1. الوفاء الدّائم

    الوفاء الدّائم عضو مهمّ

    683
    106
    43
    الدّولة:
    تونس
    الولاية:
    بنزرت
    المستوى الدّراسي:
    خيار آخر
    الاختصاص:
    -
    المهنة:
    -

    مقالات حول رواية: الزيني بركات

    الموضوع في 'بحوث و دراسات' بواسطة الوفاء الدّائم, بتاريخ ‏25 مارس 2017.

    «الزيني بركات» لجمال الغيطاني: من الماضي إلى الحاضر
    ابراهيم العريس
    حين صدرت في العام 1969 للمرة الأولى، قصة جمال الغيطاني الطويلة، «أوراق شاب عاش منذ ألف عام»، بدا على الفور أن كاتباً كبيراً جديداً قد ولد في مصر. بل أكثر من هذا، بدا أن روحاً جديدة قد انبعثت في الرواية المصرية. ومع هذا، كان من الضروري انتظار ست سنوات أخرى، أي حتى العام 1975، قبل أن يؤكد الغيطاني حضوره الكبير في فن الرواية التاريخية. وكان ذلك مع صدور «الزيني بركات». في ذلك الوقت، كان صاحب «الزويل» و «ذكر ما جرى» و «حكايات الغريب» وغيرها من نصوص صدرت تباعاً بعد «أوراق شاب...»، قد أضحى في الثلاثين من عمره، هو الذي لن يتوقف منذ ذلك الحين وحتى رحيله قبل فترة، عن رفد المكتبة العربية بروايات وقصص مدهشة غالباً ما تتسم بغرابة لافتة، ناهيك بأنه يمكن اعتبارها واقفة على هامش الإبداع متراوحة بين نصوص تاريخية ومنمنمات لغوية وتأملات صوفية وما شابه ذلك، ومعظمها يغوص في التاريخ مشتغلاً على لغة بدت دائماً أقرب الى اللغة التراثية واصلاً فيها أحيانا الى حافة التنميق اللغوي المستعصي على الفهم. ومع هذا كان الغيطاني في سنوات الستين، قد عمل مراسلاً حربياً لمؤسسة «أخبار اليوم» التي سيصدر لاحقاً ضمن إطار إنتاجاتها، مجلة «أخبار الأدب» التي كانت ذات شأن كبير في الثقافة العربية منذ تأسيسه لها في العام 1993.





    > مع هذا كله، تبقى «الزيني بركات» الأشهر والأكثر اكتمالاً بين أعمال الغيطاني. بل إنها تعتبر من جانب العديد من قرائها، الرواية التاريخية العربية بامتياز، ولكن ليس بالمعنى الحدثي أو الكرونولوجي أو الماضويّ للكلمة، بل بالمعنى الأدبي الصارم الذي يجعل من أي عمل روائي تاريخي حقيقي، صورة أيضاً للزمن الذي يعيش فيه المؤلف ويكتب، في تلك اللعبة الجدلية التي أبدع جورج لوكاتش في الحديث عنها محللاً أن الرواية التاريخية الحقيقية هي تلك التي تتأرجح بين ذكر ما حصل، والإشارات الواضحة أحياناً، المضمرة في أحيان أخرى، الى ما يجرى هنا والآن. والحقيقة أنه إذا كان هذا البعد ينطبق على «الزيني بركات» فإنه يكاد ينطبق كذلك، وبالقوة نفسها على معظم إبداعات جمال الغيطاني.





    > وما هذا إلا لأن الغيطاني كان، إضافة الى كونه صاحب مشروع أدبي متكامل، صاحب تفكير وموقف سياسيين واضحين لا يحملان أي التباس. فهو، الذي ولد في حي الجمالية الشعبي القاهري، غير بعيد من مكان ولادة «أستاذه» وصديقه نجيب محفوظ، حمل منذ البداية همّ مصر وتاريخها وناضل في سبيلها كابن لثورة 1952 - مقارنة بمحفوظ الذي كان ابن ثورة 1919 -، حتى وإن كانت سلطات الثورة اعتقلته بين 1966 و1967 لأسباب سياسية. في السجن لم يتوقف الغيطاني عن الكتابة وعن التفكير في مصير بلده، ولكن أيضاً في الكيفية التي يمكن بها لكاتب شاب أن يعيد اختراع الرواية المصرية بعد تجديدات نجيب محفوظ التي كانت قد أضحت سداً في وجه أي تجديد. مهما يكن، فإن الغيطاني سيطلع من تجربة السجن، بالعديد من المواضيع وكذلك بالتفاتة عميقة الى مصر وكل ما يتعلق بتاريخها. ومن هنا تراكمت لديه المشاريع الكتابية التي ظل يشتغل عليها طوال حياته، مصدراً عدداً لا يحصى من القصص والروايات والنصوص. ونعرف أن بعضاً من إنتاجه ترجم الى لغات عديدة بينها الفرنسية، ولا سيما «الزيني بركات» التي لاقت حظوة كبيرة في الحياة الأدبية الفرنسية حيث اعتبرت من أنجح الروايات التاريخية العربية. وهي استقبلت هناك، ليس فقط كعمل أدبي، بل كظاهرة استثنائية في الأدب العربي انطلاقاً من ربطها المدهش بين الماضي والحاضر، وبالتالي تمكنها من تقديم صورة معاصرة لمصر لم تكن معهودة بما فيه الكفاية.





    > إذاً، فإن أول ما يلاحظه القارئ في «الزيني بركات» هو أن زمنها الحقيقي ليس الزمن نفسه الذي تدور فيه، ولا هي الظروف التاريخية نفسها. ولئن كان هناك كثير من التشابه بين ما يؤثر عن سيرة الظاهر بيبرس، وبين موضوع «الزيني بركات»، فإنه يتعين النظر اليها، على رغم «تاريخيتها»، كرواية معاصرة، تتحدث عن أزماننا كما عن صراعات أجهزة المخابرات في هذه الأزمان. وهي إذا كانت تحيل، في موضوعها هذا إلى أزمان ماضية (بداية القرن السادس عشر) وتستعير من زمن بيبرس بعض ملامحه، فما هذا إلا لأنها أرادت أن تقول أموراً خطيرة عن الزمن الذي يعيش فيه كاتبها. ومن هنا فإن النقد الذي يفرد مكانة مهمة لـ «الزيني بركات» يعرّف قراءها بها، بكونها تدور، أحداثاً، بين العام 912 والعام 923 هـ (1507 - 1507م)، في مصر «التي كانت تعيش في ذلك الحين آخر زمان السيطرة المملوكية». ذلك أن العثمانيين تمكنوا في العام 1517 من السيطرة على القاهرة ولفترة طويلة من الزمن. إذاً، فإن عالم «الزيني بركات» هو عالم دولة المماليك، كما هي حال عالم الظاهر بيبرس. أما محور رواية جمال الغيطاني فإنه يبدأ مع سقوط المدعو علي بن أبي الغول، الداعية للنظام الحاكم، والذي كانت عمامته الضخمة تشي دائماً بمكانته. أما سقوط هذا الطاغية الذي جعل جهاز المخابرات حاكماً رئيسياً في البلاد، وأثرى على ظهر الفقراء، فقد أعلن من قبل المنادين الذين راحوا يتوجهون بالحديث إلى «أهل مصر الطيبين» قائلين لهم أن الطاغية انتهى... فما كان من أهل مصر إلا أن عبّروا عن فرحهم بقوة.





    ولكن بعد ذلك، كان السؤال المقلق: من سيحل محله في وظيفته المخابراتية التي تماثل وزارة الداخلية؟





    > لن يكون البديل قاضياً أو سيداً كبيراً، بل ستسند المهمة إلى المدعو بركات بن موسى الذي لقب، للمناسبة، بالزيني «وكلف من قبل السلطات العليا بالرقابة على الناس ومكارم الأخلاق، وكذلك بالسن على العدالة وحسن التجارة». سعيد، وهو شخصية أساسية في الرواية وطالب مستقيم، يأمل من الزيني بركات خيراً، وخصوصاً أن أول ما فعله هذا الأخير كان حقاً لمصلحة الفقراء والبائسين، فهو عاقب مغتصباً، وهاجم الأمراء الذين يحتكرون تجارة الملح والخيار، ما إن وصل إلى السلطة. غير أن زكريا، مساعد علي ابن الغول، ورئيس البوليس السري الذي بقي في منصبه بعد سقوط سيده، لا يكف عن إبداء قلقه، ذلك أن الزيني بركات يمثل خطراً عليه وعلى شبكته المؤلفة من ألوف المخبرين والجواسيس. ورغم هذا كان على زكريا أن يطمئن بسرعة. فالزيني بركات أبقاه في منصبه... بل حبّب الشعب به! لماذا؟ لأن بركات استند في عمله إلى وسائل لم يسبقه إليها أحد: جعل لنفسه شبكة خاصة به من المنادين الداعين إلى أهمية السيطرة على الإعلام. وهو لم يتردد، حين تدعو الحاجة، عن جمع الشعب في لقاء في المسجد، وعن ترتيب أعمال سوء يحدث أن يصل هو أو زكريا لمنع حدوثها في اللحظة المناسبة... وسط تصفيق الشعب وتهليله. وفي الوقت نفسه، ها هو الزيني بركات يخترع أعمال التعذيب تمارس في سجون نموذجية. كما كان هو من ابتكر بطاقات الهوية وتجميع البطاقات والاستمارات المليئة بالمعلومات عن الناس جميعاً. ثم، ها هو ذات لحظة، ينظم مؤتمراً عالمياً لقادة أجهزة الشرطة والمخابرات، يتم خلاله تبادل المعلومات المفيدة للجميع!





    > من الواضح، أن هذه الرواية في الوقت نفسه الذي ترسم فيه صورة أخاذة وطريفة للقاهرة آخر أزمان المماليك (عبر رصد يقوم به رحالة من البندقية يزور مصر في ذلك الزمن ويدوّن ملاحظاته في دفاتره)، إنما تشير بالأصابع اليمنى إلى الأنظمة الحاكمة في زمننا الراهن. ذلك أن الزيني بركات، ووفق الغيطاني هو رجل «كان يمكنه أن يولد في زمن لاحق، في زمن يجد فيه في حوزته وتحت تصرفه أدوات كان يحلم بها، وأجهزة شديدة الحداثة والتعقيد تساعده في مهنته ومهمته». وهو بسبب نجاحه في تلك المهمة، ما إن دخل العثمانيون ليحكموا مصر بعد سقوط المماليك، حتى أعادوا تثبيته في وظيفته رئيساً للحسبة. وهل كان في وسعهم، يا ترى، أن يعثروا على من هو أفضل منه لهكذا وظيفة؟
  2. الوفاء الدّائم

    الوفاء الدّائم عضو مهمّ

    683
    106
    43
    الدّولة:
    تونس
    الولاية:
    بنزرت
    المستوى الدّراسي:
    خيار آخر
    الاختصاص:
    -
    المهنة:
    -
    "الزيني بــــــركات" لجمــــــال الغيطانـــــــــي: بين التخييل التاريخي والتأصيل التراثي
    يعد جمال الغيطاني من أبرز كتاب الرواية التراثية في العالم العربي بروايته "الزيني بركات " إلى جانب كل من محمود المسعدي وبنسالم حميش وأحمد توفيق ورضوى عاشور وواسيني الأعرج وإميل حبيبي وشغموم الميلودي... ويتخذ جمال الغيطاني الشكل التاريخي نمطا للإبداع و التخييل لسد الثغرات ومساءلة الواقع والبحث عن الأسباب و النتائج بالغوص في أعماق الزمن واستقراء لحظات التاريخ و نبش أغواره العميقة واستنطاق ملامح الخارجية. إذاً، ماهي خصائص " الزيني بركات" لجمال الغيطاني المناصية والدلالية ؟ وما مقوماتها الفنية والمرجعية؟

    1- البنيــــة المناصيـــــة:

    ترتكز الرواية ذات العنونة الشخوصية على الزيني بركات باعتباره شخصية مركزية تحوم حولها الشخصيات الأخرى وتلتقي عندها الأحداث المتشابكة لتصوغ بنية روائية متوترة . وتنبني الأحداث السردية المتعلقة بالزيني بركات على النحو التالي:
    أ- تعيين الزيني بركات واليا للحسبة الشريفة بعد إعدام علي بن أبي الجود .
    ب- الزيني بركات يأمر بالمعروف و ينهي عن المنكر .
    ج- الزيني يخطب كل مرة في المسجد لتبرير ولايته و أعماله .
    د- الزيني يعلق الفوانيس في القاهرة .
    ه- الزيني ينضم بتنسيق مع منافسه زكرياء بن راضي إلى جهاز البصاصة.
    و- حدة الصراع بين الزيني و نائب الحسبة و كبير البصاصين زكرياء بن راضي حول التفرد بالسلطات .

    ز- مظالم الزيني بركات و قمعه للرعية لإرضاء السلطان والأمراء.
    ح- ازدياد سلطات الزيني بركات الدينية و المدنية و العسكرية على حساب الشعب .
    ط- هزيمة السلطان الغوري أمام السلطان سليم قائد الجيش العثماني .
    ي- موالاة الزيني بركات للعثمانيين و مساندة الأمير خايربك خائن سلطان المماليك و الخروج عن طاعة الأمير طومانباي.
    ك- تعيين الزيني بركات بن موسى محتسبا للقاهرة من جديد في عهد الدولة العثمانية و إحلال العملة العثمانية الجديدة بدل العملة المملوكية القديمة .
    و يمكن تكثيف هذه اللحظات السردية في الأفعال الحدثية التالية : 1- تعيين 2- حكم 3- لقاء 4- صراع 5- ظلم 6- خيانة 7- تعيين 8- حكم .
    و يحمل عنوان الرواية مفارقة بين الشعار الاسمي (الزيني بركات) و الممارسة الفعلية .فالزيني لقب أطلقه السلطان على موسى بن بركات ليصاحبه مدى حياته دلالة على ورعه و تقواه و تفانيه في خدمة السلطان و امتناعه عن تولية الحسبة إلا بتدخل علي بن أبي الجود باعتباره شيخا عارفا بالأصول و الفروع يمثل السلطة الدينية و الصوفية . و تعتبر تزكية علي بن أبي الجود شهادة كبرى في حق تعيين موسى بن بركات واليا للحسبة على القاهرة. و مع ذلك نجد أن هذا الامتناع الوهمي الذي شاع بين الناس يغطي حقيقة جوهرية و هي أن الزيني بركات اشترى هذا المنصب بثلاثة آلاف دينار رشوة بعد أن تدخل له أحد الأمراء عند السلطان . وبالتالي ، فكل أعماله الدالة في الظاهر على الخير كتعليق الفوانيس وتسعير البضائع ، والضرب على يد المحتكرين والوسطاء و إزالة الضرائب و تثبيت الاستقرار و الأمن .... و التي تزين صورته بين الخلق حتى اعتبر شخصية أسطورية خارقة مثالية ، انقلبت إلى الشر و الظلم و ايذاء الرعية و تخريب بيوت الأبرياء و تعذيب الفلاحين و نشر الرعب و الخوف بين الناس بجهازه الخطير في البصاصة و قمع المثقفين (سعيد الجهيني) والتنكيل بالمظلومين بدون قضاء ولا محاسبة . إنه رمز السلطة القمعية و الإرهاب السياسي و العنف والطغيان و الاستبداد والتضحية بالشعب من أجل خدمة السلطة والمصالح الشخصية.
    وقد بني المتن الروائي على سبع سرادقات و مقدمة و خاتمة. والسرادق هو المكان الذي تعقد فيه الحفلات مثل خيمة يجمع فيها الناس، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على التركيب السينمائي لهذه الرواية ، إذ يمكن توزيعها إلى سبع مناظر مشهدية أو فصول درامية إما أنها متعلقة بالمكان (كوم الجارح في السرادق السابع ) أو الشخوص (ظهور الزيني بركات في السرادق الثاني و السرادق الأول و السرادق الرابع ) أو الأحداث (انعقاد مؤتمر البصاصين في القاهرة في السرادق الخامس ...).

    و تتوالى السرادقات السبع على الشكل التالي:

    [​IMG] المقدمة: لكل أول آخر و لكل بداية نهاية (12 صفحة)؛

    [​IMG] السرادق الأول : ما جرى لعلي بن أبي الجود و بداية ظهور الزيني بركات بن موسى (شوال 912هـ)؛

    [​IMG] السرادق الثاني : شروق نجم الزيني بركات ، و ثبات أمره ، وطلوع سعده ، و اتساع حظه ( 58 صفحة ) .

    - السرادق الثالث: و أوله: وقائع حبس علي بن أبي الجود (56 صفحة )؛

    [​IMG] السرادق الرابع: (بدون عنوان ) (36 صفحة )؛

    [​IMG] السرادق الخامس: (بدون عنوان ) ( 49 صفحة)؛

    [​IMG] السرادق السادس: ( كوم الجارح ) ( 7 صفحات )؛

    [​IMG] السرادق السابع : ( سعيد الجهيني : آه ، أعطبوني ، و هدموا حصوني ...)؛

    [​IMG] الخاتمة : خارج السرادقات : مقتطف أخير من مذكرات الرحالة البندقي فياسكونتي جانتي – 913 هــ ( ثلاث صفحات ).

    و تبلغ عدد صفحات الرواية مائتين و سبعا و ثمانين (287) صفحة من الحجم المتوسط. و يتبين لنا أن الغيطاني لم يقسم روايته إلى فصول ، بل اختار السرادقات بمثابة لوحات فنية مستقلة يمكن بسهولة تقطيعها و تركيبها في مونتاج روائي يخلخل السرد ويكسر خطية الزمن واستمراريته الرتيبة لخلق أفق جديد لقارئ الرواية.
    و قد أخذ الغيطاني طريقة تقسيم المتن إلى السرادقات من ابن إياس الذي وزع كتابه تاريخ مصر المشهور بـــاسم"بدائع الزهور في عجائب الدهور" حسب السرادقات . أما لماذا اختار الغيطاني ابن إياس دون غيره من المؤرخين لمحاكاته و التخييل من خلال ما كتبه؟ فيرجع ذلك إلى سببين ، الأول : إن ابن إياس كان يتمتع باستقلال الرأي نظرا لأنه ميسور الحال، كما أنه لم يتقلد وظيفة من وظائف السلطنة ، كما أنه كان ينحدر من أصل جركسي ما سهل له الاتصال برجال الدولة و كبرائها. و الثاني : أن ابن إياس " ينفرد عن غيره من مؤرخي ذلك العصر في أنه عاش عصرين وشهد أحداث جيلين : أواخر العصر المملوكي و مستهل العصر العثماني . و كان شاهد عيان لما وقع فيهما من أحداث، و تمتد الفترة التي أرخ وقائعها من سنة 872 م /1468هــ إلى سنة 928م/1522هــ " .

    إذاً، فقد اختار الغيطاني كتاب ابن إياس للتفاعل معه حوارا ومساءلة قصد بناء تاريخ حقيقي لفهم الحاضر و ذلك بالسفر إلى قلب الزمن المملوكي لتصوير المجتمع و الإنسان و التاريخ في علاقة بالسلطة لمعرفة أوجه التشابه و الاختلاف بين الماضي والحاضر . ومن هنا، يسقط المبدع الماضي على الحاضر و يقرأ الماضي بالحاضر و العكس صحيح أيضا ما دامت هناك جدلية الأزمنة و تقاطعها وظيفيا و فنيا.

    و يستعير جمال الغيطاني من ابن إياس المادة التاريخية المتعلقة بالهزيمة و معركة مرج دابق كما يأخذ منه البنية السردية التراثية لغة و بناء و تركيبا و تفضية و تزامنا . و يقوم التفاعل بين النصين : النص الأصلي ( كتاب ابن إياس حول تاريخ الديار المصرية )، و النص الفرعي ( الزيني بركات لجمال الغيطاني ) على المحاكاة الساخرة والباروديا والتهجين و التناص و الحوارية و المفارقة والمعارضة و السخرية و التحويل و التشرب الإيديولوجي من خلال استعارة التركيب و الصيغ المسكوكة للبنية السردية التراثية . و هو بذلك لا يعيد كتابة تاريخ مصر المملوكية بل يسائل هذا التاريخ و يبين فجواته و ثغراته و يقرأ لا شعور السلطة و خلفيات الاستبداد و يفترض الأسئلة و الأجوبة من خلال منطق الافتراض و التصور و التقدير على الرغم من حقيقة الأحداث و الشخصيات التاريخية و دقة صحة المعلومات الواردة في متن الرواية. و يختلف هذا النمط من الكتابة عن الرواية التاريخية المعروفة كما تقول سيزا قاسم في أن هذا النص : " يقيم موازاة نصية من خلال المعارضة الشكلية اللغوية للنص التاريخي، فجمال الغيطاني يحاكي قول ابن إياس التاريخي ، أي إنه لا يلجأ إلى استخدام " محتوى" تاريخي يصوغه في لغة عصره ، بل ينتقل بنصه الخاص إلى الحقبة التاريخية السالفة" . و ترى سامية أحمد أن"الزيني بركات رواية – لا رواية تاريخية – (....) تتناول أحداثا وقعت في عهد السلطان قنصوه الغوري ".

    هذا، و يصرح الغيطاني في شهاداته أنه لم يكتب " زيني بركات" كرواية تاريخية ، و هي لم تعتبر كذلك رواية تاريخية " في كل اللغات التي ترجمت إليها هذه الرواية سواء في الروسية أم الفرنسية أم الانگليزية، لم يعاملها أحد على أنها رواية تاريخية ، إنما عوملت على أساس أنها رواية ضد القمع و ضد قمع الإنسان في أي زمان و مكان " . و من ثم ، فرواية ( الزيني بركات ) رواية التخييل التاريخي تستعير التاريخ مادة و صياغة لتحويله إلى أسئلة و أجوبة باستقراء العلاقة الموجودة بين المتسلط والمحكوم من النواحي النفسية و الاجتماعية و الإنسانية و افتراض مجموعة من العلاقات خاصة ما يتعلق بالجوانب الجنسية و الشذوذ و الحب و الإجرام وزيف الدين ، و فهم النواحي الخفية عند السلاطين والأمراء والمستبدين و نقط ضعفهم إلى غير ذلك من الأمور التي لا تذكر في التاريخ الرسمي ، و يركز عليها التاريخ الشعبي والمجتمعي على حد سواء .

    2- البنيــــة الدلاليــــة:

    تنقل لنا الرواية " الزيني بركات " جوانب تاريخية و إنسانية ومجتمعية . فمن الناحية التاريخية، ترصد لنا الرواية مصر إبان سلاطين المماليك في القرن العاشر الهجري من 912 هــ إلى 923هـ أي (12سنة) من فترة تعيين الزيني بركات محتسبا إلى زمن هزيمة المماليك و دخول العثمانيين إلى القاهرة للاستيلاء عليها بعد القضاء على المقاومة الشعبية و إخمادها . كما تبين الرواية صراع الأمراء المماليك فيما بينهم حول السلطة و تجسس البعض منهم على الرعية و السلطان لصالح الأتراك ( خايربك) وتهافتهم حول جمع المال و تكديسه و احتكار الاقتصاد و تقوية جهاز البصاصة لخدمتهم و خدمة السلطنة للتحكم في رقاب الشعب عن طريق الاستبداد و القمع و العنف السياسي و البيروقراطية وتخريب البيوت الآمنة و القضاء على كل شخص يحمل وعيا ثوريا مثل سعيد الجهيني . كما تذكر الرواية الهزيمة و أسبابها، إذ لا يهم السلطان ( الغوري) و الأمراء سوى جمع المال و تجويع الشعب خاصة الفلاحين و التنكيل بهم و نشر الرعب في قلوب الناس لتثبيت الاستقرار و حكم السلطنة ، و ذلك عبر خلق جهاز للتجسس حيث كل فرد في هذا النظام يبص على الآخر لانعدام الثقة ، و الرغبة في الحفاظ على السلطة عبر إقصاء الآخرين وتصفية أجسادهم . و خير من يمثل هذا الجهاز الخطير الزيني بركات ونائبه زكريا بن راضي باعتبارهما أداتين لاستغلال الشعب واستنزاف ثروات البلاد و قمع الأهل و المثقفين والمتطلعين إلى الحرية باستعمال وسائل جهنمية في المحاسبة والتصفية كالبص والزيف و الادعاء و الإيقاع بالصيد و تقييده في السجن أو التشهير به و تجريحه و تعذيبه نفسيا و جسديا و قتله أو إعدامه ، فأدوات التعذيب و طرق البص غاية في البشاعة والحقارة. لذلك اختار جمال الغيطاني " الزيني بركات " لإدانة أجهزة القمع و الاستبداد في العهد المملوكي التي تماثل أجهزة المخابرات المصرية في حاضر الغيطاني في مصر الستينيات ، مصر الناصرية و نكسة حزيران 1967م أمام الاحتياج الإسرائيلي لأراضي مصر .

    و إذا عدنا إلى متن الرواية لمعرفة تمفصلاته السردية إن شكلا وإن دلالة ، سنجد استهلال الرواية بمثابة مقطع وصفي خارجي ينقل فيه الرحالة الايطالي البندقي فياسكونتي جانتي مشاهداته للقاهرة في فترة حكام المماليك المستبدين في القرن العاشر الهجري الموافق للقرن السادس عشر الميلادي ، حيث تبدلت أحوال القاهرة و تغيرت ملامحها بسبب الجفاف وانتشار وباء الطاعون و انتصار العثمانيين على السلطان الغوري، و في نفس الوقت اختفى والي الحسبة ( الزيني بركات) عن أنظار الناس و ما كان يطرحه اختفاؤه من أسئلة محيرة باعتباره شخصية غامضة ومتناقضة في سلوكها و معتقداتها و أقوالها بشكل غريب جدا.

    و يجلسنا الكاتب في السرادق الأول لنشاهد الظروف التي تولى فيها الزيني بركات منصب الحسبة سنة 912 هـ ليتولى منصب علي بن أبي الجود كبير البصاصين المكلفين بحراسة السلطنة ومن أهم عيونها و آذانها. لكن السلطان قرر إقصاءه بعد تماديه في سلطته و ترفعه على الأمراء و جبروته بين الناس و اعتدائه على ممتلكاتهم بسبب استغلاله لسلطته. وهكذا دخل عليه الجنود المملوكيون وهو – دائما- يستمتع بأجساد نسائه و جواريه التي لا تعد و لا تحصى ليشهر به في المدينة وهو راكب على ظهر الدابة عقابا له على حيفه و أكل حقوق الناس ظلما و عدوانا. و قد عين السلطان نيابة عنه بركات بن موسى الملقب بالزيني ليتولى حسبة القاهرة بمرسوم سلطاني على الرغم من رفضه المسبق لهذا المنصب خوفا من جسامة المسؤولية وانتشار الفساد برا و بحرا وكثرة الحيف بين الرعية ، و أنه غير مؤهل لتحمل هذه الأمانة الثقيلة خوفا من عقاب الله و التفريط في هذه المهمة المقدسة الملقاة على عاتقه. و في نفس الوقت، نعلم جيدا كيف اشترى الزيني هذه المهمة العظيمة بارتشاء أحد الأمراء المماليك . و من ثم، تظهر شخصية الزيني من خلال تقارير ومدونات زكرياء بن راضي كبير بصاصي السلطة على أنها شخصية غامضة محيرة حيث لا يعرف عنها شيء على الرغم من كونه يقيد كل صغيرة و كبيرة في صحائفه العديدة عن الإنسان المصري منذ أن يولد طفلا حتى يترك الحياة و من فيها. و هكذا صمم زكريا أن يتولى مهمة التجسس على الزيني بنفسه و أن يجد في معرفة الأخبار عن هذه الشخصية التي أثارت إعجاب القلعة وإعجاب الناس و طلبة العلم ولاسيما الأزهريين و مريدي الشيخ أبي السعود الذي يتخذ (كوم الجارح ) مكانا للعبادة و إلقاء الدروس في الأصول و الفروع و فن الوجد و التأويل المناقبي.

    هذا ، وقد فكر الشهاب زكريا أن يصل إلى الزيني عبر سعيد الجهيني ، و ذلك بتكليف عمرو بن العدوى لمراقبته و البص على طلبة العلم و البحث عن تلك المرأة البدينة التي لعنت الزيني وأشبعته لوما و سبا و شتما من خلال زغرودة السخرية و الفضح. و يوضح لنا السرادق كيف أضفى الشيخ أبو السعود على ولاية الزيني قبس المشروعية الدينية و أسبغ عليه نفحات زكية من رضاه و بيعته و اعترافه به محتسبا أمينا و عادلا و التأكيد لمريديه مدى استحقاقه لهذا المنصب ؛ لأن الزيني رفضه أمام السلطان بكل إباء و ترفع و امتناع . فلولا هذا الولي الصالح الذي فرض عليه قبول هذه المهمة لما استجاب لطلب السلطان حبا لهذا الولي وتقديرا له.

    و في الأزهر أمام جمع غفير من المصلين و الناس أعلن بركات بن موسى أمام الشيخ الزاهد منظوره للحسبة و المهام المنوطة به . و إنه عازم على الإكثار من البصاصين لإقامة العدل و النهي عن المنكر و الضرب على أيدي المارقين من المحتكرين و المطففين والغشاشين من التجار.

    و قد خشي زكريا منافسة الزيني له في السلطة بسبب تقرب الناس إليه و رضاهم عنه و حبهم له . و هذا يمكن أن يسبب في فتنة ما، وأن يكون لذلك أثر سيء على وظيفته الأساسية و هي البص على الرعية لخدمة السلطنة و الحفاظ على مصالحها و استقرارها . ويتصف زكريا وكذلك رئيس البصاصين بالشذوذ الجنسي خاصة مع الغلام شعبان حيث أوداه قتيلا ، و جاريته الرومية الشقراء (وسيلة) التي أرسلت إليه جاسوسة من قبل الزيني و هو لا يدري بذلك ، و قد حولته إلى إنس شبقي يعصر جسدها الفتي و يمصه على نحو غريب ينم عن غرابة أطواره و شذوذه.

    و مع تولية الزيني منصب الحسبة و اتخاذه فرقة خاصة من البصاصين ازداد قلق زكريا لأنه لم يعهد في حياته أن المحتسب في يوم من الأيام سيتخذ فرقة للبص من غير فرقة جهاز الحكومة المتخصص في تتبع أنفاس الشعب داخل البيوت و خارجها.

    إذاً، يقلق الزيني بركات الشهاب زكريا و يثير حيرته عندما جعل لنفسه أتباعا يخدمونه سرا و يضاهون بصاصي السلطنة و يترأسهم زكريا بن راضي في القدرة و الدراسة ، لذلك كتب زكريا رسالتين: الأولى إلى الزيني بركات يحاول فيها أن يبرز دوره بأنه كبير بصاصي السلطنة ، و أن عليه أن يعود إليه في أمور البص ويكتب له كل التقارير عن المخالفين لأوامر المحتسب ، وبالتالي يلومه على ما استحدثه من نظام البصاصة غير معهود في تاريخ الدولة. و في الرسالة الثانية عدد زكرياء للسلطان بعض الأخطاء التي وقع فيها الزيني بركات . و كل هذا يبين لنا الصراع الذي بدأ يحتد بين الطرفين الحاكمين حول الانفراد بالسلطات.

    و في السرادق الثاني ، يستعرض الكاتب شروق نجم الزيني بركات ، و ثبات أمره ، و طلوع سعده و اتساع حظه ، و تبيان أعماله و منجزاته كوضع الفوانيس و تعليقها في الشوارع لإضاءة القاهرة ليلا و فتح داره لتقبل الشكايات و تسلم المظالم و إلغاء الضريبة و تسعير البضائع و رفع الاحتكار الحاصل على الخضر إلى جانب إجراءات اقتصادية ردعية أخرى و محاولة استخلاص أموال علي بن أبي الجود لردها إلى خزينة الدولة لحاجة السلطنة لتوفير الموارد و الأموال لردع الأعادي و الغزاة . أاما معاكسه الشهاب زكريا فيحاول بدوره الإطاحة به عن طريق مهاجمته وفضحه و الإيقاع به مستخدما كل الطرق الملتوية مستغلا كل سلطته و ذلك بتجنيد كل من يراه صالحا للقيام بالمهمة سواء أكان تاجرا أم عجوزا ، امرأة أم طالبا أو أي شخص كان ولو طفلا صغيرا . و من يرفض القيام بالمهمة يعرض نفسه لأنواع شتى من العقاب و الرعب و التعذيب النفسي و الجسدي مستخدما في ذلك كل الطرق الجهنمية في الاستنطاق و التحقيق و التقويل المعروفة و غير المعروفة (طريقة تعذيب زكريا للجاسوس الرومي مثلا، وتعذيب الغلام شعبان و قتله بعد ذلك): " ليس من الأمان بقاء شعبان حيا ، و غيره من المساجين، أي شخص يبقى هنا ، حتى حقير الهيئة، مبتور الأصل فاقد النسب أو مجهول الهوية من صغار المنسر و الحرامية ، سيعلو شأنه وقتئذ، يطلق العامة والخاصة التشنيعات المهولة، يحطون في حقه كل قبيح ، زكريا يحبس خلق الله ، زكريا لديه سجن تحت بيته، ترى كم من الأرواح أزهق ؟! أي الطرق سلك في تعذيب أجساد خلقها الله ، وقتها يقوم الكارهون ، الأمراء ، أولاد الناس ، مساتير الناس ، مشايخ الطرق، طلبة الأزهر و المجاورون ، سيرون في المحابيس ، كل من أمسكهم زكريا مساكين ، أرواحهم بريئة ، لم تجن ذنبا ، لم يتآمر أصحابها ، لم يسرق بعضهم ، لم يقل سبابا في طريق عام ضد أمير أو كبير ، الآن ، يفتش السجن بنفسه ، يتناول المشعل من مبروك ، ينبش تجاويف السجن بعينيه ، عطن و نتن يتصاعد إلى أنفه ، العفن لزج ، لكن صبرا ، ما قام به يدفع بالرضا إلى روحه ، لتحل التجاويف من الآهات و التأوهات والأنات ليال معدودات ، لن تتردد أسئلة المتحشرجين إذ يسأل بعضهم البعض عن أسمائهم ، عن قراهم و بلادهم ، الأسباب التي جاؤوا من أجلها ، زكريا عندما رأى المحابيس تعجب ، رأى وجوها لا يذكر أصحابها، كأنهم جاءوا بدون علمه، نسيهم لتعاقب السنين و كثرة المشاغل "

    و أعد زكريا عدة خطط لتشويه صورة منافسه عند الأمراء والسلطان مثل: إشعاله الفتنة حول تعليق الفوانيس و ذلك بتحريك الفقهاء و القضاة و الأمراء لإخبار السلطان برفض الناس لها؛لأنها بدعة مستحدثة لا علاقة لها بالإسلام تفضح أسرارهم و تهتك أعراضهم و تفسد أخلاق الشباب و تمس حرمة النساء . كما عمل زكريا على إثارة الإحن و القلائل بين الأمير طشتمر و خايربك ليعقد مأمورية الزيني و سعيد الجهيني و آراء الناس في والي الحسبة و نائبه بشكل دقيق و مفصل يومئ إلى تطور ظاهرة البص و تعقدها في المجتمع المملوكي و ما لها من آثار سلبية على المجتمع مثل: نشر القلق و الخوف و الهلع و الرعب و عدم الثقة والاطمئنان و القمع و الطغيان الاستبداد و الاستغلال و الاحتكار والرشوة و الزج بالأبرياء في السجون المظلمة بدون محاكمة افتراء و عدوانا . و هذا يبين بكل جلاء مدى عنف السلطة و قيامها على إذلال الشعب و استرقاقه و إخضاعه بالقوة ناهيك عن أكل عرق جبين المواطن المسكين بفرض الضرائب الفاحشة والإتاوات التي لا أصل لها و لا فرع في شريعة المجتمعات العادلة : "صمتوا، في العيون رجاء أخرس ، خوف موغل في الأعماق ، في الطريق على مهل أليم. مضى طابور من سجناء الفلاحين مربوطين من أعناقهم بسلاسل حديدية ، يبدو أنهم متجهون إلى سجن من سجون ، أخرج طفل لسانه مرات عديدة – يقول الرحالة الايطالي فياسكونتي جانتي – دق طبل سعيد ، ربما يغادر الفلاحون عالمنا بعد قليل ، مشيت قربهم ، عيونهم زائغة ، يتمنون لو احتووا كل ما يمر بهم ، نفس ما رأيته في طنجة ، طابور رجال يعبرون أسوار المدينة البيضاء مشدودين إلى بعضهم البعض برباط الهلاك الأبدي ، في العيون نفس النظرة ، هذا الرجل المسوق إلى الإعدام في تلك الجزيرة الصغيرة بالمحيط الهندي" .

