1. المنصف الحامدي

    المنصف الحامدي عضو

    142
    89
    28
    الدّولة:
    تونس
    الولاية:
    صفاقس
    المستوى الدّراسي:
    جامعي
    الاختصاص:
    عربية
    المهنة:
    أستاذ تعليم ثانوي

    أوكار الغربان ( أقصوصة )

    الموضوع في 'فضاء الإبداع الخاصّ' بواسطة المنصف الحامدي, بتاريخ ‏15 أكتوبر 2016.

    أوكار الغربان
    أقصوصة نُشرت على صفحات مجلّة " الحياة الثقافية التونسية " (فيفري 2013 )

    الملفات المرفقة:

    أعجب بهذه المشاركة الوفاء الدّائم
  2. المنصف الحامدي

    المنصف الحامدي عضو

    142
    89
    28
    الدّولة:
    تونس
    الولاية:
    صفاقس
    المستوى الدّراسي:
    جامعي
    الاختصاص:
    عربية
    المهنة:
    أستاذ تعليم ثانوي
    الإرهاب والقتل والدّم و موت العلم والفن
    هذا هو موضوع الأقصوصة
    صوّروا لنا الثورة جنّة قطوفها دانية
    فإذا هي حميم وغسّاق

    الأقصوصة

    أوكار الغربــــــــان

    عند الظهيرة سار الموكب وئيدا ثقيلا ...
    على طول الطريق ومدّ البصر حجارة متناثرة وأشواك مؤذية...
    تشرئب العيون دامعةً إلى النّعش ...
    ترفعه أياد مرتعشة...
    شابّ يشيعه الذهول ...
    يحثون التراب على اللحد ... يا رحمان ... يا رحيم ... وأصوات أخرى ...
    الجميع مطأطئون و أرجل واهنة ... غبار في المقبرة ... قتلوه غدرا...عثروا عليه ملقى يلفظ آخر الأنفاس ... في الفجر ودعني ... قبلني من هنا ومن هنا ... لم يدرك إبني الثلاثين ... رموا به بعيدا... كان يعد الوثائق و يتهيأ للسفر... منذ أيام قليلة فقط أنهى كل شيء ... يسافر للدراسة في جامعة فرنسية يستكمل آخر المراحل فيحصل بعد سنوات قليلة على الشهادة الكبرى ...

    أناس كثر في فناء بيتهم الواسع يقـتعدون كراسيَ من خشب قديم على غير نظام ، القرآن يُـتلى و يتلهّى عنه الجميع بمصيبة قتل زينة الشباب ... وجوه واجمة ناصبة تـصلـى نيران حزن كاوية الحضور تعجّ صدورهم بالألم والغضب يتوعدون القاتل المجهول ويتحسّسون المُدْياتِ
    في جيوبهم والسواطير من تحت آباطهم ومعاطفهم السوداء ، لم يبق فيهم عقل ولا صبر ، مات مغدورا ولم يمض على نحب والده إلا عامان ولم يتبقّ على سفره إلى باريس إلاّ يومان ، أمّه المسكينة ... ترثيه حتى سكن عويلها وجفت المآقي .. لم تعد تقوى على النحيب... تصرخ ولا صوت ... المدينة الباكية تعرّج على المأتم الأخرس ... مصيبة شلت العقول .. يُقـتـل ثم يُحمل في الليل مسافة طويلة ليوارى عن الأعين و لكنّ عين الله لا تغفل ... لا أثر لأقدام أو سيارة أو دابة حملته .. لا أثر لطعن أو عيار ناري أو خنق أيضا .. ولكنه مقـتول ... ليس إلاّ الثأر ... ما الذي سنجنيه من الدموع والكمد ؟ ...
    أسدل الليل ظلمته الكالحة .. ترك المُعزّون الأمّ وحيدة وقد تقلص حجمها إلى النصف تـتذكر في حرقة حكاية الرحيل للدراسة وعناق عزيزها وقُبَل الوداع الحارة... ولم يزل القرآن تتلى آياته وهي مستوحشة .. ثم حملتها فاجعتها إلى المقبرة ... سكون يخترقه عواء ... ستار من سواد ... اليدان تخترقان الكفن جاهدتين ثم تتلمسان حواشي القبرالضيق الخانق .. صراخ مكتوم ... فك الميّت عقال إصْبعَيْ ساقيه المقرونين .. لم يستطع أن يتخيل أين هو ولم يستطع أن يتذكر عدا أمّه ... اليدان تدفعان اللحد .. الصوت مخنوق والقلب خَلعَ نواحيه .. موؤود يثقل من فوقه التراب ويأبى اللحد أن يتزحزح .. الأوصال ترتعد .. سكنت الحركة قليلا ... ماذا تفيده مصارعة الموت؟ .. ارتخى الجسد... صوت فحيح في القبر ... على جسده العاري ملمس طري .. أفعى عظيمة تمددت فوقه ... لم يـُذكـِّرْهُ غيرُ الرعب بالحياة فٱستجمع كل قواه وصاح الصيحة الكبرى انشقت لها الأرض فٱبتلعت الأم فسقطت فوقه فغرزت الأفعى نابيها المسمومين في قلبها تنهشه فنهض من نومه مذعورا يغمره عرق غزير مستعيذا بالله باحثا عن ماء يبتل به الحلق لاهثا يتفقد جسده ... لم يزل حيّا ...

