتناع شيء لوجود غيره حتّى يُؤكّد أنّ حماية ثغور المسلمين قد تحقّقت بفضل جلد الممدوح و صبره و شدّته . هذا الفضلُ أبان عنه الشّاعرُ بصورة جماليّة طريفة ( وظّف ما هو يومي للتّعبير عن معنى حربي ) توسّل فيها الاستعارة، فالثّغرُ بفضل جلد أبي سعيد يظهرُ كالإنسان الذّي أصبح له صدار على صدره بعد أن كان عاريا. أي أنّ هناك تلازم بين شجاعة الممدوح و جلاده و بين شرف المسلمين و عزّتهم.

    و هكذا يُنزّلُ أبو تمّام معركة الثغري في إطار الحرب من أجل فكرة سامية: و هي في النصّ فكرة الشّرف ( شرف الأمّة ). و لقد عرّفت الحماسة بأنّها " حرب من أجل فكرة سامية "

    البيتان الأوّلان ردّ على المؤرّخين الذّين لم ينصفوا أبا سعيد الثّغري و الهدف من ذلك إعادة الاعتبار إلى هذا القائد العسكري الذّي بلغ أسوار القسطنطينيّة و أدرك خليج البوسفور، و كأنّ النصّ الشعريّ يُريد أن يسدّ تلك الثّغرات التّي حاول المؤرّخون ( التّاريخ الرّسمي ) طمسها. هو إذن كلام في المسكوت عنه، و كأنّ قدر الشّعر يكمن في إصراره على ارتياد تلك الأماكن القصيّة التّي تهابُ بقيّة الخطابات ارتيادها. و كأنّ الشّعر صوت من لا صوت له و لسان من لا لسان له.

    الشّعر هنا سيحمل لواء تلك الوظيفة الإخباريّة التّي ستستهدف المتلقّي المؤرّخ الذّي غفل عن تأريخ بطولات الثّغري أوّلا، و أبا سعيد الذّي سيُنصفه الشّعر ثانيا، و القارئ الضّمني ( المطلق) الذّي سيقدّم له نموذجا للبطولة ثالثا.

    غير أنّ جوهر النصّ الشّعري في تعارض دائم مع الصّبغة التّقريريّة الإخباريّة التّي تُوهم بالتّشاكل بين الواقعي و الأدبي، فرغم سلطة الواقعي ( المرجعي ) على النصّ فإنّ هذا الأخير يُحاول دائما التحرّر من إساره و التمرّد على منطقه ليحقّق الوظيفة الأدبيّة الإنشائيّة. فرغم انطلاق الشّعر الحماسي من وقائع التّاريخ فإنّه يُعيد تركيبها دائما في صور فنيّة تُعبّر عن انفعالات صاحبها و رؤيته الفكريّة و الفنيّة و الجماليّة.

    المقطع الثّاني: وصف القائد المنتصر من خلال تتبّع تفاصيل المعركة

    حضرت مقوّمات القصّ في هذا المقطع، من أحداث ( تواتر الأفعال ) و شخصيّات ( الثّغري + جيش المسلمين + جيش العدوّ ) و مكان ( قرى درولية + القسطنطينيّة ) و زمان ( القرن الثّالث للهجرة ) دلالة على البعد القصصي الذّي يجتاح هذا النصّ الشّعري، و في هذا إيهام بواقعيّة الحدث الشّعريّ و رغبة في تتبّع تفاصيله و كأنّ النصّ الحماسي يتحوّل إلى ضرب من الخبر المنظوم أو هو شعرنة للخبر المنثور ( شعرنة التّاريخ )، ممّا يعقد صلة بين الخبر خطابا نثريّا أدبيّا نما استجابة لرغبة شعبيّة في سماع القصص و بين الشّعر ذي النّفس الحماسيّ الذّي أكسب الوقائع المرويّة بعدا أسطوريّا غرائبيّا استجابة لأفق انتظار المتلقّي ( الميل إلى سماع العجيب و الغريب ) و أملا في إحداث تلك الوظيفة التأثيريّة الاستنهاضيّة ( لقد أدرك أبو تمّام رسالة جديدة للشّعر في ذلك المجتمع المعقّد و تفهّم له غاية سامية و نبيلة: فالشّعرُ لم يكن عنده مجرّد فنّ قد اكتملت عناصره و أتقنت أداته و إنّما هو وسيلة للتّحريض على اكتساب المعالي و الحثّ على تحقيق القيم الرفيعة و الدّفاع عن الدّولة و التّأليف بين أجزائها و الإشادة بأبطالها الذّين يخدمونها. فإنّه سراج يُوضّح سُبل المكارم على حدّ قوله:

    و لولا خلالٌ سَنّها الشّعرُ ما درى بغاة النّدى من أين تُؤتى المكارم )

    النصّ الشعريّ إذن يستهدف تثبيت المشهد الحربي و إعادة إحيائه عند كلّ عمليّة قراءة، و كأنّ الشّعر هنا يتمرّد على منطق الزّمن في بعده الكرونولوجي باُعتباره حركة دائمة إلى الأمام بقطع النّظر عن فعل الإنسان في التّاريخ.