    فإذا كان الزيني يتظاهر بإصلاح المجتمع بهد أركان الظلم و الفساد و القضاء على الاحتكار و النهب و الاغتصاب و مواجهة حيف الأمراء و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر ، فان زكريا بن راضي يحاول فضحه و كشف زيفه و إزالة القناع عنه ، و ذلك بعرقلة إصلاحه و نسفه من القصر و خارجه و تحطيم الزيني لإذلاله و تلويث شرفه لينفرد بالرتب السنية و الأوسمة السلطانية والحسبة الرفيعة عن طريق إثارة الصراعات و الفتن بين الأمراء و العلماء و الرعية و كل هذا انتقاما من ذلك اللعين البصاص"الزيني" الذي دس "وسيلة" الجارية في بيته للتجسس عليه حيث لم يكتشف هويتها إلا في الأخير.

    و يستعرض الغيطاني في السرادق الثالث وقائع حبس علي بن أبي الجود و الطرق التي اتبعها الزيني لتعذيب سجينه ليكشف عن حقيقة أمواله المسروقة من المسلمين لإرجاعها إلى خزينة الدولة. و هذه الطرق المتبعة لا يمكن أن يقال عنها إلا أنها شيطانية وحشية بشعة مرعبة تصادر حرية الإنسان و حقوقه المشروعة في الدفاع عن نفسه مقابل حصول الزيني على مراتب عليا ، لذلك رقي بعد نجاحه في مهمته إلى مرتبة والي القاهرة إلى جانب حسبته.

    وقد تعجب الرحالة الايطالي أيما تعجب من ذلك المشهد الدرامي أثناء زيارته الأولى للقاهرة عندما عرض علي بن أبي الجود على الناس تشهيرا وتعذيبا وتنكيلا . وقد أثارته شخصية الزيني بركات بغموضها و مظهرها الخارق للعادة ، و قد توطدت – في هذا السرادق – علاقة حذرة بين الزيني و زكريا بعد اللقاء الثنائي الذي جمعهما قوامه التهديد المتبادل بينهما ولاسيما أن الزيني علم بقتل زكريا لشعبان و كثير من المساجين بطرق وحشية شاذة، لذلك ألح عليه بأن يخبره عن مكان أموال علي بن أبي الجود حتى يعيدها إلى الخزينة و أن ينصاع كذلك لأوامره و أن يطيعه في كل صغيرة و كبيرة ما دام هدفهما واحد وهو إقامة العدل و خدمة الدولة ، لذا لابد من التعاون بينهما قصد تحقيق الأهداف المسطرة . و بعد ذلك ، اقترح الزيني على زكريا طريقة جديدة للعمل والسيطرة على زمام الأمور . إذ اقترح نظاما من البص يوازي هرمية المجتمع ، أي لكل فئة من الناس نوع خاص من البصاصين، حتى السلطان و الأمراء يخضعون بدورهم للبص إلى جانب إجراءات مسطريه عملية مثل: إعداد الكشوف والسجلات والبطائق و استخدام حبر خاص ، و كل هذا للتحكم في المجتمع والتصنت على أنفاسه و هذيانه و أحلامه . و قد تم التركيز كذلك على مراقبة طلبة الأزهر و المثقفين خاصة سعيد الجهيني وعلاقته بالشيخ ريحان البيروني و ابنته سماح وعلاقتهما ببيوت الخطأ وتجنيد عمرو بن العدوى لمراقبة هؤلاء المثقفين والتنصت عليهم ومعرفة آرائهم في الحكومة ومراقبة رجال البص و الحسبة .

    و ينتهي السرادق الرابع بخروج السلطان من القاهرة لمحاربة العثمانيين، و يبتدئ السرادق بمشروع إقامة مؤتمر عالمي للبصاصين في القاهرة يترأسه الزيني بركات و مساعده زكريا بن راضي لإفادة المدعوين و الاستفادة من طرائفهم ووسائلهم في البص و التعذيب و اتخاذ نظام البصاصة في مصر نموذجا رائعا للحفاظ على الأمن و الاستقرار الحكومي . و يعدد زكريا بن الراضي في هذا المؤتمر من خلال السرادق الخامس مفهومه للبصاص الحقيقي المتمكن و طرائق البص و الأدوار المنوطة بالمكلف بالبص و الوسائل التي ينبغي استعمالها في الوصول إلى الحقيقة الأولية و كيفية تطويع الظروف و إعداد طعام المساجين وطرق نومهم و أفضل اللحظات اللازمة لإقلاق راحتهم ، والوسائل المقترحة لترقيم الناس بدلا من الأسماء ، و كيفية التنصيص على فتاوى شرعية تبيح هذا في سائر الأديان و كيفية الرقابة على الرقابة ، أي كيف يرصد البصاص بصاصا آخر وكيفية إقناع الناس بوجود ما هو غير موجود ، علاوة على شرح كيفيات التعذيب المادي والنفسي.

    و عندما كان جيش السلطان الغوري يذوق مرارة الهزيمة في معركة مرج دابق بانتصار جيش سليم العثماني بسبب خيانة الأمراء و جيش المماليك له ، نجد الشيخ أبا السعود الجارحي العارف بالله يدعو الزيني بركات ليذيقه الشتائم و ألعن السباب منهيا ذلك بحجزه قصد التشهير به بين الناس للتخلص منه و من جبروته و جوره :" و عندما دخل إليه أجلسه بين يديه ، مال الزيني عليه ، لكن الشيخ لم يراع هذا ، و نتر في وجهه ، يا كلب .... لماذا تظلم المسلمين ؟ لماذا تنهب أموالهم ، و تقول كلاما تنسبه إلي. أبدى الزيني دهشة حاول الانصراف . لكن الشيخ قام، نادى أحد مريديه ( درويش اسمه فرج )..... أمر بخلع عباءة الزيني عنه ، تجمع حوله الدراويش أحاطوا به ، أمر الشيخ فضرب رأس الزيني بالنعال حتى كاد يهلك ، ثم أمر بشك الزيني في الحديد ، ثم أرسل إلى الأمير علان..... و أعلمه أن هذا الكلب يؤذي المسلمين ، و في الحال طلع الأمير علان الدوادار الكبير إلى نائب السلطنة ، و أيقظه ، و أخبره بما جرى و قال الأمير طومابناي ليفعل الشيخ أبو السعود ما يبدو له ، و حتى ساعة كتابة هذا – يقول مقدم بصاصي القاهرة – ما زال الزيني بركات بن موسى محتجزا عند الشيخ أبو السعود" .

    ولما قرر الشيخ أبو السعود التشهير بالزيني بركات و استخلاص أمواله و قتله أخيرا بموافقة الأمير ، تدخل زكريا لينقذ صديقه من الموت المحقق نظرا لعملهما المشترك في البص و معرفة الزيني خبايا زكريا و يمكن أن يفصح بها و يضر بذلك زكريا . وربما زكريا هو بدوره قد يقع فيما وقع فيه الزيني، فينقذه حليفه من الورطة كما أنقذه هو، و كل ذلك اعتراف حقيقي من أحدهما بجميل الآخر و أن هدفهما واحد هو الحفاظ على سلطتهما و تحقيق المصالح المشتركة . و بعد ذلك نسمع في هذا السرادق نداءات الخنكار العثماني يطالب المصريين بتقديم كل المعلومات عن المماليك وأموالهم و نسائهم و جواريهم و مكان الأمير طومانباي والشيخ أبو السعود الجارحي ودراويشه اللذين وقفوا صامدين في وجه الجيش العثماني أثناء دخوله إلى القاهرة للاحتلال الفعلي لأراضي مصر .

    و في السرادق ما قبل الأخير ، يقصد ( كوم الجارح ) سعيد الجهيني ليرى مولاه الشيخ العارف ، لكن البصاصة تحاول جاهدة استمالته إلى صفها و تطالب منه التقرب من جديد بالشيخ مولاه العظيم و مطالبته بإعطاء لائحة مفصلة عن الشباب القادرين على الجهاد لرد هجوم الأتراك .

    و ينهي الكاتب روايته بسرادق عبارة عن نهاية مفتوحة ليلحقها بمقتطف للرحالة الايطالي السابق ليصور ما لحق القاهرة من وباء و خراب من قبل العثمانيين بعد احتلالهم لمصر و عاصمتها، و ما بذله الشيخ و مريدوه من جهود جبارة لمواجهة الغزاة ، و قد ظهر الزيني في ذلك الوقت للم الشباب لمجاهدة ابن عثمان ، بيد أن الناس بدؤوا يشكون فيه و يعلمون كذبه ( خاصة سعيد الجهيني )، وما هو في الحقيقة سوى بصاص للعثمانيين و لخايربك؛ مما سيجعل العثمانيين يعينونه من جديد واليا للحسبة في القاهرة مع إعلان استبدال العملة القديمة بالعملة العثمانية .

    3- البنية السردية في الرواية:

    تتكئ هذه الرواية على بناء معماري دائري يبتدئ بالهزيمة وينتهي بالهزيمة ذاتها . وتتمثل البداية في استعراض مقتبس للرحالة الإيطالي يصور القاهرة بعد هزيمة المماليك على أيدي العثمانيين، وهذه البداية ذات طابع مأساوي. أما المتن الداخلي فيتجسد في تعيين الزيني بركات واليا للحسبة في القاهرة بعد إعدام علي بن أبي الجود وممارسة وظيفته حاكما وبصاصا، ولقائه بالشهاب زكريا والاتفاق على التعاون بعد صراعهما الحاد حول التفرد بالسلطات وجلاء صورة الزيني الحقيقية بعد انكشاف المستور وسقوط القناع باعتباره ظالما متجبرا وخائنا للدولة المملوكية وواليا جديدا للعثمانيين.

    وتنتهي الرواية كذلك بنهاية مأساوية حينما يصور الرحالة الإيطالي القاهرة بعد هزيمة المماليك على أيدي العثمانيين. ومن ثم، فالرواية ذات منظور معماري دائري مغلق مشحون بالتوتر والدرامية والحزن والتشاؤم.
    هذا، وترتكز الرواية على محورين دلاليين متداخلين: محور الزيني بركات ومحور الحرب والهزيمة.

    ويلاحظ أن الأحداث غير متسلسلة منطقيا لتعدد السرادقات وتداخلها عبر تكسير خطية الزمن و تداخل الأزمنة. كما أن الأحداث الرئيسية في الرواية تاريخية ، لأن الهزيمة في معركة مرج دابق وقعت حقيقة كما هي مأخوذة من كتاب ابن إياس، والزيني بركات شخصية تاريخية معروفة في تلك الفترة ، و يعتمد الكاتب في ذلك على مؤرخين عرب آخرين مثل المقريزي والجبرتي في نقله للأحداث التاريخية و الحياة اليومية آنذاك. "إذاً، فقد تتوخى الغيطاني الدقة التاريخية ، و كان أمينا في تصوير حياة الناس في قاهرة المماليك ، من حيث عاداتهم وتقاليدهم ومشكلاتهم ( مثل احتكار بعض السلع الضرورية كالملح و الخيار ) و أفراحهم ، وإطلاق الزغاريد ، و إعطاء البقشيش ، و حياة المجاورين في الأزهر ، و ارتياد المساجد المقاهي و بيوت الخطيئة الخ. ولكن الدقة هنا لا يصاحبها الجفاف و الجمود ، بل تتحول إلى مادة حية يقدمها الكاتب في إيقاع يسرع و يبطئ وفقا لمتطلبات الموقف . وباختصار أقول: يحس القارئ بنكهة مصرية صرف تتخلل النص و نمتد أثارها إلى قاهرة اليوم ".

    و معظم الشخصيات النامية و الرئيسية في النص تاريخية حقيقية تحمل أبعادا إنسانية و اجتماعية و أخلاقية و نفسية و تاريخية يمكن إسقاطها عل الحاضر. فالزيني بركات بن موسى " شخصية حقيقية في تاريخ مصر المملوكي . تولى بركات بن موسى حسبة وولاية القاهرة طوال أحد عشر عاما أثناء حكم السلطان الغوري . و لما سافر السلطان لملاقاة العثمانيين في حلب جعل من الزيني بركات متحدثا في جميع أمور السلطنة و عندما دخل العثمانيون مصر تعاون الزيني بركات معهم فاحتفظ بمناصبه العديدة، بل وزاد نفوذه حتى أصبح مدير المملكة و ناظر الذخيرة ، و صار – في قول ابن إياس – " عزيز مصر " . و يعتمد الغيطاني في رسمه لشخصية الزيني بركات على العديد من الفقرات التي وردت بشأنه في كتاب " ابن إياس " بدائع الزهور في عجائب الدهور " . و بركات بن موسى كما يصوره ابن إياس سيسعر اللحم و الدقيق و الخبز و الجبن خوفا من المماليك ثم يعود فيفرض الضرائب الباهظة ، و الناس حين يخفض الأسعار يدعون له ، و حين يرفعون يدعون عليه "

    و تتحدد البنية العاملة في الرواية من خلال المخطط التالي :

    المرسل إليه المرسل
    دولة المماليك أولا،
    و العثمانيين ثانيا السلطة و الاستبداد
    الموضوع الذات
    السلطة الزيني بركات
    المعاكس المساعد
    الشيخ أبو السعود + سعيد الجهيني + الأمير طومانباي زكريا بن راضي + البصاصون + عمرو بن العدوى + خيربك

    و تقع أحداث الرواية في القاهرة المملوكية، قاهرة الاستبداد والقمع و الظلم كفضاء أساسي في الرواية، إلى جانب فضاء ثانوي هو فضاء حلب فضاء الهزيمة النكراء.

    و قد صوركل من الكاتب و الرحالة الايطالي القاهرة تصويرا مفجعا دلالة على المأساة التي تعرضت لها بسبب الاستبداد وهزيمة المماليك و اجتياح العثمانيين أراضي مصر حتى كأن القاهرة أصابها وباء و طاعون خطير يهلك الرعية و يقضي على أنفاس الأحياء :" تضطرب أحوال الديار المصرية هذه الأيام ، وجه القاهرة غريب عني ليس ما عرفته في رحلاتي السابقة ، أحاديث الناس تغيرت ، أعرف لغة البلاد و لهجاتها ، أرى وجه المدينة مريض يوشك على البكاء ، امرأة مذعورة تخشى اغتصابها آخر الليل حتى السماء نحيلة زرقاء ، صفاؤها به كدر ، مغطاة بضباب قادم من بلاد بعيدة ".

    ويؤكد سواد الطبيعة المأساة التي تنخز الشعب المصري والمصير المهول الذي يتجرعه الناس من شدة الظلم الذي آل إلى الهزيمة الشنيعة . وأضحت القاهرة عاصمة المماليك مقهورة مريضة بداء الذل و الانكسار و العار، تجر ذيول الخيبة و مرارة القهر و الظلم.
    وتتراءى داخل هذا الفضاء العام الفضاءات البشعة وفضاءات القمع و البص و الإرهاب مثل : السجون و أماكن الحبس و الشنق والإعدام و قصور التجبر و قلاع الاستبداد و الفساد السياسي والإداري. وصارت المقاهي و المساجد و الزوايا فضاءات مخيفة خاضعة للمراقبة و البص و التجسس. إنه فضاء المخابرات البوليسية و القمع السياسي و البيروقراطية المميتة .إن فضاء (الزيني بركات ) فضاء تاريخي مغلق ببشاعة جهاز البص والمراقبة وتتبع الأنفاس الآدمية والأرواح البشرية، إنه فضاء العتبة حيث يتداخل فيه الداخل و الخارج و الأعلى و الأسفل .

    ويتقابل الحاكمون والمحكومون على مستوى نوع الحلول الفضائي تقابلا تراجيديا ، فالمماليك في بروج و قصور و قلاع عالية، بينما الرعية في أفضية عارية منبسطة يسهل كشف أسرارها بفوانيس البص و جس النبض . و بين العلوي و السفلي جهاز المخابرات الذي يشكل صراطا للتعذيب وخندقا للموت يخدم العلوي تارة ويخونه تارة أخرى ، و يقصي السفلي و ينهب خيرات مستضعفيه. إذاً ، الفضاء المديني هو المهيمن في النص ، و يظهر الفضاء القروي في صور استرجاعية ( سعيد الجهيني ) حين يتم تقييد الفلاحين في طوابير لقتلهم و إعدامهم .

    و قد استند الكاتب في روايته إلى تقنية الوصف لتسليط الأضواء على الأمكنة و الشخوص و الأشياء و الوسائل بطريقة مشهديه أو تقريرية جافة و حرفية تتخللها أحيانا سمات بيانية و بديعية مثل: وصف القاهرة ووصف الزيني بركات ووصف " وسيلة " ووصف طرائق التعذيب و التصفية الجسدية .

    و من حيث الرؤية السردية، نلاحظ تعددا في الرواة على غرار الرواية البوليفونية مع الاستعانة بالمنظور السردي الخارجي ، منظور الرحالة الايطالي الذي يستخدم ضمير التكلم، و منظور جمال الغيطاني الكاتب المعاصر الذي يهاجر إلى الماضي لينقل الأحداث من خلال الرؤية من الخلف إلى جانب المنظور السردي الداخلي عبر تقارير ورسائل زكريا بن راضي. و يعني هذا أن الرواية تمتاز بتعدد الرواة و الرؤى السردية و تعدد اللغات (العامية / اللغة الرسمية / الفصحى / اللغة الدينية....)، والخطابات التناصية ( الخطاب المناقبي – الخطاب الديني – الخطاب العجائبي – الخطاب الغرائبي – الخطاب التاريخي- خطاب الرحلة- الخطاب السياسي- خطاب المستنسخات...)، وتشغيل خطاب الوثائق ( التقارير / النداءات / المراسيم ...)؛ و هذا ما يجعل ( الزيني بركات ) رواية طليعية و جديدة بسبب هذه التعددية و حوارية الأصوات و البنية السردية التراثية .

    و من المعلوم أن فتحي غانم يعد الروائي المصري الأول الذي كتب الرواية البوليفونية المتعددة الأصوات و ذلك في رباعيته (الرجل الذي فقد ظله )، و نشرها ما بين عامي 1960 و 1962، و هناك كذلك نجيب محفوظ في روايته" ميرامار" التي صدرت سنة 1967 م، ومحمد يوسف القعيد في "الحداد "( 1960 م)، حيث روي كل عمل من هذين العملين من خلال أربعة رواة. و في " باطن الأرض " لإبراهيم عبد المجيد ( 1972 م ) رواها راويان، و في "السنيورة " لخيري شلبي (1978 م) نجد سبعة رواة سراد، و" لعبة النسيان" للروائي المغربي محمد برادة القائمة على تعدد الرواة والسراد، بينما "الزيني بركات" رواها ثلاثة سراد ( الرحالة – الكاتب – زكريا بن راضي )

    و نجذ في رواية ( الزيني بركات) ساردا خارجيا عن الحكي (الرحالة)، و ساردا داخليا راويا ( الكاتب )، و ساردا مشخصا (زكريا بن راضي ). وبالتالي، تقدم الرواية رؤية تفضح الاستبداد و القمع و تدين أجهزة المخابرات و البص و تطرح قضية الديمقراطية و التناقض بين الشعار و الممارسة .

    و على مستوى البنية الزمنية، نلاحظ تكسير البناء الزمني و خطيته بتبني تقنية الاسترجاع أو فلاش باك و تقطيع المتن إلى أزمنة متداخلة بطريقة جدلية حيث تتداخل البداية مع النهاية و النهاية مع البداية، كما يتداخل الماضي مع الحاضر و العكس صحيح، وكل ذلك من أجل استشراف المستقبل المعروف . و تمتد الرقعة الزمنية للقصة على مسافة 12 سنة من 912هـ إلى 923 هــــ:

    الصفحات الأحــــــــــــــداث البنية الزمنية
    تستغرق سنة 912 هـ 100 صفحة من رواية الزيني بركات تولية الزيني بركات بعد تنحية على بن أبي الجود شوال 912 هـ
    مرسوم تعيين الزيني بركات ثامن شوال
    امتناع الزيني عن تولية مهمة الحسبة أمام السلطان عاشر شوال عام 912هـ
    قلق زكريا من الزيني أول الليل : الأربعاء عاشر شوال
    رسالة زكريا إلى الزيني عاشر شوال 912 هـ

    زكريا يبرمج ما يفعله من فتنة لإزاحة الزيني صباح الثلاثاء سابع ذي القعدة 912 هـ
    إجراءات اقتصادية سيقوم بها والي الحسبة (الزيني بركات) مساء الثلاثاء سابع ذي القعدة
    تعليق الفوانيس ليلة الثلاثاء...
    من أفعال زكريا لإثارة الفتنة بين الأمراء الجمعة عاشر ذو الحسبة 912 هـ
    24 صفحة القاضي الحنفي له رأي خاص في الفوانيس أول محرم 913 هـ
    80 صفحة مقتطفات من رحلة الايطالي حول قاهرة الزيني بركات رجب 914 هـ

    62 صفحة خروج السلطان لملاقاة الجيش العثماني في حلب 1517 م / 422 هـ
    رسالة بمناسبة انعقاد مؤتمر البصاصين بالقاهرة جمادى الأولى 922 هـ
    ذيول حول طرائق البص 922 هـ 1517م
    حالة القاهرة باختفاء الزيني رجب 922 هـ أغسطس إلى سبتمبر 1517 م
    مصير الزيني بركات عند الشيخ أبي السعد الجمعة 15 شعبان 922 هـ
    هزيمة السلطان الغوري الجمعة 15 شعبان 922 هـ
    3 صفحات القاهرة بعد احتلال العثمانيين لها 923 هـ

    إذاً، فالسنوات المذكورة في الرواية هي: 912 و913 و914 و 922 و923 هـ، و حذفت سبع سنوات نظرا لعدم أهميتها عند جمال الغيطاني . وقد يلاحظ عدم تتبع نظام الحوليات عند ابن إياس، و اختيار الغيطاني للتقويم السنوي و القفز على السنوات التي لا أهمية لها عنده، والوقوف عند بعضها بالسرد و الوصف وتشغيل الإيقاع البطيء مثل: سنة 912 هـ و سنة 914 هـ .
    و يمكن تلخيص البني الزمنية في الأحداث التاليية:

    البني الحدثية البني الزمنية
    تولية الزيني بركات واليا على الحسبة في القاهرة و ممارسة عمله الفعلي في إقامة المعروف و النهي عن المنكر. 912 هـ
    صراع زكريا بن راضي مع الزيني بركات . 913 هـ
    قاهرة البص في عهد الزيني والشهاب زكريا. 914 هـ
    هزيمة المماليك في معركة مرج دابق. 922 هـ
    احتلال العثمانيين للقاهرة و تولية الزيني الحسبة من جديد في عهد جديد. 923 هـ

    و من خلال هذا، يتم تجميع البنيات التالية في الأفعال السردية بهذا الشكل :
    التعيين – الصراع – البصاصة – الهزيمة – الاحتلال .
    وإذا انتقلنا إلى مستوى الصياغة، نلاحظ هيمنة السرد و المنولوج على حساب الحوار ، و هذا يبين القمع و الاستبداد و انعدام التواصل بين الأنا الظالمة و الآخر المظلوم ، لأن جهاز البص يمنع الحوار و يحاربه و يصادره كما يمنع كل أشكال الاتصال ، لذلك لا يجد المرء أمامه سوى الإضمار النفسي و الدعاء والمناجاة و الصراع الداخلي . فسعيد الجهيني – مثلا- كان يشتم الزيني في نفسه ويقول له : إنه كذاب كذاب في أعماق الداخل لايستطيع أن يفصح بذلك ما دام البصاصون يحومون حوله . و قد تم رصد سبع مرات كان فيها الحوار عابرا بين الشخصيات غير الرئيسية. وما غياب الحوار إلا دليل على غياب الديمقراطية التي تتحقق بالجدل و المناقشة . وكان لغياب الديمقراطية و حقوق الإنسان و حوار الأنا و الأخر أثره على الكاتب في استعمال أسلوب التضمين والاقتباس والتناص و محاكاة كتاب ابن إياس حول تاريخ الديار المصرية هروبا من الرقابة و خوفا من المساءلة، أي وظف الاستخدام الرمزي والاستعاري تقية من التصفية و المحاسبة . ويحضر السرد من خلال هيمنة نبرة التسلط و التحكم و الردع والأوامر عبر أساليب : النداءات و التقارير و الرسائل و المذكرات و الذيول والمراسيم و الخطب و الفتاوى .

    و هذا " الترتيب السابق لأنواع السرد قد جاء وفقا لعدد مرات لاستخدام الكاتب لكل نوع ، فالنداءات تكررت خمس و عشرين مرة،و الفتاوى لم تتجاوز عددها عدد أصابع اليد الواحدة ومعظمهما دار حول مدى مشروعية استخدام الفوانيس . و قد تعد هذه الأنواع المختلفة من السرد انعكاسا لأسلوب الحكم ولرؤية الكاتب لأساليب النظام في الهيمنة و أحكام قبضته على المواطنين. فالنداءات ، و التقارير و الرسائل ، و المذكرات والمراسيم من وسائل السيطرة و التخويف السياسي ، و هي النسبة الغالبة بين هذه الأنواع من السرد ، بينما كان أقلها الخطب والفتاوى و هي أقرب إلى الوسائل التي تستخدمها الأنظمة الديمقراطية في الحكم " .

    و تمتاز لغة جمال الغيطاني في "الزيني بركات " بعتاقة التراكيب والصيغ المسكوكة بعبق التراث و الجمل الطويلة أثناء الوصف والسرد و الجمل القصيرة المنمقة بديعيا و إيقاعيا في النداءات، إلى جانب التقرير التاريخي و الوصف الدقيق المفصل و المزج بين الفصحى و العامية أو الخلط بين ما هو رسمي و شعبي ، و الإكثار من صيغ المفارقة و السخرية و المحاكاة الساخرة و القوالب السردية المصاغة بطريقة كلاسيكية تراثية فضلا عن توظيف معاجم لغوية مهيمنة مثل: معجم الحرب و الموت و الحبس والدين و السلطة .

    و يكثر الغيطاني من الأفعال المضارعة لخلق الحركة و التوتر والدينامية في نصه الروائي ليخلق مشاهد سينمائية طافحة بالإيقاع الحركي و بث الحيوية في السرد على الرغم من تاريخية الأحداث زمنيا و التي تتطلب الفعل الماضي كزمن لسرد الأحداث الماضية.
    هذا، و قد استهدف الكاتب إضفاء الموضوعية على أسلوبه التقريري لذلك " يسوق جملا أساسية خالية من التعليق، تتابع في حركة سريعة متدفقة، حتى إن الكاتب يسقط في بعض الأحيان حرف العطف نفسه، الذي يربط هذه الجمل بعضها ببعض. و قد يكون هدف الكاتب هو التوصل إلى الموضوعية التي وصفت بها كتابات المؤرخين العرب في سردهم للأحداث، و خلق قول محايد لا تقتحمه ذاتية الراوي ".

    و قد تشرب الغيطاني في "الزيني بركات " لغة العصر و التراث ليكون حاضرا شاهدا و موضوعيا مع نفسه و مع القارئ ، لذلك استلهم لغة ابن إياس و تشبع بها صياغة و بناء و تركيبا و سك لنا لغة مخضرمة أصيلة معتقة بالقدم و الرصانة و العبارات المتداولة ذلك الوقت مع تضمينها بالآيات القرآنية و الأمثال العامية والقوالب الموظفة في كتابة الرسائل الديوانية و الإدارية و الخطب والقرارات و المذكرات و النداءات و الفتاوى و الأحاديث النبوية .
    و هكذا ، فلغة الغيطاني في الزيني هي لغة حيادية طافحة بالحيوية و العتاقة و التنوع و الإثراء اللغوي إلى جانب العمق الرمزي والاستعاري ، بل تمثل حتى الصيغ البيانية و البديعية كما تتجلى في الرسائل و النداءات و المراسيم و التقارير .

    و تعج ( الزيني بركات) بعدة خطابات و مستنسخات يمكن حصرها في الخطاب التاريخي والخطاب المناقبي والخطاب الديني والخطاب الفانطاستيكي والخطاب الأسطوري وخطاب الرحلة والسفر، دون أن ننسى الأنواع الفرعية الأخرى مثل: المراسيم والنداءات و الرسائل و الفتاوى و الخطب و التقارير و المذكرات و الذيول التي تشكل الخطابات النوعية و التجنيسية ببنيانها السردية الخاصة . وقد طعّم بها الكاتب نصه الروائي ليثريه أجناسيا ونوعيا قصد خلق بوليفونية موضوعية بالمفهوم الباختيني. .

    4- البنيـــــة المرجعيـــــة:

    يستهدف جمال الغيطاني من خلال هذه الرواية فضح أنظمة الاستبداد في العالم الثالث بصفة عامة و النظام المصري بصفة خاصة. تلك الأنظمة التي تستند إلى المؤسسة العسكرية و جهاز المخابرات لقمع الشعب و تعذيب الرعية من أجل أن يتفرد الحكام وأعوانه بالسلطة و يمنع الحوار و الجدال و إبداء الرأي الآخر ، فالأنا داخل مملكة "التسلطن" والقهر لا تتوادد إلى الأخر ولا تعقد معه أدنى تواصل أو تعارف إنساني، فالسلطة تبدد كل شيء، والغاية تبرر الوسيلة . و تكشف الرواية أيضا زيف السياسيين المقنعين ( الزيني بركات مثلا ) الذين يحاربون الديمقراطية ويتشدقون بالشعارات لكن ممارساتهم الفعلية تعاكسها وتناقضها .

    ويريد الغيطاني من خلال روايته أن يبين أن الاستبداد يولد الهزيمة و المأساة ، و أن لكل بداية نهاية . لذلك عاد الغيطاني إلى الماضي ليطل على مصر المماليك في القرن العاشر ليبحث عن أسباب الاستبداد و مظاهره و نتائجه الوخيمة مقارنا ذلك بمصر الحاضر ، مصر الناصرية إبان الستينيات حيث الاستبداد وجهاز المخابرات ينشر الرعب و الإرهاب بين الناس باسم السلطة والحفاظ على مكاسب الثورة، حتى أدى هذا القمع إلى هزيمة مصر جمال عبد الناصر في حزيران 1967م أمام الإسرائيليين الذين دخلوا مصر و احتلوا سيناء . و هكذا لم يستفد المصريون من عبر الماضي الذي يحضر بكل حمولاته في الحاضر . إنه زمن الهزيمة و الاستبداد ولاسيما أن الغيطاني كتب الرواية ما بين 1970 و 1971م بعد وفاة جمال عبد الناصر في عام 1970 م. و إليكم أوجه التشابه بين الماضي و الحاضر :

    مصر الناصرية مصر المماليك
    القرن 20 هـ ( الستينيات ) القرن 10 هـ
    الحاضر الماضي
    جمال عبد الناصر وجهاز المخابرات الزيني بركات و جهاز البص
    التجسس الداخلي و الخارجي البص الداخلي و الخارجي
    الاستبداد و هزيمة 1967 م في مصر الاستبداد و هزيمة 920 هـ في معركة مرج دابق
    انتصار الاسرائليين و مأساة المصريين انتصار العثمانيين و مأساة المصريين

    نستنتج، إذاً ، أن جمال الغيطاني يسقط الماضي على الحاضر ويؤكد نتيجة أساسية أن استبداد الناصريين هو السبب في الهزيمة 1967 م و انتصار إسرائيل على مصر و احتلالهم لسيناء ، فالقمع و الإرهاب يولدان الظلم و الجور و استكانة الشعب و جوعه ، وفي نفس الوقت يثير فيهم الثورة المكبوتة و التمرد الداخلي والاستعداد للانتفاض كلما حانت الفرصة . و بالتالي ،لم يحكم جمال عبد الناصر مصر إلا بجهاز المخابرات و المؤسسة العسكرية ، حسب دلالات الرواية و تصريحات الكاتب نفسه ، وأدى ذلك إلى الفساد السياسي و الهزيمة المعروفة مسبقا ، لأن مصر لم تكن مستعدة لخوض الحرب . ويقول جمال الغيطاني مشيرا إلى أبعاد الرواية السياسية مقارنا نفسه بابن إياس الشاهد على استبداد المماليك :" هناك وجوه اتفاق بين حياتي و واقعي وحياة بن إياس و واقعه ، ولكن هناك وجوه اختلاف و تباين كذلك (...). و قد شهد ابن إياس هزيمة المماليك أمام العثمانيين ، وشهدت هزيمة بلادي أمام الإسرائيليين .على أن هناك أشياء أكثر عمقا من هذا ، ففي فترة الستينيات كانت المشكلة الديمقراطية بالغة الحدة ، حتى إن نجيب محفوظ نفسه استخدم الرمز " .

    و يسرد جمال الغيطاني الأسباب و الدوافع التي دفعته إلى كتابة (الزيني بركات ) بهذه الصيغة التاريخية التراثية و التي أرجعها إلى انتشار المخابرات و تتبع أجهزة أمن الدولة للمثقفين والمعارضين و التنكيل بحرية الصحافة و الإبداع و تكميم أفواه الشعب و تتبع أنفاس الرعية : " و كنت أشعر بوطأة القهر البوليسي ، و بحصاره للمثقفين و أفراد الشعب عموما ، كنت في رعب من الأجهزة الأمنية . و منذ بداية الستينيات و أنا أشعر بالمصادرة ، بالرغم من أني لست رجل سياسة، و لهذا حاولت أن أعرف كل شيء عن هذه الأجهزة و تركيبها الداخلي . و حينما بدأت أكتب " الزيني بركات " كنت أحاول أن أكتب قصة شخص انتهازي ، فقد استرعى انتباهي في الستينيات وجود نموذج للمثقف الانتهازي الذي يبحث عن شخصية كبيرة يحتمي بها أو يصاهرها كأن يتزوج ابنة شقيقها أو شقيقتها مثلا ، و هو انتهازي بسيط إذا ما قورن بنموذج انتهازي السبعينيات . لقد التقت هذه الملاحظة مع ما كتبه ابن إياس عن شخصية انتهازي خطير هو " الزيني بركات بن موسى" و بعد إن انتهيت من كتابة الرواية فوجئت بها تتحول من رواية انتهازي إلى رواية "بصاصين ".

    كان العصر المملوكي عصر قهر رهيب، ولو قرأت أوصاف السجون و أبشعها "المقشرة" الموجودة بباب النصر لاقشعر بدنك، كان يلقى فيه الإنسان طوال عمره دون ذنب جناه أو محاكمة تقضي بذلك . و في "الزيني بركات " التقى القهر المملوكي بقهر الستينيات ".

    و سواء أكان الزيني بركات رمزا للانتهازية و الوصولية أو رمزا لقمع البصاصين، فإنه يدل كذلك على المستبدين الناصريين الذين دفعوا الشعب إلى حرب فاسدة و حصدوا الهزيمة قبل أن يشاركوا فيها ليشربوا بعد ذلك كؤوس المرارة و العار و الذل المحلي والقومي و العنف السياسي .

    ويقول الدكتور حمدي حسين إن لجوء الغيطاني إلى هذا الشكل التاريخي مقلدا ابن إياس في بناء روايته و استخدامه مصطلح "سرادقات " و اقتباسه شكل "الحوليات"كان هذا في حد ذاته:"كافيا للتعبير عن رؤيته السياسية التي تتمثل في غياب الديمقراطية،فما لجوءه لهذا في الحقيقة إلا قناع يتوسل به لتصوير رؤيته و هو في مأمن من الأجهزة البوليسية ، و هو في حد ذاته يحمل بعض الإدانة للفترة التي نشرت فيها الرواية و لجوء الكاتب لمحاكاة أسلوب بن إياس كانت غايته الإيهام بأنه إنما يكتب رواية تاريخية، و الحقيقة أنه استخدم شكلا تاريخيا و لم يكتب رواية تاريخية ".