    وحيد في الغربة يصــــارع الكوابـــيـــس والفواجع بالليل وبالنهار .. أحكم غلق باب الحجرة يملؤه الفزع .. هدّدوه مرارا فسكن روحَه الخوفُ أن يُقتل .. لم يزل منذ فترة ينتظر في كل لحظة أجله .. لا يضنيه من موته المرقوب غير نكبة أمّه .. يعاند خوفه بريشته .. موهبته في الرسم ألهته عن دراسة الطب ... لا يكف عن التعريض بهم وعن السخرية اللاذعة من رعونتهم في معارضه التشكيلية المتوالية .. كانت رسومه الهازئة تلقى رواجا واسعا .. هم أبناء جلدته القمحية ، أبناء وطنه العظيم من دمه ولحمه ، يقاومهم بالإبداع فيتهدّدوه بالقـتـل العمد ، بالرّسوم حذر من انتشارهم الفاحش في قلب باريس عاصمة الحرّية والفكر والإبداع ونبّه إلى أنـّها بهم اليوم أرض خصيبة يُزرعُ فيها الجهل والتخلف والحصادُ أفكار متحجّرة وخراب ...

    جلس وقد هدأت نفسه قليلا يستعيد ما استطاع أن يذكره من حلمه المخيف ثم قرّر أن يعجّـل بتغيير محلّ سكناه .. ولكنّ الجامعة ستلاقيه و إياهم ولا مفرّ ، لن يعجزهم اقتفاء حركته ومعرفة مكان إقامته ... جلس إلى الحاسوب ليكتب ثم تركه إلى ورشته الصغيرة ليرسم : الهرم الأكبر ، قلعة صلاح الدين بالمقطم ، جامع عقبة ، برج ايفل ، فاس ، اسطنبول ، ساعة "البيڨبان" ، معالم مبعثرة على فضاء اللوحة و فوق كل معلم غراب ينعق ناظرا إلى الوسط حيث البيت المحرم يطير به نحو الأعلى غراب أكبر حجما ، رأسه كرؤوس البشر من فوقه صفر مكعب ، وله بدل المنقار فم بشفتين متهدلتين ، ذلك الغراب الكبير يفتح جناحيه الفاحمين العملاقين شرقا وغربا وبين أنيابه الحادّة حزمة من أوراق نقديّة مرسوم عليها تمثال الحرية خطوطها سوداء في لون القطران ... تتساقط بسخاء ومن الأسفل تحيط بجدران البيت أشباح كأن رؤوسها رؤوس الشياطين ذات شعور كثيفة ارتدت بزات عسكرية وتقلدت باليمنى سيفا وباليسرى راحت تتلقف ما أنزلت السماء وعلى وجوهها نهم وشراسة وغبار في لون الرّماد أمّا اليد الثالثة - وكانت تمتد من مقدمة الرأس فطويلةٌ أظافرها المغروزة في أستار البيت ... وفي أعلى الرسم ينعزل بحر هائج مزبد يعوم فوقه جهازٌ ضخم للتحكم عن بعد ذو يد طولى توشك أن تغطي البحرَ برمته تنطلق منها جمار في لون الدّم ... وأضاف لغربان اللوحة