    النصّ الحماسي يتطلّع إلى تخليد وهج الحدث قبل الحدث نفسه، و هنا يفترق عن الكتابة التاريخيّة فما يهمّه هو تأسيس ذلك الكون الشّعري الذّي تُقدّم فيه الوقائع حيّة نابضة بالحياة تُستنفر فيها جميع حواس المتلقّي.

    هذا الكون الشّعري ما كان له أن يُخلّد الواقعة التاريخيّة ما لم يتوسّل مجموعة من الدّوال الشّعريّة استطاعت أن ترتقي بالمرجع إلى مصاف الإبداع.

    1- الأفعال

    وظّف الشّاعرُ الأفعال ليسرد من خلالها وقائع المعركة ( البعد التوثيقي ) و ليبيّن خصال الممدوح. و يمكن تصنيف هذه الأفعال إلى أفعال مثبتة و أخرى منفيّة.

    - الأفعال المثبتة ( قُدت... أوقدت... فصلتَ ):

    يتّسم الممدوح بـ "القيادة " أي الرئاسة و التّدبير و الحِنكة و الحكمة و المبادرة و ما يستتبع ذلك من شجاعة و إقدام ( قاد الدّابة: مشى أمامها آخذا بمقودها ) و مغامرة و جرأة و ثقة بالنّفس.

    و هو يُوقد جيشه حماسة و يُلهب عدوّه نارا مُحرقة دلالة على شدّته و بطشه.

    و هو خبير بالخطط العسكريّة بارع في قراءة مُستجدّات الميدان قادر على مباغتة العدوّ و ترهيبه و ما مشهد حصار العدوّ من كلّ الجهات بعد أن قسّم الممدوح جيشه العرمرم ( إحالة إلى القوّة و الكثرة ) إلى فرق متعدّدة إلاّ دليل على ذلك.

    - الأفعال المنفيّة ( لم تقفل )

    حقّق الشّاعرُ عن طريق الشّرط علاقة تلازميّة بين شجاعة الخيل و بين اكتمال النّصر بفتح القسطنطينيّة و لمّا كان التّاريخ شاهدا على أنّ الفتح لم يتمّ استعمل الشّاعرُ الشّرط بـ " لو " الدّال على الامتناع

    و لئن انطلق الشّاعرُ من حدث موضوعيّ تاريخيّ فإنّه لوّنه بالذّاتي، ذلك أنّه يُبرّئ الممدوح من المسؤوليّة و يُنزّهه عن كلّ نقص مُحمّلا الخيل المسؤوليّة جاعلا الممدوح أقدر على الحرب منها و في ذلك مبالغة على مستوى التّعبير.

    إنّ تواتر هذه الأفعال المسندة إلى الممدوح تشي بفاعليّته و كأنّه هو الوحيد المختصّ بالفاعليّة

    كما أنّ حضور السّرد يُبرز الجانب الحركي الاندفاعي الحماسي في ساحة الوغى و يُذكي النّفس الملحمي في القصيدة.


    2- الصّور الشعريّة

    غلب التّمثيل على الصّور الشعريّة المؤسّسة لهذا المقطع، فالبيت الثّالث تقوم فيه الصورة الشعريّة على التّشبيه التّمثيلي، إذ شبّه الشّاعرُ صورة الجياد و هي تنطلق مسرعة إلى بلاد العدوّ بصورة الصّقور و هي عائدة مسرعة إلى أوكارها ( أرض العدوّ ) و الجامع بين الصّورتين السّرعة و خفّة الحركة و الحنين إلى الموطن و في هذا تلميح طريف إلى بعض دوافع هذه المعركة: الدّفاع عن أراضي بلاد المسلمين بترهيب العدوّ و الإغارة على أراضيه و لا شكّ أنّ الطّابع البدوي للصّورة و ما ولّده من حدّة و شدّة تبعث على الخوف محقّق لهذه الأهداف.