    استنتاج تركيبي:

    و عليه ، فرواية "الزيني بركات" لجمال الغيطاني رواية تراثية تندرج ضمن التخييل التاريخي، وتتخذ من زمن المماليك قناعا رمزيا لإدانة حاضر الستينيات في مصر . و هي – بالتالي- رواية طليعية و جديدة لبنيتها السردية التراثية التي تقوم على خلخلة البناء المنطقي والزمني للأحداث و اللجوء إلى تعدد الرواة و الرؤى السردية والإثراء اللغوي الأسلوبي لخلق رواية بوليفونية ، وتوظيف الوثائق و الخطابات السردية و عتاقة الأسلوب التراثي لخلق حداثة سردية و صوت فني متميز .

    ويبدو لنا أن الغيطاني لم يكتب رواية تاريخية حرفية أو موثقة من أجل التوثيق الموضوعي، بل استحضر التاريخ ليسائله و يحاوره ويبرز نقط ضعفه و يحدد الأسباب و يشخص المظاهر ليصل إلى النتائج بطريقة جمالية و فنية رائعة .

    0

    ملاحظة
    الهوامــــش:

    - جمال الغيطاني: الزيني بركات، دار الشروق، القاهرة، مصر، بيروت، القاهرة ط1 ، 1989؛

    و جمال الغيطاني من جيل الستينيات ولد في القاهرة سنة 1945م، نشر أول قصة قصيرة في يوليو سنة 1963 ،له تسع روايات أولها " الزيني بركات " سنة 1974م ، و آخرها "هاتف المغيب " سنة 1992م . و له مجموعة قصصية أولها " أوراق شاب عاش منذ ألف عام " سنة 1969 م. و أخر مجموعته " ثمار الوقت " سنة 1989 ، و له ست دراسات أشهرها "أسبلة القاهرة" سنة1984، و "ملامح القاهرة في ألف عام "سنة 1983 م،و " نجيب محفوظ يتذكر" سنة 1980م.

    - أحمد عزت عبد الكريم: ابن إياس"دراسات وبحوث"،طبعة الهيئة المصرية العامة للكتاب، سنة 1977م ،ص:14؛
    - فاضل عبد اللطيف الخالدي: ابن إياس "دراسات وبحوث"،ص:28؛
    - د . سيزا قاسم: روايات عربية، قراءة مقارنة، منشورات الرابطة الدار البيضاء، ط1 ، 1997م،ص:63؛؛
    - د. سامية أحمد: ( عندما يكتب الروائي التاريخ)، مجلة فصول، مصر، المجلد 2، العدد2، سنة 1982، ص:68؛
    - جمال الغيطاني: ( القلق، التجريب، الإبداع)، مواقف، لبنان، العدد 29، ص:111؛
    - جمال الغيطاني: الزيني بركات، صص: 35-36؛
    - نفس المصدر السابق، ص:14؛
    - نفس المصدر، ص: 245-246؛
    - سامية أسعد: (عندما يكتب الروائي التاريخ)، مجلة فصول، مصر،ص: 69؛
    - رضوى عاشور: ( الروائي والتاريخ" الزيني بركات" لجمال الغيطاني)، مجلة الطريق، لبنان، العدد3/4 ،1981م،ص: 132، الهامش؛
    - جمال الغيطاني: الزيني بركات، ص:7؛
    - حمدي حسين: الرؤية السياسية في الرواية الواقعية في مصر(1965-1975)، مكتبة الآداب، القاهرة، ط1، 1994م، ص: 277؛
    - حمدي حسين: الرؤية السياسية في الرواية الواقعية في مصر، ص:377؛
    - نفس المرجع السابق، ص:378؛
    - سيزا قاسم : روايات عربية، قراءة مقارنة، ص:68؛
    - جمال الغيطاني: ( مشكلة الإبداع عند جيل الستينيات والسبعينيات)، ندوة، مجلة فصول، مصر، المجلد 2، العدد2، سنة 1982م،ص: 213؛
    - نفس المرجع،ص:385؛
    - حمدي حسين: نفس المرجع، ص:385؛
  3. الوفاء الدّائم

    الوفاء الدّائم عضو مهمّ

    683
    106
    43
    الدّولة:
    تونس
    الولاية:
    بنزرت
    المستوى الدّراسي:
    خيار آخر
    الاختصاص:
    -
    المهنة:
    -
    إشكالية السلطة
    رواية «الزيني بركات» نموذجاً
    د. ديانا علي محمد

    تعنى هذه الدراسة بقراءة رواية «الزيني بركات» لجمال الغيطاني من زواية إشكالية وجدلية هي إشكالية السلطة وعلاقتها بالمجتمع عوامه وخواصه، فهذه الرواية محمومة بالعلاقة المأزومة والقهرية والرأسية بين السلطة والمثقف والمهمش، فقد ظهرت السلطة متمثلة بالزيني بركات سلطة مخابراتية ترواغ كل الأطراف في سبيل بقائها، ونتيجة لذلك كانت سبباً في ضياع القاهرة.

    لقد استطاع الغيطاني أن يحيي التاريخ القديم وأن يجعله ناطقا للحاضر الذي نعيش فيه فقد تلاقح التاريخ بالفن الروائي ليقبض على لحظة حية وحرجة عاشها المجتمع في الماضي ويواصل الاكتواء بها في الحاضر.

    استندت هذه الدراسة في تحليلها إلى النظريات النفسية والاجتماعية وإلى نظرية التناص.

    وقد قسم هذا البحث إلى عدة أقسام: المقدمة، دولة البصاصين ودورية الزمن القمعي، السرادقات القهرية، صانع السرادقات، هزيمة القاهرة، المثقف والسلطة.

    السلطة .. المثقف
    شغلت الرواية العربية بتصوير انتكاسة السلطة وازدواجيتها وانحرافها عن كل ما بشرت به، وقد أسهبت في الحديث عن «خذلان العباد»، وما تمخض عن ذلك من ظواهر خاصة بالسلطة، وأخرى خاصة بالأفراد عاديين أو مثقفين، وصورت مدى أثر ذلك الخذلان على الحياة، وعلى نفسيات المثقفين الذين اطلعوا أكثر من غيرهم على مبادئ السلطة وأفكارها في كل أطوارها إلى أن وصلت سدة الحكم.
    إن الأزمة التي شغلت بها بعض الأعمال الروائية هي أزمة خيانة السلطة وخيانة المثقف للمجتمع الذي آمن بهما، ويقع الخذلان في «الالتباس الحاصل بين السلطة والعدالة»(1)، أي بين القوة والعدالة، وقدرة كل من المثقف أو المجتمع والسلطة على التمييز بينهما، وما يرافقهما من تحول في الاستراتيجيات والكيفيات.

    يرافق خذلان السلطة بعض العادات البغيضة؛ كظهور ما يسمى بظاهرة «التحول» من عقيدة إلى أخرى، ثم الارتداد عن العقيدة المعتنقة، وحصول فرد من الأفراد على مكافآت ومزايا من إحدى الفرق، ثم تحوله هو نفسه إلى مناصرة الفريق الآخر، وحصوله على المكافآت من راعيه الجديد، ويتساوى في هذه الظاهرة كل من أفراد السلطة والمثقفين(2).

    يهاجم إدوارد سعيد المثقفين الذين يتبنون سلوك «عبادة الرب»، فهم يفتقرون إلى العالمية والشمول؛ لأن من يعبد الأرباب عبادة عمياء، يرى دائما جميع الشياطين في الجانب الآخر، ويرى إدوارد أن مثل هذا المثقف سوف يطأ بأقدامه على قصة عبادته السابقة لسادته السابقين، ويصفها بالشر المطلق، دون أن يثير أي سؤال عن صحة عبادة رب من تلك الأرباب، لينتقل فجأة إلى عبادة رب جديد(3).

    إن تفسير الهزيمة (سياسية أو حربية أو اجتماعية) ينحصر وينغلق باتجاهين: الرب الذي خذل عباده، والعبيد الذين خذلوا ربهم، فالأول اتجاه يدين الذات السلطوية، يدين الرب، أما الآخر فيدين الأنا الجمعية/العباد، وتبقى قضية الهزيمة معلقة بالخيانة الواقعة ما بين هذين الطرفين وما اجتمع بينهما من مواضعات غذت الأسباب الرئيسة للهزيمة.

    لقد أصبحت هزيمة المجتمع، وهزيمة المثقف وهزيمة الأفكار، وهزيمة المدن، مادة أساسية لكثير من الروايات التي شغلت بسير رب خذل عباده الذين آمنوا به إيمانا مطلقا، فكان ذلك الإيمان الجريمة التي اقترفها الجميع، ولم يحاسب كل منهم نفسه عليها.

    دولة البصاصين- دورية الزمن القمعي:
    لم يتوقف الغيطاني عند المادة التاريخية في سرد روايته «الزيني بركات»، وإنما تجاوز ذلك إلى بناء الرواية وتقسيمها إلى حقب تاريخية مستلهمة من «بدائع الزهور»، ومضيفا إلى ذلك التقسيم بعداً نفسياً سيتم الحديث عنه فيما يسمى بـ «السرادقات القهرية».

    تتكون رواية «الزيني بركات» من مقدمة وسبعة سرادقات، وتغطي كل واحدة من هذه السرادقات حقبة زمنية معينة تتم الإشارة إليها عبر تقارير «البص» المؤرخة، أو مقتطفات من الرحالة الإيطالي، أو تدوين اليوم والتاريخ والسنة والوقت على رأس الصفحة في بداية السرادق أو في نهايته.

    تحدث تداخلات زمنية عجيبة داخل الرواية بسبب تنوع الأساليب الخطابية والسردية في الرواية (4)، يوضح الجدول التالي الزمن الذي يغطيه كل سرادق:

    تقسيم الرواية
    الحقبة الزمنية المستلهمة

    المقدمة
    رجب 922هـ - 1516م

    السرادق الأول
    10 شوال 912 هـ

    السرادق الثاني
    909 هـ، ذو القعدة، ذو الحجة 912هـ

    السرادق الثالث
    رجب 914 هـ

    السرادق الرابع
    ذو القعدة 920 هـ، 922 هـ

    السرادق الخامس
    جمادى الأولى 922 هـ، 15 شعبان 922
    هـ -1517م

    السرادق السادس
    922 هـ - 1517م

    السرادق السابع
    922هـ – 923 هـ

    خارج السرادقات
    923 هـ

    يخالف الغيطاني ابن إياس في مستوى البنيات الكبرى (أي البنيات القصصية)، ويقسم نص ابن إياس إلى أقسام زمنية، فالوحدة الكبرى هي السنة مقسمة إلى شهور، والشهور مقسمة إلى أيام تقع فيها الأحداث، والحدث هو الوحدة الزمنية الصغرى في هذا النص. أما في رواية «الزيني بركات» فإننا نجد الوحدات الكبرى هي السنوات، فالرواية تغطي المدة الزمنية بين 912 – 923 غير أن التسلسل الزمني التراتبي المنطقي الصارم الذي يتبعه ابن إياس لا يجد ما يقابله في الرواية(5).

    إن البناء الزمني المعقد الذي اختاره الغيطاني ينم عن حساسية روائية أذابت الصرامة التاريخية للحقب التي تغطيها الرواية؛ لتخلق لنا نصا جديداً حراً قادرا على مخاطبة كل العصور وموازاتها، فقد كسّر الغيطاني الحدود الفاصلة بين الأزمان (الماضي والحاضر والمستقبل)، ودمج الذاتي بالواقعي بالتاريخي، وهذا الذوبان بين الذاتي والواقعي والتاريخي ينطوي على عمليات تفكيك وتركيب معقدة، وعلى اتصال وانفصال مع التاريخ، إذ فكك الغيطاني الوقائع التاريخية القديمة المستمدة من «بدائع الزهور»، وأدرجها في سياق روائي يحاكي اللحظة الراهنة (زمن كتابة الرواية)، بحيث انسلخت الوقائع التاريخية عن لحظتها الماضية، وتحررت من سكونها التاريخي، وأصبحت حية لا تتوقف عند زمن معين: «إن لحظة الكتابة، تخلق النص المختلف، الذي يحيل إلى زمن الكتابة المبدعة، قبل أن يتوقف أمام ماض مستعاد وحاضر يسكنه التهافت، وبسبب ذلك، فإن نص الزمن المستعاد لا يقول ما يشاء، بل ما شاءت له الكتابة المبدعة أن يقول، ولا يطرح من الأسئلة إلا ما وضعه المبدع على لسانه. ولعل القراءة الفاعلة، التي تلبي الكتابة على صورتها، أي كتابة تعين الخلق وتنكر الاستظهار، هي التي أخذت بيد الغيطاني إلى أبواب نصوص معينة، وهو يكتب «الزيني بركات»، وإلى أبواب أخرى وهو يضع «التجليات»(6).

    لقد خلق الغيطاني حيوية تلك اللحظة بتوسطه بين مساحتي التاريخ والخيال (مزاج الكاتب، رؤيته الخاصة)، فالتلاقي الحادث بين الحس الروائي والحقيقة التاريخية/الوثائق التاريخية خلق لنا نصا جديدا استطاع من خلاله الغيطاني أن ينجز تقاطعاً يتلامس فيه قهر الستينيات بقهر المماليك، هزيمة حزيران بهزيمتي مرج دابق والريدانية، فما بين الهزيمتين جرت أحداث الرواية لتغطي هزيمة المثقفين في العهد الناصري: هزيمة الديمقراطية والحريات وهزيمة 67، يقول الغيطاني: «الزيني بركات جاءت نتيجة لعوامل عديدة، أهمها في تقديري، تجربة معاناة القهر البوليسي في مصر خلال الستينيات. كانت هناك تجربة ضخمة تهدف إلى تحقيق العدالة الاجتماعية. تهدف إلى تحقيق أحلام البسطاء، يقودها زعيم كبير هو جمال عبد الناصر، لكن كان مقتل هذه التجربة في رأيي، هو الأسلوب الذي تعاملت به مع الديمقراطية»(7).

    فهذه الرواية تفسر لنا أسباب الهزيمة، سواء أكان السبب هو الصراع الخارجي بين المماليك وبني عثمان، أم الصراع الداخلي بين السلطة والسلطة أو بين السلطة والمثقفين: «عانينا من الرقابة في الستينيات، وأسلوب التعامل البوليسي، وأتصور أن هذا أحد أسباب علاقتي القوية بالتاريخ، كنت مهموما بالبحث في تاريخ مصر، وبقراءة هذا التاريخ خاصة الفترة المملوكية، التي وجدت تشابها كبيرا بين تفاصيلها وبين الزمن الراهن الذي نعيش فيه. وأنا عندما أقول الفترة المملوكية، أعني الفترة المملوكية التي كانت مصر فيها سلطنة مستقلة تحمي البحرين والحرمين .. وعندما طالعت مراجع شهود العيان الذين عاشوا هذه الفترة، ذهلت من تشابه الظرف بين هزيمة 67 والأسباب التي أدت إليها وبين هزيمة القرن السادس عشر، وأوصلني هذا فيما بعد، إلى ما يمكن أن يسمى باكتشاف وحدة التجربة الإنسانية في مراحل كثيرة من التاريخ حتى وإن بعدت المسافة»(8).

    لقد اختار الغيطاني شخصية الزيني بركات ـ وهي شخصية تاريخية(9) ـ لتمثل السلطة الناصرية بكل حمولاتها القهرية، تلك السلطة أو ذلك الرب الذي آمن به المثقف إيمانا مطلقا لا يداخله الشك، فاصطدم بانزياح الرب عما بشر به وتخليه عن وعوده، وانتخب الغيطاني الشيخ أبا السعود الجارحي، ومريديه من الشيوخ الأزهريين ليمثلوا المثقفين بكل أطيافهم.

    فقد ظهرت شخصية الجارحي مؤمنة بالسلطة، ثم معارضة لها، تاركة مساحة معينة للشك داخلها على الرغم من أنها قد باركت يوماً من الأيام هذه السلطة، لقد تغيرت نبرته مع الزيني بركات عندما اكتشف زيفه وحقيقته، وقام بعد ذلك بمؤازرة طومان باي عند دخول العثمانيين إلى القاهرة. وبذلك قدم الغيطاني نموذج المثقف المثالي الذي يصبو إلى وجوده، ذلك المثقف الذي لا يعبد وإنما يثق مع وجود مساحة للشك، تلك المساحة التي تتيح له سرعة إعادة النظر دون الاصطلاء بنار خذلان الرب وخيانته، كل ذلك بشرط عدم الاطمئنان المطلق لعقيدة أو لسلطة ما.

    وعبر شخصية سعيد الجهيني ظهرت سياسة الوأد الفكري التي مارستها السلطة على مثقفيها بكيفيتها القسرية القهرية، فقد قامت بتحطيمهم نفسيا وفكريا: «قال الزيني: سأرسل لك المجاورين المشاغبين، وبهذه المناسبة، ما آخر أخبار هذا الولد؟. اسمه؟ قال زكريا: (سعيد الجهيني)، صاح الزيني: «تمام... تمام»، ابتسم زكريا: «لا تفوتنا حركاته، نحن أدرى به من نفسه، بعد زواج حبيبته كان حزينا جدا، قلنا إنه سيلقي نفسه في النيل، أو يشرب فصا ساما، ثم بدأ يكثر من الخلوة إلى نفسه في مقهى حمزة، أحيانا يجلس معه أحد أصحابه، منصور... قال الزيني: لنرجع إلى الولد سعيد، قال زكريا: «إدمان الدخان، والمشروب الجديد الذي وصلنا من اليمن القهوة، وبعد زواج حبيبته بشهور بدأ يتردد على بيت سنية ابنة الخبيزة..»(10).

    ما بين الهزيمتين: مرج دابق والريدانية
    تقع أحداث رواية الزيني بركات ما بين حربي مرج دابق والريدانية، إلا أن ذكر هاتين المعركتين لا يأتي سوى مرتين أو ثلاث مرات، ففي مقدمة الرواية جاء: «لا يمكن، جيش السلطان من فرسان الإسلام وحماته، كل فارس منهم مقوم بألف من العثمانلية وكما غلبهم الأشرف قيتباي، فلا بد من هزيمتهم على يد الغوري»(11) فهذه إشارة إلى معركة مرج دابق التي قادها الغوري.

    لكن معركة الريدانية تحضر بنتائجها ووقعها على المصريين، وجاء في نهاية الرواية فيما يسمى «خارج السرادقات»: « ثم يتوقف المنادي لحظة، ويتلو أمرا من الزيني نفسه، أصغيت، ينادي موضحا العملة العثمانية الجديدة حلت محل المملوكية القديمة»(12).
    تمتد رواية الزيني بركات من 912 هـ إلى 923 هـ وهو تاريخ إعدام طومان باي، أي أنها تغطي اثنتي عشرة سنة، جاءت في السنوات: 912هـ، 913، 914، 920، 922، 923هـ :
    بداية الرواية
    نهاية الرواية

    هزيمة مرج دابق
    هزيمة الريدانية
    922 هـ / 1516
    923 هـ /1517

    يأتي السرادق الأول بعد المقدمة، ويجري فيه تعيين الزيني بركات محتسبا جديدا للقاهرة، بعد أن تم اعتقال علي بن أبي الجود بتهمة السرقة وجمع الأموال وكنزها، وتنتهي الرواية بهزيمة المماليك في معركة الريدانية، ودخول بني عثمان، وإعادة تعيين الزيني بركات محتسبا لعهد جديد تشهده القاهرة الجديدة القاهرة العثمانية.

    يقيم الغيطاني محاكاة بين العصر المملوكي والعصر الناصري، وينتخب أكثر اللحظات تأزما في تاريخ مصر القديم والمعاصر، أما في القديم فهي سقوط مركزية مصر وهزيمتها، وأما في المعاصر فهو يحتفي بحدثين تاريخيين هامين، هما ثورة يوليو (1952) وهزيمة حزيران (1967)، فلا عجب أن تمتد الرواية كزمن تاريخي وكزمن اللحظة الراهنة إلى اثنتي عشرة سنة:
    912هـ - 923 هـ || 1952 م - 1967م

    ج. السرداقات القهرية:
    لم يستخدم الغيطاني طريقة الفصول أو الأبواب، وإنما اختار تقسيم السرادقات في بناء الرواية، إن هذه الرؤية الشكلية الحولية لبناء «الزيني بركات» لا تنفصل عن الرؤية الشاملة للنص، بل تختلط بكل عناصرها المتباعدة لتشكل نصاً روائيا يتكامل فيه الشكل والمضمون، ويتضح ذلك في دلالة السرادق، فهذه الكلمة تحمل صفة العذاب من خلال قوله تعالى:
    }أحاط بهم سرادقها{ أي صار عليهم سرادق من العذاب، كذلك تعني الإحاطة، أي ما يحيط بالشيء، وهي أيضا الخيام التي تنصب للأفراح والأتراح(13) وهي بذلك تجمع بين المتناقضات. سأركز على دلالتي الإحاطة والعذاب لإبراز الجانب النفسي للسرادقات كما يتجلى في رواية «الزيني بركات».

    ومن جانب آخر فإن نظام السرادقات داخلها وخارجها يعكس رؤية السارد في الرواية، فهو إما سارد خارجي أو سارد داخلي، وبالنظر إلى تقسيم الرواية نجدها تبدأ بمقدمة «لكل أول آخر ولكل بداية نهاية» التي تأتي بصوت الرحالة، وهي الخطاب الأول للرواية، أو هي عتبة النص (ما قبل السرادق الأول)، وتنتهي الرواية بما يسمى «خارج السرادقات» وهو مقتطف أخير من الرحالة، والكاتب لا يدخلهما ضمن السرادقات(14) فما قبل السرادقات هي البداية، وما بعدها هي النهاية، وكلاهما تتصلان برؤية الرحالة للأحداث، وهي رؤية برانية من خارج البيت الكبير (القاهرة)، و«في السرادقات نحن أمام الدائرة المغلقة، خارج السرادقات نجد أنفسنا أمام البداية الجديدة، وفي القسم الأول الذي اعتبرناه «العتبة»: المدخل الطبيعي إلى عالم نهاية السرادق ككل، والعتبة وخارج السرادقات معا يقدمان من منظور الرحالة الأجنبي، ولذلك هو خارج السرادق (البيت)»(15)

    إن نظام السرادقات هو انعكاس لدواخل وذوات الشخصيات على اختلاف مستوياتها، ففي داخل كل شخصية سرادقها المعذِّب لها، لأن السرادق هو كل ما يحيط الشخصية من هواجس وما تعلَّق في خيالها ووسواسها، فكل شخصية محملة بسرادق عذاب وبهواجس قهرية «بصية» يتساوى فيها الحاكم والمحكوم، السلطة والشعب، رجل «البص» والمثقف معا، «فقد ألغى الحوار كلية، فلا لقاء بين الشخصيات وجها لوجه؛ وألغى أيضا المشاهد التي يجتمع فيها أكثر من شخصية، بحيث احتفظ بكل شخصية حبيسة وعيها، لا تستطيع أن تخرج منه، وقد خلق هذا التكنيك جوا كابوسيا من ناحية، وأكد من ناحية أخرى انغلاق كل شخصية في عالم وهمي من صنع خيالها، لا يمت بصلة للعالم الخارجي»(16).
    تمتلك شخصيتا زكريا بن راضي، الذي يشغل منصب كبير «بصاصي» الدولة والزيني بركات قدرات خارقة في مجال «البص»، وتمثلان النظام المخابراتي في العهد الناصري، وتعكسان صورة ما جاء في مخيال المثقفين المصريين حول ذلك الجهاز.

    إن السلطة بنظامها «البصي» من أعلى الهرم إلى قاعدته تعيش في توتر واضطراب دائمين؛ لأن لديها طموحاً «بصّياً» كبيراً يرتقي إلى معرفة دواخل النفوس، ومعرفة الضغط الذي يمارسه منكر ونكير داخل القبر عند السؤال!! (كانت هذه أمنية زكريا) (17).

    إن تطوير نظام «البص» يشكل هاجساً لا يتوقف زكريا عن التفكير به، ويزداد أمر ذلك الهاجس عندما يكتشف عجزه عن معرفة تاريخ الزيني بركات وعجزه عن زرع «بصاصين» ينقلون أخباره وأخبار «بصاصيه».

    أقلقت شخصية الزيني بركات زكريا بن راضي، وأظهرته مغفلا يُراقَبُ و«يُبَص» عليه ممن يأمن جانبهم: الجارية وسيلة، التي كانت تعمل لصالح الزيني بركات، الذي مارس على زكريا بن راضي سياسة التهويم، فقد أقنع الزيني بركات زكريا والشعب المصري بوجود ما لا يوجد، أي وجود نظام «بصّي» كامل خاص للزيني بركات، والنص التالي يجسد إحدى سرادقات زكريا بن راضي ـ كبير البصاصين ـ من المحتسب الزيني بركات: «سنين طويلة وزكريا يجهد نفسه، يبذل طاقات لا أول لها ولا آخر لكي يعثر على بصاص واحد يتبع الزيني. لم يستطع رجاله، أيقن ببراعة رجال الزيني في التخفي. عمل لهم ألف حساب وحساب أدرك زكريا انه خدع خدعة عميقة، تمنى زكريا لو وجد نظام بصاصين فعلا يتبع الزيني، وأن لا يدرك أن الأمر كله إشاعة أطلقها الزيني، بنى نظاماً في الهواء أوجده ولم يوجده، عانى زكريا مرارة الخديعة أياما لكنه أضمر في نفسه إعجابا خفيا للزيني.. الزيني الذي عرض عليه كل ما قدمه على أساس أنه بعض الطرق المتبعة في نظامه هو الخاص بمراقبة الخلق، أي إنسان في مصر يعلم بوجود جماعتين جماعة بصاصين تتبع زكريا وجماعة تتبع الزيني، هذا كله وهم أشاعه الزيني، لكن الأوضاع ستجد فيما لو اجتاح وباء العثمانلية مصر؟»(18).

    تمثل تلك شخصية زكريا حلم الدولة المخابراتية التي تجثم على أنفاس شعبها، وتريد معرفة الشاردة والواردة فيه. لقد برع الغيطاني في تصوير النظام البصي في أدائه وآليته وتأثيره على نفوس البصاصين والمثقفين والناس، لكن ذلك الصرح المخابراتي ينهار ويتكشف ضعفه بطريقة ساخرة عندما يخترق أعمق أعماق أسرار زكريا بن راضي وعندما يتعرى أمام خصمه العبقري الزيني بركات(19).

    قد تكون براعة الغيطاني تكمن في رسم أنموذج مثالي للمخابرات والاستهزاء منه في آن عبر سقوط وخديعة أكبر رموزه زكريا بن راضي، كان هذا السقوط الكوميدي الساخر إحدى الوسائل التي يندد من خلالها الغيطاني بالجهاز المخابراتي الذي انحرف عن مهمته الأولى.

    لقد أصبح البص غاية وشبحا في «الزيني بركات»، فهو غاية للجهاز المخابراتي، وشبح يرعب المثقف والسلطة معا، ويمثل النص التالي هواجس زكريا بن راضي تجاه البص، فهو يقلق أيضا من أن يُبَصَّ عليه، ويفتضح أمره، ويخاف من تشنيع العامة والخاصة به بعد كشف المستور، وبيان قبيح أعماله، ويفضح السجن السري الذي عذب به الأبرياء، فزكريا يعترف ببراءتهم، ويتخيل زكريا كل ذلك بعدما قام بتصفية شعبان الغلام المقرب للسلطان: «يقرر خنق شعبان، لكنه الليلة محسور، الغيظ يهريه، للأسف، يقرر خنق شعبان ودفنه حيا، بنفسه راقب الخنق، مبروك وحده قام بالعملية، ضربات معوله الصماء عالقة في أذن زكريا، الليل وغرابة الأمر ورحيل الفتى يكسبها رنيناً قاتماً مخيفاً، لكن، لا بد من تنفيذ ما أمر به، ربما جاؤوا واختطفوا شعبان حيا، يطلعون به إلى السلطان، يا مولانا هذا غلامك الحبيب وجدناه عند زكريا بن راضي كبير البصاصين، ونائب علي بن أبي جواد، يا مولانا خانك زكريا فاختطف أحب الناس إليك. فسق في أقرب الخلق منك، بدله وغيره. أنه أوله وآخره، كبير بصاصيك الذي جئت به يوما، كدت تظهر ضعفك أمامه، طلبت منه بقلب كليم، أن يطلق رجاله، عيونه، بحثا عن شعبان، حبيبه وصفيه، زكريا هذا. . . هنا لا بد من هلاك عظيم، فناء أكيد لن يوسط، لن يخوزق، الشنق وقتئذ نعمة لا ترجى، الموت خنقا أمنية صعبة، أما السم الزعاف فجنة لا ينالها أمثاله، سيأمر السلطان بشيه حيا على نار بطيئة، من قبل شوى ثلاثة رجال على السفود – قيل مجرد القول إنهم شوهدوا في صحبة الغلام مرات – لم ينتظر ليستقصي، من هم، من أي جنس»(20).
    يحرك الخوف مخيال زكريا بن راضي، فتتزامن هواجسه ومخاوفه مع ضربات المعول الصماء التي تدق في أذنه منذ قتل شعبان، وقد كشف خياله عن خمس وسائل تعذيبية سادت في العصر المملوكي، وهي عقوبة التوسيط، حيث كان يتم شطر الضحية بالسيف إلى جزأين بالعرض من منتصف الجسم، والخازوق وهي طريقة بشعة للإعدام ظهرت في ذلك العصر، حيث يغرز رمح طويل في جسم الإنسان من الأسفل إلى أعلى، ويبقى الضحية معلقاً برمحه حتى يلفظ آخر أنفاسه، ويرجح زكريا عقوبة الحرق البطيء لشدة فظاعتها، ويستبعد عقوبات الشنق والخنق والسم لقلة عذابها.

    د. صانع السرادقات
    إن غياب الزيني كشخصية حية إنسانية في الرواية يكسب الخطاب الروائي ميزة خاصة، فهذه الرواية تعنى بسيرة المحتسب وفي الوقت نفسه تتفلت منها، ومن المفارقات في هذه الرواية أن عنوانها يدل على خطاب سيرة يعرض بعض جوانب حياة الزيني بركات، لكن «من الحيل التي يستخدمها الغيطاني، أنه ملأ الفراغات النفسية للشخصيات بوطأة شخصية الزيني بركات»(21)، وقد استخدم الغيطاني تقنية «المونولوج السردي» في ذلك، فالمادة القصصية تقدم إلى القارئ من خلال وعي الشخصيات، لا من خلال راوٍ عالم بكل شيء(22) فقد تشكلت سيرة الزيني بركات كشخصية تتأرجح بين الوهمية والواقعية.

    إننا لا نعرف شيئاً عن هويته باستثناء ما ذُكر في دفتر البص الخاص به، حيث لم يجد زكريا بن الراضى سوى هذه الجملة التعريفية التي أثارت زكريا: «بركات بن موسى، له مقدرة الاطلاع على النجوم، أمه اسمها عنقا»(23)، فهو شخصية دهرية كما يوحي بذلك ذكر أمه (العنقا)، ويمثل تيار السلطة المطلقة التي لا يمسكها الزمان والمكان والتاريخ، والمتواجدة في كل مركز سلطوي في كل حقبة زمنية وعهد سياسي، في البداية والنهاية، نراه في العصر المملوكي محتسباً وكذلك نراه في العصر المملوكي العثماني محتسباً أيضاً.

    لم يزد الغيطاني على ابن إياس في تعريفه للزيني بركات، وقد تغاضى في الرواية عن ذكر مهنته، ليزيد من غموض تلك الشخصية، يقول ابن إياس: «وفيه (1501-1502) خلع علي الحاج بركات بن موسى، وكان أبوه موسى من العرب وأمه تسمى عنقا... وهذا أول ظهور بركات بن موسى، واشتهاره في الرياسة.. وكان بركات بن موسى من جملة صبيان البيازرة الذين يحملون الطير على أيديهم»(24) يبدو أن ابن إياس أيضا لم تكن لديه معرفة بتاريخ بركات ابن موسى على نحو ما شاهدناه عند أبي الجود الذي فصل ابن إياس في الحديث عن تاريخه ونسبه.

    يظهر الزيني بفضاء روائي مرعب، لا بشخصية الحاكم الدموية المرعبة، وكأن الغيطاني «أوجد بنية الرعب في ذاتها بشكل يتجاوز الشخصيات التي تنشر الرعب وتلك التي يقع عليها. لكن صاحب «الزيني بركات» ما لبث أن تقدم في عمله خطوة أخرى، حين لجأ إلى جمالية الوثيقة، التي أسبغت على بنية الرعب أبعادا لا زمانية، تجعله قائما في زمانه وفي كل زمان آخر، وتؤسس لرعب له زمانه الخاص به، يمتزج بأزمنة أخرى قائمة خارجه»(25).
    يظهر الرحالة أوصاف الزيني بركات بطريقة إحساسه بها وإحساس الآخرين بها: «لكنني لم أر مثل بريق عينيه لمعانا، خلال الحديث تضيقان، حدقتي قط في سواد ليلي، عيناه خلقتا لتنفذا في ضباب البلاد الشمالية، في ظلامها، عبر صمتها المطبق، لا يرى الوجه والملامح، إنما ينفذ إلى قاع الجمجمة، إلى ضلوع الصدر، يكشف المخبأ من الآمال، حقيقة المشاعر، في ملامحه ذكاء براق، إغماضة عينيه فيها رقة وطيبة تدني الروح منه، في نفس الوقت تبعث الرهبة»(26).
    يجمع الزيني بركات بين القوة والخداع، وهاتان الصفتان - عند ميكافللي - يجب أن يتحلى بهما الرئيس الطموح والعبقري، فالإنسان لا يستطيع الوصول إلى القمة عن طريق القوة وحدها، فالخداع هو الصفة المصاحبة للقوة، ونتيجة لذلك فإن الباحث عن الزعامة والسلطة عليه أن يكون أسدا وثعلبا، أي عليه أن يركب طريقتين للقتال: القانون والقوة، فالأولى يستخدمها الإنسان والثانية الحيوان، وكلتا الطريقتين لا تكفيان إلا إذا اجتمعتا في ذات الرئيس، فالرئيس يجب أن يكون ثعلبا للتعرف على الفخ الذي ينصب له، وأسدا لإخافة الذئاب، إضافة إلى ذلك يجب أن يكون محبوبا ومهابا وليس مكروها، فالكراهية تولد المؤامرات عليه(27).
    لقد أرعب الزيني خصومه على اختلافهم، سواء أكانوا خصوماً سياسيين أو مثقفين أو بسطاء عاديين عبر استراتيجية التهويم بتمثيلاتها الكثيرة، فقد أظهر نفسه زاهدا في منصب المحتسب، ما جعل الجارحي يتدخل ليقنعه بالمنصب، وقد قام بشغل الناس والفقهاء بقضايا هامشية يتنازعون حولها كقضية الفوانيس ورأي الشرع في إشعالها، كذلك قصة الجارية والعطار التي أظهرت الزيني عينا لا يخفى عنها شيء، فقد غذَّت تلك القصة ما يقال عن الجهاز البصي الذي أحدثه الزيني لنتبين في النهاية أن لا وجود له وما كان كل ذلك سوى وهم صدقه الجميع وأولهم زكريا بن راضي الذي اقتنع بوجوده وبقدرة الزيني على تجنيد رجال بصفات أسطورية خارقة تخدم محتسبا/سلطة خارقة.