أرجلَ بشرٍ سداسيّة الأصابع عدا غراب الكعبة التي طلقتها الأرض ، و في الخلفية السوداء أنوارٌ ضئيلة خافتة تلوح كالصّفراء من بين أسلاك مسمارية طويلة لوجه امرأة تشبه أمه وَضِيءٍ برغم الشحوب ودمع العين ... فتح النافذة يتأمل فلق الصبح الباريسي الغض ثم عاد إلى موضعه يحدّق في الرسم فأدرك أنّ المأساة فيه قهرت الملهاة وأن الظلمات تقهر النور وأن الزبد سيذهب جفاء .. خطر له أن يُسَمِّيَهُ " أوكار الغربان " ، غادره خوفه وسُرّ بما تفتـقت عليه ريشته من جنون وانتشت روح الطبيب والفنّان وقرّر أن ينشر رسمه على صفحات الأنترنيت وقاوم فكرة التأجيل لإضافة شيء إلى لوحته ذات العناصر المتداخلة ... لم يمض زمن طويل حتى وصلته التعليقات والتهديدات ... لم يأبه بها ولكنه لم يعد يغادر حجرته المحصّنة بدعوات أمه و كانت نوماته عميقة لا أضغاث فيها...

    عند ظهيرة سار موكب ثقيلا ..
    طريق طويلة ذات أوحال لم تطلع عليها شمس نهار ...
    تشرئبّ عيون ذاهلة إلى نعش ...
    ترفعه أياد مرتعشة... شابّ تشيعه مخاوف ...
    وأياد أخرى معقودة إلى الخلف ...
    صلـّوا عليه صلاة الجنازة كما تصلى على كل مسلم ...
    دعوا له بالرّحمة كما يُدعى كلّ مسلم ...
    يحثون ترابا على لحد ... يا رحمان ... يا رحيم ... وأصوات متوجّعة ...
    قرأوا على قبره الفاتحة كما تقرأ على كل مسلم ...

    الجميع مطأطئون و أرجل مثقلة ... مياه راكدة في وسط المقبرة ... صدور يجثم عليها الموت .. عثروا عليه ملقى بحجرته يلفظ آخر الأنفاس ، في قلب باريس مدينة الحرّية والإبداع والأنوار يُزهق العلم والفنّ ... دمه المسفوك شاهد على الكذبة الكبيرة ... لا أحد يستطيع أن يعرف قاتله .. هو وحده يعلم ... والله كذلك يعلم ..

    لم تفهم الأم لماذا يُطعن فلذة الكبد في ظهره كما لم يفهم أحد ... قتلوه و أضرموا النار في مرسمه ونهبوا حاسوبه وعبثوا بصورة أمه مؤنسته في الوحدة ...لا تصدّق أنه عاد إليها في صندوق من خشب مطعونا مشوّه الملامح وأنها لن تفرح بلقائه وشهادته الكبرى وعرسه ...وأبت أن تهجر المقبرة أياما لا تحصى ولكنّ اللحد لا يتزحزح ...


    المنصف الحامدي

    التاريخ : جانفي 2013
    آخر تعديل: ‏18 نوفمبر 2017