1. جلال البحري

    جلال البحري نجم المنتدى

    1,461
    492
    83
    الدّولة:
    تونس
    الولاية:
    بنزرت
    المستوى الدّراسي:
    دراسات معمّقة
    الاختصاص:
    أدب عربي
    المهنة:
    أستاذ

    تحليل موشّح لأبي بكر يحي بن بقّي

    الموضوع في 'بحوث و دراسات' بواسطة جلال البحري, بتاريخ ‏30 مايو 2016.

    تحليل موشّح لأبي بكر يحي بن بقّي
    النصّ
    لست مِنْ أسرِ هواك مُخَلاَّ ... إن يكن ذا ما طلبت سَرَاحا
    قد تلزمت هواك ضمانا
    أعطني من مقلتيك الأمانا
    فلقد كابدت فيك زمانا
    مُذ تملّكت دجى الليل دلاً ... فغدا وجهك فيه صباحا
    ظهر الحسن فأضحى ملاذا
    وأبَى القلب فصار جُذَاذا
    فأنا ما بين هذا وهذا
    مُذْ تقلّدتك سيفاً مُحَلَّى ... فقت حُسْناً وجنيت جِرَاحا
    صِرتُ مِنْ سربيك بين ملاحم
    عربٌ شدُّوا الشعور عمايم
    وانتضوا سِحْرَ الجفون صوارم
    زحف الصبر فَوَلَّى ... عندما هزوا القدود رماحا
    رب خصر دقَّ منك فَرَاقا
    يعقد السيف عليه نطاقا
    فتشكّى ثِقْلَ ردفٍ فضاقا
    فلذا دقْ هواي وَجَلا ... إنْ مَنْ مات هوىً استراحا
    لست أشكو غير هجر مواصل
    مذ منعتُ القلب عن عذل عاذل
    وتغنّيتُ لهم قول قايل
    علموني كيف أسلو وإلا ... فاحجبوا عن مقلتيّ الملاحا

