1. المنصف الحامدي

    المنصف الحامدي عضو

    131
    78
    28
    الدّولة:
    تونس
    الولاية:
    صفاقس
    المستوى الدّراسي:
    جامعي
    الاختصاص:
    عربية
    المهنة:
    أستاذ تعليم ثانوي

    المحـــرقة (أقصوصة )

    الموضوع في 'فضاء الإبداع الخاصّ' بواسطة المنصف الحامدي, بتاريخ ‏13 أكتوبر 2016.

    * المحرقة أقصوصة اعتمدت فيها على غير العادة ضمير المخاطب أنت فغدت أشبه بالحوار الباطني أو عذاب الضمير
    * لم تنشر هذه الأقصوصة سابقا شأن أقصوصة المحرقة

    الملفات المرفقة:

    tunisian otaku و الوفاء الدّائم معجبون بهذا.
  2. tunisian otaku

    tunisian otaku عضو

    64
    12
    8
    الدّولة:
    ...
    الولاية:
    ...
    المستوى الدّراسي:
    ثانوي
    الاختصاص:
    ...
    المهنة:
    ...
    مشكورر على الاقصوصة
  3. المنصف الحامدي

    المنصف الحامدي عضو

    131
    78
    28
    الدّولة:
    تونس
    الولاية:
    صفاقس
    المستوى الدّراسي:
    جامعي
    الاختصاص:
    عربية
    المهنة:
    أستاذ تعليم ثانوي
    أقصوصة كتبتها سنة 2012 ، كان الضباب كثيفا والغموض يلف الدنيا
    بعد خمس سنوات لم ينقشع الضباب بعد ، ولم تزل الرؤية ضبابيّة
    بطل الأقصوصة شاب وهب نفسه للوطن فألفى نفسه قابعا في سجن مظلم
    الثورة والشعارات الزائفة
    الربيع المزعوم هو موضوع الأقصوصة
    هي وجهة نظر خاصة طبعا ..

    المَحْرَقة


    وَقـَفـْتَ طويلا على رصيف الشارع قـُبالة محطة البنزين من الجهة الغربيّة للمدينة ، كانت الضّجّة تملأ دماغك وتخنق روحك الضامئة إلى الحياة ولكنـّك انشغلتَ عن كلّ شيء بالتـّحديق في أرجاء المحطة الفسيحة ، تتأمّـل كلّ المواضع وتغوص بذاكرتك في زمان قد ولـّى ، لا أحد يكترث لوقوفك واجما تجسّ لحيةً شعرُها شوك واخز ، ياله من زمن غدّار فاحش بغيض ، أنت الآن خارج كل شيء ، حتى الزمان لم يبق لك منه سوى الماضي تتجـرّع مرارة أيّامه العجفاء ، بصَقـْتَ أمامك ملء فمك بعد طول وقوف ثم انصرفتَ ... تسير متوئدا ولهيب الشمس يلفح وجهك الأسمر ويضني روحك السقيمة ، كنت تتكلم بصوت مسموع ، تمـرّ من أمام الكثيرين ويعترض مسيرك الكثيرون ولا أحد يكترث لهذيانك كما أنـّك لم تكن تكترث لأحد ، غريب هائم تائه وحيد لاتحظى من الناس إلا بنظراتِ سخرية أو استغراب أوبضحكات خافتة ، ازدادت حركات يديك وقد بلغت مقهى باب البحـر من الجهة الشرقية للمدينة المختنقة ، لم يزل ضوء النّهار وشمسه الحارقة يملآن الدنيا .. جلست منزويا ، لم تزل تهذي وتـُكثر من الإشارات كمعتوه وكلّ من بالمقهى اعتادوا مشهدك على هذه الحال الغريبة ، غرقتَ في سحابات من دخان سجائرك ... أنت الآن بلا عمل بعد سنوات من الكدّ والقرف و القهر ولم يزل حقدك على الدّنيا والناس يتفاقم ويغذي فيك العزم على الانتقام ، أيّة خطيئة اقترفت ؟... فصلوك عن عملك وقطعوا رزق عيالك بعد تسعة أعوام كاملة تزوّجت خلالها وأنجبت ابنيك فتوهّمت أنـّه صار لحياتك معنى ككلّ البشر ...