    لقد كان زكريا بن راضي أكثر من تشرب خديعة الزيني، وأكثر من تأثر بسياسة التهويم التي اتبعها، فكل اقتراحات الزيني لزكريا في تطوير البص كانت اقتراحات طبقها الزيني عليه، وقد خرج مؤتمر البصاصين بعدة وصايا كان الزيني قد طبقها: «مطلب في كيفية إقناع الناس بوجود ما هو غير موجود»، و«مطلب في كيفية الرقابة، أي كيف يـرصد بصاص بصاصا آخـر»(28)

    إن الجانب الثعلبي في سياسة الزيني واضح وجلي، فقد خيم الوهم على معظم شخصيات الرواية، وقد أظهر قوة الأسد وبطشه في عقاب من يقع تحت يده أو من يغضب عليه مظهراً، حيث سردت لنا الرواية وقائع تعذيب ابن أبي الجود المحتسب السابق بما أسماه بوسائل كشف الحقيقة، تلك الوسائل التي تحطم السجين معنويا وجسديا: «وفيه دهنوا باطن قدميه بماء وملح، أحضروا عنزة صغيرة سوداء في رأسها بياض راحت تلعق الماء المالح، التوت شفتاه، ارتجفت ضلوعه، صار يصرخ، ثم ينقلب صراخه ضحكا حتى غشي عليه، سكبوا على وجهه ماء بارداً، «أين أموال المسلمين؟» ولم يجب... بدأ نزول الماء قطرة قطرة، بفاصل زمني معلوم، لم يمض وقت طويل إلا انتفضت رقبته، ارتعش جسده كأنه على وشك الانقصاف إلى قسمين، صرخ صرخة هائلة خارجة من الحشا... أحضروا فلاحاً من المحابيس المسنين، نزعوا ثيابه تماماً.. أظهروا حدوتين ساخنتين لونهما أحمر لشدة سخونتهما، بدأ يدقهما في كعب الفلاح المذعور.. نفد صراخ الفلاح إلى ضلوع علي... ذبح ثلاثة من الفلاحين المسنين، أسندت رقابهم إلى صدر علي بن أبي جواد...الخ»(29).
    لقد استند الغيطاني إلى خياله في وصف تعذيب ابن أبي الجود دون أن يلقي بالا لوصف وقائع تعذيبه كما أوردها ابن إياس، مع التزام الغيطاني بقسوة ما ذكره ابن إياس: فقد ضربه السلطان بالمقارع عشرين شبيبا حتى خرق جنبه، وأشرف على الموت(30)، وكان السلطان استصفى أمواله، وعاقبه وعصره في رجليه ويديه(31)، ودق القصب في أصابعه، وأحرقها بالنار، وقاسى شدائد ومحنا، وقد شنقه السلطان واستمر معلقا ثلاثة أيام على باب زويلة، لم يدفن حتى أنتن ثم دفن»(32).
    هناك جدلية قائمة في الرواية بين سرد إجراءات السلطة والنظر في نتائجها عند الناس، لقد استطاع الغيطاني أن يمثل السلطة بخطاب قائم على تلقي سياستها ومناقشتها سرا وبكل حذر، وقد ساعده في ذلك استخدام أساليب سردية متنوعة.

    هـ. هزيمة القاهرة:
    بدأت رواية الزيني بدخول الرحالة الإيطالي القاهرة، «ثم يعود النص إلى عام 912 هـ، ويقدم ملابسات تسلسل الأحداث، وينطوي هذا التسلسل المعكوس على فرضية أن الماضي يفسر الحاضر، أو أن الماضي قد يؤدي إلى الحاضر»(33)، وتنتهي الرواية بالسرادق السابع الذي يحمل عنوانين فرعيين: «آه أعطبوني وهدموا حصوني»، و«خارج السرداقات»، فالسرداق الأخير من الرواية يحمل القدر الذي ينتظر القاهرة.

    يعنون السرادق السابع بـ«سعيد الجهيني.. آه! أعطبوني وهدموا حصوني»، حيث يختزل هذا العنوان رؤية الرواية التي جسدت آهات المثقف قبل الهزيمة وبعدها، فقد تحطم المثقف «أعطبوني»، وهدمت حصونه «القاهرة» وسقطت مركزيتها بسبب سياسة الهدم التي مارستها السلطة من فرض الضرائب والمكوس وشغل الشعب بقضابا سخيفة، وبسياسة الإرهاب والبص، وبث الشك والقلق في قلوب العباد، والانشغال بالقضايا والصراعات الداخلية، وتحطيم المثقفين واستلاب إنسانيتهم...الخ
    تبدأ الصفحة الأولى من الفرع الثاني بما يسمى «خارج السرادقات» مقتطف أخير من مذكرات الرحالة البندقي فياسكونتي جانتي» حيث يعتمد الغيطاني في وصف سقوط القاهرة على الناظم/السارد الخارجي المتمثل بشخصية الرحالة الإيطالي(34)، وهو شخصية وهمية غير موجودة بالواقع(35).

    وبما أن لحظة السقوط من أشد اللحظات إيلاما فقد آثر الغيطاني جلب صوت براني عايش الحدث ونقله، وقد قدمه في بداية الرواية وكأنه رحالة حقيقي، كان ذلك بمثابة تعاقد مع القارئ كي يصدق كل ما يجري في الرواية: «كأن البيوت نفسها أسالت دمعاً؛ رأيت وجه صديقي الشيخ محمد بن أحمد بن إياس قبل دخول العثمانلية بيوم واحد؛ في تقاطيعه رقدت نبوءة بالهزيمة المقبلة، كان منكسراً، لم أره من ليلتها»(36)، يحضر الغيطاني ابن إياس متنبئاً وشاهداً حياً ومؤرخاً لتلك الأحداث المروعة، ويتشرب الغيطاني إحساسه بالهزيمة»(37).

    يتماهى الزمن القديم بالزمن الحديث كلحظة واحدة وكإحساس واحد مفتوح الأفق المكاني والزماني: «رقدت نبوءة بالهزيمة المقبلة»، حيث بلغ التشابه بين الواقعي والتاريخي والخيالي أوجه، وتوحدت التجربة الإنسانية وذابت الأزمنة والأحداث لتصبح زمنا واحدا وتجربة إنسانية واحدة، وروحاً واحدة، يسمي سعيد يقطين تلك اللحظة بـ «الثابت المتكرر» أو «الثابت الممتد» لأن الهزيمة القديمة لا تختلف عن الهزيمة الحديثة(38).

    والقارئ للنصين: «الزيني بركات» و«بدائع الزهور»، يجد أن الغيطاني قد تشرب لغة ابن إياس وروحه التاريخية وأحداث ذلك الزمن، ووقعها في ثنايا «الزيني بركات، حيث لم تكن علاقة الغيطاني بكتب التاريخ المملوكي علاقة وثائقية للبحث عن مادة أولية لكتابة رواية فقط، بل تجاوز ذلك للبحث عن بلاغة جديدة وأسلوب روائي جديد مستمد ومؤصل من الثقافة العربية والمصرية خصوصاً، بلاغة ذات جمالية ودلالة وقيمة ورؤية حسية، تحيا في مختلف العصور والبيئات، لأنها في النهاية حصيلة تجربة إنسانية واحدة.
    وقد جذب ابن إياس الغيطاني في طريقة كتابته وفي اللغة التي يستخدمها، فالغيطاني يبدي إعجابه بالبلاغة المصرية التي تجمع الفصحى بالعامية المصرية في التراكيب اللغوية، فهذه البلاغة هي التي تمسك بالواقع أكثر من الأساليب السردية السائدة(39)، لذلك يقوم الغيطاني بتضمين واقتباس بعض الجمل والعبارات الواردة في نص ابن إياس.
    ولحضور ابن إياس في نهاية الرواية دلالة عميقة، فهو المؤرخ الذي عاصر سقوط القاهرة، وكأن وجوده إشارة إلى مصداقية الأحداث الجارية وحيويتها وألمها، فالقارئ لبدائع الزهور يلمس عاطفة المؤرخ وحزنه لانهيار دولته، فقد كان ابن إياس متعاطفاً جداً مع المماليك وغير مرحب بالعثمانيين، فابن إياس يشعر بانهيار مركزية القاهرة، لأنه شعر أيضاً ببداية المركزية عندما أرخ للظاهر ببيرس وسرد أعماله، وابن إياس هو من طبقة «أولاد الناس» وهم الجيل الذي سلم من العبودية والنخاسة، وقد أطلق هذا المصطلح على أبناء المماليك الذين ولدوا على أرض مصر، ولم يعملوا في العسكرية، وهم أولاد المماليك الذين كانوا يعملون بالتجارة(40)، وكان ابن إياس على اطلاع واسع بخبايا السلطة وتعاقب السلاطين ومعرفة خباياهم، فقد اهتم بالتاريخ العسكري والسياسي لدولته(41).

    لاشك أن الزمن التاريخي قد مات، لكنه لا يزال يقوم بجدل مع الواقع، والمهم أن لا يجور الجانب التوثيقي التاريخي على الدرامي الإبداعي، فهذه مسألة هامة يسقط فيها بعض الروائيين الذين يستلهمون التاريخ في رواياتهم، وقد نجا منها الغيطاني في روايته، فالإبداع غلب التاريخ فيها، وطوعه فنيا بكل ثقله وحضوره الصارم، ليصبح التاريخ وسيلة فنية لحمولات وإسقاطات بالغة العمق.

    لكن لسقوط القاهرة مشاهدة فجائعية أخرى رواها رحالة آخر نقلها بطريقة لا تخلو من العاطفة ومن التحسر لضياع وانهيار دولة ومركزية، فقد وصف «ليون الأفريقي» دموية العثمانيين فيها، فحسن الوزان يروي لنا أن السلطان سليم كان يطارد المماليك فقط، وقد ورد عند ابن إياس أنه لم ينصف مظلوماً من ظالم وكان مشغولا بملذاته، ولم يظهر إلا عند سفك دماء المماليك الجراكسة، وكان الشعب المصري يظهر عدم مبالاته تجاه سياسة قطع الرؤوس، حيث يتلقى المصري هذه السياسة بمثل انهزامي تبريري: «من تزوج أمي أصبح عمي»(42) ويظهر الوزان دهشته من تعايش الشعب مع أي سلطة حاكمة تعلوه.

    كان السلطان العثماني سليم الأول حاضراً عند إبادته لرجالات العهد البائد، وكان المملوك يوضع على حمار وحول عنقه عدد من الجلاجل قبل أن يفصل رأسه ثم يعلق الرأس على عصا طويلة ويلقى جسده للكلاب، «وكانت مئات العصي الطويلة قد زرعت في أرض كل مخيم من المخيمات العثمانية على هذا النحو، الواحدة بجانب الأخرى، مؤلفة غابة جنائزية كان سليم يحب الطواف فيها»(43).

    تظهر في هذا المشهد عقدة تعاني منها السلطة، وهي عقدة «قتل الأخ»، فالرئيس يعيش في توتر شديد، حيث يتملكه هاجس حضور قاتله، فقد حصل على منصبه بالحيلة والخداع، بالليل والنساء، بالسيف والظلام، ثم أقام حكما له، وهو مضطر باستمرار إلى أن يقتل وينشر العيون والبصاصين، فهو مسكون بهاجس سحب السلطة منه، ويسمى ذلك الهاجس بعقدة قتل الأخ، أي عقدة تسلط الأخ الأكبر، فالرئيس يرفض سلطة من سبقه وينكرها، ولا فضل لأحد عليه، وهو الأقدر الذي يطلب لنفسه السلطة والتفرد بها، والتصرف بمال أبيه (الوطن)(44).

    المثقف والسلطة:
    إن المثقف المهمش هو المثقف الذي يتمتع بمنظور مزدوج يمنعه من أن ينظر إلى شيء ما في عزلة عن غيره من الأشياء، فكل مشهد أو موقف في البلد الجديد يستمد معنى ما، وينظر إلى الأوضاع والسياسات بوصفها أوضاعا مشروطة لا محتومة ثابتة، وهو غير قادر على التحرر من القلق، يتحدث بشذرات متقطعة غير متصلة، لأنه لا يطمئن إلى المكان الذي هو فيه، ولا يتمتع بمزايا السلطة(45).

    انصرف اهتمام الغيطاني إلى تفصيل بعض الشخصيات المتأزمة سواء أكانت قاهرة أو مقهورة، فسعيد الجهيني إحدى الشخصيات التي مورس عليها الإرهاب المخابراتي، وهو شخصية لديها وعي، لكنها لا تملك إلا الانكفاء على ذاتها، وقد بدا متوجسا قلقا يشك في من حوله بسبب ما لاقاه من قهر أثناء اعتقاله، ورواية «الزيني بركات» ـ كما يقول الغيطاني ـ جاءت نتيجة عوامل عديدة، أهمها تجربة معاناة القهر البوليسي خلال الستينيات وإلى الإخفاق في تحقيق العدالة الاجتماعية(46).
    وتتسرب بعض ملامح سيرة الغيطاني الشخصية والسياسية في شخصية سعيد الجهيني الطالب الأزهري، ويمكن الإشارة إلى بعض تلك الملامح المشتركة بينهما، وأذكر منها عدم القدرة على مواجهة السلطة بالكيفية المناسبة بسبب سياسة الاعتقال، يقول الغيطاني: «لم أجرؤ على مواجهة الزيني بركات، لذا فالزيني بركات لا يظهر في الرواية وجها لوجه، نحن نرى ردود أفعاله ولا نراه هو مباشرة، إلا في مشهد واحد عندما يقابل زكريا بن راضي»(47).

    لقد اختار الغيطاني طريقة اللف والدوران على المواجهة لأن هناك حاجز خوف يطوق المثقفين في تلك اللحظة، حيث كان المثقف يهيئ نفسه لدخول المعتقل من خلال معرفة تفاصيل العذاب حتى لا يفاجأ بها تماما كما فعل الغيطاني(48)، يتلقى سعيد الجهيني أفعال الزيني وأحاديث الناس عنه، إلا أنه كغيره من الشعب لم يلق الزيني وجها لوجه في الرواية.
    ويخرج الغيطاني من المعتقل قبيل الهزيمة، حيث يقول الغيطاني: «لكن عندما خرجت قبل وقوع الهزيمة بشهرين عام 1967 مع زملائي الذين يمثلون جيل الستينيات من الكتاب، فأكبر كتاب الستينيات كانوا في هذه الحبسة»(49).
    لقد شن النظام الناصري حملة اعتقالات لأعضاء الأحزاب المعارضة من ضمنها الحزب الشيوعي، حيث اعتقل جمال الغيطاني وغالب هلسا، ويحيى طاهر وغيرهم، وأفرج عنهم بناء على طلب سارتر(50)، وظهرت رغبة الدولة في إحكام السيطرة على المثقفين، وطالبتهم بالالتزام الأيديولوجي والسياسي، وكان النظام الناصري لا يتهاون إزاء أي شكل من أشكال المعارضة، وهنا ظهر ما يسمى بـ «أزمة المثقفين»(51).

    وسعيد الجهيني يخرج من المعتقل قبل معركة الريدانية محطماً لا يستطيع البوح بأي شيء، يشك بكل من حوله، يخشى أن يصرح بمشاعره نحو طومان باي الذي لم يكن على علاقة جيدة مع الزيني بركات، ويحاول زكريا بن راضي تجنيد سعيد في جهاز البص كي يتجسس على شيخه أبي السعود.
    عانى سعيد الجهيني ـ قبيل الهزيمة ـ ما عاناه من انكسارات عشقية، فقد كانت سماح حلم حياته، وأخفق في الحب، وأصبح يُعذّبُ به داخلياً وخارجياً، فالبصاصون يهمسون باسمها أمامه بعد أن زوجها الزيني لأحد الأغنياء بغية جرحه وهدم نفسيته ووأد أحلامه.

    إن إخفاق المثقف في العشق هو إخفاق المثقف في تحقيق أحلامه، وإخفاقه مع السلطة التي مارست القهر النفسي والجسدي عليه. لقد غررت السلطة (الناصرية) بمثقفيها ومارست عليهم سياسة الوأد الفكري، وسعت إلى أن يكون وعيهم محصورا في ذواتهم، وهذا ما حصل لسعيد الجهيني الذي اعتزل في سرداب تحت الأرض، وأصابه اليأس والقنوط من الواقع المأزوم الذي يعيشه(52)، فالمثقف بسبب وضعه الهامشي المستقل يواجه لونا من الإحساس المؤسف بالعجز(53): «آه لو يودع الثبات إلى الحركة، يترك الركود إلى ديمومة لا تنتهي، طوال عمره لم تلجئه الأحداث إلى الخلوة الطويلة وها هي ذي سنوات قليلة في موطنه تدفعه إلى حفر سرداب حفره بأصابعه، فيه يغمض عينيه عن رؤية السجن، يسد أذنيه عن أصوات البشر، في أول العمر يكشف الإنسان عوج الدنيا فيحاول تقويمها، لكن في آخره، عندما يبدو كل شيء على حاله، ولا أمل في تحول، في انقلاب، حتى أولاده لا يدركهم عندما يربط ظهر سعيد الباكي يراه واحدا منهم»(54).
    إن شخصية سعيد الجهيني هي صورة متحولة عن جذرها الأولي بصورة عكسية، وتصرفنا إلى شخصية الشيخ ابن سلام في قصة «كشف اللثام عن ابن سلام»، وهو شيخ عاصر دخول الجيش العثماني للقاهرة، وقد فضح الزيني بركات وكشف حقيقته للناس عندما تولى الحسبة في عهد السلطان سليم، وكان بطلا شعبيا، فضح بصوت عال ومرتفع الزيني بركات، وصرخ بالمسكوت عنه، ثم علق على باب زويلة(55) فكانت نهايته مشابهة لنهاية طومان باي، في بعض تفاصيلها، فهو مثقف متمرد لكن الغيطاني غير مسلك الشخصية ونقلها من شخصية بطولية إلى شخصية واقعية تجنح إلى اليأس، فسعيد مهمشا كان الأقرب لحال الغيطاني أو المثقف في العهد الناصري.
    لقد ظهرت علاقة الغيطاني بالعصر المملوكي متجسدة في أعماله القصصية التي كتبت في الستينيات، لتعكس معاناة المثقف مع السلطة، وتكشف فلسفة السلطة القهرية واستراتيجياتها المتبعة، فقد فصل الغيطاني في قصة «هداية أهل الورى لبعض مما جرى في المقشرة» عن فن تعذيب المساجين نفسياً وجسدياً على لسان السجان. وهذه القصة هي مخطوط لمذكرات آمر سجن المقشرة في عصر المماليك، عثر عليه في خزانة كتب أحد الجوامع القديمة بالجمالية، صرح فيها عن فن تعذيب المساجين نفسيا وجسدياً(56).

    كذلك في قصة «إتحاف الزمان بحكاية جلبي السلطان» 1969، التي يروي فيها حكاية انتهازي كان حلاقا للسلطان ثم أصبح محتسبا مكان الزيني بركات(57)، هذا الانتهازي هو جذر لشخصية المحتسب الزيني بركات في رواية «الزيني بركات».

    وفي قصة «غريب الحديث في الكلام عن علي بن الكسيح» 1969- وهي مخطوط ـ حكاية بصاص يحلم بتطوير البص، وهذا البصاص هو البذرة الأولى لشخصية زكريا بن راضي(58)، فكانت تلك القصص نواة لروايته «الزيني بركات».

    إذن، لم تكن علاقة الغيطاني بالتاريخ المملوكي علاقة عابرة تمخض عنها عمل أدبي واحد، لكن هذه العلاقة أنتجت سلسلة من القصص التي تستلهم القهر المملوكي، والتي تصدر عن حنين قاس لتلك الحقبة.

    الهـوامـش:
    1) انظر: سعيد، إدوارد: المثقف والسلطة، ترجمة: محمد عناني، رؤية للنشر والتوزيع، 2006، ص، 196.
    2) انظر: سعيد، إدوارد: المثقف والسلطة، ص185- 186.
    ) انظر: المرجع نفسه، ص 295.
    4) انظر دراسة سعيد يقطين التي تناول فيها خصوصية الخطاب الروائي في مختلف مستوياته وتقنياته في كتابه: تحليل الخطاب الروائي، المركز الثقافي العربي، بيروت ط 4، 2005، ص 252-268.
    5) انظر: قاسم، سيزا: المفارقة في القص العربي المعاصر، فصول، القاهرة، المجلد الثاني، العدد الثاني، يناير 1982 ، ص110.

    6) دراج، فيصل: نظرية الرواية والرواية العربية، المركز العربي الثقافي ، بيروت، 2002، ص 231.

    7) الأدب الروائي المصري في الثقافة الفرنسية، www.akhbarelyom.org

    8) الأدب الروائي المصري في الثقافة الفرنسية، www.akhbarelyom.org

    9) انظر أخباره: ابن إياس: بدائع الزهور في وقائع الدهور، مكتبة مدبولي، القاهرة، 2005 .

    10) الغيطاني، جمال: الزيني بركات، دار الشروق، القاهرة، ط 3، 2005، ص 193 ؛ وانظر أيضا ما قاله منصورالمراكبي ص .211

    11) المصدر نفسه، ص 9.
    12) المصدر نفسه، ص 283.

    13) ابن منظور: لسان العرب، دار صادر، بيروت، ط3، 2003، (سردق).
    14) انظر: يقطين، سعيد: انفتاح النص الروائي، ص 61.
    15) يقطين، سعيد: انفتاح النص الروائي، ص 68.
    16) قاسم، سيزا: المفارقة في القص العربي المعاصر، ص 111.

    17) انظر: الغيطاني، جمال: الزيني بركات، ص37، ص 96-97.

    18) الغيطاني، جمال: الزيني بركات، ص 264.
    19) الغيطاني، جمال: الزيني بركات، ص 193.
    20) الغيطاني، جمال: الزيني بركات، ص 34 - 35.

    21) قاسم، سيزا: المفارقة في القص العربي الحديث، ص 111.

    22) انظر: قاسم، سيزا: المفارقة في القص العربي الحديث، ص 111.

    23) الغيطاني، جمال: الزيني بركات، ص 39.
    24) ابن إياس: بدائع الزهور، ج 2 ، ص 1004.

    25) دراج، فيصل: نظرية الرواية والرواية العربية، ص 234.

    26) الغيطاني، جمال: الزيني بركات، ص 10.

    27) انظر: يوجين جينيجر: سيكولوجية الزعامة، الثقافة النفسية، العدد1، الجزء 27، 1996، ص 127-128.
    28) انظر: الغيطاني، الزيني بركات، ص 238- 239.

    29) الغيطاني، الزيني بركات ، ص 136- 137.

    30) انظر: ابن إياس: بدائع الزهور، ج 2، ص 1004.
    31) انظر: المرجع نفسه، ج 2، ص 1005.

    32) انظر: المرجع نفسه، ج 2، ص 1008.

    33) قاسم، سيزا: المفارقة في القص العربي الحديث، ص 110.

    34) انظر: يقطين، سعيد: الرواية والتراث السردي، المركز الثقافي العربي، بيروت، 1992ص 84.

    35) الأدب الروائي المصري في الثقافة الفرنسية ،www.akhbarelyom.org

    36) الغيطاني، جمال: الزيني بركات ص 282.

    37) إن مشهد استحضار ابن إياس إلى الواقع المأزوم له جذور في أعمال الغيطاني ففي قصة «المقتبس من عودة ابن إياس إلى زماننا» يعود ابن إياس إلى الحياة، يتجول في مصر، ترد أخباره في ثلاث مقتبسات يتحدث فيها مع بعض المصريين ويعرف فيها همومهم، تبدأ بصوت ابن إياس، ويأتي صوت خارجي يشعر به ابن إياس ينطلق من عيون الناس ويقول له: إنك لن تستطيع معي صبراً، وتختم القصة بتلاوة شيخ على قارعة الطريق: «هذا فراق بيني وبينك» وكنت من التعب في حال فأغمضت عيني. انظر: الغيطاني، جمال: مذكرات شاب عاش منذ ألف عام، دار المسيرة، بيروت ط1، 1980 ص 37.

    38) انظر: يقطين، سعيد: الرواية والتراث السردي، ص 111.
    39) الأدب الروائي المصري في الثقافة الفرنسية ،www.akhbarelyom.org

    40) انظر: دهمان، محمد أحمد: معجم الألفاظ التاريخية في العصر المملوكي، ص 26؛ ابن زنبل: آخرة المماليك، مقدمة المحقق، ص 9.

    41) هو محمد بن أحمد بن إياس الحنفي أبو البركات (852 هـ - 908 هـ)، كان أبوه أحمد متصلا بالأمراء ورجال الدولة، وجده ابن الأمير إياس الفخري الظاهري من مماليك الظاهر برقوق، وكان دوادارا ثانيا في دولة الناصر فرج بن برقوق. انظرترجمته في: الزركلي، خير الدين: معجم الأعلام ، ج6، ص 64.

    42) انظر: معلوف، أمين: ليون الإفريقي، ترجمة: عفيف دمشقية، ط 2، الفارابي، بيروت،2001 ، ص 289.
    43) المصدر نفسه، ص290.

    44) انظر: زيعور، علي: قطاع البطولة والنرجسية في الذات العربية، ص 191.
    45) انظر: سعيد، إدوارد: المثقف والسلطة، ص 111 – 113.
    46) انظر: المرجع نفسه، ص 110 وما بعدها.

    47) الأدب الروائي المصري في الثقافة الفرنسية.www.akhbarelyom.org

    48) انظر: المرجع نفسه.
    49) المرجع نفسه.

    50) انظر: جاكمون، ريشارد: بعض ملامح العلاقة بين الكتاب والسلطة في مصر منذ عام 1952، ترجمة: كاميليا صبحي، فصول، العدد6، 2003، ص 123.

    51) انظر: المرجع نفسه، ص 119 – 120.

    52) انظر: الغيطاني، جمال: الزيني بركات، ص 126.
    53) انظر: سعيد، إدوارد: المثقف والسلطة، ص 56.
    54) الغيطاني، جمال: الزيني بركات. ص 182.

    55) انظر: الغيطاني، جمال: مذكرات شاب عاش منذ ألف عام، ص 86 – 96.

    56) انظر: المرجع نفسه، ص73 – 85.

    57) انظر: الغيطاني، جمال: إتحاف الزمان بحكاية جلبي السلطان، دار المستقبل العربي، القاهرة 1984، ص 7- 20.

    58) انظر: الغيطاني، جمال: إتحاف الزمان بحكاية جلبي السلطان، ص 23ـ 35.
  4. الوفاء الدّائم

    الوفاء الدّائم عضو مهمّ

    683
    106
    43
    الدّولة:
    تونس
    الولاية:
    بنزرت
    المستوى الدّراسي:
    خيار آخر
    الاختصاص:
    -
    المهنة:
    -


    "الزيني بركات" لجمال الغيطاني:

    بين التخييل التاريخي والتأصيل التراثي

    د. جميل حمداوي - المغرب



    يعد جمال الغيطاني من أبرز كتاب الرواية التراثية في العالم العربي بروايته "الزيني بركات " 1 إلى جانب كل من محمود المسعدي وبنسالم حميش وأحمد توفيق ورضوى عاشور وواسيني الأعرج وإميل حبيبي وشغموم الميلودي... ويتخذ جمال الغيطاني الشكل التاريخي نمطا للإبداع و التخييل لسد الثغرات ومساءلة الواقع والبحث عن الأسباب و النتائج بالغوص في أعماق الزمن واستقراء لحظات التاريخ و نبش أغواره العميقة واستنطاق ملامح الخارجية. إذاً، ماهي خصائص " الزيني بركات" لجمال الغيطاني المناصية والدلالية ؟ وما مقوماتها الفنية والمرجعية؟




      • البنيــــة المناصيـــــة:
    ترتكز الرواية ذات العنونة الشخوصية على الزيني بركات باعتباره شخصية مركزية تحوم حولها الشخصيات الأخرى وتلتقي عندها الأحداث المتشابكة لتصوغ بنية روائية متوترة . وتنبني الأحداث السردية المتعلقة بالزيني بركات على النحو التالي:

    أ- تعيين الزيني بركات واليا للحسبة الشريفة بعد إعدام علي بن أبي الجود .

    ب- الزيني بركات يأمر بالمعروف و ينهي عن المنكر .

    ج- الزيني يخطب كل مرة في المسجد لتبرير ولايته و أعماله .

    د- الزيني يعلق الفوانيس في القاهرة .

    ه- الزيني ينضم بتنسيق مع منافسه زكرياء بن راضي إلى جهاز البصاصة.

    و- حدة الصراع بين الزيني و نائب الحسبة و كبير البصاصين زكرياء بن راضي حول التفرد بالسلطات .

    ز- مظالم الزيني بركات و قمعه للرعية لإرضاء السلطان والأمراء.

    ح- ازدياد سلطات الزيني بركات الدينية و المدنية و العسكرية على حساب الشعب .

    ط- هزيمة السلطان الغوري أمام السلطان سليم قائد الجيش العثماني .

    ي- موالاة الزيني بركات للعثمانيين و مساندة الأمير خايربك خائن سلطان المماليك و الخروج عن طاعة الأمير طومانباي.

    ك- تعيين الزيني بركات بن موسى محتسبا للقاهرة من جديد في عهد الدولة العثمانية و إحلال العملة العثمانية الجديدة بدل العملة المملوكية القديمة .

    و يمكن تكثيف هذه اللحظات السردية في الأفعال الحدثية التالية : 1- تعيين 2- حكم 3- لقاء 4- صراع 5- ظلم 6- خيانة 7- تعيين 8- حكم .

    و يحمل عنوان الرواية مفارقة بين الشعار الاسمي (الزيني بركات) و الممارسة الفعلية .فالزيني لقب أطلقه السلطان على موسى بن بركات ليصاحبه مدى حياته دلالة على ورعه و تقواه و تفانيه في خدمة السلطان و امتناعه عن تولية الحسبة إلا بتدخل علي بن أبي الجود باعتباره شيخا عارفا بالأصول و الفروع يمثل السلطة الدينية و الصوفية . و تعتبر تزكية علي بن أبي الجود شهادة كبرى في حق تعيين موسى بن بركات واليا للحسبة على القاهرة. و مع ذلك نجد أن هذا الامتناع الوهمي الذي شاع بين الناس يغطي حقيقة جوهرية و هي أن الزيني بركات اشترى هذا المنصب بثلاثة آلاف دينار رشوة بعد أن تدخل له أحد الأمراء عند السلطان . وبالتالي ، فكل أعماله الدالة في الظاهر على الخير كتعليق الفوانيس وتسعير البضائع ، والضرب على يد المحتكرين والوسطاء و إزالة الضرائب و تثبيت الاستقرار و الأمن .... و التي تزين صورته بين الخلق حتى اعتبر شخصية أسطورية خارقة مثالية ، انقلبت إلى الشر و الظلم و ايذاء الرعية و تخريب بيوت الأبرياء و تعذيب الفلاحين و نشر الرعب و الخوف بين الناس بجهازه الخطير في البصاصة و قمع المثقفين (سعيد الجهيني) والتنكيل بالمظلومين بدون قضاء ولا محاسبة . إنه رمز السلطة القمعية و الإرهاب السياسي و العنف والطغيان و الاستبداد والتضحية بالشعب من أجل خدمة السلطة والمصالح الشخصية.

    وقد بني المتن الروائي على سبع سرادقات و مقدمة و خاتمة. والسرادق هو المكان الذي تعقد فيه الحفلات مثل خيمة يجمع فيها الناس، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على التركيب السينمائي لهذه الرواية ، إذ يمكن توزيعها إلى سبع مناظر مشهدية أو فصول درامية إما أنها متعلقة بالمكان (كوم الجارح في السرادق السابع ) أو الشخوص (ظهور الزيني بركات في السرادق الثاني و السرادق الأول و السرادق الرابع ) أو الأحداث (انعقاد مؤتمر البصاصين في القاهرة في السرادق الخامس ...).

    و تتوالى السرادقات السبع على الشكل التالي:

    - المقدمة: لكل أول آخر و لكل بداية نهاية (12 صفحة)؛

    - السرادق الأول : ما جرى لعلي بن أبي الجود و بداية ظهور الزيني بركات بن موسى (شوال 912هـ)؛

    - السرادق الثاني : شروق نجم الزيني بركات ، و ثبات أمره ، وطلوع سعده ، و اتساع حظه ( 58 صفحة ) .

    - السرادق الثالث: و أوله: وقائع حبس علي بن أبي الجود (56 صفحة )؛

    - السرادق الرابع: (بدون عنوان ) (36 صفحة )؛

    - السرادق الخامس: (بدون عنوان ) ( 49 صفحة)؛

    - السرادق السادس: ( كوم الجارح ) ( 7 صفحات )؛

    - السرادق السابع : ( سعيد الجهيني : آه ، أعطبوني ، و هدموا حصوني ...)؛

    - الخاتمة : خارج السرادقات : مقتطف أخير من مذكرات الرحالة البندقي فياسكونتي جانتي – 913 هــ ( ثلاث صفحات ).

    و تبلغ عدد صفحات الرواية مائتين و سبعا و ثمانين (287) صفحة من الحجم المتوسط. و يتبين لنا أن الغيطاني لم يقسم روايته إلى فصول ، بل اختار السرادقات بمثابة لوحات فنية مستقلة يمكن بسهولة تقطيعها و تركيبها في مونتاج روائي يخلخل السرد ويكسر خطية الزمن واستمراريته الرتيبة لخلق أفق جديد لقارئ الرواية.

    و قد أخذ الغيطاني طريقة تقسيم المتن إلى السرادقات من ابن إياس الذي وزع كتابه تاريخ مصر المشهور بـــاسم"بدائع الزهور في عجائب الدهور" حسب السرادقات . أما لماذا اختار الغيطاني ابن إياس دون غيره من المؤرخين لمحاكاته و التخييل من خلال ما كتبه؟ فيرجع ذلك إلى سببين ، الأول : إن ابن إياس كان يتمتع باستقلال الرأي نظرا لأنه ميسور الحال، كما أنه لم يتقلد وظيفة من وظائف السلطنة ، كما أنه كان ينحدر من أصل جركسي ما سهل له الاتصال برجال الدولة و كبرائها.2 و الثاني : أن ابن إياس " ينفرد عن غيره من مؤرخي ذلك العصر في أنه عاش عصرين وشهد أحداث جيلين : أواخر العصر المملوكي و مستهل العصر العثماني . و كان شاهد عيان لما وقع فيهما من أحداث، و تمتد الفترة التي أرخ وقائعها من سنة 872 م /1468هــ إلى سنة 928م/1522هــ "3.

    إذاً، فقد اختار الغيطاني كتاب ابن إياس للتفاعل معه حوارا ومساءلة قصد بناء تاريخ حقيقي لفهم الحاضر و ذلك بالسفر إلى قلب الزمن المملوكي لتصوير المجتمع و الإنسان و التاريخ في علاقة بالسلطة لمعرفة أوجه التشابه و الاختلاف بين الماضي والحاضر . ومن هنا، يسقط المبدع الماضي على الحاضر و يقرأ الماضي بالحاضر و العكس صحيح أيضا ما دامت هناك جدلية الأزمنة و تقاطعها وظيفيا و فنيا.