    و قد توسّل الشّاعر المبالغة في التّعبير و التصوير لتعظيم هذه الرّهبة و الخوف في صدور الأعداء إذ جعل من الغبار الذّي أحدثته الجياد بأرجلها إعصارا سبق جيوش المسلمين إلى العدوّ، و كأنّ مشاعر التحمّس قد انتقلت من الفرسان إلى الجياد ممّا جعلها تُسابق الرّيح لملاقاة العدوّ و الالتحام به.

    و وصف الخيل في الحرب من مواضيع الحماسة منذ الجاهليّة. و في هذا الشّأن يقول " حنّا الفاخوري " في الفخر و الحماسة: " دار الشّعر الحماسي في الجاهليّة حول وصف المعارك و وصف أعمال البطولة ثمّ وصف الخيول و الإبل و أدوات الحروب و ما إلى ذلك "

    إنّ هذا الحدث الحربي الذّي يبدأ من طريق السّير انتهى به الشّاعر إلى وصف ساحة الوغى، فقد وظّف كعادته المعجم النّاري ( أوقدت + نار + شرار... ) لينشئ من خلاله صورا جحيميّة تعمّق النّفس الحماسيّ و تبثّ الرّعب و الرّهبة في قلوب العدوّ و تُعلي من شأن الممدوح باُعتباره كائنا خارقا يستمدّ قوّته من تأييد الله، فهو ظلّه على هذه الأرض و هو منفّذ عقابه قبل عقاب الآخرة ( رمزيّة النّار: نار جهنّم )

    كما أنّ الحضور المكثّف لأسماء الإشارة ( هناك – هنا – ثَمَّ ) فيه رغبة أوّلا في وصف ساحة المعركة وصفا دقيقا و فيه ثانيا إشارة إلى قرب الواصف من الموصوف و سعيه إلى تقريب الصّورة من القارئ.

    أمّا وظيفة الوصف فهي الكشف عن سيطرة الممدوح على ساحة الوغى، فالمكان مُحاصر بالنّار و الجيش و في ذلك مبالغة في التّعبير و التّصوير ترتقي بالممدوح إلى مرتبة الإله، ذلك أنّه يقدّر الموت للأعداء كما يشاء فقدّر لبعضهم أن يموت محروقا بالنّار و قدّر لبعضهم الآخر أن يموت مفجوعا أو هالكا بالسّيف.

    و لمّا كان الثّغري " ربّ " المكان حقّ على العدوّ أن يخشع لهذه الصّولة و الهيبة.

    فكرة النّار تُبرز شراسة المعركة وشدّتها، و قد انتقل الشّاعر إلى ذكر نتائج الحرب للإشادة بقوّة الممدوح و التّرفيع من مكانته.

    أسّس الشّاعر البيت الخامس عشر على ثلاث جمل اسميّة فنزع البيت منزعا وصفيّا فصّل من خلاله الشّاعر حركة العدوّ في ساحة الوغى و هي حركة مهموسة سريّة سببها الخوف من انتقام الممدوح. أمّا غاية الوصف فهي تأكيد صولة الممدوح و خشوع الأعداء له في ساحة الوغى. و لمّا أراد الشّاعرُ التّأكيد على هذه الحركة المهموسة شحن البيت بالأصوات المهموسة كالسّين و الشّين و الباء. و هكذا يتعاضد الصّوت و الصّورة من أجل نقل ملامح القوّة و العظمة في الممدوح و ملامح الضّعف و الخوف في الأعداء. و هذه المعاني هي من أشهر مواضيع الحماسة.

    إنّ هذه المبالغة في التّعبير و التّصوير هي من أكبر الطّرائق الدّالة على الحضور المكثّف للنّفس الحماسي سواء أكانت وظيفة الوصف ترهيبيّة أم تعظيميّة.

    3- الإيقاع

    ترديد الحروف المفخّمة و منها حرف " الحاء " في البيت السّادس ( حُصِرت – أضحى – الحصار – حصار ) و هو حرف حلقي: إيقاع شديد يتناسب مع وقع أقدام الجيش على الأرض ممّا يجعل العدوّ مُحاصرا بالصّوت قبل أن يُحاصر بالفعل. و لا شكّ أنّ هذه المبالغة في التّعبير و التّصوير تؤكّد كثرة عدد جيوش الممدوح و تُعظّم الخوف و الرّعب في قلوب الأعداء.

