1. المنصف الحامدي

    المنصف الحامدي عضو

    99
    54
    28
    الدّولة:
    تونس
    الولاية:
    صفاقس
    المستوى الدّراسي:
    جامعي
    الاختصاص:
    عربية
    المهنة:
    أستاذ تعليم ثانوي

    خصب في زمن الجدب ( قصة) ... فلسطين الوجع الذي لا يبارحنا...

    الموضوع في 'المدوّنة' بواسطة المنصف الحامدي, بتاريخ ‏14 نوفمبر 2016.

    خصب في زمن الجدب
    قصّة من خمس صفحات
    موضوعها المقاومة : وجع وشرف
    أحداثها محض خيال
    أما الجراح ففي القلب بعيدة الغور

    الملفات المرفقة:

  2. المنصف الحامدي

    المنصف الحامدي عضو

    99
    54
    28
    الدّولة:
    تونس
    الولاية:
    صفاقس
    المستوى الدّراسي:
    جامعي
    الاختصاص:
    عربية
    المهنة:
    أستاذ تعليم ثانوي
    تمهيد :



    الأقصوصة دفقة عاطفية وحالة تأمّليّة في الوجود والموجود ... كالقصيدة ترجمان الفكر والوجدان ... هذه الأقصوصة من بكر الخيال ... فلسطين ... الوجع الذي لا يبرح الكيان ...



    خصب في زمن الجدب



    كنت على فراش المرض أعاني من التهاب في الحنجرة وآلام حادّة في الرأس وارتخاء في المفاصل مخذل ، كان ذلك أيّام جفاف عمّت البلاد خلال شتاء مضى، قحط وهواء ثقيل بارد وغبار يملأ الدنيا في كلّ يوم ، بقيت معلولا عشرة أيّام كاملة ، لا أكل ولا شرب وحمّى دائبة محرقة ، لم تنفع تلك الخلطات الرّعوانيّة التي أعدّتها أمّي من الحشائش اليابسة في تخفيفها ولو ساعة من الزّمن ، كما لم تنفع الأدوية المعلّبة الكثيرة التي حاصروني بها وكرهت تجرّع مرارتها في أوقات متعدّدة من اليوم ، خلال تلك المدّة العصيبة انقطعت عن العمل ولم أبرح المنزل حتّى بلغني مكتوبه العزيز ، حينها فقط تحاملت على نفسي وتركت السّرير والأغطية الثّقيلة الخانقة وتناولت نصيبا هامّا من عشاء خاصّ أعدّوه لي و أقبلت على الابتسام والمرح مع أفراد العائلة برغم شحوب وجهي وانكماش شدقـَيّ ،قرأت ذلك المكتوب فسرى في جسدي نبض الحياة .

    كان ذلك المكتوب بخطّ أخ حميم ، جمعتنا الصّحبة والأخوّة منذ طفولتنا المبكّرة ، هو إبن القرية سافرت وإيّاه إلى بلاد الشرق للدّراسة ، هناك قضينا أجمل سنوات العمر ، أربعة أعوام انتهت بحصولنا على الإجازة في كلّية الآداب ،كانت أيّاما حلوة زاخرة عدت بعدها مباشرة وتركت صديقي هناك ليلحق بي إلى قريتنا بعد قضاء بعض الشؤون الخاصّة ، هكذا اتّفقنا ، كنت مدفوعا بشوقي إلى أهلي وقريتي ووطني فتعجّلت العودة وكنّا سنلتقي بعد أقلّ