    و يستعير جمال الغيطاني من ابن إياس المادة التاريخية المتعلقة بالهزيمة و معركة مرج دابق كما يأخذ منه البنية السردية التراثية لغة و بناء و تركيبا و تفضية و تزامنا . و يقوم التفاعل بين النصين : النص الأصلي ( كتاب ابن إياس حول تاريخ الديار المصرية )، و النص الفرعي ( الزيني بركات لجمال الغيطاني ) على المحاكاة الساخرة والباروديا والتهجين و التناص و الحوارية و المفارقة والمعارضة و السخرية و التحويل و التشرب الإيديولوجي من خلال استعارة التركيب و الصيغ المسكوكة للبنية السردية التراثية . و هو بذلك لا يعيد كتابة تاريخ مصر المملوكية بل يسائل هذا التاريخ و يبين فجواته و ثغراته و يقرأ لا شعور السلطة و خلفيات الاستبداد و يفترض الأسئلة و الأجوبة من خلال منطق الافتراض و التصور و التقدير على الرغم من حقيقة الأحداث و الشخصيات التاريخية و دقة صحة المعلومات الواردة في متن الرواية. و يختلف هذا النمط من الكتابة عن الرواية التاريخية المعروفة كما تقول سيزا قاسم في أن هذا النص : " يقيم موازاة نصية من خلال المعارضة الشكلية اللغوية للنص التاريخي، فجمال الغيطاني يحاكي قول ابن إياس التاريخي ، أي إنه لا يلجأ إلى استخدام " محتوى" تاريخي يصوغه في لغة عصره ، بل ينتقل بنصه الخاص إلى الحقبة التاريخية السالفة"4 . و ترى سامية أحمد أن"الزيني بركات رواية – لا رواية تاريخية – (....) تتناول أحداثا وقعت في عهد السلطان قنصوه الغوري ". 5

    هذا، و يصرح الغيطاني في شهاداته أنه لم يكتب " زيني بركات" كرواية تاريخية ، و هي لم تعتبر كذلك رواية تاريخية " في كل اللغات التي ترجمت إليها هذه الرواية سواء في الروسية أم الفرنسية أم الانگليزية، لم يعاملها أحد على أنها رواية تاريخية ، إنما عوملت على أساس أنها رواية ضد القمع و ضد قمع الإنسان في أي زمان و مكان "6. و من ثم ، فرواية ( الزيني بركات ) رواية التخييل التاريخي تستعير التاريخ مادة و صياغة لتحويله إلى أسئلة و أجوبة باستقراء العلاقة الموجودة بين المتسلط والمحكوم من النواحي النفسية و الاجتماعية و الإنسانية و افتراض مجموعة من العلاقات خاصة ما يتعلق بالجوانب الجنسية و الشذوذ و الحب و الإجرام وزيف الدين ، و فهم النواحي الخفية عند السلاطين والأمراء والمستبدين و نقط ضعفهم إلى غير ذلك من الأمور التي لا تذكر في التاريخ الرسمي ، و يركز عليها التاريخ الشعبي والمجتمعي على حد سواء .

    2- البنيــــة الدلاليــــة:

    تنقل لنا الرواية " الزيني بركات " جوانب تاريخية و إنسانية ومجتمعية . فمن الناحية التاريخية، ترصد لنا الرواية مصر إبان سلاطين المماليك في القرن العاشر الهجري من 912 هــ إلى 923هـ أي (12سنة) من فترة تعيين الزيني بركات محتسبا إلى زمن هزيمة المماليك و دخول العثمانيين إلى القاهرة للاستيلاء عليها بعد القضاء على المقاومة الشعبية و إخمادها . كما تبين الرواية صراع الأمراء المماليك فيما بينهم حول السلطة و تجسس البعض منهم على الرعية و السلطان لصالح الأتراك ( خايربك) وتهافتهم حول جمع المال و تكديسه و احتكار الاقتصاد و تقوية جهاز البصاصة لخدمتهم و خدمة السلطنة للتحكم في رقاب الشعب عن طريق الاستبداد و القمع و العنف السياسي و البيروقراطية وتخريب البيوت الآمنة و القضاء على كل شخص يحمل وعيا ثوريا مثل سعيد الجهيني . كما تذكر الرواية الهزيمة و أسبابها، إذ لا يهم السلطان ( الغوري) و الأمراء سوى جمع المال و تجويع الشعب خاصة الفلاحين و التنكيل بهم و نشر الرعب في قلوب الناس لتثبيت الاستقرار و حكم السلطنة ، و ذلك عبر خلق جهاز للتجسس حيث كل فرد في هذا النظام يبص على الآخر لانعدام الثقة ، و الرغبة في الحفاظ على السلطة عبر إقصاء الآخرين وتصفية أجسادهم . و خير من يمثل هذا الجهاز الخطير الزيني بركات ونائبه زكريا بن راضي باعتبارهما أداتين لاستغلال الشعب واستنزاف ثروات البلاد و قمع الأهل و المثقفين والمتطلعين إلى الحرية باستعمال وسائل جهنمية في المحاسبة والتصفية كالبص والزيف و الادعاء و الإيقاع بالصيد و تقييده في السجن أو التشهير به و تجريحه و تعذيبه نفسيا و جسديا و قتله أو إعدامه ، فأدوات التعذيب و طرق البص غاية في البشاعة والحقارة. لذلك اختار جمال الغيطاني " الزيني بركات " لإدانة أجهزة القمع و الاستبداد في العهد المملوكي التي تماثل أجهزة المخابرات المصرية في حاضر الغيطاني في مصر الستينيات ، مصر الناصرية و نكسة حزيران 1967م أمام الاحتياج الإسرائيلي لأراضي مصر .

    و إذا عدنا إلى متن الرواية لمعرفة تمفصلاته السردية إن شكلا وإن دلالة ، سنجد استهلال الرواية بمثابة مقطع وصفي خارجي ينقل فيه الرحالة الايطالي البندقي فياسكونتي جانتي مشاهداته للقاهرة في فترة حكام المماليك المستبدين في القرن العاشر الهجري الموافق للقرن السادس عشر الميلادي ، حيث تبدلت أحوال القاهرة و تغيرت ملامحها بسبب الجفاف وانتشار وباء الطاعون و انتصار العثمانيين على السلطان الغوري، و في نفس الوقت اختفى والي الحسبة ( الزيني بركات) عن أنظار الناس و ما كان يطرحه اختفاؤه من أسئلة محيرة باعتباره شخصية غامضة ومتناقضة في سلوكها و معتقداتها و أقوالها بشكل غريب جدا.

    و يجلسنا الكاتب في السرادق الأول لنشاهد الظروف التي تولى فيها الزيني بركات منصب الحسبة سنة 912 هـ ليتولى منصب علي بن أبي الجود كبير البصاصين المكلفين بحراسة السلطنة ومن أهم عيونها و آذانها. لكن السلطان قرر إقصاءه بعد تماديه في سلطته و ترفعه على الأمراء و جبروته بين الناس و اعتدائه على ممتلكاتهم بسبب استغلاله لسلطته. وهكذا دخل عليه الجنود المملوكيون وهو – دائما- يستمتع بأجساد نسائه و جواريه التي لا تعد و لا تحصى ليشهر به في المدينة وهو راكب على ظهر الدابة عقابا له على حيفه و أكل حقوق الناس ظلما و عدوانا. و قد عين السلطان نيابة عنه بركات بن موسى الملقب بالزيني ليتولى حسبة القاهرة بمرسوم سلطاني على الرغم من رفضه المسبق لهذا المنصب خوفا من جسامة المسؤولية وانتشار الفساد برا و بحرا وكثرة الحيف بين الرعية ، و أنه غير مؤهل لتحمل هذه الأمانة الثقيلة خوفا من عقاب الله و التفريط في هذه المهمة المقدسة الملقاة على عاتقه. و في نفس الوقت، نعلم جيدا كيف اشترى الزيني هذه المهمة العظيمة بارتشاء أحد الأمراء المماليك . و من ثم، تظهر شخصية الزيني من خلال تقارير ومدونات زكرياء بن راضي كبير بصاصي السلطة على أنها شخصية غامضة محيرة حيث لا يعرف عنها شيء على الرغم من كونه يقيد كل صغيرة و كبيرة في صحائفه العديدة عن الإنسان المصري منذ أن يولد طفلا حتى يترك الحياة و من فيها. و هكذا صمم زكريا أن يتولى مهمة التجسس على الزيني بنفسه و أن يجد في معرفة الأخبار عن هذه الشخصية التي أثارت إعجاب القلعة وإعجاب الناس و طلبة العلم ولاسيما الأزهريين و مريدي الشيخ أبي السعود الذي يتخذ (كوم الجارح ) مكانا للعبادة و إلقاء الدروس في الأصول و الفروع و فن الوجد و التأويل المناقبي.

    هذا ، وقد فكر الشهاب زكريا أن يصل إلى الزيني عبر سعيد الجهيني ، و ذلك بتكليف عمرو بن العدوى لمراقبته و البص على طلبة العلم و البحث عن تلك المرأة البدينة التي لعنت الزيني وأشبعته لوما و سبا و شتما من خلال زغرودة السخرية و الفضح. و يوضح لنا السرادق كيف أضفى الشيخ أبو السعود على ولاية الزيني قبس المشروعية الدينية و أسبغ عليه نفحات زكية من رضاه و بيعته و اعترافه به محتسبا أمينا و عادلا و التأكيد لمريديه مدى استحقاقه لهذا المنصب ؛ لأن الزيني رفضه أمام السلطان بكل إباء و ترفع و امتناع . فلولا هذا الولي الصالح الذي فرض عليه قبول هذه المهمة لما استجاب لطلب السلطان حبا لهذا الولي وتقديرا له.

    و في الأزهر أمام جمع غفير من المصلين و الناس أعلن بركات بن موسى أمام الشيخ الزاهد منظوره للحسبة و المهام المنوطة به . و إنه عازم على الإكثار من البصاصين لإقامة العدل و النهي عن المنكر و الضرب على أيدي المارقين من المحتكرين و المطففين والغشاشين من التجار.

    و قد خشي زكريا منافسة الزيني له في السلطة بسبب تقرب الناس إليه و رضاهم عنه و حبهم له . و هذا يمكن أن يسبب في فتنة ما، وأن يكون لذلك أثر سيء على وظيفته الأساسية و هي البص على الرعية لخدمة السلطنة و الحفاظ على مصالحها و استقرارها . ويتصف زكريا وكذلك رئيس البصاصين بالشذوذ الجنسي خاصة مع الغلام شعبان حيث أوداه قتيلا ، و جاريته الرومية الشقراء (وسيلة) التي أرسلت إليه جاسوسة من قبل الزيني و هو لا يدري بذلك ، و قد حولته إلى إنس شبقي يعصر جسدها الفتي و يمصه على نحو غريب ينم عن غرابة أطواره و شذوذه.

    و مع تولية الزيني منصب الحسبة و اتخاذه فرقة خاصة من البصاصين ازداد قلق زكريا لأنه لم يعهد في حياته أن المحتسب في يوم من الأيام سيتخذ فرقة للبص من غير فرقة جهاز الحكومة المتخصص في تتبع أنفاس الشعب داخل البيوت و خارجها.

    إذاً، يقلق الزيني بركات الشهاب زكريا و يثير حيرته عندما جعل لنفسه أتباعا يخدمونه سرا و يضاهون بصاصي السلطنة و يترأسهم زكريا بن راضي في القدرة و الدراسة ، لذلك كتب زكريا رسالتين: الأولى إلى الزيني بركات يحاول فيها أن يبرز دوره بأنه كبير بصاصي السلطنة ، و أن عليه أن يعود إليه في أمور البص ويكتب له كل التقارير عن المخالفين لأوامر المحتسب ، وبالتالي يلومه على ما استحدثه من نظام البصاصة غير معهود في تاريخ الدولة. و في الرسالة الثانية عدد زكرياء للسلطان بعض الأخطاء التي وقع فيها الزيني بركات . و كل هذا يبين لنا الصراع الذي بدأ يحتد بين الطرفين الحاكمين حول الانفراد بالسلطات.

    و في السرادق الثاني ، يستعرض الكاتب شروق نجم الزيني بركات ، و ثبات أمره ، و طلوع سعده و اتساع حظه ، و تبيان أعماله و منجزاته كوضع الفوانيس و تعليقها في الشوارع لإضاءة القاهرة ليلا و فتح داره لتقبل الشكايات و تسلم المظالم و إلغاء الضريبة و تسعير البضائع و رفع الاحتكار الحاصل على الخضر إلى جانب إجراءات اقتصادية ردعية أخرى و محاولة استخلاص أموال علي بن أبي الجود لردها إلى خزينة الدولة لحاجة السلطنة لتوفير الموارد و الأموال لردع الأعادي و الغزاة . أاما معاكسه الشهاب زكريا فيحاول بدوره الإطاحة به عن طريق مهاجمته وفضحه و الإيقاع به مستخدما كل الطرق الملتوية مستغلا كل سلطته و ذلك بتجنيد كل من يراه صالحا للقيام بالمهمة سواء أكان تاجرا أم عجوزا ، امرأة أم طالبا أو أي شخص كان ولو طفلا صغيرا . و من يرفض القيام بالمهمة يعرض نفسه لأنواع شتى من العقاب و الرعب و التعذيب النفسي و الجسدي مستخدما في ذلك كل الطرق الجهنمية في الاستنطاق و التحقيق و التقويل المعروفة و غير المعروفة (طريقة تعذيب زكريا للجاسوس الرومي مثلا، وتعذيب الغلام شعبان و قتله بعد ذلك): " ليس من الأمان بقاء شعبان حيا ، و غيره من المساجين، أي شخص يبقى هنا ، حتى حقير الهيئة، مبتور الأصل فاقد النسب أو مجهول الهوية من صغار المنسر و الحرامية ، سيعلو شأنه وقتئذ، يطلق العامة والخاصة التشنيعات المهولة، يحطون في حقه كل قبيح ، زكريا يحبس خلق الله ، زكريا لديه سجن تحت بيته، ترى كم من الأرواح أزهق ؟! أي الطرق سلك في تعذيب أجساد خلقها الله ، وقتها يقوم الكارهون ، الأمراء ، أولاد الناس ، مساتير الناس ، مشايخ الطرق، طلبة الأزهر و المجاورون ، سيرون في المحابيس ، كل من أمسكهم زكريا مساكين ، أرواحهم بريئة ، لم تجن ذنبا ، لم يتآمر أصحابها ، لم يسرق بعضهم ، لم يقل سبابا في طريق عام ضد أمير أو كبير ، الآن ، يفتش السجن بنفسه ، يتناول المشعل من مبروك ، ينبش تجاويف السجن بعينيه ، عطن و نتن يتصاعد إلى أنفه ، العفن لزج ، لكن صبرا ، ما قام به يدفع بالرضا إلى روحه ، لتحل التجاويف من الآهات و التأوهات والأنات ليال معدودات ، لن تتردد أسئلة المتحشرجين إذ يسأل بعضهم البعض عن أسمائهم ، عن قراهم و بلادهم ، الأسباب التي جاؤوا من أجلها ، زكريا عندما رأى المحابيس تعجب ، رأى وجوها لا يذكر أصحابها، كأنهم جاءوا بدون علمه، نسيهم لتعاقب السنين و كثرة المشاغل "7

    و أعد زكريا عدة خطط لتشويه صورة منافسه عند الأمراء والسلطان مثل: إشعاله الفتنة حول تعليق الفوانيس و ذلك بتحريك الفقهاء و القضاة و الأمراء لإخبار السلطان برفض الناس لها؛لأنها بدعة مستحدثة لا علاقة لها بالإسلام تفضح أسرارهم و تهتك أعراضهم و تفسد أخلاق الشباب و تمس حرمة النساء . كما عمل زكريا على إثارة الإحن و القلائل بين الأمير طشتمر و خايربك ليعقد مأمورية الزيني و سعيد الجهيني و آراء الناس في والي الحسبة و نائبه بشكل دقيق و مفصل يومئ إلى تطور ظاهرة البص و تعقدها في المجتمع المملوكي و ما لها من آثار سلبية على المجتمع مثل: نشر القلق و الخوف و الهلع و الرعب و عدم الثقة والاطمئنان و القمع و الطغيان الاستبداد و الاستغلال و الاحتكار والرشوة و الزج بالأبرياء في السجون المظلمة بدون محاكمة افتراء و عدوانا . و هذا يبين بكل جلاء مدى عنف السلطة و قيامها على إذلال الشعب و استرقاقه و إخضاعه بالقوة ناهيك عن أكل عرق جبين المواطن المسكين بفرض الضرائب الفاحشة والإتاوات التي لا أصل لها و لا فرع في شريعة المجتمعات العادلة : "صمتوا، في العيون رجاء أخرس ، خوف موغل في الأعماق ، في الطريق على مهل أليم. مضى طابور من سجناء الفلاحين مربوطين من أعناقهم بسلاسل حديدية ، يبدو أنهم متجهون إلى سجن من سجون ، أخرج طفل لسانه مرات عديدة – يقول الرحالة الايطالي فياسكونتي جانتي – دق طبل سعيد ، ربما يغادر الفلاحون عالمنا بعد قليل ، مشيت قربهم ، عيونهم زائغة ، يتمنون لو احتووا كل ما يمر بهم ، نفس ما رأيته في طنجة ، طابور رجال يعبرون أسوار المدينة البيضاء مشدودين إلى بعضهم البعض برباط الهلاك الأبدي ، في العيون نفس النظرة ، هذا الرجل المسوق إلى الإعدام في تلك الجزيرة الصغيرة بالمحيط الهندي"8.

    فإذا كان الزيني يتظاهر بإصلاح المجتمع بهد أركان الظلم و الفساد و القضاء على الاحتكار و النهب و الاغتصاب و مواجهة حيف الأمراء و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر ، فان زكريا بن راضي يحاول فضحه و كشف زيفه و إزالة القناع عنه ، و ذلك بعرقلة إصلاحه و نسفه من القصر و خارجه و تحطيم الزيني لإذلاله و تلويث شرفه لينفرد بالرتب السنية و الأوسمة السلطانية والحسبة الرفيعة عن طريق إثارة الصراعات و الفتن بين الأمراء و العلماء و الرعية و كل هذا انتقاما من ذلك اللعين البصاص"الزيني" الذي دس "وسيلة" الجارية في بيته للتجسس عليه حيث لم يكتشف هويتها إلا في الأخير.

    و يستعرض الغيطاني في السرادق الثالث وقائع حبس علي بن أبي الجود و الطرق التي اتبعها الزيني لتعذيب سجينه ليكشف عن حقيقة أمواله المسروقة من المسلمين لإرجاعها إلى خزينة الدولة. و هذه الطرق المتبعة لا يمكن أن يقال عنها إلا أنها شيطانية وحشية بشعة مرعبة تصادر حرية الإنسان و حقوقه المشروعة في الدفاع عن نفسه مقابل حصول الزيني على مراتب عليا ، لذلك رقي بعد نجاحه في مهمته إلى مرتبة والي القاهرة إلى جانب حسبته.

    وقد تعجب الرحالة الايطالي أيما تعجب من ذلك المشهد الدرامي أثناء زيارته الأولى للقاهرة عندما عرض علي بن أبي الجود على الناس تشهيرا وتعذيبا وتنكيلا . وقد أثارته شخصية الزيني بركات بغموضها و مظهرها الخارق للعادة ، و قد توطدت – في هذا السرادق – علاقة حذرة بين الزيني و زكريا بعد اللقاء الثنائي الذي جمعهما قوامه التهديد المتبادل بينهما ولاسيما أن الزيني علم بقتل زكريا لشعبان و كثير من المساجين بطرق وحشية شاذة، لذلك ألح عليه بأن يخبره عن مكان أموال علي بن أبي الجود حتى يعيدها إلى الخزينة و أن ينصاع كذلك لأوامره و أن يطيعه في كل صغيرة و كبيرة ما دام هدفهما واحد وهو إقامة العدل و خدمة الدولة ، لذا لابد من التعاون بينهما قصد تحقيق الأهداف المسطرة . و بعد ذلك ، اقترح الزيني على زكريا طريقة جديدة للعمل والسيطرة على زمام الأمور . إذ اقترح نظاما من البص يوازي هرمية المجتمع ، أي لكل فئة من الناس نوع خاص من البصاصين، حتى السلطان و الأمراء يخضعون بدورهم للبص إلى جانب إجراءات مسطريه عملية مثل: إعداد الكشوف والسجلات والبطائق و استخدام حبر خاص ، و كل هذا للتحكم في المجتمع والتصنت على أنفاسه و هذيانه و أحلامه . و قد تم التركيز كذلك على مراقبة طلبة الأزهر و المثقفين خاصة سعيد الجهيني وعلاقته بالشيخ ريحان البيروني و ابنته سماح وعلاقتهما ببيوت الخطأ وتجنيد عمرو بن العدوى لمراقبة هؤلاء المثقفين والتنصت عليهم ومعرفة آرائهم في الحكومة ومراقبة رجال البص و الحسبة .

    و ينتهي السرادق الرابع بخروج السلطان من القاهرة لمحاربة العثمانيين، و يبتدئ السرادق بمشروع إقامة مؤتمر عالمي للبصاصين في القاهرة يترأسه الزيني بركات و مساعده زكريا بن راضي لإفادة المدعوين و الاستفادة من طرائفهم ووسائلهم في البص و التعذيب و اتخاذ نظام البصاصة في مصر نموذجا رائعا للحفاظ على الأمن و الاستقرار الحكومي . و يعدد زكريا بن الراضي في هذا المؤتمر من خلال السرادق الخامس مفهومه للبصاص الحقيقي المتمكن و طرائق البص و الأدوار المنوطة بالمكلف بالبص و الوسائل التي ينبغي استعمالها في الوصول إلى الحقيقة الأولية و كيفية تطويع الظروف و إعداد طعام المساجين وطرق نومهم و أفضل اللحظات اللازمة لإقلاق راحتهم ، والوسائل المقترحة لترقيم الناس بدلا من الأسماء ، و كيفية التنصيص على فتاوى شرعية تبيح هذا في سائر الأديان و كيفية الرقابة على الرقابة ، أي كيف يرصد البصاص بصاصا آخر وكيفية إقناع الناس بوجود ما هو غير موجود ، علاوة على شرح كيفيات التعذيب المادي والنفسي.

    و عندما كان جيش السلطان الغوري يذوق مرارة الهزيمة في معركة مرج دابق بانتصار جيش سليم العثماني بسبب خيانة الأمراء و جيش المماليك له ، نجد الشيخ أبا السعود الجارحي العارف بالله يدعو الزيني بركات ليذيقه الشتائم و ألعن السباب منهيا ذلك بحجزه قصد التشهير به بين الناس للتخلص منه و من جبروته و جوره :" و عندما دخل إليه أجلسه بين يديه ، مال الزيني عليه ، لكن الشيخ لم يراع هذا ، و نتر في وجهه ، يا كلب .... لماذا تظلم المسلمين ؟ لماذا تنهب أموالهم ، و تقول كلاما تنسبه إلي. أبدى الزيني دهشة حاول الانصراف . لكن الشيخ قام، نادى أحد مريديه ( درويش اسمه فرج )..... أمر بخلع عباءة الزيني عنه ، تجمع حوله الدراويش أحاطوا به ، أمر الشيخ فضرب رأس الزيني بالنعال حتى كاد يهلك ، ثم أمر بشك الزيني في الحديد ، ثم أرسل إلى الأمير علان..... و أعلمه أن هذا الكلب يؤذي المسلمين ، و في الحال طلع الأمير علان الدوادار الكبير إلى نائب السلطنة ، و أيقظه ، و أخبره بما جرى و قال الأمير طومابناي ليفعل الشيخ أبو السعود ما يبدو له ، و حتى ساعة كتابة هذا – يقول مقدم بصاصي القاهرة – ما زال الزيني بركات بن موسى محتجزا عند الشيخ أبو السعود"9.

    ولما قرر الشيخ أبو السعود التشهير بالزيني بركات و استخلاص أمواله و قتله أخيرا بموافقة الأمير ، تدخل زكريا لينقذ صديقه من الموت المحقق نظرا لعملهما المشترك في البص و معرفة الزيني خبايا زكريا و يمكن أن يفصح بها و يضر بذلك زكريا . وربما زكريا هو بدوره قد يقع فيما وقع فيه الزيني، فينقذه حليفه من الورطة كما أنقذه هو، و كل ذلك اعتراف حقيقي من أحدهما بجميل الآخر و أن هدفهما واحد هو الحفاظ على سلطتهما و تحقيق المصالح المشتركة . و بعد ذلك نسمع في هذا السرادق نداءات الخنكار العثماني يطالب المصريين بتقديم كل المعلومات عن المماليك وأموالهم و نسائهم و جواريهم و مكان الأمير طومانباي والشيخ أبو السعود الجارحي ودراويشه اللذين وقفوا صامدين في وجه الجيش العثماني أثناء دخوله إلى القاهرة للاحتلال الفعلي لأراضي مصر .

    و في السرادق ما قبل الأخير ، يقصد ( كوم الجارح ) سعيد الجهيني ليرى مولاه الشيخ العارف ، لكن البصاصة تحاول جاهدة استمالته إلى صفها و تطالب منه التقرب من جديد بالشيخ مولاه العظيم و مطالبته بإعطاء لائحة مفصلة عن الشباب القادرين على الجهاد لرد هجوم الأتراك .

    و ينهي الكاتب روايته بسرادق عبارة عن نهاية مفتوحة ليلحقها بمقتطف للرحالة الايطالي السابق ليصور ما لحق القاهرة من وباء و خراب من قبل العثمانيين بعد احتلالهم لمصر و عاصمتها، و ما بذله الشيخ و مريدوه من جهود جبارة لمواجهة الغزاة ، و قد ظهر الزيني في ذلك الوقت للم الشباب لمجاهدة ابن عثمان ، بيد أن الناس بدؤوا يشكون فيه و يعلمون كذبه ( خاصة سعيد الجهيني )، وما هو في الحقيقة سوى بصاص للعثمانيين و لخايربك؛ مما سيجعل العثمانيين يعينونه من جديد واليا للحسبة في القاهرة مع إعلان استبدال العملة القديمة بالعملة العثمانية .

    3- البنية السردية في الرواية:

    تتكئ هذه الرواية على بناء معماري دائري يبتدئ بالهزيمة وينتهي بالهزيمة ذاتها . وتتمثل البداية في استعراض مقتبس للرحالة الإيطالي يصور القاهرة بعد هزيمة المماليك على أيدي العثمانيين، وهذه البداية ذات طابع مأساوي. أما المتن الداخلي فيتجسد في تعيين الزيني بركات واليا للحسبة في القاهرة بعد إعدام علي بن أبي الجود وممارسة وظيفته حاكما وبصاصا، ولقائه بالشهاب زكريا والاتفاق على التعاون بعد صراعهما الحاد حول التفرد بالسلطات وجلاء صورة الزيني الحقيقية بعد انكشاف المستور وسقوط القناع باعتباره ظالما متجبرا وخائنا للدولة المملوكية وواليا جديدا للعثمانيين.

    وتنتهي الرواية كذلك بنهاية مأساوية حينما يصور الرحالة الإيطالي القاهرة بعد هزيمة المماليك على أيدي العثمانيين. ومن ثم، فالرواية ذات منظور معماري دائري مغلق مشحون بالتوتر والدرامية والحزن والتشاؤم.

    هذا، وترتكز الرواية على محورين دلاليين متداخلين: محور الزيني بركات ومحور الحرب والهزيمة.

    ويلاحظ أن الأحداث غير متسلسلة منطقيا لتعدد السرادقات وتداخلها عبر تكسير خطية الزمن و تداخل الأزمنة. كما أن الأحداث الرئيسية في الرواية تاريخية ، لأن الهزيمة في معركة مرج دابق وقعت حقيقة كما هي مأخوذة من كتاب ابن إياس، والزيني بركات شخصية تاريخية معروفة في تلك الفترة ، و يعتمد الكاتب في ذلك على مؤرخين عرب آخرين مثل المقريزي والجبرتي في نقله للأحداث التاريخية و الحياة اليومية آنذاك. "إذاً، فقد تتوخى الغيطاني الدقة التاريخية ، و كان أمينا في تصوير حياة الناس في قاهرة المماليك ، من حيث عاداتهم وتقاليدهم ومشكلاتهم ( مثل احتكار بعض السلع الضرورية كالملح و الخيار ) و أفراحهم ، وإطلاق الزغاريد ، و إعطاء البقشيش ، و حياة المجاورين في الأزهر ، و ارتياد المساجد المقاهي و بيوت الخطيئة الخ. ولكن الدقة هنا لا يصاحبها الجفاف و الجمود ، بل تتحول إلى مادة حية يقدمها الكاتب في إيقاع يسرع و يبطئ وفقا لمتطلبات الموقف . وباختصار أقول: يحس القارئ بنكهة مصرية صرف تتخلل النص و نمتد أثارها إلى قاهرة اليوم 10 ".

    و معظم الشخصيات النامية و الرئيسية في النص تاريخية حقيقية تحمل أبعادا إنسانية و اجتماعية و أخلاقية و نفسية و تاريخية يمكن إسقاطها عل الحاضر. فالزيني بركات بن موسى " شخصية حقيقية في تاريخ مصر المملوكي . تولى بركات بن موسى حسبة وولاية القاهرة طوال أحد عشر عاما أثناء حكم السلطان الغوري . و لما سافر السلطان لملاقاة العثمانيين في حلب جعل من الزيني بركات متحدثا في جميع أمور السلطنة و عندما دخل العثمانيون مصر تعاون الزيني بركات معهم فاحتفظ بمناصبه العديدة، بل وزاد نفوذه حتى أصبح مدير المملكة و ناظر الذخيرة ، و صار – في قول ابن إياس – " عزيز مصر " . و يعتمد الغيطاني في رسمه لشخصية الزيني بركات على العديد من الفقرات التي وردت بشأنه في كتاب " ابن إياس " بدائع الزهور في عجائب الدهور " . و بركات بن موسى كما يصوره ابن إياس سيسعر اللحم و الدقيق و الخبز و الجبن خوفا من المماليك ثم يعود فيفرض الضرائب الباهظة ، و الناس حين يخفض الأسعار يدعون له ، و حين يرفعون يدعون عليه 11 "

    و تتحدد البنية العاملة في الرواية من خلال المخطط التالي :

    المرسل إليه

    المرسل

    دولة المماليك أولا،

    و العثمانيين ثانيا

    السلطة و الاستبداد

    الموضوع

    الذات

    السلطة

    الزيني بركات

    المعاكس

    المساعد

    الشيخ أبو السعود + سعيد الجهيني + الأمير طومانباي

    زكريا بن راضي + البصاصون + عمرو بن العدوى + خيربك

    و تقع أحداث الرواية في القاهرة المملوكية، قاهرة الاستبداد والقمع و الظلم كفضاء أساسي في الرواية، إلى جانب فضاء ثانوي هو فضاء حلب فضاء الهزيمة النكراء.

    و قد صوركل من الكاتب و الرحالة الايطالي القاهرة تصويرا مفجعا دلالة على المأساة التي تعرضت لها بسبب الاستبداد وهزيمة المماليك و اجتياح العثمانيين أراضي مصر حتى كأن القاهرة أصابها وباء و طاعون خطير يهلك الرعية و يقضي على أنفاس الأحياء :" تضطرب أحوال الديار المصرية هذه الأيام ، وجه القاهرة غريب عني ليس ما عرفته في رحلاتي السابقة ، أحاديث الناس تغيرت ، أعرف لغة البلاد و لهجاتها ، أرى وجه المدينة مريض يوشك على البكاء ، امرأة مذعورة تخشى اغتصابها آخر الليل حتى السماء نحيلة زرقاء ، صفاؤها به كدر ، مغطاة بضباب قادم من بلاد بعيدة 12".

    ويؤكد سواد الطبيعة المأساة التي تنخز الشعب المصري والمصير المهول الذي يتجرعه الناس من شدة الظلم الذي آل إلى الهزيمة الشنيعة . وأضحت القاهرة عاصمة المماليك مقهورة مريضة بداء الذل و الانكسار و العار، تجر ذيول الخيبة و مرارة القهر و الظلم.

    وتتراءى داخل هذا الفضاء العام الفضاءات البشعة وفضاءات القمع و البص و الإرهاب مثل : السجون و أماكن الحبس و الشنق والإعدام و قصور التجبر و قلاع الاستبداد و الفساد السياسي والإداري. وصارت المقاهي و المساجد و الزوايا فضاءات مخيفة خاضعة للمراقبة و البص و التجسس. إنه فضاء المخابرات البوليسية و القمع السياسي و البيروقراطية المميتة .إن فضاء (الزيني بركات ) فضاء تاريخي مغلق ببشاعة جهاز البص والمراقبة وتتبع الأنفاس الآدمية والأرواح البشرية، إنه فضاء العتبة حيث يتداخل فيه الداخل و الخارج و الأعلى و الأسفل .

    ويتقابل الحاكمون والمحكومون على مستوى نوع الحلول الفضائي تقابلا تراجيديا ، فالمماليك في بروج و قصور و قلاع عالية، بينما الرعية في أفضية عارية منبسطة يسهل كشف أسرارها بفوانيس البص و جس النبض . و بين العلوي و السفلي جهاز المخابرات الذي يشكل صراطا للتعذيب وخندقا للموت يخدم العلوي تارة ويخونه تارة أخرى ، و يقصي السفلي و ينهب خيرات مستضعفيه. إذاً ، الفضاء المديني هو المهيمن في النص ، و يظهر الفضاء القروي في صور استرجاعية ( سعيد الجهيني ) حين يتم تقييد الفلاحين في طوابير لقتلهم و إعدامهم .

    و قد استند الكاتب في روايته إلى تقنية الوصف لتسليط الأضواء على الأمكنة و الشخوص و الأشياء و الوسائل بطريقة مشهديه أو تقريرية جافة و حرفية تتخللها أحيانا سمات بيانية و بديعية مثل: وصف القاهرة ووصف الزيني بركات ووصف " وسيلة " ووصف طرائق التعذيب و التصفية الجسدية .

    و من حيث الرؤية السردية، نلاحظ تعددا في الرواة على غرار الرواية البوليفونية مع الاستعانة بالمنظور السردي الخارجي ، منظور الرحالة الايطالي الذي يستخدم ضمير التكلم، و منظور جمال الغيطاني الكاتب المعاصر الذي يهاجر إلى الماضي لينقل الأحداث من خلال الرؤية من الخلف إلى جانب المنظور السردي الداخلي عبر تقارير ورسائل زكريا بن راضي. و يعني هذا أن الرواية تمتاز بتعدد الرواة و الرؤى السردية و تعدد اللغات (العامية / اللغة الرسمية / الفصحى / اللغة الدينية....)، والخطابات التناصية ( الخطاب المناقبي – الخطاب الديني – الخطاب العجائبي – الخطاب الغرائبي – الخطاب التاريخي- خطاب الرحلة- الخطاب السياسي- خطاب المستنسخات...)، وتشغيل خطاب الوثائق ( التقارير / النداءات / المراسيم ...)؛ و هذا ما يجعل ( الزيني بركات ) رواية طليعية و جديدة بسبب هذه التعددية و حوارية الأصوات و البنية السردية التراثية .

    و من المعلوم أن فتحي غانم يعد الروائي المصري الأول الذي كتب الرواية البوليفونية المتعددة الأصوات و ذلك في رباعيته (الرجل الذي فقد ظله )، و نشرها ما بين عامي 1960 و 1962،13 و هناك كذلك نجيب محفوظ في روايته" ميرامار" التي صدرت سنة 1967 م، ومحمد يوسف القعيد في "الحداد "( 1960 م)، حيث روي كل عمل من هذين العملين من خلال أربعة رواة. و في " باطن الأرض " لإبراهيم عبد المجيد ( 1972 م ) رواها راويان، و في "السنيورة " لخيري شلبي (1978 م) نجد سبعة رواة سراد، و" لعبة النسيان" للروائي المغربي محمد برادة القائمة على تعدد الرواة والسراد، بينما "الزيني بركات" رواها ثلاثة سراد ( الرحالة – الكاتب – زكريا بن راضي )

    و نجذ في رواية ( الزيني بركات) ساردا خارجيا عن الحكي (الرحالة)، و ساردا داخليا راويا ( الكاتب )، و ساردا مشخصا (زكريا بن راضي ). وبالتالي، تقدم الرواية رؤية تفضح الاستبداد و القمع و تدين أجهزة المخابرات و البص و تطرح قضية الديمقراطية و التناقض بين الشعار و الممارسة .