    ---------------------------------------
    لئن كانت الكتابة تجربة إنسانيّة تنشدّ إلى ذاكرة ثقافيّة تدُور في فلكها، إلاّ أنّها محكومة بمنطق الإبداع الذّي يتأسّس على الانشقاق و الثّورة و التّجاوز.
    و هو ما تجسّد في هذا الموشّح الغزلي للوشّاح و الشّاعر الأندلسي: " أبو بكر يحي بن بقّي " الذّي أبرز فيه مأساته المتضخّمة في تجربة العشق و الهوى راسما صورة نموذجيّة للمحبوب.
    فما الوسائل الفنيّة التّي وظّفها الشّاعرُ للتّعبير عن صورة المُحبّ و المحبوب؟
    و ما مظاهر التّجديد في هذا الموشّح؟
    يُمكن تقسيم هذا النّصّ إلى مقطعين حسب معيار ثنائيّة الإجمال و التّفصيل. أمّا المقطع الأوّل فقد اختزله مطلع الموشّح و فيه إجمال مكثّف ارتسمت فيه صورة الشّاعر الوفيّ رغم المعاناة و الانكسار، و أمّا المقطع الثّاني فيشمل بقيّة النّصّ و فيه فصّل الشّاعر أسباب أزمته راسما صورة المحبّ و المحبوب في الوقت نفسه.
    لقد ارتأينا انطلاق تحليلنا لهذا النّصّ بالحديث عن خصائص البنية الشكليّة و الإيقاعيّة في هذا الموشّح الذّي تمرّد على القصيدة العربيّة التقليديّة، كاشفا قُدرة الذّات الشّاعرة على التحرّر من السّنن و الضّوابط التّي اتّفق حولها الشّعر القديم، مُبرزا تلك الرّغبة الجامحة في الابتكار و الخلق و الإبداع و التغيير.
    ففي البنية الشكليّة نُلاحظ أنّ هذا النّصّ قد قام بثورة على عمود الشّعر كما استقرّ في الشّعر العربيّ القديم ذلك أنّ القصيدة القديمة كانت تقوم على نظام البيت الشّعريّ الذّي ينقسم إلى صدر و عجز، بينما ورد هذا الموشّح بطريقة مختلفة، فهو يتكوّن من أجزاء مختلفة. منها " المطلع " و هو ما يُبدأ به الموشّح
    " لستُ من أسر هواك مُخلاّ *** إن يكن ذا ما طلبت سراحا "
    و قد اندرج هذا النصّ ضمن ما سمّاه النّقّاد بالموشّح التّامّ لأنّه ابتدأ بمطلع، بينما يسمّى الموشّح الخالي من المطلع بالأقرع.
    و يُقسّم مطلع الموشّح إلى قسمين، يُسمّى كلّ قسم بالغصن. كما يتميّز الموشّح بوجود الدّور، و هو مجموعة من الأسماط التّي تأتي بعد المطلع مباشرة:
    " قد تلزّمتُ هواك ضمانا
    أعطني من مقلتيك الأمانا
    فلقد كابدت فيك زمانا "
    أمّا البيتُ فيجمع بين الدّور و القفل معا، و قد عرّف " ابن سناء المُلك " الأبيات بأنّها: " أجزاء مؤلفة مفردة أو مركّبة يلزم في كلّ بيت منها أن يكون متّفقا مع بقيّة أبيات الموشّح في وزنها و عدد أجزائها لا في قوافيها بل يحسن أن تكون قوافي كلّ بيت منها مُخالفة لقوافي البيت الآخر "
    و قد احتوى هذا الموشّح على خمسة أبيات.
    ثمّ ينغلق الموشّح بعد الدّور الأخير بـ" القفل " و هو يُشبه المطلع من حيث عدد الأغصان و القافية. و قد كانت لغة هذا القفل فصيحة لأنّه كان مقتبسا من نصّ سابق.
