1. المنصف الحامدي

    المنصف الحامدي عضو

    129
    78
    28
    الدّولة:
    تونس
    الولاية:
    صفاقس
    المستوى الدّراسي:
    جامعي
    الاختصاص:
    عربية
    المهنة:
    أستاذ تعليم ثانوي

    في سوق المواشى

    الموضوع في 'إبداعات نثريّة' بواسطة المنصف الحامدي, بتاريخ ‏28 أغسطس 2017.

    ما إن انتهى آذان الصبح حتّى أدّيت الركعتين خفيفتين ثم توجهت على عجل إلى حظيرة المواشي ورحت ألاحق مجموعة من الخرفان و أشد وثاقها بحبال واحدا واحدا و سرعان ما أقبلت شاحنة " الايسيزو" وانطلقت بها إلى السوق ممنيا النفس بأثمان محترمة لبضاعة زكيّة مخططا و أنا واقف وسطها ..هذا بكذا وذاك بكذا والإثنان بكذا والجملة بكذا واضعا الحدود لأثمانها صعودا وهبوطا ولمّا بلغنا السوق وقد بدأت الظلمة تتبدد وجدناها بمساحتها الشاسعة قد امتلأت بالأغنام و أصحابها على غير العادة في ذلك الوقت المبكر و لكن كان الأمر مفهوما فالمناسبة عيد والجميع يُهرع إلى السوق بائعا أو مشتريا ... ووقفت بخرافي ممسكا بحبالها بكل قوتي وهي لا تتوقف عن الحركة والثغاء وكانت ترفسني رفسا وتهد "حيلي" هدّا فهي منذ ولدت لم تربط بحبل ولم تعرف غير مكانها الذي ربيتها فيه ولا ابن آدم غيري ولم تدخل سوقا ولم تسمع جلبة .. ولم أزل أستجمع قوتي في مسك حبالها حتّى بزغت الشمس ولم تلبث أن صارت حارقة و إلى حينها لم يلتفت إلى خرافي أحد و لم يقترب مني أحد وأنا أكابد آلام أظلافها الحادة التي تخطت النعل إلى اللحم و أجهد في مسك الحبال حتى انفلت أحدها فتركت ما بيدي لصاحب الشاحنة ورحت أبحث عن خروفي الذي " ضاع في الزحام " وكدت أيأس حتى تبينت ثغاءه قريبا مني وسريعا ما وجدته وقد خُبّئ وسط قطيع يقف عنده شاب لم يتجاوز العشرين ولما دنوت لأخذ الخروف حلف و أغلظ ثم صاح وزمجر وهدد وتوعد حتى بلغ مني الغضب كل مبلغ فلكمته لكمة وثنّيت عليه بلطمة وأخذت خروفي عنوة وعدت إلى مكاني أنتظر المشترين وأملأ صدري بدخان سجائري .. خرفان ك"الفزدق" كما يقول تجار الأغنام لا يكترث لوجودها أحد ... هذا زمن مُعْوَجّ... و أخيرا تقدم رجل يسومني إياها متأففا مدّعيا هزالها داعيا إيّاي إلى النظر من حولي ... رأيت خرفانا كالثيران سمنا وارتفاعا لوقفتها أبهة و رونق و فخامة ولكنها من ذلك النوع المهرب لا أصل لها ولا فصل ولا طعم ولها رائحة ولكنها كريهة فهي لا تبلغ ذلك الوزن المهول إلا بأعلاف مغشوشة .. اجتهدت في مناقشة الرجل ومن معه حانقا مثنيا على خرفاني وسمنها الطبيعي و على أعلافها الطبيعية ولكنه لم يكترث وجاء ثان وثالث ورابع والجميع يبخسون قدر بضاعتي "الفزدقية" حتى لم أعد أطيق على مساوماتهم صبرا ولعنت "ثورة البرويطة" وتهافت الناس على المضروب من كل شيء : السلع والأحزاب و اللصوص الملاعين الذين يحكموننا الذين دمرونا بإتلاف ثرواتنا و المساعدة على استجلاب بضاعة للأفاقين و السماسرة و خونة البلاد وطفق البعض يسكتني والبعض الآخر يردد ضاحكا " راك أستاذ " و كنت أجر الخراف إلى "الايسيزو" جرّا و أرمي بها غير مترفق ثم تركتها في عهدة صاحب الشاحنة و غادرت السوق بلا رجعة ...

    السوق.jpg
    آخر تعديل: ‏29 أغسطس 2017
  2. المنصف الحامدي

    المنصف الحامدي عضو

    129
    78
    28
    الدّولة:
    تونس
    الولاية:
    صفاقس
    المستوى الدّراسي:
    جامعي
    الاختصاص:
    عربية
    المهنة:
    أستاذ تعليم ثانوي
    ملاحظة
    استعملت عبارة " فزدق " كما ينطقها الناس بالعامية التونسية والتسمية الحقيقية لتلك الثمرة بالعربية " فستق"