    و على مستوى البنية الزمنية، نلاحظ تكسير البناء الزمني و خطيته بتبني تقنية الاسترجاع أو فلاش باك و تقطيع المتن إلى أزمنة متداخلة بطريقة جدلية حيث تتداخل البداية مع النهاية و النهاية مع البداية، كما يتداخل الماضي مع الحاضر و العكس صحيح، وكل ذلك من أجل استشراف المستقبل المعروف . و تمتد الرقعة الزمنية للقصة على مسافة 12 سنة من 912هـ إلى 923 هــــ:

    الصفحات

    الأحــــــداث

    البنية الزمنية

    تستغرق سنة 912 هـ 100 صفحة من رواية الزيني بركات

    تولية الزيني بركات بعد تنحية على بن أبي الجود

    شوال 912 هـ

    مرسوم تعيين الزيني بركات

    ثامن شوال

    امتناع الزيني عن تولية مهمة الحسبة أمام السلطان

    عاشر شوال عام 912هـ

    قلق زكريا من الزيني

    أول الليل : الأربعاء عاشر شوال

    رسالة زكريا إلى الزيني

    عاشر شوال 912 هـ


    زكريا يبرمج ما يفعله من فتنة لإزاحة الزيني

    صباح الثلاثاء سابع ذي القعدة 912 هـ

    إجراءات اقتصادية سيقوم بها والي الحسبة (الزيني بركات)

    مساء الثلاثاء سابع ذي القعدة

    تعليق الفوانيس

    ليلة الثلاثاء...

    من أفعال زكريا لإثارة الفتنة بين الأمراء

    الجمعة عاشر ذو الحسبة 912 هـ

    24 صفحة

    القاضي الحنفي له رأي خاص في الفوانيس

    أول محرم 913 هـ

    80 صفحة

    مقتطفات من رحلة الايطالي حول قاهرة الزيني بركات

    رجب 914 هـ

    62 صفحة

    خروج السلطان لملاقاة الجيش العثماني في حلب

    1517 م / 422 هـ

    رسالة بمناسبة انعقاد مؤتمر البصاصين بالقاهرة

    جمادى الأولى 922 هـ

    ذيول حول طرائق البص

    922 هـ 1517م

    حالة القاهرة باختفاء الزيني

    رجب 922 هـ أغسطس إلى سبتمبر 1517 م

    مصير الزيني بركات عند الشيخ أبي السعد

    الجمعة 15 شعبان 922 هـ

    هزيمة السلطان الغوري

    الجمعة 15 شعبان 922 هـ

    3 صفحات

    القاهرة بعد احتلال العثمانيين لها

    923 هـ

    إذاً، فالسنوات المذكورة في الرواية هي: 912 و913 و914 و 922 و923 هـ، و حذفت سبع سنوات نظرا لعدم أهميتها عند جمال الغيطاني . وقد يلاحظ عدم تتبع نظام الحوليات عند ابن إياس، و اختيار الغيطاني للتقويم السنوي و القفز على السنوات التي لا أهمية لها عنده، والوقوف عند بعضها بالسرد و الوصف وتشغيل الإيقاع البطيء مثل: سنة 912 هـ و سنة 914 هـ .

    و يمكن تلخيص البني الزمنية في الأحداث التاليية:

    البني الحدثية

    البني الزمنية

    تولية الزيني بركات واليا على الحسبة في القاهرة و ممارسة عمله الفعلي في إقامة المعروف و النهي عن المنكر.

    912 هـ

    صراع زكريا بن راضي مع الزيني بركات .

    913 هـ

    قاهرة البص في عهد الزيني والشهاب زكريا.

    914 هـ

    هزيمة المماليك في معركة مرج دابق.

    922 هـ

    احتلال العثمانيين للقاهرة و تولية الزيني الحسبة من جديد في عهد جديد.

    923 هـ

    و من خلال هذا، يتم تجميع البنيات التالية في الأفعال السردية بهذا الشكل :

    التعيين – الصراع – البصاصة – الهزيمة – الاحتلال .

    وإذا انتقلنا إلى مستوى الصياغة، نلاحظ هيمنة السرد و المنولوج على حساب الحوار ، و هذا يبين القمع و الاستبداد و انعدام التواصل بين الأنا الظالمة و الآخر المظلوم ، لأن جهاز البص يمنع الحوار و يحاربه و يصادره كما يمنع كل أشكال الاتصال ، لذلك لا يجد المرء أمامه سوى الإضمار النفسي و الدعاء والمناجاة و الصراع الداخلي . فسعيد الجهيني – مثلا- كان يشتم الزيني في نفسه ويقول له : إنه كذاب كذاب في أعماق الداخل لايستطيع أن يفصح بذلك ما دام البصاصون يحومون حوله . و قد تم رصد سبع مرات كان فيها الحوار عابرا بين الشخصيات غير الرئيسية. وما غياب الحوار إلا دليل على غياب الديمقراطية التي تتحقق بالجدل و المناقشة14. وكان لغياب الديمقراطية و حقوق الإنسان و حوار الأنا و الأخر أثره على الكاتب في استعمال أسلوب التضمين والاقتباس والتناص و محاكاة كتاب ابن إياس حول تاريخ الديار المصرية هروبا من الرقابة و خوفا من المساءلة، أي وظف الاستخدام الرمزي والاستعاري تقية من التصفية و المحاسبة . ويحضر السرد من خلال هيمنة نبرة التسلط و التحكم و الردع والأوامر عبر أساليب : النداءات و التقارير و الرسائل و المذكرات و الذيول والمراسيم و الخطب و الفتاوى .

    و هذا " الترتيب السابق لأنواع السرد قد جاء وفقا لعدد مرات لاستخدام الكاتب لكل نوع ، فالنداءات تكررت خمس و عشرين مرة،و الفتاوى لم تتجاوز عددها عدد أصابع اليد الواحدة ومعظمهما دار حول مدى مشروعية استخدام الفوانيس . و قد تعد هذه الأنواع المختلفة من السرد انعكاسا لأسلوب الحكم ولرؤية الكاتب لأساليب النظام في الهيمنة و أحكام قبضته على المواطنين. فالنداءات ، و التقارير و الرسائل ، و المذكرات والمراسيم من وسائل السيطرة و التخويف السياسي ، و هي النسبة الغالبة بين هذه الأنواع من السرد ، بينما كان أقلها الخطب والفتاوى و هي أقرب إلى الوسائل التي تستخدمها الأنظمة الديمقراطية في الحكم 15 " .

    و تمتاز لغة جمال الغيطاني في "الزيني بركات " بعتاقة التراكيب والصيغ المسكوكة بعبق التراث و الجمل الطويلة أثناء الوصف والسرد و الجمل القصيرة المنمقة بديعيا و إيقاعيا في النداءات، إلى جانب التقرير التاريخي و الوصف الدقيق المفصل و المزج بين الفصحى و العامية أو الخلط بين ما هو رسمي و شعبي ، و الإكثار من صيغ المفارقة و السخرية و المحاكاة الساخرة و القوالب السردية المصاغة بطريقة كلاسيكية تراثية فضلا عن توظيف معاجم لغوية مهيمنة مثل: معجم الحرب و الموت و الحبس والدين و السلطة .

    و يكثر الغيطاني من الأفعال المضارعة لخلق الحركة و التوتر والدينامية في نصه الروائي ليخلق مشاهد سينمائية طافحة بالإيقاع الحركي و بث الحيوية في السرد على الرغم من تاريخية الأحداث زمنيا و التي تتطلب الفعل الماضي كزمن لسرد الأحداث الماضية.

    هذا، و قد استهدف الكاتب إضفاء الموضوعية على أسلوبه التقريري لذلك " يسوق جملا أساسية خالية من التعليق، تتابع في حركة سريعة متدفقة، حتى إن الكاتب يسقط في بعض الأحيان حرف العطف نفسه، الذي يربط هذه الجمل بعضها ببعض. و قد يكون هدف الكاتب هو التوصل إلى الموضوعية التي وصفت بها كتابات المؤرخين العرب في سردهم للأحداث، و خلق قول محايد لا تقتحمه ذاتية الراوي16 ".

    و قد تشرب الغيطاني في "الزيني بركات " لغة العصر و التراث ليكون حاضرا شاهدا و موضوعيا مع نفسه و مع القارئ ، لذلك استلهم لغة ابن إياس و تشبع بها صياغة و بناء و تركيبا و سك لنا لغة مخضرمة أصيلة معتقة بالقدم و الرصانة و العبارات المتداولة ذلك الوقت مع تضمينها بالآيات القرآنية و الأمثال العامية والقوالب الموظفة في كتابة الرسائل الديوانية و الإدارية و الخطب والقرارات و المذكرات و النداءات و الفتاوى و الأحاديث النبوية .

    و هكذا ، فلغة الغيطاني في الزيني هي لغة حيادية طافحة بالحيوية و العتاقة و التنوع و الإثراء اللغوي إلى جانب العمق الرمزي والاستعاري ، بل تمثل حتى الصيغ البيانية و البديعية كما تتجلى في الرسائل و النداءات و المراسيم و التقارير .

    و تعج ( الزيني بركات) بعدة خطابات و مستنسخات يمكن حصرها في الخطاب التاريخي والخطاب المناقبي والخطاب الديني والخطاب الفانطاستيكي والخطاب الأسطوري وخطاب الرحلة والسفر، دون أن ننسى الأنواع الفرعية الأخرى مثل: المراسيم والنداءات و الرسائل و الفتاوى و الخطب و التقارير و المذكرات و الذيول التي تشكل الخطابات النوعية و التجنيسية ببنيانها السردية الخاصة . وقد طعّم بها الكاتب نصه الروائي ليثريه أجناسيا ونوعيا قصد خلق بوليفونية موضوعية بالمفهوم الباختيني. .

    4- البنيـــــة المرجعيـــــة:

    يستهدف جمال الغيطاني من خلال هذه الرواية فضح أنظمة الاستبداد في العالم الثالث بصفة عامة و النظام المصري بصفة خاصة. تلك الأنظمة التي تستند إلى المؤسسة العسكرية و جهاز المخابرات لقمع الشعب و تعذيب الرعية من أجل أن يتفرد الحكام وأعوانه بالسلطة و يمنع الحوار و الجدال و إبداء الرأي الآخر ، فالأنا داخل مملكة "التسلطن" والقهر لا تتوادد إلى الأخر ولا تعقد معه أدنى تواصل أو تعارف إنساني، فالسلطة تبدد كل شيء، والغاية تبرر الوسيلة . و تكشف الرواية أيضا زيف السياسيين المقنعين ( الزيني بركات مثلا ) الذين يحاربون الديمقراطية ويتشدقون بالشعارات لكن ممارساتهم الفعلية تعاكسها وتناقضها . ويريد الغيطاني من خلال روايته أن يبين أن الاستبداد يولد الهزيمة و المأساة ، و أن لكل بداية نهاية . لذلك عاد الغيطاني إلى الماضي ليطل على مصر المماليك في القرن العاشر ليبحث عن أسباب الاستبداد و مظاهره و نتائجه الوخيمة مقارنا ذلك بمصر الحاضر ، مصر الناصرية إبان الستينيات حيث الاستبداد وجهاز المخابرات ينشر الرعب و الإرهاب بين الناس باسم السلطة والحفاظ على مكاسب الثورة، حتى أدى هذا القمع إلى هزيمة مصر جمال عبد الناصر في حزيران 1967م أمام الإسرائيليين الذين دخلوا مصر و احتلوا سيناء . و هكذا لم يستفد المصريون من عبر الماضي الذي يحضر بكل حمولاته في الحاضر . إنه زمن الهزيمة و الاستبداد ولاسيما أن الغيطاني كتب الرواية ما بين 1970 و 1971م بعد وفاة جمال عبد الناصر في عام 1970 م. و إليكم أوجه التشابه بين الماضي و الحاضر :

    مصر الناصرية

    مصر المماليك

    القرن 20 هـ ( الستينيات )

    القرن 10 هـ

    الحاضر

    الماضي

    جمال عبد الناصر وجهاز المخابرات

    الزيني بركات و جهاز البص

    التجسس الداخلي و الخارجي

    البص الداخلي و الخارجي

    الاستبداد و هزيمة 1967 م في مصر

    الاستبداد و هزيمة 920 هـ في معركة مرج دابق

    انتصار الاسرائليين و مأساة المصريين

    انتصار العثمانيين و مأساة المصريين



    نستنتج، إذاً ، أن جمال الغيطاني يسقط الماضي على الحاضر ويؤكد نتيجة أساسية أن استبداد الناصريين هو السبب في الهزيمة 1967 م و انتصار إسرائيل على مصر و احتلالهم لسيناء ، فالقمع و الإرهاب يولدان الظلم و الجور و استكانة الشعب و جوعه ، وفي نفس الوقت يثير فيهم الثورة المكبوتة و التمرد الداخلي والاستعداد للانتفاض كلما حانت الفرصة . و بالتالي ،لم يحكم جمال عبد الناصر مصر إلا بجهاز المخابرات و المؤسسة العسكرية ، حسب دلالات الرواية و تصريحات الكاتب نفسه ، وأدى ذلك إلى الفساد السياسي و الهزيمة المعروفة مسبقا ، لأن مصر لم تكن مستعدة لخوض الحرب . ويقول جمال الغيطاني مشيرا إلى أبعاد الرواية السياسية مقارنا نفسه بابن إياس الشاهد على استبداد المماليك :" هناك وجوه اتفاق بين حياتي و واقعي وحياة بن إياس و واقعه ، ولكن هناك وجوه اختلاف و تباين كذلك (...). و قد شهد ابن إياس هزيمة المماليك أمام العثمانيين ، وشهدت هزيمة بلادي أمام الإسرائيليين .على أن هناك أشياء أكثر عمقا من هذا ، ففي فترة الستينيات كانت المشكلة الديمقراطية بالغة الحدة ، حتى إن نجيب محفوظ نفسه استخدم الرمز17 " .

    و يسرد جمال الغيطاني الأسباب و الدوافع التي دفعته إلى كتابة (الزيني بركات ) بهذه الصيغة التاريخية التراثية و التي أرجعها إلى انتشار المخابرات و تتبع أجهزة أمن الدولة للمثقفين والمعارضين و التنكيل بحرية الصحافة و الإبداع و تكميم أفواه الشعب و تتبع أنفاس الرعية : " و كنت أشعر بوطأة القهر البوليسي ، و بحصاره للمثقفين و أفراد الشعب عموما ، كنت في رعب من الأجهزة الأمنية . و منذ بداية الستينيات و أنا أشعر بالمصادرة ، بالرغم من أني لست رجل سياسة، و لهذا حاولت أن أعرف كل شيء عن هذه الأجهزة و تركيبها الداخلي . و حينما بدأت أكتب " الزيني بركات " كنت أحاول أن أكتب قصة شخص انتهازي ، فقد استرعى انتباهي في الستينيات وجود نموذج للمثقف الانتهازي الذي يبحث عن شخصية كبيرة يحتمي بها أو يصاهرها كأن يتزوج ابنة شقيقها أو شقيقتها مثلا ، و هو انتهازي بسيط إذا ما قورن بنموذج انتهازي السبعينيات . لقد التقت هذه الملاحظة مع ما كتبه ابن إياس عن شخصية انتهازي خطير هو " الزيني بركات بن موسى" و بعد إن انتهيت من كتابة الرواية فوجئت بها تتحول من رواية انتهازي إلى رواية "بصاصين ".

    كان العصر المملوكي عصر قهر رهيب، ولو قرأت أوصاف السجون و أبشعها "المقشرة" الموجودة بباب النصر لاقشعر بدنك، كان يلقى فيه الإنسان طوال عمره دون ذنب جناه أو محاكمة تقضي بذلك . و في "الزيني بركات " التقى القهر المملوكي بقهر الستينيات 18".

    و سواء أكان الزيني بركات رمزا للانتهازية و الوصولية أو رمزا لقمع البصاصين، فإنه يدل كذلك على المستبدين الناصريين الذين دفعوا الشعب إلى حرب فاسدة و حصدوا الهزيمة قبل أن يشاركوا فيها ليشربوا بعد ذلك كؤوس المرارة و العار و الذل المحلي والقومي و العنف السياسي .

    ويقول الدكتور حمدي حسين إن لجوء الغيطاني إلى هذا الشكل التاريخي مقلدا ابن إياس في بناء روايته و استخدامه مصطلح "سرادقات " و اقتباسه شكل "الحوليات"كان هذا في حد ذاته:"كافيا للتعبير عن رؤيته السياسية التي تتمثل في غياب الديمقراطية،فما لجوءه لهذا في الحقيقة إلا قناع يتوسل به لتصوير رؤيته و هو في مأمن من الأجهزة البوليسية ، و هو في حد ذاته يحمل بعض الإدانة للفترة التي نشرت فيها الرواية و لجوء الكاتب لمحاكاة أسلوب بن إياس كانت غايته الإيهام بأنه إنما يكتب رواية تاريخية، و الحقيقة أنه استخدم شكلا تاريخيا و لم يكتب رواية تاريخية 19".

    استنتاج تركيبي:

    و عليه ، فرواية "الزيني بركات" لجمال الغيطاني رواية تراثية تندرج ضمن التخييل التاريخي، وتتخذ من زمن المماليك قناعا رمزيا لإدانة حاضر الستينيات في مصر . و هي – بالتالي- رواية طليعية و جديدة لبنيتها السردية التراثية التي تقوم على خلخلة البناء المنطقي والزمني للأحداث و اللجوء إلى تعدد الرواة و الرؤى السردية والإثراء اللغوي الأسلوبي لخلق رواية بوليفونية ، وتوظيف الوثائق و الخطابات السردية و عتاقة الأسلوب التراثي لخلق حداثة سردية و صوت فني متميز .

    ويبدو لنا أن الغيطاني لم يكتب رواية تاريخية حرفية أو موثقة من أجل التوثيق الموضوعي، بل استحضر التاريخ ليسائله و يحاوره ويبرز نقط ضعفه و يحدد الأسباب و يشخص المظاهر ليصل إلى النتائج بطريقة جمالية و فنية رائعة .



    الهوامــــش:

    1- جمال الغيطاني: الزيني بركات، دار الشروق، القاهرة، مصر، بيروت، القاهرة ط1 ، 1989؛

    و جمال الغيطاني من جيل الستينيات ولد في القاهرة سنة 1945م، نشر أول قصة قصيرة في يوليو سنة 1963 ،له تسع روايات أولها " الزيني بركات " سنة 1974م ، و آخرها "هاتف المغيب " سنة 1992م . و له مجموعة قصصية أولها " أوراق شاب عاش منذ ألف عام " سنة 1969 م. و أخر مجموعته " ثمار الوقت " سنة 1989 ، و له ست دراسات أشهرها "أسبلة القاهرة" سنة1984، و "ملامح القاهرة في ألف عام "سنة 1983 م،و " نجيب محفوظ يتذكر" سنة 1980م.

    2 - أحمد عزت عبد الكريم: ابن إياس"دراسات وبحوث"،طبعة الهيئة المصرية العامة للكتاب، سنة 1977م ،ص:14؛

    3 - فاضل عبد اللطيف الخالدي: ابن إياس "دراسات وبحوث"،ص:28؛

    4 - د . سيزا قاسم: روايات عربية، قراءة مقارنة، منشورات الرابطة الدار البيضاء، ط1 ، 1997م،ص:63؛؛

    5 - د. سامية أحمد: ( عندما يكتب الروائي التاريخ)، مجلة فصول، مصر، المجلد 2، العدد2، سنة 1982، ص:68؛

    6 - جمال الغيطاني: ( القلق، التجريب، الإبداع)، مواقف، لبنان، العدد 29، ص:111؛

    7 - جمال الغيطاني: الزيني بركات، صص: 35-36؛

    8 - نفس المصدر السابق، ص:14؛

    9 - نفس المصدر، ص: 245-246؛

    10 - سامية أسعد: (عندما يكتب الروائي التاريخ)، مجلة فصول، مصر،ص: 69؛

    11 - رضوى عاشور: ( الروائي والتاريخ" الزيني بركات" لجمال الغيطاني)، مجلة الطريق، لبنان، العدد3/4 ،1981م،ص: 132، الهامش؛

    12 - جمال الغيطاني: الزيني بركات، ص:7؛

    13 - حمدي حسين: الرؤية السياسية في الرواية الواقعية في مصر(1965-1975)، مكتبة الآداب، القاهرة، ط1، 1994م، ص: 277؛

    14 - حمدي حسين: الرؤية السياسية في الرواية الواقعية في مصر، ص:377؛

    15 - نفس المرجع السابق، ص:378؛

    16 - سيزا قاسم : روايات عربية، قراءة مقارنة، ص:68؛

    17 - جمال الغيطاني: ( مشكلة الإبداع عند جيل الستينيات والسبعينيات)، ندوة، مجلة فصول، مصر، المجلد 2، العدد2، سنة 1982م،ص: 213؛

    18 - نفس المرجع،ص:385؛

    19 - حمدي حسين: نفس المرجع، ص:385؛
  5. الوفاء الدّائم

    الوفاء الدّائم عضو مهمّ

    683
    106
    43
    الدّولة:
    تونس
    الولاية:
    بنزرت
    المستوى الدّراسي:
    خيار آخر
    الاختصاص:
    -
    المهنة:
    -
    القهر والزمن فى الزينى بركات
    أماني فؤاد