    لم يكن عملا يليق بصاحب شهادة جامعيّة متفوّق مثلك ولكنك رضيت به في انتظار أن تنفتح طاقات القدر المقفلة ، وبمرور الأشهر ويأسك من الانتداب في وظيفة حكومية صار لديك البقاء في مهنة الشقاء تلك غاية تتشبث بها .. وضعك المقيت قتل فيك كل طموح ، أمات لديك كل أمل حلمت بتحقيقه وأنت على مدارج الجامعة وفي ساحاتها الواسعة ، حتى خيالك صار مكبّلا بالرّغيف و ليس غير ابنيك بصيصا من نور يبعث في نفسك العليلة نزرا من حياة ، كنت تحلم بالخبز والكبرياء غير يائس من اشتعال ثورة تقوّض وتهدم فتقوّم مسار الكون الأعوج وتعيد بناء العالم على الفضيلة و الحب والسلام حتى اندلعت ، لأجل ذلك بادرت فٱقـتحمت أتونها بكلّ ما أوتيت من حماسة وتصميم لتتلقـّى تلك الرّصاصة اللعينة التي اخترقت كتفك ، ولكنك لم تـَجْنِ من ثورتك سوى الغبن والحرمان والطرد والتعسّف والجوع والعُرْي والمهانة والسّهاد حتى توشك أن تـُجنّ ... هل أُحْرِقُ هذا الجسد المتهالك المكدود ؟، أيّ مصير لإبنيّ وزوجتي لو ارتكبت جرما كهذا ؟ .. أين أجد عملا وقد انقضت أعوام بعد الثورة ولا شيء غيـر الوعود والمماطلات والأكاذيب ؟ ، حياة خاوية بغيٌّ ماكرة ، تخلـّى عنك الجميع ، تهوّرت من أجلهم ولكنّهم في المحنة تركوك .. كانت إصابتك الخبيثة مصدر فخرك وأنت في المستشفى تقصّ في اليوم ألف مرّة على الكلّ كيف حرّضت عمّال المحطة على التظاهر أوّلا وكيف جمعت بعد ذلك الخلق من حولك في الشارع هنا أمام مقهى باب البحر حتّى صار العدد بالآلاف وكيف قدت الجموع حتى بلغتم مقرّ العصابة الناهبة وكيف أبيت التقهقر وأزيز الرّصاص الحيّ يخترق الأسماع والأجساد وأنت مستبسل في مواجهته بالحجارة ولم تنتبه إلاّ في المستشفى واللغط من حولك كثير لم تفهم منه غير أن الطاغية قد رحل وأن الثورة قد انتصرت ، تلك الرّصاصة أصبحت الآن سبب تشرّدك وفقرك وجوعك وعريك ونكدك وشظف عيشك وانقطاع حلمك .. هناك في أعماق الرّيف تركت إبنيك ولا خبـرعنهما منذ دهر ، كنت تـُعِدُّ ليوم تحتـفل فيه بختانهما على العادة والسّنة ، وممّا ستدّخر من راتبك الزّهيد ستشتري لهما جبّـتين وطربوشين مزدانين بوشي مذهّب وهدايا كثيرة وتقيم للأهل والجيران مأدبة طعام كما دأب الأجداد ومشروبات وزغاريد تملأ الكون وبخور ريحه كالجنة ، بعد ذلك يكبران ويتدرجان في مراتب الدراسة و العلم حتى يبلغا ذرى التفوق مثلك ، الآن أدركت أنّ أحلامك البسيطة مجرّد هباء و أنّ الممات أهون من الحياة وأيسر فلا فضيلة ولاحب ولا سلام ، ... مهمش عاجز يائس عنّين ... بلا عمل وبلا طموح وبلا حاضر وبلا مستقبل ... بلا معنى ... إنك والعدم على صعيد ...