    و التّهويل و التّركيز على التّعبئة في وصف الجيوش من أهمّ موضوعات الحماسة و خاصّة في شعر الحماسة العباسي عامّة. و في هذا الشّأن يقول " حنّا الفاخوري " في كتاب الفخر و الحماسة: " دار شعر الحماسة في العهد العباسي حول وصف تعبئة الجيوش و زحفها و وصف الأسلحة و الخيول و الأساطيل و النّصر و فرار العدوّ "



    المقطع الثّالث: وصف القائد المنهزم من خلال تتبّع نتائج المعركة

    إلاّ تنل منويل: اسم علم: مفعول به

    هذا الاسم يعمّق البعد الواقعي للقصيدة و يوهم بالتطابق بين الواقعي و الأدبي

    منويل التّاريخ قائد بيزنطي عظيم أعجز العرب في كثير من المعارك

    فهل سيلتزم النصّ الشعريّ بدلالات اسم العلم هذا كما ترسّخت في التّاريخ أم أنّه سيحوّل هذا الاسم إلى عبارة مشعرنة طافحة بالمعاني الثواني؟

    ذكر الشّاعر لاسم العدوّ دون ألقاب و السيوف تعبث به ( المفعوليّة ) هو شكل من أشكال التّحقير و يتأكّد هذا السّعي للحطّ من شأن العدوّ من خلال ما اتّصل به من أفعال و أحوال.

    الأفعال: الفرار ( يفرّ إلى المغارات )

    الأحوال: الجبن + تمنّي النجاة + الذلّ = العبرات و الدّموع

    تمنّى أنّ كلّ مدينة جبل و كلّ حصن غار: تصبح أمنية العدوّ الفوز بالحياة بعد أن دخل الحرب أملا في الفوز بها.

    عكست أمنيات العدوّ كما نقلها الشاعر حقارة الصّورة التّي آلت إليها حال منويل ( خوف + هروب + جبن )

    صورة قائمة على الاستعارة: استعار القِدر التّي تُفار للحرب للدّلالة على شدّة المواجهة و على عجز العدوّ على تحمّل وطأتها.

    وصف الأحوال التّي تصف حال منويل الذّي كان ضعيفا و مذلولا و كان بكاؤه غزيرا

    هناك نفس تهكّمي و تصوير ساخر ( السّخرية من العدوّ المهزوم )

    تستمع الهرير + ترى عجاج الموت: المسموع و المرئي يعكسان حالة عجز و ضعف

    فاُنظر بعين شجاعة: يتحوّل من قائد حربي و آمر إلى مأمور بالشّجاعة و الإقدام و هذا شكل آخر من أشكال التّحقير و التقزيم

    أمددتهم بسوابق العبرات – و ضربت أمثال الذليل: تبلغ درجة التحقير أقصاها بعد أن يُخرج الشّعر منويل و جيشه في صورة البواكي النائحات و في صورة المذلولين المقهورين أمام قدر المعتصم ( أمام قدر صنعه الممدوح بمشيئة إلهيّة )

    النصّ الشّعريّ قام بتفريغ ذاك الاسم ( منويل ) من محتواه كما شهدت به كتب التّاريخ و ألبسه معان أخرى حطّت من شأنه و رفعت من شأن الممدوح، كما أنّه حوّله إلى رمز شعريّ محمّل بقيم مناقضة لقيم الثغري

    يتحلّل " منويل " من دلالاته المرجعيّة الإحاليّة الأولى اسما لمسمّى ذي وجود تاريخيّ ليمتصّه الشّعر قناعا أو رمزا لمعان كثيرة حفّت به أو ارتبطت به، من قبيل الجبن و الضّعف و الذلّ و الاستكانة و المفعوليّة.

    " منويل " و قد استحال عبارة مشعرنة يكفّ عن كونه عبارة محايدة فيصبح مصيره مرتبطا بالنصّ و تأويله

    تنغلق القصيدة ببيت حكميّ يُلخّص كلّ ما ورد فيها و مضمونه الدعوة إلى التصبّر و الرّضى بالقضاء و القدر

    و هي نهاية تذكّر ببنية المرثيّة القديمة و غايتها تعميق السّخرية و الاستهزاء من العدوّ.

    كما تتساوق هذه النهاية الحكميّة مع تلك البداية التقليديّة التّي شكّل الطلل عمادها و كأنّ أمجاد العدوّ تحوّلت إلى آثار دارسة بعد أن رحلت قيم البطولة من أرض الرّوم و هو ما يجعل من أقسام القصيدة دالا شعريّا يسيّج حركة المعنى في النصّ.