    تظل بديعة ودرة "جمال الغيطانى" "الزينى بركات"(1) قادرة على تجسيد مثل أعلى من الفن الروائى فى أبهى وأعمق صوره الفنية والفكرية، رغم مرور ما يزيد على أربعة عقود على سنة نشرها عام 1971م.
    لم تزل قادرة أن تهب فيضا من الإشعاعات والتأويلات التي تجسد القضايا الجوهرية في قصة الوجود البشري، داخل اللحظات الإنسانية ، و بعض النماذج البشرية في ديمومتها وتكرارها، يتخذ النص من التاريخ مقطعا، ومن خلاله يحكي شوق الإنسان الأزلي للحرية والعدل، من قلب دورة زمنية قديمة ومتجددة معا، في آن واحد، أبدع الغيطاني نصه، ومن إشراقاته أعيد القراءة.
    (1) النموذج الروائي والأقنعة:
    فى هذا النص يقدم الغيطانى نموذجاً إنسانياً قادرا على تجسيد صنف من البشر يملكون قدرات خاصة، قدرات متناقضة وحائرة، إنسان تتعدد أقنعته ووجوه حقيقته، ويحتار من يتلقاه أن يصنفه تحت توجه بعينه.
    يقدم الروائى من خلال "الزينى بركات" نموذجاً للبطل، القائد الذى تحمل جيناته وأعماقه إزدواجية حائرة، القائد الذى يملك حلماً وبإمكانه أن يحققه على مستوى الواقع، متخذاً لإجراءات وتدابير ذكية، وخطوات علمية قائمة على دراسة مكثفة، تمكنه من تحويل بعض الأحلام إلى حقائق.
    وهو فى ذات الوقت القادر على تصدير الوهم. والقدرة على تحويله إلى حقائق فى ذهن الجماهير، بل والهيمنة على الأقدر والأكثر إحاطة مع خبث وذكاء من الجموع العادية، مثل ما صنعه مع "زكريا الشهاب الأعظم"، عندما أوهمه أنه يمتلك جهازا أمنيا "بصاصين" خاصا به.
    يقدم الروائى شخصية الديكتاتور في تناقضها وحيرتها، الحاكم الذى يستخدم كافة الوسائل المعلنة والخفية، الشريفة والظالمة، من أجل أن يحقق أهدافه، فالغاية تبرر الوسيلة، والتفكير ميكافيللى بامتياز.
    يحتار المتلقى لهذا النموذج هل يعشقه؟ ويصبح لديه ممثلاً للقوة والنجاح والعدل متجسداً فى إنسان، أم أنه نموذج للظلم وإشاعة القهر، والرغبة في التحكم والسيطرة، وهكذا ينقسم الناس حوله، وتضيع معالمه الحقيقية بين إيجابياته وسلبياته.
    يقدم الغيطانى نموذجاً بشرياً من لحم ودماء، لا تعرف هل تضعه فى أحد كتب التاريخ وتدون تحته أنه كان الظالم الأمثل، أو أنه كان العادل الحالم، أو أنه مثَّل العادل المستبد، فهو شأن بعض القادة والبشر الذين يمرون بالحياة والتاريخ من حولنا، نعيش معهم، ويطبعون بصماتهم على التاريخ، وتظل المقاييس القطعية معهم حائرة.
    من هو الزينى بركات بن موسى؟.. شخصية محتسب ورد ذكره فى كتاب "بدائع الزهور فى وقائع الدهور"(2) للمؤرخ المصرى "محمد بن أحمد بن إياس الحنفى المصرى"، وبعض المصادر الأخرى، يقول عنه "الغيطانى" فى أحد حواراته: أنه كان فى بداية حياته مكلفاً بحراسة قوافل الحج إلى أن وصل إلى أعلى المراتب، وبغض النظر عن حجم الحقيقة أو المتخيل فى رواية "الزينى بركات"، يشعر القارئ أنه كل حاكم أو صاحب سلطة تشكّله ملكات وقدرات خاصة، تجعل منه هذا المزيج الذى يجعل ألد وأشد أعدائه، "زكريا" - على سبيل المثال - يريد أن ينال منه، لكنه يحترمه ويشعر بضرورة وجوده، وقيمته بالحياة وسبقه للزمان الذي يعيش فيه.
    الزينى بركات بقناعيه هو كل حاكم يحوّل مجتمعه بكل فئاته وطبقاته إلى مجموعة من العملاء والجواسيس والبصاصين، يتلصص الجميع على الجميع، يحوّل الوطن إلى دولة تحكمها قبضة أمنية قامعة بامتياز، دولة البصاصين والجواسيس والمرشدين.
    كما يوظف "ابن موسى" القابض على السلطة السياسية التنفيذية الدين ورجاله، ويتحايل من خلالهما، ليمرر أغراضه وأطماعه، فى درجة مبتذلة من خلط الدنيوى بالدينى أو المطلق، ويتجلى ذلك فى علاقته بالشيخ "أبو السعود"، واستغلال مكانته عند جميع الطوائف والطبقات عند الشعب، بداية من السلطان والأمراء حتى العوام من الفلاحين.
    يجسد الزينى بركات كل مستبد يرتدى مسوح الكهنة، يعيش في زمن استشرى فيه الفساد وطغى أيام دولة المماليك بمصر، يتقرب من الشعب بخطاب عاطفى، وهو يضمر تنفيذ سياسات يقصد من ورائها مجده الشخصى، واستمراره قابضا على الحكم تحت أى متغير.
    الزينى هو من يحوّل الفرد فى المجتمع إلى كيان مجوف خائف لا قيمة له، غير قادر على المواجهة أو التفكير أو الإبداع، هو الأب المطلق فى صورته المستبدة ذات المرجعية الوحيدة، هو من يفكر ويقرر وينفذ لاغياً لإرادة الآخرين بطوائفهم وتعدديتهم، فلا إرادة غير إرادته، مغامراً بفرديته، أو مستندا على كيانات طائفية أو قمعية.
    من بيده السلطة المطلقة الذى يحول الجميع إلى أدوات مجوفة خائفة، خانعة مهزومة، شأن ما حدث مع شخصية "سعيد الجهينى" الذى مورس عليه فعل التجسس والتعذيب والقمع، أو حتى شخصية "عمرو بن العدوى" من مارس التلصص والتجسس على الآخرين، النموذجان طالهما التشويه، "سعيد" بالممارسات القمعية والتعذيب والإهانة، وزرع الخوف بداخله، وعمرو بتشويه قيمه وحياته، وجعله كائناً منبوذاً من الجميع، فاقداً لإنسانيته.
    تخرج من تحت عباءة الزينى شخصيات تاريخية كثيرة قد يكون: "فرانكو" أو "هتلر" أو "موسولينى" أو "كاسترو" أو "الحجاج بن يوسف الثقفى"، أو "باتستا" أو "محمد على" أو بعض أقنعتهم المتعددة أو جميعهم.
    شكَّل الغيطانى شخصية "الزينى" المحتسب الحاكم التنفيذى الذي عينه السلطان و"زكريا الشهاب الأعظم" كبير البصاصين بطريقة فنية مبدعة تجعل قارئها متحيراً، ففى بعض الفقرات من الرواية شعرت أنهما شخصاً واحداً، كل منهما يحتوى الآخر، وقد يتضمنا "على ابن أبى الجود" المحتسب السابق الذى حاكمه الزينى وأعدمه.
    ينفر زكريا من الزينى ويكرهه، ويضمر له الحقد والرغبة فى الإيذاء بل والتخلص منه، وفى ذات الوقت يُكنَّان لبعضهما التقدير وتثمين مواهب كل منهما للآخر، ومعرفة مواضع قوته. كل منهما يكمل نقص الآخر ويدافع عن وجوده، رغم خطورتهما على بعضهما، لكنهما مكتمين كيان دولة ينخر فيها الفساد على أكمل وجه، وعلى كافة المستويات بدءا من السلطان أو الحاكم الأعلى، أياً كانت مسمياته، حتى أصغر موظف بالمنظومة الحاكمة.
    فمنذ تولى الزينى الحكم أضمر زكريا القضاء عليه لكنه فى مونولوج داخلى يقول: "ما قدَّره منذ هذه الليلة، يزداد رسوخاً فى عقله، لكن الحقيقة، الزينى رجل لم يعرف له مثيل، أحياناً يفكر زكريا بضرورة مجيئه بعد هذا الزمان بسنوات، لا يدرى مقدارها تماماً، ولكن أليق به العيش فى زمان بعيد، يلقى فيه أدوات يحلم بوجودها، لا يدركها لعجزه، وعجز زمانه عن تجسيدها، هذا الزينى جاءه أيضاً من العصر الغامض النائى الذى يود العيش فيه، مثله لا يستهان به(3)".
    يبدو الزينى بركات وزكريا قناعين لشخص واحد، كل قناع منهما ينطوى على توجس من الآخر والرغبة فى القضاء عليه، والآخر يثمن مواهب قرينه، ويتعايشا معاً ليشكلا هذا النموذج الإنسانى الفريد، رجل يمكنه أن يمتطى كل العصور وكل أنظمة الحكم، يجسد قدرات بشرية فائقة ومتناقضة.
    أحاط الروائى "شخصية عمله بقناعيها الزينى بركات وزكريا" بقدر من الغموض الشفيف، حتى أن المتلقى يشعر أن الذى يُحكى له عنهما يختفى وراءه الكثير الذى لا ينبغى له أن يعرفه، أليس النص فى جوهره قائم على تصوير دولة أمنية من الطراز الأول، عالم من الخفاء والتعتيم، إن تم الظهور فيه لحقيقة فهى بقدر، الحقيقة تُقدم نتفاً، إشارات وعليك كمتلقٍ أن تكمل التصور من خيالك.
    لا يظهر الزينى بركات ظهوراً متجسداً إلا نادراً، ولا يجرى حوارات بالعمل سوى فى مشاهد قصيرة للغاية، أبرزها مشهد محورى بالنص يدلل على طبيعة العلاقة الملتبسة والحتمية بين الزينى وزكريا(4). رغم أن هناك تكتم على عائلته وصفاته وتاريخه، والمرأة التى تدعو عليه، وكافة علاقاته مع الآخرين، وحجم ثروته(5).
    خاطر طرأ لى وأنا اقرأ النص، لماذا لا تكون هذه المرأة وأم عمرو بن العدوى - طالب الأزهر البصاص أو المرشد - الذى تركها في قريته دون أن يعود إليها أو يسأل عنها،ورحلت تبحث عنه، كيان امرأة واحدة بصور متعددة؟ ما العلاقة بينهما؟ في ظني أن العلاقة الجوهرية تقع بين الزينى ذاته وبين عمرو، فجميع هذه النماذج فقدت جانبا إنسانيا ما، تصدع جزء مهم بداخل تكوينهم النفسى، قد يُلَمِّح الكاتب إلى أن عمرو بن العدوى هو النواة الصغيرة من الزينى.
    تخير الروائى أيضاً أن يستنطق العمل كله عن طريق رؤية رحالة افتراضى إيطالى لا وجود له فى أرض الواقع، يدعى "فياسكونتى جانتى" يمر على مصر بين فترة وأخرى، ومن خلال مشاهداته يحكى عن تطورات الأمور فى فترة زمنية ثرية بالأحداث، وعصيبة فى التاريخ المصرى أثناء دولة المماليك، بكل ما اشتهر عنها بالدسائس والمكائد والأطماع والانهزامات التى حكمت العلاقات بين هذه المجموعات التى استولت على حكم مصر.
    ولذا تبدو طرائق السرد بالرواية - فى بعض فقراتها - وكأنها خارجة من رحم كتابه التقارير التى تمتلئ بالملاحظات والقياسات، وتحليل بعض الظواهر والشخوص، تقارير أمنية ومخابراتية، وبيانات تهدف التأثير على العامة.
    لكن كلما اختنق السرد بهذا القمع الوحشى، والأحكام العنيفة التى تتنافى مع إنسانية البشر، بل تتعامل معهم كأنهم حيوانات لا قيمة لهم، يقدم الروائى طاقة نور، إنفراجة أمل فى المطلق، فتأتى فقرات تعنون "بكوم الجارح" وهو مقتطع صوفى تحليقى لعوالم أكثر اتساعاً، يصور الروائى مثلاً فى أحد هذه المقاطع ما حدث فى مأساة الحلاج الصوفى، ثم يعلق متحدثاً بمكنون سعيد" .. ما الزمان هنا إلا امتداد هذه الأيام. الثقيلة النائية، ظل لزج لا يروح أبداً، الخير مسكوب والشر باغ والعهر طاغ.. سعيد أرجف قاع روحه، أصاغ لأصوات المدينة تتباعد، ما أحوجه إلى غيبة، إلى إحاطة بجدران الصمت.."(6).
    أتصور أيضاً أن الفقرات المعنونة "بكوم الجارح" قصدها الروائى فى سردية نصه لتشير إلى وجه آخر من وجوه الحياة فى تلك الفترة الزمنية التى اتسمت بالعنف والقهر، هناك دائماً التناقضات التى تتعايش متجاورة بحياة البشر.
    (2) التقنية السردية والموروث التراثى عند الغيطانى:
    بحث الروائى عن شكل جديد فى الكتابة، أراد من خلاله التجريب وخوض مغامرة تتناسب وطقس نصه. فقسم الروائى عمله إلى سبع سرادقات وليس فصولا، ولاختيار المبدع لهذا التقسيم عدة أسباب فيما أتصور:
    يمثل السرادق فى الموروث الشعبى المصرى المكان الذى يقام به الأفراح والمآتم أى أنه الحياة والموت، الخصوبة والعدم، وجود صور الحياة المتجاورة والمتعاقبة والمتعايشة معاً، نهضة الدول أو سقوطها، العزة أو الفشل، الأول والآخر، فلكل أول آخر ولكل بداية نهاية " كما نقرأ فى مفتتح الرواية".
    السرادق أيضاً هو المكان الذى يُقرأ فيه القرآن، أو تشدو فيه الأغنيات، أو تتلى المدائح والأناشيد والمواويل، ويجمع المكونات الثقافية الموروثة والسردية فى الوجدان الشعبى والاجتماعى.
    السرادق يتضمن أيضاً معنى الحشد، تجمع من البشر يتشاركون شأناً ما، وكأن الروائى يحشد الأحداث من التاريخ ليحكى عن فترة قلقة ومضطربة، ويحشد لأحداثه الناس ليشاركوه ما يحكى.
    السرادق هو ما يتناسب مع لغة الرواية التى هى مزيجٌ من اللغة التراثية، المفردات الخارجة كالفراشات المحمومة الهائمة فى رحلة بعث من القرن السادس عشر، ومن لغة فنية وذهنية شديدة التكثيف والإيحاء تحمل بصمة الغيطانى ذاته، وطريقة تلقيه للعالم، والأفكار التى تشغله، القهر والنموذج البشرى الذى يتجسد فيه ومن خلاله هذا المعنى الذى يعبث بالوجود البشرى فى حقيقته الحرة ويسلبها منه.
    ولذا يبتعد الغيطانى تماماً فيما أتصور عن الأساليب المسجوعة أو الموشاة بالمحسنات البديعية، التى وجدت بداياتها وظلالاً لها فى هذا العصر، لأنه معنى بتوصيل محتوى يملك عليه ذهنه ويتغيا تجسيده، فما من سبيل إلى تغييب نسبى قد تستهلكه لغة لها إيقاعا خاصا، قد ينطوى فى النهاية على فراغ لا يمثل مطمعاً للغيطانى، وبالرغم من ذلك يحشد الروائى لنصه الكثير من المفردات التى تنقل قارئه لهذا العنصر ألفاظ وتراكيب من قبيل: "مجعولاً، بالضبط عشرة دنانير أشرفية وقماش أطلس، وقميص زركشى لطفلة صغيرة"، جاءه وفصد دمه، مثل أسماء الأمراء المماليك: طغلق، سلامش، بشتاك، طشقند.
    يتبدى أيضا طقس خاص بالنص يتجلى فيه عالم الجوارى والحرملك، عالم العاهرات المعلن، نظام اجتماعى وعادات محافظة تنقل القارئ لهذه الفترة الزمنية، مع تحديد أنواع المشروبات والمأكولات.
    طبيعة العمل واتكاؤه على التاريخ جعلت شكل السرادق أكثر ملائمة مع هذا الحكى، ذلك لأنه يوفر مستوى ثانٍ من الارتفاع فوق الأحداث، كأن الروائى يراها من مسافة فوقية وفر لها وجود الرحالة الإيطالى المتخيل ليحكيها، فالسرادق نقل عن هذا العالم وتعليق عليه، لا انغماس فيه.
    استطاع الروائى أيضاً أن ينمى أحداثه ويجعلها متلاحقة الإيقاع فى طيات واسعة، تنضوى سريعاً، تختصر من الزمن ما لا يريد الوقوف عنده، ذلك من خلال النداءات أو الرسائل الإعلامية التى تتلى على الجموع فى أرجاء مصر المحروسة، تلك النداءات كانت تجسد أحياناً قرارات تتخذ من قبل الحاكم أو المحتسب أو غيرهما، أو تحذيرات وتنبيهات ليلتزم بها الشعب المصرى، أو تقارير تُرفع للزينى أو زكريا، تترك هذه النداءات المتكررة والتقارير وطأة طقس أمنى وقهرى أبعد ما يكون عن قيمة الحرية وما تمثله فى حياة البشر. ويتمثل ذلك أيضاً فى مفرداتها وأساليبها اللغوية، التى تنحصر فى غلبة فعل الأمر بكل صوره، وأساليب التحذير والترويع، والتهديد بالتعذيب والقتل، مناخ من القهر المفروض بالقوة(7).
    ما أود الإشارة إليه فى تقنيات تنمية الأحداث فنياً، ويعبر عن وعى الكاتب النفسى العميق بالتكوين الذهنى والنفسى عند البشر، طريقة سرده للوقائع أو المشاهد بداية من الحدث الواقعى، مايحدث فى لحظة الحكى، ما يقع بالفعل في زمن الحاضر المستمر، فى داخل المشهد بين شخوص العمل، ثم ينقطع سرد اللحظة ويستكمل الحدث أو المشهد والشخص يتذكر ما جرى بينه وبين ذاته مع الآخرين، بعد مرور فترة من الزمن، تذكّر الحدث على هذا النحو المؤجل نسبياً يحمَّل الحدث وقعه ذاته، زخم مكوناته، بالإضافة إلى رد الفعل أو الكيفية التى تقبلته بها الشخصيات بعد غربلته وفحص أبعاده، يحمَّل الروائى الأحداث ودلالاتها الصوت الثانى أو المستوى الأعمق فى تحليل الحدث ووقعه على الفرد الذي يستعيده، وهو غالباً التكنيك الذهنى الذى يطبع نماذج الشخوص الأمنية بهذا النص.
    يقول زكريا للزينى بركات: ".. أنت يا زينى ستقتل.." أصغى الزينى، بعد يومين، عندما تجول زكريا فى حديقة بيته، تراءى له وجه الزينى، ثم قيامه المفاجئ، عناقه لزكريا، لمح فعلاً دموع التأثر فى ركنى عينيه، قال: "مثلى لا يمكنه العيش بدونك يا زكريا(8)". أتسق هذا التكنيك ـــــ فيما أرى ــــ مع الطقس العام للنص.
    (3) التاريخ والإبداع الروائى:
    تتجلى حالة الإبداع الحقيقى فى الرواية التاريخية عندما يتجاوز النص استخدام التاريخ أو التراث مورداً غنياً لتركيبات جاهزة، وطاقات سابقة التكوين، لتستقر حركة التخليق والجدل مع القديم، فيُنشأ الإبداع الذهنى الحديث صياغة جديدة للتاريخ: بوقائعه وأحداثه وشخوصه، مضفورة مع ما يحصله من معلومات أحدث، ومستجدات واقع أكثر تعمقاً فى العلوم التى تفصح عن التكوين العميق لهذا الكائن البشرى، وهنا تبرز إضافة الروائى باستخدامه للمعطيات الأحدث من علم النفس، والأدوات العصرية الأقدر على التحليل، والمعلومات المتدفقة من الفلسفة، ومن العلوم السياسية والنظريات الأمنية الاجتماعية، تحشد لحظة الإبداع كل هذه المستجدات رغم تحرى الالتزام بالخطوط العريضة للتاريخ لدى "الغيطانى"، والحرص على عدم الوقوع فى أى خطأ، يذكر أن دوره يتضح أكثر فى تفكيك المعلومات وإعادة تركيبها، وتخيل بعض الأحداث بما يملئ بعض الفجوات.
    فبعيداً عن المعلومات الموثقة يبدع الغيطانى فى تخيله للمؤتمر العالمى الذى دعا إليه الزينى بركات والشهاب زكريا، وسماه "اجتماع كبار البصاصين فى أنحاء الأرض وأركان الدنيا الأربعة فى القاهرة، ويحتل السرادق الخامس(9). وفيه يستحضر الكاتب ويصوغ أحدث الوسائل المتبعة أمنياً، متخذاً من علم النفس والاجتماع، وعلوم الإعلام، وفلسفة الجريمة وكيفية مقاومتها مادة معرفية متسعة، استند عليها وهو يصوغ هذا الاجتماع، وما أسفر عنه من توصيات، رغم مخالفتها لجميع حقوق الإنسان المتعارف عليها دولياً، وهو ما يؤكد وحشية هذه السلطة وأساليبها.
    فلقد استطاع الروائى من خلال شخصية " سعيد وعلى ابن أبى الجود" تصوير ما مورس عليهما من تلصص وحبس وتعذيب، تضمن سرده وسائل التعذيب على مستوياتها المادية الخارجية، ومستوياتها المعنوية الداخلية، ذلك حين تعرض لوصف أدوات التعذيب وطرقه التى تتسلط على صب الأذى على الجسد الإنسانى،(10) والوسائل التحضيرية التى تعتمد علي الترهيب وتجعل السجين ينجو بنفسه من فداحة أوهامه، وما تضخمه من أخطار قد تفوق ما يمكن أن يحدث له(11).
    وعلى المستوى المعنوى الإيذاء العاطفى والوجدانى للمسجون، ذلك حين أجبروا سعيد أن يرى معشوقته "سماح" وزوجها يمارس معها الجنس أمام عينيه، أو بعين خياله، يقول: ".. رأى بعين عقله سماح الرقيقة، التى تساءل يوماً، أحقاً تمضغ وتأكل ما يأتيه البشر؟ رآها عارية تماماً، يخور فوقها لوطى عارى المؤخرة يصول ويجول فى أرض كانت حراماً.."(12).
    صوَّر الروائى قدرة البصاصين الفائقة على نشر الأذى وترسيخه فى نفوس الأفراد مستخدماً لأحدث ما توصلت إليه علوم النفس البشرية المعاصرة، لكنه زاوج بين هذا العلم الحديث والتاريخ فى جدل محكم وإبداعى.
    يمثل هذا المنهج رؤية في كتابة الرواية التاريخية، بجانب رؤى أخري تري التحرر النسبي من المعلومات التاريخية الموثقة، وإفساح المجال أمام المبدع لتخيل بعض الأحداث والشخوص التي لم يثبت وجودها الفعلى في الحقيقة.(13) رؤية أخرى ترى أن من حق المبدع تغيير التاريخ، وتخيل تاريخ مخالف تماما للأحداث التى حدثت داخل الوعاء الزمنى لفترة ما، لكنهم يصرحون بذلك المنحى، فهم فى الحقيقة يوهمون بتاريخية النص الروائى دون التزامه بالموروث(14).
    وربما يلجأ الروائى للتاريخ ـــــ مثل إبداعات الغيطاني ــــــ قاصدا إبراز ثقافة لها هويتها المتميزة، وخصوصيتها المتفردة، لكنه يضفره بالمستقبل، فالتاريخ لا يقدم بوصفه إعداماً للمستقبل، بل يثريه الحاضر كشفاً وتأويلاً وإبراز إمكانات ودلالات، أو أن التاريخ ذاته يقدم لنا شفرات قراءة الحاضر وفك طلاسمة، أن نعى لحظتنا قياسا على التجارب الإنسانية التي تركت بصماتها على هذا المثير الذى يُدعى الزمن، ومن شأن المبدع الذى له قدرة (الوعى الفائق) أن يَخلق جُماعا، أو حالة ضفر واع بين العقول التى أصبحناها مع تطور الزمن، والتاريخ الكامن فيها، حين تحولت موروثاته جينات تسهم فى تشكيل وجودنا، مع حاضر يتجادل مع هذا الموروث بالضرورة.
    تتبدى علاقة الحاضر بالماضى، علاقة حاضر متاح بحاضر كامن، وليس علاقة القديم بالحديث بالمعنى الزمنى الطولى أو التتابعى، وأتصور أنه من هذا المنطلق يذكر الأستاذ جمال الغيطانى أنه لا يعترف إلا نسبياً بما يسمى رواية تاريخية، ويرى أن التاريخ بجانب أنه لحظة انقضت إلا أنه فعل ممتد، يشمل الماضى والحاضر والمستقبل فى عملية الإبداع، ويذكر أن سؤال الزمن كان من أهم أسئلته الخاصة، وهمه الفكرى الملح ولم يزل(15)، وهو ما دفعه طيلة مشروعه الروائى إلى البحث والمطالعة الواسعة للتاريخ، ولقد اهتم الغيطانى بتاريخ القاهرة الإسلامية، إذ يرى أن التاريخ المملوكى لم تزل له تجليات واسعة، وأشكال من التحقق الثقافى حتى لحظتنا الراهنة، ولقد كانت فترة كتابة الرواية فى عقد الستينيات فترة استدعاء قوية لكثير من المفردات والتفاصيل التى وردت عن الفترة المملوكية.
    ويفسر الروائى جمال الغيطانى أنه ما من شئ يسمى تاريخ، فهناك لحظة انقضت لا يمكن استعادتها، إعادة السرد التاريخى يعتمد على انتقاءات الذاكرة وأيديولوجية المؤرخ ومن ثم الفنان المبدع، فليس هناك حقيقة مطلقة، لكن هناك حقائق بعدد من يبحثون عنها. ويفرق الغيطانى بين التاريخ والإبداع فيرى أن الإبداع هو ما يمكن أن نمسك به عندما يتوقف عند لحظة بعينها، وأتصور أن لحظة الإبداع الحقيقى لا يمكن أن يمسك بها، فهى تحمل فى طياتها إعادة تأويلاتها لمرات متعددة بعدد متلقيها.
    وفى ظنى أن التاريخ والإبداع والفن بصورة مطلقة لحظات ولقطات ونصوص متخمة بمحمولاتها الثرية والمتعددة التى تحمل فى كل منها خصوصيتها وفرادتها من زاوية سردها أو إبداعها أو تلقيها.
    (4) اللغة ما بين التراث والمعاصرة:
    تتعدد مستويات اللغة بنص الزينى بركات، يبدأ السرد من خلال وصف الرحالة الإيطالى لمشاهداته، ولذا تتشكل لغته عارية من الموروث اللغوى بخصوصية جمالياته فى هذه الحقبة من التاريخ المملوكى فى مصر، فى المفردات والأساليب. بل يوهم الروائى قارئه فى بعض الفقرات بعدم تمكن هذا الرحالة عن فهم بعض الكلمات والأساليب، خاصة أساليب النداءات التى تنطلق بشوارع القاهرة إذا أُلقيت بطريقة متعجلة، وتنطلق لغة الرحالة وصفية ومتعجبة فى مجملها.
    فى مستوى آخر تظلل روح لغة "ابن إياس" فى كتابه "بدائع الزهور فى وقائع الدهور" لغة النص، بل وتظهر فى النص بعض جمله وفقراته، وهو ما ينص عليه الروائى صراحة(16) لكن يبقى للروائى جمال الغيطانى تشكيل وإضافة بصمته الخاصة على لغة "بن إياس"، فلم تطغ أساليب الكتاب ومفرداتها على لغة النص إلا فيما ينقل روح العصر ومفرداته الخاصة.
    احتفظ الغيطانى لنصه ولغته بخصوصيته رغم انغماسه فى هذه المرحلة وبلاغة أساليبها، يلتقط عبق تاريخية المفردات لكنه يحملها بما طور لديه من وعى وتحليل وإحاطة بالأشخاص وتكوينهم النفسى، و بأنظمة الحكم وطبيعتها.
    فى مستوى أبعد تنطلق سردية النص من سارد فوقى مراقب "الرحالة"، يصف الأحداث ويعلق عليها، إلا أنها تشعر متلقيها وكأنها رواية أصوات، فلكل سرد خاص بأحد الشخوص بالعمل تتلون اللغة بما يتسق مع ثقافته وأيديولوجيته ومكانته بالنص: تبدو لغة سعيد بأول النص لغة رومانسية(17)، حائرة وقلقة نتيجة عشقه لسماح، وفى مستوى آخر من الصراع تبدو لغته متشككة، رافضة للقهر وللظلم والاحتكار(18)، ثم لغة منهزمة استسلمت لليأس، ورضخت للتعذيب(19).
    تتبدى صوفية اللغة وفيوضاتها فى الفقرات المعنونة بكوم الجارح، وفيها تنطلق لغة مفعمة بأسئلة الوجود فى حركة لا نهائية، تستدعى سؤال المخلوق الإنسان لهذا الكون وللطبيعة، دلالة علي رحلة بحث عن المعنى وعن الحقيقة المطلقة، عن الحرية والعدل، تأتى هذه الفقرات جدولاً صافياً شفافاً يترقرق فى هذا العمل المغموس بالمكائد والدسائس وأنواع القهر والتعذيب، للتخفيف من قسوة هذا العالم، يصف السارد حال الشيخ بهاء الحق يقول: ".. كلما ظن نفسه تخفف من الأحمال والأثقال، يرى الوهم، كثيراً ما فكر فى اعتزال الكون، قضاء ما تبقى من عمره فى السرداب، لكنه يلوم روحه، كيف يحوم الأذى فى أرض هى أول ما لامست رأسه.اختارهم راضياً لقضاء وقت ما قبل الخلاص الأبدى. أن يرى البد آمناً، محال، ما يراه بسيطاً كالحروف، مشروعاً كالأنفاس، فى حقيقته محال، هز الشيخ بهاء الحق رأسه. "كلنا نحترق – أنت فى ثباتك، وأنا فى طوافى، لكن إن مالت الروح عما رماه بها الزمان فقل علينا السلام(20)".
    يتحدث جمال الغيطانى عن بحثه الدءوب والمثابر، وعكوفه على الكتب التراثية التى توصف وترصد المستوى اللغوى الذى ساد فى تلك الفترة التاريخية، ويقول أن اللغة العربية فى العصر المملوكى كانت فى أنضج وأبهى صورها فى مصر، ذلك بعد أن استقرت لقرون، وتعلمتها الناس واستبدلوا اللغة القبطية بها، فاعتادتها الألسنة والأذواق وأبدعوا فيها وبها(21). استمر ذلك لفترة إلى أن كانت فترة الحكم العثمانى التى اضمحل فيه مستوى اللغة العربية، ووصلت إلى مستوى من الركاكة والسطحية وانعدام المحتوى الفكرى الصادق،لكنه كان معبرا عن الناطقين بها.
    يستخدم الغيطانى مستوى مبدع من المجاز الذى لا يقصد لذاته أو لتوشية السرد وحذلقته، بل يسهم المجاز ودون أى تزيد فى أن يوصف الحالات الوجدانية والفكرية لشخوص العمل، يصف الروائى سعيد بعد الأحداث التى تعاقبت عليه وتجاربه التى خاضها، يقول: ".. من أعوام كان سعيد صفحة بيضاء، لم يجر فوقها المداد. لم يخدشها سن قلم، تمتلئ الدنيا أمامه بالحروف، الآن، علامات التعجب والاستفهام، ألف سؤال حائر بلا هداية، الدنيا كلها سؤال لا أول له ولا آخر، باق مخلد فى مخطوط عتيق تهرأت أوراقه، متآكل الحواف، كشطت حروفه(22)". يتضافر المجاز التصويرى مع الكنايات لشحن السرد بمحمولات فكرية ونفسية عميقة.
    سعيد طالب الأزهر الذى يحيا قصة حب رومانسية مجهضة، ويملك حساً وطنياً غيوراً على البلد، تكتوى ذاته بالأسئلة والحيرة، ثم يمارس تجارب جنسية وخبرات مغايرة لما كان يحلم به، فتبدأ أسئلته عن العالم تزداد عمقاً وبؤساً خاصة بعد تعرضه للمراقبه وحبسه واعتقاله وتعذيبه، والتشوه النفسى الذى طاله.
    كما يلحظ بالنص لغة خاصة تنحو إلى وصف الداخل الإنسانى الذى لا يظهر للآخرين، بجوار اللغة الوصفية التى يستخدمها البصاصون، وذلك لأن الرقابة تحت هذه القبضة الأمنية المحكمة لم تقتصر على الخارج فقط، بل تجاوزته لتراقب هواجس الشخوص، ما يتصورون أنه يجول بخاطر الشخص المراقب، ما يسره الإنسان بداخله، انطباعاته التى لا يتفوه بها ولا تخرج بها على طرف لسانه فهى لا تخرج عن ذاته وبالرغم من ذلك يدونوها، يتخيلون أحلام الشخص التى لم يحكيها، أو تفوه بها، يقولون عن الشيخ ريحان البيرونى فى أحد التقارير المرفوعة إلى زكريا: ".. أما دماغه هو فيعج بالأسرار وعندما يجلس بأحد الدكاكين، يشرب الحلبة أو السحلب المخلوط باللبن، يرى نفسه وقد قضى..(23)" وكأن البصاصين يرونه وهو يرى نفسه..، ولذا فهم إن أرادوا إدانته فلا رادع لهم، فالوجود فى هذا العالم كله تعسفى.
    يبدو البديع فى الأمر أن الروائى يجعل سعيد يتقمص فلسفة معذبه ومراقبه، ويبرر لهم، يقول متحدثاً إلى نفسه: ".. يبذلون جهداً لتصحيح مساره وتقويمه، ألا يضرب الأب أولاده؟ ألا يقسو عليهم؟ يرقب الطرقات، الشتاء يورث القلب حسرة، دفقة دم، تعيد إليه وقع أقدام مقبلة فى طرقات طويلة لا نهاية لها، وجوه ترمقه بهدوء، ببرود. وعيون تنفذ إلى أحلامه، أرهقهم كثيراً، فأهتموا به طويلاً، أخبروه بألفاظه التائهة القليلة التى يطلقها عادة أثناء نومه فى الرواية(24)".
    (5) الجغرافيا والرواية التاريخية:
    كثيراً ما ذكر كُتاب الرواية التاريخية(25) أن أكثر ما يؤرقهم ويحتاج منهم إلى بحوث وقراءات واسعة ومتفحصة طبيعة الجغرافيا وشكلها فى الفترة الزمنية المحكى عنها، وشكل الشوارع والأماكن والطرز المعمارية، وللغيطانى بجانب "الزينى بركات" مؤلفه "خطط الغيطانى(26)" التى توجد تناصاً بالجدَل مع "تقى الدين المقريزى" فى "خطط المقريزى"(27) و"على مبارك" فى "الخطط التوفيقية"(28)، كما أن له مجموعة من القصص القصيرة التى تتميز بالتكثيف والتقنيات الفنية العالية، وفيها بعض القصص المقتبسة أيضاً عن هذه الفترة التاريخية من الموروث المصرى العربى فى مجموعته "أوراق شاب عاش منذ ألف عام(29)".
    يحكى الغيطانى أن فى تحريكه لموكب يسير عبر شوارع القاهرة القديمة ليصل إلى قلعة الحكم فى القلعة أو إلى الغورية مثلاً، كان عليه أن يقرأ العديد من الكتب التراثية التاريخية التى تصف الأماكن وشكل الجغرافيا فى تلك المناطق، ومخطط المدن، وهو ما لا يتوافر فى مولفات مفصلة فى المكتبة العربية إلا نادراً(30).
    ولقد أثار الغيطانى بالرواية "قضية الفوانيس"(31) التى أراد "الزينى" أن يعممها على كل شوارع المدينة، وبجانب كونها حقيقية أو متخيلة، حدثت فى هذه الآونة أم لا، إلا أنها تحمل مدلولات رمزية كثيرة، قضية التنوير، التحديث وما يجابهه دائماً فى أغلب المجتمعات، وكيف يواجه أولاً بالرفض.
    تثير هذه القضية أيضاً تدخل رجال الدين وكهنوته فى قضايا حياتية مدنية لا تقتضى بالضرورة تدخلهم بمذاهبهم المختلفة فيها(32)، لكنها طبيعة ثقافية اجتماعية لم تتجاوزها البلاد العربية، وتعانى منها حتى هذه اللحظة البائسة التى نعيشها، تحت حكم الإخوان والسلفيين.
    وهنا أود الإشارة إلى أن المكان لا يقدم بالنص الروائى غفلاً من زمانه، بل يقدم فى الأعمال الفنية المتميزة وهو يتجاوز كونه علاقة تبادلية بين الحيز المكانى والإنسان، إلى علاقة تلازمية حقيقية، ومن منفعة مادية إلى عاطفية وجدانية.
    فى "الزينى بركات" ترتبط الظلمة والأماكن الضيقة والسراديب، وحجرات التعذيب وسلوك البشر فى الشوارع والحارات والمقاهى، بقضية القهر وعالم البصاصين الذى تدور حوله الرواية.
    يرتبط المكان حتى وإن كان قصراً مشيداً متسعاً بعالم من الدسائس والانقلابات، من القيد والقهر، فتداخلت البيوت مع السراديب والسجون فى الأنفاق، مع الحجرات الضيقة التى لا تتسع حتى للإنفاس، لينقل الروائى عالم خانق تعانى الموجودات والكائنات فيه من التوجس والخوف من القهر والبطش.
    تنطلق هذه المشاعر المحيطة بالإنسان من حيز المكان إلى داخل الذات البشرية، فيلحقها العطب والاختناق، يلحقها الاهتزازات والانكفاءات على انهزاماتها، لكن يستطيع الروائي أن يبث الأمل من بين كل هذه الغيوم الحالكة، يشير إلي هذا من خلال دورات زمنية جديدة تختلف فيها نظم الحكم ومسمياته، ويظل الأمل يراودنا بأن هذه الشخوص الإشكالية قادرة على فعل ما.
    ما هى طبيعة هذا الفعل؟ هل سيعاودون نفس سيرهم وفلسفتهم في الحياة؟ سؤال قد يجيب عليه الزمان والبشر، الإنسان الذى يتجول في التاريخ والحاضر بكل ما يتجاور فيهما من تناقضات.
    وبالرغم من أن نص الزينى بركات تدور أحداثه فى متوالية زمنية طبيعية تتقدم إلى الأمام، إلا أن حركة القص داخل النص لا تعتمد على التدرج الزمنى الطبيعى، بل تنحو إلى الحركة البندولية المتحررة، التى تتقافز بين مستويات الزمان، تبدأ من لحظة متقدمة لتعود إلى الوراء فتشير إلى حدث أو مشهد حدث بالماضى ولم تزل بصماته تنطبع على الشخوص، فتأتى المشاهد متداخلة.
    يصور الروائى فى لفتة مبدعة من خلال تقنية تداخل الأزمنة بالمشاهد الخلل الذى حدث بشخصية "عمرو بن العدوى"، اضطرابه النفسى وشعوره بالنقص والخواء على عكس ما يبدو ظاهريا(33)، الضياع الإنسانى الذى يعانيه، تخليه عن أمه، علاقات جنسية غير إنسانية، فساد علاقاته بزملائه فى الأزهر، ويضفر الروائى كل ذلك من خلال مشاهد زمنية متداخلة، فى تكثيف زمنى سريع ولاقط، مشاهد كاشفة كإيقاع الرواية المتلاحق، الذى ساعد على خروجه على هذا النحو مجموعة متكاتفة من التقنيات التى سبق وقمت بوصفها.
    سيبقى نص الزينى بركات من الأعمال الروائية التى تعالج فكرة الزمان برؤية خاصة، وهى النص الذي يمارس إبداعياً علي مستوي أفكاره، وتقنياته الفنية، فكرة قهر الزمن والفناء والتلاشى، وهو ما يُحسب لمؤلفها.

    الهوامــش:
    (1) – جمال الغيطانى: الزينى بركات، مكتبة الأسرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 2004.
    (2) محمد بن أحمد بن إياس الحنفى المصرى: بدائع الزهوف فى وقائع الدهور. تحقيق الدكتور محمد مصطفى، الهيئة المصرية العامة للكتاب.
    (3) جمال الغيطانى: الزينى بركات، 135.
    (4) السابق: 83.
    (5) السابق: 83.
    (6) السابق: 192.
    (7) فقرات وصفحات كثيرة من الرواية مثل 68، 69، 79، 174 وغيرها.
    (8) جمال الغيطانى: الزينى بركات، 173.
    (9) – السابق: 195 : 212.
    (10) – السابق: 203.
    (11) – السابق: 127 وقائع تعذيب على بن أبى الجود.
    (12) – السابق: 187.
    (13) - يوسف زيدان: عزازيل، دار الشروق، ط6، القاهرة، 2009م.
    - طارق إمام: الحياة الثانية لقسطنطين كفافيس، دار العين للنشر، ط1، القاهرة، 2012.
    (14) تمثل أعمال بورخس هذا المذهب فى الكتابة.
    (15) – بعض ما ورد ذكره أثناء حوار أجريته معه فى ندوة بعنوان "أقنعة الرواية التاريخية" بالمجلس الأعلى للثقافة، أبريل، 2013.
    (16) للاطلاع على المزيد هناك بعض المؤلفات التى تحدثت عن الرواية التاريخية ودرست لبعض النماذج مثل:
    - حلمى محمد القاعود: الرواية التاريخية فى أدبنا الحديث، كتابات نقدية 139، الهيئة العامة للكتاب، القاهرة، 2003م.
    - قاسم عبده قاسم وأحمد إبراهيم الهوارى. الرواية التاريخية فى الأدب العربى الحديث، عين للدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية، ط1، القاهرة، 210م.
    - دراسة قمت بها بعنوان "التقنية" ثورة تحرر فى الحياة الثانية لقسطنطين كفافيس" لم تنشر كاملة بعد وفيها تعرضت لزوايا متجددة فى الكتابة الإبداعية عند تناول التاريخ.
    (17) - جمال الغيطانى: الزينى بركات، 193.
    (18) – السابق: 75.
    (19) - السابق: 98.
    (20) – السابق: 224.
    (21) – السابق: 164.
    (22) الحوار الذى أجراه فى ندوة أقنعة الرواية التاريخية بالمجلس الأعلى للثقافة.
    (23) جمال الغيطانى: الزينى بركات، 104.
    (24) السابق:154 .
    (25) السابق: 224.
    (26) كثيرٌ من كتاب الرواية التاريخية مثل: سلوى بكر، رضوى عاشور، يوسف زيدان، أمين معلوف.
    (27) جمال الغيطانى: خطط الغيطانى.
    (28) تقى الدين المقريزى: خطط المقريزى.
    (29) على مبارك: الخطط التوفيقية.
    (30) جمال الغيطانى: أوراق شاب عاش منذ ألف عام.
    (31) حوار ندوة المجلس الأعلى.
    (32) جمال الغيطانى: الزينى بركات، 105 : 110.
    (33) السابق: 142 : 148.
  6. الوفاء الدّائم

    الوفاء الدّائم عضو مهمّ

    683
    106
    43
    الدّولة:
    تونس
    الولاية:
    بنزرت
    المستوى الدّراسي:
    خيار آخر
    الاختصاص:
    -
    المهنة:
    -
    جماليات التعالق النصي في رواية "الزيني بركات"

    الملفات المرفقة:

  7. الوفاء الدّائم

    الوفاء الدّائم عضو مهمّ

    683
    106
    43
    الدّولة:
    تونس
    الولاية:
    بنزرت
    المستوى الدّراسي:
    خيار آخر
    الاختصاص:
    -
    المهنة:
    -
    مَقَامَاتُ السَّرْدِ الرُّوَائِيِّ عِنْدَ الغِيْطَانِي
    الدكتور بليغ حمدي إسماعيل