    من شهر بحسب الاتّفاق ولكن انقضت شهور عديدة ولم يرجع صديقي من غربته ، راسلته فلم يردّ ، كان الأمر محيّرا ، ورأفة بنفسي وأهله عدت إلى الشّرق وبقيت مدّة طويلة دون أن أعثر عليه ولا أحد ممّن يعرفه علم أين كانت وجهته ، اختفى بعد عودتي بأيّام قليلة ، وحين رجعت لم تتحمّل أمّه المسكينة إحساسها المتفاقم بأنّها فقدته إلى الأبد فتوفـّيت بعد شهور قليلة ، قتلها الشّـوق إلى الحبيب أبي الرّجال ، هكذا كان يكنّيه أصدقاؤنا المشارقة فهـــــو شجاع شهم أثبت من الجبال وأصلب من الصّخر ، لم يبق لي من تلك السّنوات الخوالي غير الذكريات وصور جمعتنا بالكثيرين ، وفي أحيان عديدة أقبّل تلك الصّور وأتفرّس في أبي الرّجال وألومه لأنّه نكث العهد لأوّل مرّة في حياته معي أنا صديق العمر ، إنّ غيابه في حياتي أشبه بانتزاع الظفر من اللّحم ، وبرغم طول المدّة لم يغادرني الإحساس بأنّه لم يزل على قيد الحياة وأنّي سأراه يوما مّا بلحمه وشحمه ورأسه اليابس وكبريائه وصدقه واندفاعه ، حينها سأخنقه بيديّ هاتين جرّاء ما لحقني وأهله من عذاب ، لا لن أخنقه بل سأحتضنه طويلا بين ذراعيّ وأبكي...

    لم ينقطع أملي في رجوعه ولا بحثي عن سبيل إليه طوال غيابه حتّى بلغني مكتوبه ذاك وقد وضعت الحرب على غزّة أوزارها باندحار الصّهاينة الغزاة أوائل سنة تسع وألفين، كانت محاولاتي فاشلة زادها انشغالي بعملي والتّنقـّل مسافات بعيدة عسرا ، فشلت ولم أيأس ، ولـَكَمْ وددت أن يكون أبو الرّجال معي في العمل فيستفيد الجميع من علمه الغزير وثقافته الواسعة وجدّيته التي ليس لها حدّ ، كنت لا أتماسك حين أذكر مناقبه الجمّة فتنسكب عبراتي وينشج من هم حولي وفي أغوارهم يقين بأنّه قد مات ، لا إنّ أحمدَ لم يمت وهو عائد عن قريب ... كانت تلك الرّسالة بسطورها القليلة بلسم شفائي ، ابتهجت بنهم المحروم من البهجة ، كانت كلماتها أسرع إلى روحي الظمأى إلى لقائه من حدقتيْ عينيّ َ ، لم أتمعّن فيها جيّدا لما غمرني من فرح فلم أتفطن أوّل الأمر إلى شيء مريب بين سطورها الشّحيحة ، لقد طلب أبو الرّجال ألاّ أسرّ بخبر عودته إلى أحد حتّى أهله وأكّد أنّي الوحيد الذي يثق به ، قال في رسالته"سأشرح لك كلّ شيء إنْ كتبت لي العودة إلى أرض الوطن" .


    كان الموعد الذي حدّده أبو الرجال لأنتظره في الميناء بعيدا ، نصف شهر بكامله ، في الخامس والعشرين من فيفري ستزول حرقتي عليك يا أخي وسأفهم سرّ كلامك الغامض المخيف ، كان الشّوق ّ يهزّني إلى ذلك اليوم عارما وخطر لي مرارا أن أزفّ الخبر لأبيه وإخوته وكلّ أهل القرية وأعلمهم بأنّ أحمد سيحلّ بيننا بعد دهور بيد أنّي تصبّرت وصنت العهد وتكتّمت فتزايدت هواجسي وتشعّبت ظنوني ، كانت مفزعة لا تُطاق ولكنّي لم أبح بشيء لأحد ، ما الذي يخشاه أحمد من إعلان خبر رجوعه ؟ .. لم يكن أبو الرّجال هازلا في حياته قط وإلاّ اعتبرت الأمر حرصا على أن يفاجئ الجميع بمقدمه السّعيد ،لا، ما هكذا يفكّر ، إنّ الأمر جدّيّ وخطر ، وما زاد ارتيابي أنّ الختم على الظرف كان لدولة فلسطين ، فلسطين التي كان مصمّما على الانخراط في مقاومة شعبها الباسل و يحلم بالموت على أرضها وكان يعتبر ذلك شرفا و واجبا يفرضه عليه انتماؤه العربيّ ، لم أكن لأفلح في إثنائه عن عزمه ، لقد فعلها وسافر إلى هناك ولا شكّ أنّه عاش الأحداث الدّامية الأخيرة وشارك المقاومين بطولتهم في الدّفاع عن الأرض والحقّ و قاسمهم مجد النّصر ودحر الأعداء ، والحمد لله أنّه مازال حيّا وهو عائد بعد أيّام ، لم يخب أملي وسألقاه .. يالهف نفسي عليك يا أخي..