    أمّا البنية الإيقاعيّة لهذا النّصّ فيمكن تقسيمها إلى الإيقاع الخارجيّ و الإيقاع الدّاخليّ.
    ففي الإيقاع الخارجيّ يُمكن أن نتحدّث عن بحر هذا الموشّح، و هو البحر المديد الذّي كان كثير التعرّض إلى استنكار النّقّاد و استهجانهم، فمن شيوخ الأدب من دعا لإسقاطه من قائمة بحور الشّعر و اعتبار كلّ ما كُتب فيه مجرّد امتهان و حذلقة. فعبد الله الطيّب وصف المديد بأنّه النّمط الصّعبُ و رأى فيه صلابة و وحشيّة و عنفا و لم يستبعد أن تكون تفعيلاته قد اقتبست في الأصل من قروع الطّبول التّي كانت تُدقّ في الحرب.، ذلك لأنّ تفعيلاته تتطلّب كلمات متقطّعة ممّا جعل الشّعراء يتحامونه. غير أنّ حازم القرطاجنّي وصفه بأنّه يتميّز برقّة و لين مع رشاقة يُشارك فيها الرّمل و يجعلهما أليق بالرّثاء منهما إلى غير ذلك.
    إنّ استعمال هذا البحر وظيفيّ في هذا النّصّ الذّي انبنى الغزل فيه على هذا التّزاوج بين بكاء القلب و " قعقعة " محاسن الحبيبة.
    كما ساهمت عناصر البنية الشكليّة للموشّح في إضفاء إيقاع خارجيّ على النّصّ، فالمطلع مثلا حافظ على وحدة النّغم و انضباط الإيقاع، فهو رأس النصّ و فاتحته، و هو أوّل لقاء بين هذا الشّكل الأدبيّ و القارئ. و البيت في الموشّح يتكوّن من أجزاء مفردة و أجزاء مركّبة مختلفة في التّقفية ممّا أعطى إيقاعا جديدا غير منتظم على عكس البيت في القصيدة التقليديّة الذّي يكون فيه الإيقاع منتظما بل متوقّعا في الأغلب.
    و في الإيقاع الدّاخليّ يُمكن أن نقارب المسألة من زوايا متعدّدة: بلاغيّة و صوتيّة و تركيبيّة و صرفيّة و معجميّة. فبلاغيّا يمكن الحديث عن طغيان الأسلوب الخبري على النّصّ و هو ما جعله أقرب إلى التّقرير و الإثبات. كما احتفى الموشّح بمظاهر البديع من طباق ( أسر – سراح ) و جناس غير تامّ ( ضمان – أمان – زمان... ) و هو ما أضفى عليه موسيقى داخليّة تدعّمت بالحروف الممدودة التّي غزت النّصّ و انتشرت في كلّ أبياته. و تركيبيّا يمكن الحديث عن كثافة استعمال التراكيب الإضافيّة ( هواك – مقلتيك – وجهك – مقلتيّ- دجى اللّيل ... ) التّي تعبّر عن رغبة في الوصال و لو كان ذلك في عالم القصيدة. و صرفيّا نرى توظيفا مكثّفا لصيغ الجموع (ملاحم – عمائم – صوارم)
    و في المعجم يُفعّل النّصّ حوارا طريفا بين معجمين متباعدين: معجم الغزل ( الهوى – القلب – الجراح – الجفون..) و معجم الحرب ( أسر – سيف – رماح... ) ممّا ساهم في إضفاء موسيقى حزينة على الموشّح.
    و هكذا نخلص إلى القول أنّ الموشّح في بنيته الشكليّة و الإيقاعيّة قد مثّل لحظة فارقة في تاريخ الشّعر العربيّ القديم فهو يُعبّر عن ثورة الوشّاح على تلك السّنن الأدبيّة القديمة التّي حكمت نظم الشّعر لقرون طويلة.
    و هو ما يجعلنا نتساءل عن خصائص هذا الموشّح الدلاليّة و البلاغيّة؟