    (أ ) مدخل إلى السَّرْدِ الروائي:
    تكاد تكون مهمة القاص صعبة المنال والمراس نسبيا في محاولته اقتناص لحظة إبداعية للسرد التاريخي ، وهذه اللحظة تبدو استباقية لدى الموهوبين في القص والمتميزين في حرفة الحكي ، وهذا الرهان الأدبي قلما تحقق لروائيين يمكن توصيفهم بالمنتمين لعوالهم الإبداعية ، وهي موهبة تثقلها الصناعة بامتلاك أدوات وتقنيات السرد والحكي كما في حالة عميد الرواية العربية نجيب محفوظ الذي أمهر حق الإبهار في استلاب قارئه صوب نص مفعم بإحداثيات سردية تدور في أفلاك تاريخية لاسيما في عبث الأقدار وكفاح طيبة ورادوبيس وغيرها من الروايات التاريخية التي بدأ بها محفوظ مشروعه الروائي الطويل .
    وإذا كان نقاد العصر الحديث منذ طروحات محمد مندور النقدية أشاروا إلى العلاقة التزامنية بين بدايات السرد الروائي لدى صناع التجربة القصصية العربية وبين النص التاريخي بوصف الأخير رافدا خصبا لا ينضب من الحكايات وأعاجيب الأخبار ، فإن الذين التزموا بتوافر النص التاريخي لدى سردهم القصصي من أمثال كاتبنا جمال الغيطاني قليلون لاسيما إذا تحول سرد النص التاريخي إلى حكاية تتفوق بإحداثياتها على حدث التاريخ نفسه.والغيطاني حينما لجأ إلى حدث التاريخ فهو لا يعتمد على ذيوع الحكاية التاريخية بل يعمد جاهدا إلى نقل القارئ إلى موقع النص الأصلي بل ويبدو هذا القارئ مشاركا فاعلاً في تفاصيل مشهد الحكي .
    ولطالما افتتح النقاد حديثهم عن الرواية بالسرد القصصي ، واجتهدوا في رصد حالات السرد ومقاماته وأحواله التي تبدو أكاديمية نسبيا وبعيدة عن رصد حالة الحدث الإبداعي أي الرواية ذاتها ، إلا في حالة الروائي المصري جمال الغيطاني فالسرد يرتبط به طوعا بغير كراهة ، وربما إذا طفق النقاد المتقدمون في تأصيل السرد كمزية أصيلة للرواية بأنه أي السرد يعني التتابع والانتظام مما يوحي للقارئ العادي غير المتخصص بأن الرواية عمل رتيب يصف الواقع دونما أي تجديد أو إثراء له بالتأويل والتوصيف ، لكن سردية جمال الغيطاني متغايرة فهي لا تعني أو تهتم بتتابع نص الحدث في صورته التاريخية أو حتى تتابع الأحداث بتقاليدها النقدية المستدامة ، بل يلجأ دوما إلى تقنيات استثنائية يمكن توصيفها بكلمة واحدة وهي التجلي . وفي حالة التجلي التي أعتقد أن الغيطاني كان يقصدها وهو يخط رواياته وتحديدا روايته الأولى ( الزيني بركات ) يضطر الغيطاني وهو مقتنع أن ينقل قارءه صوب مشاعره السردية ، بمعنى أنه نجح بامتياز وكفاءة في انتزاع الانفعال من القارئ ، وهي نتيجة قلما تتحق لدى روائيين ، ويمكن رصد تلك الحالة أيضا في رواية ( أصابع لوليتا ) للروائي الجزائري واسيني الأعرج ، ومجمل أعمال الروائي عبد الرحمن منيف.
    وإذا كان السرد في عمومه النقدي يعمد إلى تكريس تقنية إجراء الحوار الداخلي ( المونولوج ) فإن الزيني بركات الحالة الأولى الساحرة للغيطاني نجحت في إجراء حوار من نوع خاص وفريد في ذهن القارئ لإحداث شراكة مستدامة بين النص والحدث التاريخي والقارئ ، والسردية الجديدة التي بدت تاريخية وفقا لتاريخ إصدار الرواية اقتضت إلى الوصول بنتيجة واحدة وهي كلما اقتنع القارئ بأنه شريك أصيل في الحدث اكتفى الروائي بأنه امتلك بالفعل بوصلة الحدث القصصي بل وعدم فكاك القارئ من الشَرَك ( بفتح الشين والراء ) السردي .
    وإذا ما فكرنا في تناول المشروع السردي عند الغيطاني والذي تمثل في روايات رسالة في الصبابة والوجد وهاتف المغيب وحكايات الغريب وشطح المدينة وغيرها من الروايات فإن السرد عنده لا يهتم بالحكي المباشر بقصد ما يعني بسبر أغوار اليقين ، والغيطاني وهو يحاول الوصول إلى إنجاز هذه المهمة يبدو أكثر وعيا بتجارب من سبقه من المبدعين العرب ، لكن تظل مشكلته السردية وإن حق التوصيف عبقريته السردية هي أنه خارج السرب في تغريده على مستويات التقنية السردية بلغة الغائب الذي يتطلب حضورا دافقا بذهن القارئ ، والأدوات والتكنيكات الروائية المتمايزة واستحضار صور تاريخية ، ولاشك أن استحضار التاريخ بأحداثه صنع حالة من الدهشة الدائمة للاكتشاف داخل النص ، ولعل إيجاز حدث تاريخي في صورة سردية إبداعية يخلق إيقاع إزاء الحدث الذي يبدو قلقا ومرتعدا مما يحفز القارئ في انفعاله صوب النص من ناحية ، ويعزز التكوين السردي غير المشابه من ناحية أخرى .
    ( ب ) مَقَامَاتُ الغِيْطَانِيِّ .. مِنْ السَّرْدِ إلى الوَعْيِّ المَعْلُومَاتِيِّ :
    ليس مشكلة في أن تستحيل كاتبا ، فالمفردات والألفاظ مطروحة على قارعة طريق اللغة ، لكن الأصعب أن تكون ذاك الكاتب القارئ ، وهذا الدور المزدوج يجعل الكاتب كرها ملتزما أمام قارئيه في أن يقدم لهم قدرا معرفيا ومعلوماتيا مهما يشارف اكتمال ثقافة الآخر الذي يجد ملاذه المعرفي عند كاتبه ، هذا الدور قام جمال الغيطاني عبر مشروعه القصصي الطويل ، ومن خلال نثرياته المدهشة ، وكبار الكتاب والشعراء من أمثال توفيق الحكيم ويوسف إدريس وأدونيس ويوسف الخال ومحمد الماغوط مرورا بالاستثنائي محمود درويش وجمال الغيطاني وواسيني الأعرج وأحلام مستغانمي وغيرهم كانوا يمررون قدرا معرفيا مذهلا عبر سياقاتهم النصية الإبداعية أو السردية مستهدفين خلق حالة من الوعي المعلوماتي لدى القارئ الذي اختلف دوره عن السابق بعد أن استحال شريكا فاعلا في النص غير هذه الشراكة الباهتة التي أشار إليها ( رولان بارت ) بإعلان موت المؤلف .
    فالمؤلف لم يعد ميتا كما استحال في سبعينيات القرن الماضي ، ولم يعد إلى أدراجه القديمة منعزلا عن نصه ؛ بل هو الصوت الآخر الذي يدفع القارئ إلى البحث عن مزيد من التفاصيل واقتناص الإحداثيات السردية بمعاونة الكاتب نفسه .
    وجمال الغيطاني الغارق في تفاصيل الوطن وتراثه الأصيل استطاع أن يوفر هذا الوعي المعلوماتي لدى قارئه الأمر الذي يدفعنا بأن نجعله في زمرة الكتاب الحجاجيين اي الذين يمتازون بإقامة الحجة عن طريق تدعيم الطرح الفكري بطروحات فكرية وفلسفية ذات شراكة متماثلة بعض الشئ . يبدو هذا الطرح المعلوماتي في تفاصيل المشهد السردي للكتاب والذي نجح الشعر بقوالبه أن يفرض سطوته وقوته القمعية في إحداث التأويل والإمتاع ومن قبلهما الدهشة لدى القارئ من خلال الصورة والتصوير الفني لأحداث تبدو سياسية محضة ، وفيها يدعم الغيطاني طرحه الفكري بأفكار ومساجلات فكرية تؤدلج الدور السياسي للمثقف وأنه ليس بالقطعية تنظيريا أو مكتفيا بالمتابعة بدون المشاركة في صنع القرار السياسي ، وأنه بمثابة أيقونة شرعية للحراك المجتمعي .
    ومن البدهي لقاص استثنائي ماتع كالغيطاني أن ينقل لنا عبر صوره السردية النثرية ملامح ثقافية شتى لعصور بائدة زمنيا باقية بتفاصيلها المكانية ، حينما يريد المزج بين حدث معاصر له والحالة الوجداني لجيل سابق لم يعاصره لاسيما وهو يتحدث طبائع الحكم والسياسة والبصاصين وممارساتهم ، الأمر الذي نجده على الشاطئ الآخر يبدو مغايرا لسمات الكاتب التي تبدو شاعرية حينما يقرر تناول بعض القضايا السياسية الأكثر رواجا في عصر الدولة الفاطمية وهي يسطر روايته ” الزيني بركات ” مثل هذه الإشارات هي بالطبع خير دليل على استنارة الكاتب حينما يعرض قضيته باحثا عن أدلة شافية وكافية لتبرير عرضه السردي وتدعيم أفكاره المطروحة . والمستقرئ لهذا الطرح يجد ثمة مشاكلة وتماثل بين وقائع الحياة السياسية والبوليسية في الدولة الفاطمية وبين الأحداث والمشاهد الزمنية المصاحبة لوقت كتابة الرواية .
    ( ج ) الزِّيْنِي بَرَكَات .. مَسَاحَاتٌ مِنْ الحِجَاجِ السَّرْدِيِّ :
    حينما صدر كتاب ( جوع الواقع موت الرواية .. نوع أدبي يحتضر ) للناقد ديفيد شيلدس اصطدم الروائيون ولهجوا في الدفاع عن طرحهم السردي طارحين فكرة المؤلف وزعمه بأن قوة الواقع وتفوقه على الرواية هي التي قضت على وجودها كجنس أدبي استطاع أن ينتزع من الشعر أيقونة ديوان العرب ، وسواء اتفقنا مع أفكار ديفيد شيلدس أم اختلفنا جذريا فإن الرواية المعاصرة والراهنة هي بشك في مرحلة معاناة حقيقية يمكن توصيفها في ملامح محددة ، منها حالة الغياب بين النص والقارئ والتي مفادها لغة النص ذاتها ، لذلك فإن رواية ” الزيني بركات ” رغم قدم تاريخ نشرها إلا أنها تعد بمثابة حافز إيجابي يدفع القارئ العربي لتجديد علاقته بفن الرواية ، لاسيما وأنه ـ القارئ ـ يجد وطنه حاضرا بقوة في سياقات الرواية ، ويلحظ فتنة المدينة التي لطالما هرب من سطوتها بنفس القدر الذي يدفعه إلى النزوح النهائي إليها .
    وأهم من ذلك كله فإن الطرح النصي الذي قدمه لنا الغيطاني في روايته ” الزيني بركات ” هو طرح العلاقة بين الوطن والمواطن ، تلك العلاقة التي تحتاج إلى تحليل نفسي صوب الحاكم والوطن وقضايا المجتمع المعيشية وبعض القضايا المجتمعية كتريبة السكان وانتماءاتهم الأيديولوجية والزواج والارتقاء العلمي وغير ذلك من الطروحات الاجتماعية التي تربط المواطن بوطنه ومجتمعه ، لذلك فإن القارئ لا حرج عليه في كونه مستلبا صوب الرواية وأحداثها وبطلها الذي لا تستطيع أن تتعاطف معه ، في الوقت الذي تجد نفسك فيه أكثر المدافعين عن سيرته ومسيرته .
    إنها دهشة السارد / الغيطاني ، وهو المسئول الأول والأخير عن تقديم الكلام عن شخوصه لاسيما شخصية الزيني بركات بن موسى محتسب القاهرة والوجه القبلي كما تذكر الرواية الماتعة ، ودهشة الغيطاني ليست في سرد التفاصيل وعرض إحداثيات حوارية تقضي على ملل الوصف والتوصيف ، بل من حضور القارئ الذي يوهمه الغيطاني بواقعية النص المسرد من خلال مشاهد وملامح كالإيفادات والإشارات التاريخية ووصف الإطار العام للمشهد ، وحضور السارد نفسه الذي يجعل القارئ يفتش أكثر عن ما يشبغ شغفه بتوصيف البطل .
    ( د ) الغِيْطَانِي يُؤَسِّسُ بِدَايَاته السَّرْدِيَّة :
    في رواية ” الزيني بركات ” سعى الغيطاني أن يقدم لنا حكاية رجل تضطر طوعا من مقدمات سردية شارحة أشبه باللمحة الدالة السريعة للتعاطف مع الحكاية ، وهو يقدم لنا تمهيدا بشخصية الزيني بركات بن موسى الرجل الأكثر غموضا حتى في تحديد ملامح شخصيته نفسيا ، هذا التقديم أشبه بلحظة الوسن التي تحدد العتبة الفارقة بين الحالة النوم الكامل وبين حالة اليقظة غير المستقرة ، هذه اللحظة نجح الغيطاني في خلقها لدى القارئ حتى يتمكن من عرض مشاهده المتتابعة لسيرة مدينة .
    لكن الغيطاني يؤسس لسرد مختلف إذ تراه أشبه بالمسرحيين وهم يدشنون أسسا لفنهم ، فهو كذلك في رواية الزيني بركات ، يعتلي مسرحا سرديا يقص التاريخ بعدسات غير متمايزة رغم أنه لا يدخل في قالب المسرح وكنهه ، فهو لم يتبع القوالب الفنية الجاهزة لكتابة الرواية بل عمد منذ البداية إلى تأريخ السرد والحكي بصورة مغايرة لما اتفق عليه في خمسينات وستينات اقرن الماضي حينما ازدهرت الرواية واستحالت إلى أفلام سينمائية ذات شهرة . فبرغم كون الرواية حدثا تاريخيا محضا يحكي سيرة رجل وعصر إلا أن الغيطاني لم يكترث بتصعيد الحدث التاريخي إلى سدة الاهتمام القرائي مثلما اهتم باستقطاب الدهشة والمتابعة لدى القارئ في تعرف مزيد من الحكايا المرتبطة بالشخوص أكثر مما ترتبط بالأحداث التاريخية . فأنت تطالع شخوصا كثيرة مختلفة المهن والطبائع والأمكنة والثقافات ، وفي كل شخصية أنت مضطر تماما إلى نسيان الحدث التاريخي المسطور في كتب التاريخ لاكتشاف ملامح أكثر دهشة عن طبائع هذه الشخوص ، فتجد نفسك مهموما بتتبع تفاصيل شخصيات مثل العطار ، وإبراهيم بن السكر والليمون وسماح وعلي بن أبي الجود وعمرو بن العدوي وسعيد الجهيني وشخصيات أخرى كثيرة والشيخ أبي السعود والغلام شعبان وأمراء مثل طغلق وقشتمر وفي كل هذه الشخصيات لم يقع الغيطاني في فخ التنافر والتفكك البنائي للحدث الرئيس بل استطاع أن يقبض بإحكام على متابعة القارئ للحدث .
    ( هـ ) لَحْظَةُ القَبْضِ عَلَى الزِّيْنِي بَرَكَات :
    كنت أتوقع ـ وغيري كثير ـ منذ الإطلالة الأولى لعنوان الرواية أن الغيطاني يريد أن ينقل إلينا صورة مركزية لشخصية محورية تدور الرواية حولها ، لكنه بحق نجح في الهروب من الشراك التاريخي المحوري لينقل لنا صورة مركزية على الشاطئ الآخر للسرد ، مركزية المدينة . هذه المركزية نقطة السر التي حولت النص التاريخي التتابعي إلى خطاب إبداعي ، والتعبير عن أحاسيس المجتمعات العربية غير المستقرة سياسيا والتي قررت ان تختار الحرية كرهان واحد أخير . ولربما حينما استطاع الغيطاني أن يلم تاريخيا بحقيقة شخصية الزيني بركات بن موسى محتسب القاهرة والوجه القبلي من خلال النصوص التاريخية المتناثرة والقليلة التي جمعت أخباره ، أمكنه أن يخفي الزيني بصوته ووجوده الفعلي داخل النص من أجل أن يجعل القارئ يمارس دورا قرائيا إبداعيا هو التوصيف الجسدي والنفسي والذهني الجديد لشخصية البطل . وأعتقد أن الغيطاني منذ خطه لسطور روايته ” الزيني بركات ” وضع رهانات جديدة للسرد الروائي وهي حضور القارئ بقوة رغم انفصاله زمنيا عن حدث الحكي .
    وحينما أمكن للغيطاني القبض بإحكام على شخصية الزيني بركات تاريخيا وقام بتشريح الشخصية نفسيا واجتماعيا في سياقات الرواية استطاع أن يفضح آليات المجتمع وقام بنقد المجتمعات العربية في زمن كتابة الرواية في ضوء تقنيات وإحداثيات تاريخية لم تنفصل زمنيا عن واقع مشهود . إن الزيني بركات إحساس عميق بالتاريخ الذي يلقي بظلاله على واقع معاصر مر ، وإذا كان هناك ما يعرف عند أهل الاختصاص من اللغويين بالمشترك اللفظي ، فإن الغيطاني ابتكر ظاهرة المشترك السردي وهو الإحساس العميق لدى القارئ صوب الحدث . وحينما أحكم الغيطاني قبضته على شخصية الزيني بركات بن موسى حدد بوضوح سردي دور شخصية البطل في رصد تحولات المدينة ، وصياغة رؤية المدينة المستقبلية ، ووظيفة المجتمع .
    ( و ) نَمُوذَجُ المَرْأةِ فِي رُوَايَةِ الزِّيْنِي بَرَكَات :
    هل يمكن لكاتب احترف اقتناص الحدث التاريخي لسرده بصورة إبداعية أن ينجو من شَرَك ظاهرة المسكوت عنه في الرواية العربية ؟ والإجابة تأتي بالنفي رغم أن الغيطاني روائي يجيد فن الحكي التاريخي الذي يحمل في طياته صورا سياسية إلا أنه غير بمنعزل عن ارتباط المناخ السياسي بالحراك الاجتماعي والذي تشكل فيه المرأة عنصرا فاعلا وأحيانا يبدو هذا العنصر المحرك الرئيس للحدث . فالرواية على امتدادها تصيح بحالات من البوح والاعتراف بمجتمع ذكوري أطَّر لتوجه ثابت وقطعي صوب المرأة لم يتغير إلا بفعل تحول المجتمع نحو المدنية والاعتراف الصريح بحقوق المرأة وواجباتها أيضا .
    لكن رواية الغيطاني ذكورية مباشرة بمعنى أنها تهتم بالحدث الذي يكون بطله الرجل وربما هذا الاتجاه جاء مطابقا لعصر تاريخي تناوله الروائي بصورة إبداعية فلم يكن من الطبيعي إيجاد ادوار مغايرة لجنس بدا محتجبا تمارس عليه صنوف شتى من الإقصاء الاجتماعي ، فصورتها في الرواية لا تتجاوز كونها فريسة جسدية لنزوات رجل يمتلكها ، أو مصدرا للإغواء والمتعة ، وجارية لا تملك قرار حريتها ، أو زوجة تتمرد حينا لكنها لا تعزم الرحيل ، وفي نفس الوقت نجد صورة المرأة الساكنة الوديعة ذات الوجه الصبوح التي تليق بالعشق والغرام .
    __________
    مدرس المناهج وطرائق تدريس اللغة العربية
    كلية التربية ـ جامعة المنيا
  8. الوفاء الدّائم

    الوفاء الدّائم عضو مهمّ

    683
    106
    43
    الدّولة:
    تونس
    الولاية:
    بنزرت
    المستوى الدّراسي:
    خيار آخر
    الاختصاص:
    -
    المهنة:
    -
    تجليات هزيمة حزيران في رواية" الزيني بركات" لجمال الغيطاني
    بقلم : الأستاذة شهرة بلغول
    لعبت هزيمة حزيران 1967 دورا حاسما في حياة الغيطاني وتركت بصمة لا تمحي على صعيد تجربته الفنية ،ذلك أنها مثّلت منعرجا خطيرا في الواقع السياسي والثقافي بالنسبة لجيل بأسره، إذ يقول:" كانت نكسة حزيران1967 بوتقة صهرت تجربتي، وفي آلامها اعتصر جيلي، في تلك الأيام كنت أدور حول هذه اللحظة من التاريخ، ابتعث من الماضي لحظات تتشابه مع اللحظة التي تمر بي أو أمر بها"(1).

    ولعل هذا ما يفسر لجوءه إلى التاريخ والتراث كمحاولة لمساءلته تنبني على وعي جديد ومختلف للزمن.
    يستعين الغيطاني في كتابته لرواية "الزيني بركات" بكتاب تاريخ مصر المشهور باسم "بدائع الزهور في وقائع الدهور" لمحمد أحمد بن إياس ، والذي يصور فيه واقع مصر المملوكي بعد احتلالها من طرف العثمانيين ،إضافة إلى كتاب "السلوك للمقريزي" الذي يقتبس عنه قصة الشيخ مع الجارية.(2).
    إذا ما تساءلنا عن سبب اختيار الغيطاني لابن إياس دون غيره فإننا نجد أن ذلك يعود إلى أمرين اثنين ، أمّا الأول فكون هذا المؤرخ قد عايش مرحلة حساسة من تاريخ مصر وشهد تحولا جذريا للواقع السياسي والاقتصادي تمثّل في نهاية العصر المملوكي و بداية العصر العثماني (1448-1522م)، أمّا الثاني فيرجع إلى كون ابن إياس قد أولى اهتماما بالغا- على عكس غيره من المؤرخين- برصد واقع المسحوقين والضعفاء، إذ يقول الغيطاني في هذا الصدد :"كان ترحالي في تاريخ مصر المملوكية و الإسلامية عاماَ. لكني بعد عام1967 عدت لأصغي من جديد إلى مؤرخ مصري سبق أن استوقفني صوته الفريد، الغني الشجي. إنه محمد أحمد بن إياس صاحب "بدائع الزهور في وقائع الدهور.." كان دليلي ومرشدي ابن إياس، شدّني ببساطته وتلقائيته واهتمامه بتدوين ما جرى لبسطاء الناس، هؤلاء الذين تسقط سيرتهم بين سطور الحوليات و المدوّنات..."(3).
    إنّ الغيطاني في تعامله مع هزيمة1967 يعود إلى هزيمة أخرى شبيهة لها، وهي هزيمة المماليك أمام العثمانيين في معركة "مرج دابق" سعيا منه للوقوف على أسباب الهزيمة الأولى التي أنتجت هزيمة أخرى في زمن لاحق، وإيمانا منه بأنّ الماضي يستمر في الحاضر حيث يكمن ذلك في طبيعة العلاقة بين السلطة والرعيّة المتمثلة في سياسة القمع المستمرة والمتجددة على مر العصور ، وبذلك فالرواية " تؤول التاريخ وترفضه، وتعطي التأويل الرافض صياغات متعددة، التاريخ هو الشر المتجدد في السلطة الشريرة المتجددة"(4).
    تدور أحداث الرواية في مصر المملوكية ،وتحديدا في زمن السلطان الغوري، متّخذة شخصية محورية تدور حولها الأحداث هي "الزيني بركات" الذي يبرز للوجود بصورة مفاجئة بعد تنحية المحتسب" علي بن أبي الجود" نظرا لفساده و ظلمه للرعية.
    يتم ترشيح "بركات بن موسى" لتولي هذا المنصب إلاّ أنّه يعتذر عن قبوله بحجة تخوّفه من المسؤولية التي لا يرى نفسه أهلا لها، لكن السلطة الدينية ممثلة في الشيخ" أبي السعود" تتدخل لتقنع هذا الأخير بالعدول عن رأيه لأنها ترى في اعتذاره دليلا عن صدقه وورعه وتقواه، هكذا يوافق بركات بن موسى على تولي الحسبة انصياعا لطلب الشيخ ليلقب بعدها بـ"الزيني" كناية عن حسن سيرته وصفاء سريرته.
    لكن هذه الصورة البراقة التي كونها الناس حول هذا الشخص سرعان ما يشوبها الشك نظرا لاتصال الزيني بركات بـ" زكريا بن راضي" صاحب جهاز البصاصة في السلطنة، والذي تتمثل مهامه في التجسس على الرعية ومعرفة كل صغيرة وكبيرة عنهم فضلا عن تسليط كل صنوف العذاب على من يشك في تصرفاته، والغريب في هذا الجهاز أن لا أحد فيه يعرف الآخر فكل بصاص يراقب من طرف بصاص آخر .
    تحاول الرواية في تعاملها مع واقع الهزيمة أن تكشف عن الملابسات التي أدّت إلى وقوعها وذلك بتعرية الجوانب المختلفة للمجتمع المصري في تلك المرحلة .
    1-السلطة الدكتاتورية و الأجهزة القمعية :
    تكشف رواية الزيني بركات عن عالم مخيف يتّخذ من القمع نظاما لتسيير شؤون الملك ، ذلك أنها تنتقل بنا ضمن فضاءات مختلفة تعد في حقيقة الأمر معاقل للتعذيب واستخراج الحقيقة ويعد جهاز البصاصين النظام الذي يسخر كل الإمكانيات لتحقيق ذلك .
    تبدأ الرواية بتقديم مقتطف من مذكرات الرحالة البندقي "فياسكونتي جانتي" يصوّر من خلاله حالة القاهرة عند قدومه فيصف منظر فلاحين يقتادون للإعدام " في الطريق على مهل أليم مضى طابور من سجناء الفلاحين مربوطين من أعناقهم بسلاسل حديدية ،يبدو أنهم متجهون إلى سجن من السجون"(5). ولعل البدء بهذا الصوت الأجنبي عن الرواية يعد سعيا لإضفاء طابع المصداقية والموضوعية على ما سيأتي سرده من أحداث .
    تنتقل بنا الرواية بين رموز هذه السلطة تدريجيا ، فهذا "علي بن أبي الجود" الذي شغل منصب المحتسب قبل تولية الزيني بركات يكيل للناس صنوفا لا تحصى من العذاب ، وهذا الشهاب "زكريا بن راضي" يسيّْر جهازا ضخما من البصّاصين لرصد كل حركة في السلطنة، وله من العيون ما لا يعلمه أحد "آلاف الرجال والنساء والأطفال يتبعونه، لا يعرف بعضهم البعض، ينقلون الهمسات والحركات من البيوت والربوع، من كل شبر من المدينة إذا شذ شهيق إنسان عن البقية عرفه"(6)، ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد بل نجده يسعى لتأليب الرعية على خصومه بالقصّاصين و المنشدين .
    ففي الوقت الذي ينبغي فيه على السلطة السهر على تنظيم حياة الرعية كأن تضمن لهم أسباب الأمن والاستقرار نجدها تسعى جاهدة للحد من حرياتهم و تضييق الخناق حول رقابهم فتتفنن في أشكال التعذيب و الاستعباد و قد بلغ الأمر درجة فرض ضريبة على ملح الطعام .على أنّ العلاقة بين الأجهزة القمعية لا تختلف كثيرا عن علاقتها بالرعية فكل شيء مسكون بهاجس الشك ، و يتجلى ذلك في طبيعة العلاقة التي تربط زكريا بن راضي بالزيني بركات إذ يضمر كل طرف لمثيله العداء سعيا لإثارة الفتن والشبهات حوله لكنّه وفي الوقت ذاته يتعاون معه لإبقاء قبضته مبسوطة على رقاب الناس .
    2-الجانب الاجتماعي :
    تنقلنا هذه الرواية إلى واقع مصر في فترة الحكم المملوكي فتقدم لنا صورة بانورامية عن طبيعة المجتمع و تقسيماته المختلفة، نلمح طبقة واسعة من الفلاحين والكادحين الذين يسكنون الحارات ويمارسون وظائف بسيطة شعبية في أغلبها ( عمال المستوقدات، باعة لبن ، باعة فول)، إضافة إلى طلبة الأزهر وكبار المشايخ الذين يجتمعون في كوم الجارح و هم في أغلبهم بسطاء وفدوا من صعيد مصر طلبا للعلم وسعيا لتحسين أوضاعهم المادية .
    وفي المقابل نجد كبار التجار الذين يحتكرون مختلف السلع سعيا لتوسيع ثروتهم على حساب الفقراء مستغلين في ذلك نفوذهم و صلاتهم بأصحاب القرار ، إضافة إلى كبار الأمراء المماليك الذين يتنافسون فيما بينهم لجمع الأموال و سلب الرعية و الإغارة عليهم كالأمير طشتمر وخير بيك وقنبك و غيرهم .
    في العموم نلاحظ تجلي الطبقية بصورة سافرة في هذا المجتمع ، حيث توجد طبقة فاحشة الثراء تستحوذ على المال والسلطة وتسخرهما في توسيع نفوذها وبسط سيطرتها على أموال المستضعفين بمختلف الوسائل كفرض الضرائب ،في حين ترزح الفئة الكبيرة من الرعية تحت أدنى مستويات الفقر وتمارس في حقهم مختلف أشكال الاستعباد.
    لعل الروائي قد وجد في هذه الصورة تماهيا مع الواقع الذي عايشته مصر في فترة الستينات حيث أصبحت النفوذ بيد فئة قليلة من الشعب تسخرها حسب ما تقتضيه مصالحها متجاهلة في ذلك كل حقوق الشريحة المتبقية .
    3-الجانب الديني :
    تبدو السلطة الدينية في هذا النص غير فاعلة ، بمعنى أنها عاجزة عن لعب أي دور إيجابي من شأنه أن يغير الأوضاع ،فهي إمّا موالية للسلطة ويتجلى ذلك في علاقة علماء الأزهر بالسلطان الذين يحجمون عن الخوض في أمور الرعية ولا يسعون لرفع المظالم عنهم ،فجلّ ما يشغلهم هو إصدار الفتاوى بتحريم الفوانيس إذ جعلوا منها مدار خطبهم ،ولم يتوقفوا عند هذا الحد بل اتهموا من ارتضاها بالخروج عن الأصول متجاهلين ما للرعية من مصالح كحفظ أرواحهم من بطش أمراء المماليك الذين يستغلون انسدال ظلمة الليل للإغارة على الضعفاء.
    ومن سخرية الأقدار أن نجد هذا الواقع ملازما للشعوب العربية على مر الأزمان ، فرغم كل ما تعيشه الشعوب العربية من ظلم سياسي... نجد معظم المشايخ يتسابقون في التحريم والتجريح دون أن يدلوا بدلوهم في تقريع ظالم أو نقده أو حتى تصويبه.
    وفي الجانب الآخر نجد مشايخ "كوم الجارح" منغمسين في العبادة والتصوف حتّى النخاع، لا يهمهم ما يحدث خارج حدود صومعتهم فكل ما يشغلهم هو صلتهم بالخالق وتطهير جوهرهم ، وفي الوقت الذي يحاول فيه الشيخ "أبي السعود"أن يتدخل بموقف إيجابي لإقناع الزيني بتولي منصب المحتسب يكون قد خدع بالظاهر ولم ينتبه لفساد جوهره ولا تنجلي له الحقيقة إلاّ بعد فوات الأوان.
    4-الشذوذ الجنسي :
    يعد من أبرز التيمات المشكلة لهذا العمل الروائي وقد سعى الروائي لإبرازه في أكثر من موضع ، إذ نلاحظ أن معظم رجال السلطة يمارسون سلوكات جنسية مشينة في الخفاء بينما يتشحون في الظاهر بالتقوى والصلاح بدءا بالسلطان، حيث تشير الرواية إلى العلاقة الغريبة التي تربطه بأحد غلمانه "شعبان" كما أنّ الجدير بالذكر انتشار ظاهرة الغلمان والجواري ،إذ يمتلك الرجل فضلا عن زوجاته الأربع ما لا يحصى من الجواري حتى أن أحدهم له ما يزيد عن سبع وستين جارية .
    فضلا عن ذلك تصور الرواية حالات التحرش الجنسي كقصة الخياط الترزي الذي اعتدى على غلام، واعتداء زكريا بن راضي على غلام السلطان" شعبان" " نزل إلى القبو، أوثق الغلام، عراه قبله في شفتيه، رأى انسحاب الدم من الوجه المليح...(7).
    تحيل فكرة الشذوذ الجنسي على عجز وتشوه في شخصية صاحبها، فمثل هذا النظام الذي يتشح ظاهره بالتجبر والقوة، هو في حقيقة الأمر عاجز ملوث بالعديد من الأمراض النفسية والجنسية، لذا نجده يستلذ تعذيب الرعية ، كما أن الأمر لا يقتصر على الجهاز السياسي فحسب بل ينسحب على رجال الدين أنفسهم من طلبة و مشايخ كعمرو بن العدوي الذي أشيع عنه ارتياد بيت للأنس و الشيخ الريحان الذي كان يرتاد بيت أحدى بائعات الهوى (8).
    ترمز هذه المسألة إلى التشوه القائم في النظام السياسي المصري في فترة الستينات الذي بدا في ظاهره سويا عادلا يردد شعارات براقة ، لكنه في حقيقة الأمر امتداد للأنظمة العربية الفاسدة .
    5- صورة المرأة :
    تبرز هذه الرواية الصورة المتدنية للمرأة في ظل مجتمع ذكوري شبقي لا يرى فيها سوى موضوعا للشهوة وممارسة الجنس ،إذ لا تحظى بأي حق من حقوقها ويتجلى ذلك في العديد من النماذج كقصة الشيخ الذي اشترى الجارية وأساء معاملتها ـ إضافة إلى إبراز علاقة زكريا بجاريته "وسيلة "... وقد استطاع الروائي أن يبرز هذا التوجه حين أحجم عن إعطاء أي دور للمرأة في تحريك أحداث الرواية ما أدى إلى تغييب صوتها .
    6-الخيانة :
    يركز الغيطاني على فكرة مفادها أن سقوط الدول والإمارات يأتي من الداخل بفعل الخيانة قبل أن تقع المواجهة مع العدو الخارجي ، إذ يرصد في عمله هذا خيانة الأمير "خاير بك" للسلطان الغوري في ساحة المعركة مع العثمانيين مما أدى إلى إضعاف مسيرة الجيش و موت السلطان كمداَ، إضافة إلى تصوير خيانة الزيني بركات للسلطان واتصاله بدولة العثمانيين وظهوره من جديد محتسبا للقاهرة في عهد الدولة العثمانية . ويعود تركيز الروائي على إبراز فكرة الخيانة إلى ما لها من حضور في التاريخ العربي .
    تنتهي الرواية بترسيخ واقع الهزيمة بمقتطف آخر للرحالة الإيطالي يصف أوضاع القاهرة وانتشار رائحة الموت في أرجائها بعد زوال نظام المماليك و استيلاء الأتراك على الحكم وقد حاول الغيطاني بهذا إضفاء طابع الموضوعية إذ يمثل الرحالة الإيطالي الشاهد المحايد على الواقع المأساوي الذي آلت إليه مصر .
    أما ما يميز هذه الرواية من ناحية البنية الفنية فيتمثل في استثمارها لتقنيات الوثائق التاريخية بحيث تفقد الرواية خصائصها لصالح التاريخ الذي يهيمن عليها ويطبعها بطابعه، فقد عمد الغيطاني إلى استحضار كتاب "بدائع الزهور..."لابن إياس وكتاب "تاريخ السلوك "للمقريزي، ولم يقتصر على استثمار المادة التاريخية فحسب بل نجده يستلهم الجانب الشكلي كذلك حين اهتدى إلى تقسيم عمله الروائي إلى سبع سرادقات بدل الفصول على غرار تقسيم ابن إياس .
    المقصود بالسرادق حسب المعجم الوسيط (مادة سردق) :"كل ما أحاط بشيء من حائط أو مضرب، وهو الفسطاط يجتمع فيه الناس لعرس أو مأتم" وكأن الكاتب قد قصد من ذلك التنقل بقارئه عبر الفضاءات المختلفة التي تكشف العوالم الداخلية لمصر ، ويتبين ذلك أكثر حين ندرك أنه قد وضع كل سرادق تحت عنوان فرعي مثل "سعيد الجهيني، الزيني بركات...".
    يقوم الغيطاني باستعارة المادة التاريخية المتعلقة بالهزيمة من "ابن إياس" كما يأخذ منه البنية السردية التراثية لغة وبناء وتفضية وتزامنا، فيحدث التفاعل بين النصين النص الأصلي "كتاب ابن إياس" والنص الفرعي "الزيني بركات" على أساس المحاكاة والتناص والحوارية والمفارقة من خلال استعارة التراكيب والصيغ التراثية، ويختلف هذا النمط من الكتابة عن الرواية التاريخية المعروفة كما يقول "سيزا قاسم" في أن هذا النص يقيم موازاة نصية من خلال المعارضة الشكلية اللغوية للنص التاريخي، فجمال الغيطاني يحاكي قول ابن إياس التاريخي، أي أنه لا يلجأ إلى استخدام محتوى تاريخي يصوغه في لغة عصره، بل ينتقل بنصه الخاص إلى الحقبة التاريخية السالفة".
    خصائص الخطاب السردي:
    يتعلق السرد بالتجلي الخطابي للنص والذي يمثّل طريقة من طرق تقديم الحكي في العمل السردي ويقصد به وجود راو يتكفل بإرسال الحكي، أمّا النوع الآخر فهو العرض أو التشخيص بمعنى أن الأحداث تصلنا مباشرة عن طريق الشخصية، غلب على هذا العمل الروائي هيمنة السرد والمونولوج على حساب الحوار، وهو ما يعزز موضوع القمع وانعدام التواصل بين السلطة والرعية، بين الظالم والمظلوم ،ذلك أن نظام البصاصة يمثل الحاجز والمانع لتحقق مثل هذه العلاقة الحوارية وعليه يتأسس بدلا عنها نظام بيروقراطي قمعي يرسخ الفجوة بين السلطة والرعيّة ويصادر كل أشكال الحرية مما يدفع المرء إلى الانكفاء على ذاته واللجوء إلى المونولوج للتنفيس عن مكبوتاته والتعبير عن تذمره من النظام مادام عاجزا عن إشهار صوته عاليا .
    كما يتجلى حضور السرد من خلال هيمنة نبرة التسلط والتحكم والأوامر عبر عدة أساليب كالنداءات والتقارير والمراسيم والرسائل والمذكرات والخطب والفتاوى والذيول.
    إن هذا التنويع في طبيعة الخطابات داخل المتن الروائي يعكس رغبة الغيطاني في كسر الشكل التقليدي للسرد في محاولة لخلق شكل جديد تنصهر في بوتقته أنواع عدّة ، كما نلحظ تفكك البنية السردية على مستوى السرادق الواحد فبالرغم من تحديد الموضوع سلفا عن طريق وضع عنوان له إلا أننا نجد تجزؤا داخله فمثلا يندرج السرادق الأول تحت عنوان" ما جرى لعلي بن أبي الجود وبداية ظهور الزيني بركات" إذ يبدأ بالحديث عن إلقاء القبض على علي بن أبي الجود ثم ينتقل للحديث عن سعيد الجهيني ثم مرسوم ينص على تولية الزيني بركات واليا للحسبة لينتقل فيما بعد لرصد حالة زكريا بن راضي وموقفه مما يحدث واصفا طرق التعذيب التي يمارسها داخل السجون لينتقل إلى كوم الجارح ....
    وكما رأينا فالسرادق الواحد ينتقل بين عدة مشاهد منفصلة عن بعضها البعض رغبة في رصد المواقف المتباية للشخصيات من الحدث الواحد، فالرواية بهذا الشكل تقترب من التركيب المشهدي للأعمال السينمائية مما يؤهلها لتكون عملا سينمائيا ناجحا .
    أما ما يتعلق بالرؤية السردية فإن أهم ما يمكن رصده في هذا الجانب يكمن في تعدد الرواة والاستعانة بعدة أصوات في تقديم الحدث الروائي إذ تبدأ الرواية بمقتطف من مشاهدات الرحالة الإيطالي الذي يمثل الصوت الوحيد الذي يستخدم ضمير المتكلم " تضطرب أحوال الديار المصرية هذه الأيام، وجه القاهرة غريب عني، ليس ما عرفته في رحلاتي السابقة"(9). كما أن السمة البارزة في مذكراته تتمثل في توظيف تقنية الاسترجاع من أجل رصد صورة مصر بين الماضي والحاضر إذ نجده يقول "قلت لنفسي فعلا لم أر الزيني خلال الأيام التي قضيتها هنا ، الزيني يراه أهل القاهرة يوميا، ولو مرة واحدة، تدق الطبلخانة أمامه، يمشي السقاة في ركابه"(10).
    تتخذ الرواية صيغة الراوي العالم بكل شيء الذي يقدم الأحداث انطلاقا من التنقل بين مختلف الأصوات والأماكن وكذا النفاذ إلى أعماق الشخصيات والكشف عن هواجسها وآلامها.
    دون أن ننسى كسر خطية الزمن وتقطيع المتن إلى أزمنة متداخلة بطريقة جدلية حيث تتداخل البداية مع النهاية والنهاية مع البداية والحاضر مع الماضي والعكس ، وكل ذلك من أجل استشراف المستقبل ،فالسنوات المذكورة في الرواية هي 912،913،914،922،923،وفي المقابل تم حذف سبع سنوات لعدم أهميتها، كما تمّ الوقوف عند بعض السنوات بالسرد والوصف وتشغيل الإيقاع البطيء خاصة سنة 912و914هـ و انطلاقا من هذا نلاحظ كيف أن الرواية تنأى عن الطابع التسجيلي الصرف الذي تتميز به الوثائق التاريخية.
    يمكن أن نخلص إلى أن الرواية في تعاملها مع الهزيمة قد ابتعدت عن التقريرية والمباشرة وحاولت استدعاء صفحات بعيدة من التاريخ تتماهى مع الواقع الراهن، مما أحدث تحولا في موقف الروائي من ماضيه ،فانعكس صدى الهزيمة على الشكل الروائي حيث تلاشت الخيوط التي تحكم تسلسل السرد وتشظى الزمن ولم يعد الاحتفاء بالحدث بالطريقة التقليدية بل أصبح الاهتمام منصبا على رصد حالة التوتر والفوضى التي تعيشها الذات في ظل واقع مشوه.
    الهوامش و الإحالات :
    1-سعيد يقطين: الرواية والتراث السردي، رؤية للنشر والتوزيع،ط1،القاهرة،2006.ص170.
    2-جمال الغيطاني :الزيني بركات، عيون المعاصرة، دار الجنوب للنشر، تونس،2007.ص45،46.
    3-سعيد يقطين: الرواية والتراث السردي.ص179.
    4-فيصل دراج: الرواية وتأويل التاريخ نظرية الرواية والرواية العربية ، المركز الثقافي العربي،ط1،الدار البيضاء، المغرب،2004.ص367.
    5-جمال الغيطاني: الزيني بركات.ص140.
    6- المصدر نفسه.ص93.
    7-المصدر نفسه.ص67.
    8-المصدر نفسه. ص 203.
    9-جمال الغيطاني: الزيني بركات.ص43.
    10-المصدر نفسه. ص45.
  9. الفلاح

    الفلاح ضيف جديد

    28
    2
    3
    الدّولة:
    الامارات
    الولاية:
    الشارقة
    المستوى الدّراسي:
    أساسي
    الاختصاص:
    اساسي
    المهنة:
    عامله
    بوركت على الطرح