    أنت الآن مشنوق يتدلّى جسدك ولسانك إلى الخارج تقبض عليه أسنانك وعيناك مفتوحتان مخيفتان وقد ارتقت روحك إلى السماء وحشد من الناس لايقـترب منهم أحد يستفظعون فعلتك ويذمّون ميتـتـك الدَنيّة ... لا بل تكفي جرعة دواء حشرات مسموم لأموت خلال وقت قصير ، يكتشفون جثتي بعد أن تتعفن ، يقومون بتشريحها فيكتشفون أن سبب الموت مجرّد انتحار لرجل لا إيمان له ولا صبر ثم يرسلوها إلى أهلي دون أن يلفـّني أحد بعلم الوطن ، تموت شريدا غريبا ميتة الكلاب ، تصرخ أمّك وزوجتك وتنتحبان وتنوح معهـما النائحات ساعات قليلة أمام الناس ثم لا يذكرك الذاكرون ... من بعدك يتربّى ولداك كما تربّيت يتيمين ، يحرمان من كلّ شيء ولكن يكبران ويحققان ما عجزت عن تحقيقه ... سيارة تدهسني... قطار يمزقني أشلاء تتبعثر.. وخرق مسمعَك صوت مفزع لسيارة إسعاف تشق وسط المدينة بجنون .. ارتعدت فرائصك ... نظرتَ في عروق يدك اليمنى فوجدتها بارزة وتحسّست نواحي من جسدك ، قلبك يخفق بعنف وجبينك يتفصّد عرقا ، طردت كل خيالاتك المرعبة ، نظرت في الخارج ، لم يزل العالم من حولك يجهد في التحرّك وأنت حبيس ، بلا هدف سوى الموت أو الانتقام ، الانتقام ممّن طردوك بعد أن استنزفوا دمك وأكلوا لحمك الحيّ طوال سنين ، خلت أنك عدت إليهم بطلا بثورتك وعاهتك ، قال لك كبير أبناء صاحب محطة البنزين يومها والذي استنكف حتى من زيارتك وأنت مهمل في المستشفى لا يعودك أحد ، قال إنك لم تعد قادرا على العمل ، لم تتوسّله ولم تـَدْعُ له بطول العمر ولم تتشفع لديه برأس أحد من عياله لتحافظ على قوت عيالك ... إنّ اليد التي كنت تقبض بها على مضخة الوقود وترفع بها ما ثقل وتـتـقوّى بها على الزمان قد شُلّت أو تكاد ، نظرت فيها ثم تلمستها بيسراك فوجدتها وساعدَك رخوين ولكن الحياة فيهما لم تزل نابضة ، رُجّت الطاولة من تحت قبضتك ، لم تأبه بسخرية من انتبهوا إليك ، أزمعت الانتقام و تركت المكان في ضجّة ..