    ورد مطلعُ هذا الموشّح في شكل جملة شرطيّة تقدّمت فيها جملة جواب الشّرط على جملة الشّرط، و كأنّ بُؤرة الحديث في هذا النّصّ تتمحورُ حول هذه النّتيجة المأساويّة التّي انتهى إليها الشّاعرُ في تجربة العشق و الهيام.
    و قد عبّر الخبر المنفيّ ( لست من أسر هواك مُخلاّ ) عن هذه الحقيقة المُروّعة، فالمعاناة في الحبّ لم تزد الشّاعر إلاّ إصرارا على ارتياد مناطقه القصيّة و حبال المحبوب التّي التفّت حول قلبه لم تزده إلاّ استسلاما لهذا القدر المتضخّم ( الأسر ) بل إنّ هذا المصير كان مطلب الشّاعر و منتهى آماله و أحلامه في مفارقة تُسقط منطق العقل و تبتني منطقا جديدا يحتكمُ إلى القلب أوّلا و أخيرا.
    و قد اضطلع العدول أو الانزياح المعنوي بتثبيت هذا المعنى و تكريسه، فالخطاب سَلب من الأسر معانيه المتداولة (القيد – غياب الحريّة) و أضفى عليه معان جديدة (السّراح – الحريّة) و كأنّ حريّة الشّاعر الحقيقيّة تتحقّق في أسر هذا الهوى و ذلك العشق الذّي استبدّ بالذّات. فما يُحقّقُ للمرئ لذّته و نشوته هو خضوعه لأحكام النّفس و منطق القلب و سلطان الغرائز.
    و هو ما يجعلنا نتساءل عن صورة المعشوق الذّي أدّى إلى هذه النّتيجة؟
    ابتنى المقطع الثّاني صورة مفارقة للحبيبة، فهي امرأة استثنائيّة عبّرت عن إبداع الخالق و حُسن تدبيره. و قد زاوج الشّاعرُ في هذه الصّورة بين تعديد مظاهر جمال هذه الحبيبة و ذِكر أثرها السحريّ الخارق إثباتا لفرادتها و تأكيدا لاستثنائيّتها و قد وُفّق في ذلك من خلال ذلك التّراوح الطّريف بين المُعجم الغزليّ ( دلّ – وجه – الحسن – القلب – جراح الجفون – القدود – خصر – ردف ) والمعجم الحربيّ ( تملّك – سيف – ملاحم – صوارم – رماح ).
    لقد اتّسمت هذه الحبيبة بالفاعليّة و القدرة على التّأثير في عناصر الكون ( تملّكت )، فها هي تمتلك قوى خارقة مكّنتها من الاستيلاء قهرا و غصبا و عنوة على " دُجى اللّيل " أي على شدّة سواده و ظلمته بوجهها الذّي شبّهه الشّاعر في تشبيه بليغ بالصّباح ( ادّعاء أنّ المشبّه هو عينه المشبّه به ) دلالة على ضيائه و إشراقه و بريقه. و كأنّها آية من آيات الجمال و أمارة من أمارات البهاء، بل هي الحُسنُ عينه و الإبداع نفسه، و قد عبّرت " ال " الجنسيّة في كلمة " الحسن " عن هذا المعنى فهي تفيد استغراق الجنس مجازا لشمول صفات الجنس مبالغة.
    و قد توسّل الشّاعرُ الكناية للتّعبير عن طول شعر هذه المرأة و شدّة سواده، فكأنّ الشّعر يُمكن أن يتحوّل إلى عمامة كناية عن طوله و انسيابيّته. كما عبّر المركّب الإضافيّ " سحر الجفون " عن جمال عيني هذه الحبيبة و شدّة بريقهما. ثمّ انتقل الشّاعر إلى قوام المرأة فبدت ذات قوام ممشوق أي طويل أكّدته الكناية في لفظة " الرّماح "، و هو إلى ذلك شديد التّناسق و الانسجام، و قد أكّد ذلك حرف الجرّ " ربّ " الذّي أفاد التّكثير و التّعظيم، فالخصر دقيق جدّا إلى درجة تطابُقه مع سُمك السّيف ممّا جعله يتشكّى ثقل الرّدف و يضيق منه ( استعارة ). و في ذلك خروج عن معيار الجمال السّائد كما ظهر في الشّعر العربيّ القديم الذّي احتفى بصورة المرأة المكتنزة التّي يزيد فيها الشّحم و اللّحم عن العظم فيأخذ كلّ موضع حقّه من النّضارة و الاستدارة دون إفراط أو تفريط، ما عدا نصوص شعريّة قليلة تغنّى فيها أصحابها بالمرأة دقيقة الخصر ضامرة البطن.
    يقول امرؤ القيس:
    مُهفهفة بيضاء غير مفاضة *** ترائبها مصقولة كالسجنجل
    إنّ هذه الصّورة النّورانيّة التّي ابتناها الخطابُ للحبيبة جعلها مخلوقا لا يُقاوم و لا قُدرة على الفِكاك من سحره فالمقتربُ من جمالها سيكون مصيره الدّخول إلى ساحة وغى أسطوريّة ليشهد ملحمة الملاحم التّي ستستحيلُ فيها أعضاء الحبيبة عُدّة القتال ( سيوف – صوارم – رماح ) و حبائل المعركة.
    أمّا مآل هذا اليوم المشهود فلن يكون إلاّ احتراقا بنيران هذا الحسن و دماء مسفوكة قربانا لنبض القلب.
    فهل سيكون الأمر مختلفا مع الشّاعر؟
    استهلّ الشّاعرُ البيت الأوّل بخبر طلبيّ ( أداة تأكيد واحدة: " قد " ) أكّد فيه ثباته و دوامه على هذا الهوى الذّي استحال التزاما أبديّا ( دلالة الفعل المزيد " تلزّم " على الاتّخاذ ) أو مرضا مُلازما لا فكاك منه.