    كانت تلك الأيام التي تفصلني عن موعد رجوعه مؤرّقة ، زالت حمّى المفاصل والأوصال وأصابتني حمّى السّهر والشّرود والخوف والانتظار المهلك والشّكوك المضنية ، وكدت أبوح بسرّي لأمّي التي سألتني عن تلك الرّسالة التي أبهجتني يوما وأرهقتني أيّاما ، كذبت وتعلّلت ولكنّي شعرت أنّها لم تصدّقني ، خبّأت الرّسالة وكنت قد حفظت سطورها التي لا تفصح عن شيء إلاّ أنّه عليّ انتظار اليوم الموعود لأستقبله بسيّارة في الميناء بشرط أن أكون وحيدا لنعود معا إلى القرية وبعدها سينجلي الأمر كلّه.

    لم أكن أمتلك سيّارة خاصّة فٱستأجرت واحدة و كذبت أمّي ثانية وأعلمتها أنّي مدعوّ إلى حضور اجتماع خاصّ بالعمل فدعت لي بالسّلامة وكانت نبرتها خافتة ...

    في الخامس والعشرين من فيفري نهضت مبكّرا مستغربا تلك الأحلام الكثيرة التي رأيتها خلال نومي المتقطع والتي لم أعد أذكر منها شيئا عدا أنّها كانت مزعجة ، الشوق


    والتوتّر وحدهما برّرا لي أضغاث أحلامي ، كانت الرّياح الباردة الجافـّة تعصف بعنف فازدادت نفسي انقباضا ، قبّلت وجه أمّي ذا التّجاعيد وركبت السّيّارة ، كان موعد وصول الباخرة الواحدة ظهرا ، تلهّيت عن هواجسي المزدحمة بالاستماع إلى المذياع المثبت أمامي بيد أنّي لم أزل منقبضا مخنوقا بشوقي وشكـّي .. هل سيعود أحمد كما وعد ؟ .. كيف سيكون؟..سبعة أعوام كاملة قادرة على تغيير ملامح المرء.. لا.. سأعرفه ولو غاب مائة سنة .. لِمَ يجعل عودته سرّا ؟ وطافت بي الفِكَرُ .. قد يكون تزوّجها وأنجبا أبناء وهم جميعا عائدون لذلك يحتاج إلى سيّارة خاصّة .. يالها من حكاية حبّ جارف فريدة جمعته بتلك الدّمشقيّة مريم كانت على إسم أمّه رحمها الله ، فاتنة ووفيّة .. أحبّته حدّ الوجع ولم يكن يأبه بعبارات العشق والغرام .. أحبّها بصمت أرّقها ولكم كانت تفضي إليّ بأوجاعها فأغلظ له القول ولكنّه لا يلين رغم حبّه المكين في قلبه لها .. لا يمكن أن يفترقا بعدي ..هل يفعلها حقّا ويتوجّه إلى فلسطين ليدافع عن القدس عروس عروبتنا التي اغتصبها زناة اللّيل كما يقول .. أيترك مريم ملتاعة مثلي ؟ .. هل أخبره بوفاة والدته ؟ سأفعل حين نقترب من القرية .. سيتحمّل فهو شديد ومؤمن .. سيعود أبو الرّجال فنسعد جميعا .. سنقيم له حفلا بهيجا حتّى لو رفض .. وضغطت على الدّوّاسة وتوغـّلت السّيّارة في الطريق وقد تلاشى شيء من وجلي...