    أمام مقهى باب البحر توقفت تنظر في الشارع الممتدّ الذي ازدحم بالجموع يوم العزة والإباء والعافية وتنادوا بالثورة والصّمود وكنت الزّعيم فيهم ، تبحث عن الموضع الذي سال فيه دمك غزيرا فلم تجده ، داسته دواليب سياراتهم والنعال .. في هذه الأرجاء كانت الملحمة ، خطبت يومها في الناس فألهبت حماسهم وبدّدت مخاوفهم وتاقت النفوس جميعها إلى الحرّية وشعرت بأنك تحقق ذاتك العظيمة لأوّل مرّة منذ عهود ، ثم وجّهت الحشود إلى الجهة الأخرى من نفس الشارع أين تجمع الجريمة والفساد وحين بلغتموه تكاثفت سحابات من دخان خانق وسالت دماء وتفرّق الناس وبقيت مع القليلين صامدا معاندا حتى اخترقت الرّصاصة كتفك الأيمن ، نظرت لبرهة إلى وجه جلادك الذي أطلق عليك النار من مسافة قريبة ، لم يرحمك .. لِمَ لَمْ أفر من أمامه كالآخرين ؟ مالي لم أفكر في النجاة ؟ كيف نسيت ولديّ المنتظرين منذ زمن طويل عودتي والهدايا ؟ .. الشّرف وعشق الحرية .. ها أنت الآن بلا شرف وبلا حرية ، وحيد عاجز تائه أشبه بالمعتوه ، ها أنت تـُسقى من كأس الغدر والخيانة والظلم ، كلـّهم يسيرون في الشارع من أمامك أو يقودون سياراتهم غير عابئين بك وببطولتك العقيمة ، لا أحد يعرفك أو حتى يلتفت إليك وحياتك قصّة بطولة وتضحية وصبـر ونضال ومجد لو يعرفون ... نضالك لم يبدأ الآن فتاريخك الذي لا يعلمه غيرك في هذه المدينة الناسية حافل بالمآثـر ، طفل يتيم فقير مكافح صبور على الحرمان … شاب عتيّ عصيّ على الزمان والنّوائب ... رجل شجاع توّاق إلى الحرّية والفضيلة والكرامة والسّلام … ثائر قاد أبناء شعبه ليبلغوا حريتهم ، كنت أيّام الجامعة في الصدر دائما ، قويّ التصدّي للمداهمات البوليسية الوحشيّة المتوالية ، ولم تكن الخطب المتوقدة والتحريض سلاحك الوحيد بل الإيمان و الإقدام والحجر أيضا ، وكثيرا ما يُزجّ بك في السّجون والأقبية ردحا من زمن ثم تخرج و قد أدهشت جلاديك بصبرك ورجولتك ومقاومتك الباسلة الرّضوخَ لهم ، كنت تـُعلـّمُ الكلّ كيف يكون المرء أبيّا فكانوا حينها يحبّونك ويقدّرونك ويفخرون بصحبتك لاهجة ألسنتهم بتعداد مناقبك ، أمّا اليوم فنكرة تائه غريب واهـن بلا قيمة ، ما أبخس هذا الزمان وأهله وما أعتاه ؟.. أعزيزصلد كالصّخر جبّار زمن الاستبداد والجبروت مهين خوّار بعد الثورة والحرّية ؟ ..لا .. مطلقا.. ما أنا بعاجز ولا جبان .. ما أنا بمهين ولا ذليل ولا خوّار ولا خنوع .. واندفعتَ تسير بعزم شديد تطلب ثأرك .. تفاديت المارّة والسيّارات وأنت تشقّ الشّارع المزدحم وكنت تـَجـِدُّ في الوصول إلى حيث كنت واقفا من الجهة الغربية للمدينة ، لم تكن تكترث للشمس الكاوية ولا لأحد من الناس على طول الطريق ولم يكترث لخطوك الحثيث الغاضب أحد حتـّى أدركت محطة البنزين ، لم تتوقف لتجُول ببصرك في أرجائها مجدّدا وٱقـتحمتها غضوبا ناقما ولم تكن تحتاج إلا لولاّعتك تستردّ بها شيئا من عزّك الدّارس ومجدك المنسيّ ، لم تـَوْجَلْ ولم تتردّد واندفعت بعنف إلى كبيـر أبناء صاحب المحطة فاحتقرك وشتمك ، بيمناك التي تدفق في شرايينها الدم اعتصرت رقبته وبساعديك دفعته وكل من قاوم فورتك المحمومة وأضرمت النار وخلا المكان سريعا إلاّ منك ، بقيت في وسط المحطة حتى أحاطت بك النيران المستعرة واقفا صامدا مكابرا ولا أحد يفزع لمحرقتك الوشيكة ، ألم تفكّر وأنت بالمقهى في الموت محترقا ؟ أميتة كبرياء هذه أم ذلّ ؟ .. لم يدم صمودك ، تركت كبّة اللهب والدّخان وفررت وقد شُحِذت روحك الخاوية بعد الانتقام ، ولكن سرعان ما تقبّضوا عليك ، لم يُعْشِ أبصارَهم الدّخانُ الأسود الكثيف عن رؤيتك كما توهّمت ، لم تعبأ بأحد منهم و لم تألم لركلات أرجلهم وصفعاتهم الناقمة .. ما يوجعك هوسبابهم وشتائمهم وبصاقهم على وجهك ونعتك بالمجرم ...

    هنا ، في السّجن الذي دخلته مرّات عديدة مناضلا تـُهمل في ازدراء منذ ثلاثة أشهر لصّا أراد السّطو على مكتب صاحب محطة بنزين ونهب ما فيه عُنوة وحين تصدّوا له أضرم النار حتى كاد يُحرق مدينة بكاملها موقوفا على ذمّة العدالة ، إرهابيّ حقود لايهتم أحد لمآلك المخزي … كم تتمنى لو متّ بتلك الرصاصة شريفا لألاّ تـُهرق كرامتك كما أهرق دمك... الأضواء كابية ، تقضي ليلك قابعا بصمت وذبول وحيدا مخنوقا ، لم تعد يمينك تقوى على حراك .. الثورة والحرّية والكرامة ... ليس لك الآن عدا أن تخط حروفها المرّة بيسراك على جدران سجنك العالية ... تغرق في ذكريات الماضي بأمجاده الغابرة وأوحاله وعفونته وعيناك مشدودتان إلى كوّة بالأعلى لا ينبثق منها الفجر...

    المنصف الحامدي

    التاريخ : 13 +14+15+16 سبتمبر 2012
    آخر تعديل: ‏18 نوفمبر 2017 في 18:16