    إنّه إعلانٌ عن الوفاء الدّائم و الثّبات على العهد رغم تلك المعاناة الطّويلة التّي أثبتها توسّل الخبر الإنكاريّ ( لقد كابدت... ) و كأنّ العشق معاناة أو لا يكونُ، أو هو مُكابدة دائمة نتيجة تعنّت الزّمان و وقوفه في وجه تحقّق مشروع المُحبّ، و في ذلك استعادة لذلك الموروث الشّعريّ الذّي نظر إلى الزّمن كقوّة خفيّة غاشمة تفعلُ فعلها في الأشياء و النّاس فتفرّق بين الأحباب و تصبّ على البشر الكوارث الطبيعيّة من سيول و عواصف و قحط. لذلك كثيرا ما تكرّرت صورة الدّهر الذّي يُمثّل قوّة طاغية تدهمُ الموجودات بشكل مفاجئ أو تسري سريانا بطيئا فتسلبها وجودها و تُحيلها إلى عدم.
    إنّ هذه المأساة المروّعة التّي ألمّت بالشّاعر بعد أن أسره ذلك الجمال الأسطوريّ غير المعهود تكمنُ في هذا التردّد بين ثنائيّة الإمكان و الاستحالة و الرّغبة و الرّهبة. فالحُسن استبدّ بالشّاعر و أضحى ملاذه و ملجأه بعد أن بدّد ظلمة وجوده و أزال سواد حياته، و لكنّ مشاعر الخوف و الرّهبة و الجزع تسرّبت إلى قلبه الذّي صار ممزّقا بين الرّغبة في الوصال و الرّهبة منه. فالحبيبة التّي أسطرتها اللّغة موضوع صعب المنال، على الرّاغب في إدراكه أن يركب أهوال البحار و أن يخوض أقسى المعارك في ملحمة ما خاضها بشر و ما تجرّأ عليها إنسان.
    و قد وظّف الشّاعرُ الخبر المنفيّ ( لست أشكو غير هجرِ مُواصل ) لإثبات مأساويّة هذا القدر الذّي اكتسب صفات الدّوام، فالهجر كان قرارا فرديّا قام على كبت تلك الرّغبات التّي تعتمل في النّفس لتيقّنه من صعوبة إدراك المعشوق أوّلا و حتّى يتجنّب لوم اللاّئمين ثانيا.
    إنّه قرارٌ اضطراريّ يتساوق مع المثل العربيّ: " مُكره أخاك لا بطل "، ممّا أوصل الشّاعر إلى قمّة التشظّي و المأساة، فنراه يتوسّل الأسلوب الإنشائيّ الطّلبيّ المتجسّد في الأمر ( اعطني من مقلتيك الأمانا ) الذّي خرج عن معناه الأصليّ و هو طلب القيام بالفعل على وجه الاستعلاء ليفيد الالتماس و التمنّي و نجده يوظّف الخبر المثبت ( إنّ من مات هوى استراحا ) لتأكيد طلب الموت أو الشّهادة في الحبّ حتّى تستريح النّفس.
    و قد كانت الخرجة متساوقة مع هذا المعنى، إذ كانت اقتباسا ( تناصّ ) من نصّ آخر و كأنّ هناك رغبة في تعويض استحالة التّلاقي في الواقع إلى حواريّة جديدة تؤسّسها اللّغة و يبتنيها الخطابُ.
    تأسّس هذا النّصّ المقتبس على الأسلوب الإنشائيّ الطّلبيّ الذّي ظهر في الأمر ( علّموني – احجبوا ) و أفاد الالتماس و مداره حول تلك الرّغبة- المنشود في السّلوان و النّسيان أو في محو ذاك الحسن و تغييبه. و الغاية من ذلك تحقيق الرّاحة النّفسيّة و تجاوز ذلك التشظّي الذّي حوّل القلب إلى أجزاء متناثرة.
    و هكذا نخلص إلى القول أنّ المعاني التّي سيّجت هذه الغزليّة مازالت في أغلبها ترزح تحت سلطان القديم، فصورة الحبيبة بدت مألوفة تقليديّة، فهي فتاة ذات دلّ تختزن الجمال كلّه و لا تعبأ بالشّاعر و لا بآماله و أحزانه. رغم طرافة ذلك التّراوح بين معجمي الغزل و الحرب الذّي وظّف في سياق رسم صورة الحبيبة و بيان أثرها الذّي لا يُقاوم. كما بدت صورة المُحبّ تكرارا لمثيلاتها في الشّعر العربيّ، فهو يشكو آلام البين و يُعاني عذاب البُعد و يتمزّق من استحالة الوصال في استعادة للغزل العذريّ الذّي نما في القرن الأوّل للهجرة.
    تكمن قيمة عملنا هذا في كشفه عن خصائص الموشّح الشكليّة و الإيقاعيّة باعتبارها كانت تجسيدا لحركة التمرّد على سلطة النّموذج و تعبيرا عن تلك الثورة على ما أقرّه النّقّاد و الشّعراء من معايير جماليّة حكمت تاريخ الشّعر العربيّ، غير أنّ حركة المعنى مازالت تُصارعُ ذاك المُنجز الشّعري الضّخم، فبدت فيها رغم استعادتها للقديم بذور الخروج و الابتداء.
    و هو ما يجعلنا نتساءل عن أثر الموشّح في التّجارب الشّعريّة العربيّة المستقبليّة؟
    salma و الفارابي معجبون بهذا.
  2. الفارابي

    الفارابي ضيف جديد

    12
    11
    3
    الدّولة:
    tunis
    الولاية:
    tunis
    المستوى الدّراسي:
    جامعي
    الاختصاص:
    arabe
    المهنة:
    non
    بوركت مجهوداتك في هذه المنتدى الراقي
  3. salma

    salma عضو مهمّ

    987
    115
    43
    الدّولة:
    تونس
    الولاية:
    نابل
    المستوى الدّراسي:
    جامعي
    الاختصاص:
    علوم
    المهنة:
    طالبة
    قليلة الشروح التي تغامر بشرح الموشحات
    شكرا لك أستاذنا العزيز على هذه المشاركة