    بلغت ميناء العاصمة مرهقا وعدت إلى الانتظار المرير ، لم تصل الباخرة في موعدها وزاد تأخرّها عن السّاعة ، كنت متشنّجا فطمأنوني ، هي قادمة ، الرّياح العاتية هي التي أخّرتها .. اجتمع الناس وازدادت الحركة وكثرت الأسئلة، ولمّا تراءت لنا الباخرة تشبّثت بسياج حديديّ يفصلني عن البحر الهادر المضطرب كنفسي وتسارعت دقّات قلبي ولم أستطع السّيطرة على رعدة هزّت أوصالي .. شعرت أنّ من حولي ينظرون إليّ بعطف وربّما بٱستغراب وأخيرا دوّى صوت مفزع ورست الباخرة ، لم أزل أتمسّك بالسّياج بكلتا يديّ الواهنتين ، أشعلت سيجارتي لأخفي توتـّري الذي صار مفضوحا فلم أفلح ، تلهّى عنـّي النّاس ، لم يَلـُحْ لي أحمد بين النـّازلين من الباخرة ، لا شكّ أنـّه يختفي وسط الزّحمة ، تركت السّياج ودخلت القاعة الفسيحة التي اكتظت ، كنت أُكـْـثِرُ من الالتفات والاستدارة


    والحملقة في الوجوه .. هل نكث العهد ثانية ؟ لا، لا يمكن أن يفعلها مرّتين .. أين هو إذن ؟ هل عطلته عنّي الإجراءات ؟ وطفقت أجوب المكان .. لعلّه لم يميّزني .. مستحيل ..أو هو.. إنّه..لا .. قد.. لم تفتأ الجلبة تملأ المكان ورأسي وأنا أصطدم بالأجساد حتىّ سمعت صوتا يناديني فاستدرت بخفّة ورجف قلبي كأنْ لم يرجف قط ، لم أر أخي ، هل يمازحني ؟ ما أبعده عن ذلك ، أين هو ؟ أوشكت أن أنطرح أرضا ، تقدّم صوبي شابّ يخفي عينيه بنظارات عريضة كالحة السّواد ، ليس هو ، لم تهتزّ إليه روحي، قال وقد تدانينا " ألم تذكرني ؟ " وناداني بٱسمي ، كان زميلا لبنانيّا أيّام الدّراسة في دمشق ، سلّمت بفتور وقد سطا عليّ همود وبرود قاتلان وسألته إن كان التقى أبا الرّجال في الباخرة فطلب منـّي أن نغادر فحرنت ، لم أكن أعلم إلى تلك اللّحظة أنّه يحمل خبر أحمد الأخير لي قال وقد أشاح بوجهه عنّي بصوت مخنوق :" كانت خطة رجوعه محكمة ، من غزّة إلى مطار بيروت فروما ثمّ ميناء جنوة فتونس ، طالته يد الغدر، استشهد أبو الرّجال قبل مغادرة فلسطين ، كان بطل المقاومة طوال سنين وكانت تصفيته هدفا لهم " كان يتلعثم وأذهل منحبس الأنفاس والحركة ثمّ احتضنته وٱرتفع صوتي بالبكاء ولكنـّي سرعان ما كتمته خجلا من روح أحمد الأبيّة وتمنّيت لو كنت معه فأقاسمه الشّرف أو أعود بجثـّـته الطاهرة فنواريها بين أضلاعنا.


    المنصف الحامدي ( جوان 2011 )