1. salma

    salma عضو مهمّ

    988
    117
    43
    الدّولة:
    تونس
    الولاية:
    نابل
    المستوى الدّراسي:
    جامعي
    الاختصاص:
    علوم
    المهنة:
    طالبة

    مظاهر التقليد في الشعر الأندلسي

    الموضوع في 'بحوث و دراسات' بواسطة salma, بتاريخ ‏28 مايو 2016.

    مظاهر التقليد في الشعر الأندلسي
    تاريخ الأدب العربي في الأندلس، لإبراهيم أبو الخشب.
    الشعر في الأندلس:
    لا يستطيع المرء أن يتحدث عن الشعر إلا إذا ساعده الإلهام، وآزره الفكر، وعاونته العبقرية، وأسعفه الخاطر، ودفعه الوجدان، وحركته النفس، وفاض به الشعور، وأتاح الله له من صفاء الذهن، وهدوء البال، وراحة الضمير، والفراغ من الهموم، ما يجعله يسمو بروحه إلى ذلك العالم العلوي الذي يخلو من ضوضاء الأرض، وصخب الناس، وصراع العيش وحقد البشر، وحدثان الدهر، وإسفاف الشعوب، وتطاحن الأمم، ونفاق السياسة، وكذب العناوين، ومركب النقص الذي تعانيه الأفراد والجماعات..
    هنالك يصفه كما تصف المرآة الصورة، أو كما يمثل النجوم الماء، أو كما يردد الصدى الصوت، ويتحدث عنه كما يتحدث الندى عن أوراق الزهر، أو كما يعبر العبير عن العطر؛ لأن هذه هي لغته التي يتحدث بها هو للناس إذا أراد أن يناغي أرواحهم، أو يناجي نفوسهم، أو يخاطب أفئدتهم، أو يداعب أحلامهم، أو يهز أوتار قلوبهم، ومخطئ كل الخطأ من يظن أنه يكون بتلك الألفاظ الخشنة، والأساليب الجامدة، والجمل الجافة، والخيالات العقيمة، والصور القاتمة، والأحاسيس الباردة.
    والأصل في الشعر -من غير نظر إلى أنه الكلام المنظوم المقفى قصدًا- أنه يثير النفس، ويحرك الحس، ويرقص الوجدان والعاطفة، ويملك القلب، ويخلب الفؤاد، ويفعل بالمرء فعل الحميا بالعقل، ولهذا كانوا يذللون به الصعب، ويروضون به الجامح، وينالون به كل ما يتأبى على الحيلة، ويستعصي على الرياضة، ولقد كان البيت الواحد كفيلًا بإثارة حرب شعواء تقوم بين قبيلة وأخرى، أو بين حيين حميمين، وأخوين كريمين، وربما أزال خصومة متحكمة، وعداوة مستحكمة؛ وذلك لأن له سلطانًا قويًّا على أعراف الضمائر، وهواتف النفس، وهواجس القلب، وميول الأفئدة، ولا سيما إذا تكاملت له البلاغة، وتوافر فيه الأداء الصحيح، وتهيأت الفرصة المواتية، والدوافع الملحة.
    والعرب كانوا -بحكم البيان واللسان- يميلون إلى جمال القول، وحسن العبارة، وقوة التصوير، وتمام الفصاحة، وكلما نزلوا بمكان، أو ارتحلوا إلى بلد، أو أقاموا بأرض، بذروا فيه بذورَ الشعر، ثم تعهدوها بما يزيد في نمائها، ويساعد على ازدهارها، ويبالغ في قوتها، ويعمل على أخذها من الحياة بأوفى نصيب، وفي أرض الأندلس صنعوا ذلك الصنيع، وفعلوا ذلك الفعل، وحاولوا تلك المحاولةَ، فنما غراسهم، وترعرع زرعهم، ونضج ثمرهم، وكان كالزهرة الطيبة الرائحة امتجزت بأخرى مثلها، فظهر فيها مزيج متكامل الخلق، بارع الشكل، جميل الصورة، نضير اللون، فاتن الطلعة، خلاب المنظر... وفي كثير من الأحايين كانوا يرجعون في أساليبهم إلى البداوة الأولى عصبيةً لتاريخهم، وحنينًا إلى أوطانهم، وتمجيدًا للغة أسلافهم، على الرغم مما اكتسبوه من العيش الجديد، والبيئة المستحدثة، والمناخ الحلو، والطبيعة الحالمة، والحظ المتاح، والحياة الطارئة.
    والذي يقرأ الشعر الأندلسي في غرناطة وإشبيلية وقرطبة وغيرها من المدن، يجد نفسه أمام تراث ضخم، لا يقل عن ذلك التراث الذي خلفته بغداد عاصمة الخلافة في المشرق من حيث الصفات والسمات، والملامح والصور، والموضوعات والأغراض، والأخيلة والمعاني، وإن كان هنالك طابع يميزه على سواه، وشكل يخصه دون غيره، ولون يمكن أن ينفرد به، فذلك هو تلك المعاني المبتكرة، والوصف البديع، والذوق السليم، والخيال النقي، وقد لا يكون من المبالغة في شيء أن نقول: إن الأدب العربي كان فيه فراغ واسع شاغر لولا الشعرُ الأندلسي الذي أضاف إليه براعة في الوصف، وسلاسة في التبعير ونصاعة في البيان، ورشاقة في اللفظ ووجدانًا عاطفيًّا، يجعلنا نلامس تلك الطبيعة الناطقة، فندرك جمالها الصارخ، وبهائها الرائع، ورونقها الناصع، وسحرها الخلاب، وفتنتها الحالمة، ونغمها الهادئ، وطيورها المغردة، ورجع صوتها الحلو، وأغانيها الخالدة، ولذة سكونها العميق.
    وحسبك بقوم كانت الطبيعة من حَوْلهم ديوان شعر مفتوح ينظمون منه الألفاظ، ويتعلمون منه الأوزان، ويرددون منه الموسيقى، ويختارون منه النغام، فلا يخطئون الصواب، ولا يتجاوزون القصد، ولا يتنكبون الطريق، ولا ينحرفون عن السنن، ولا يضلون الغاية، ولا يجهلون الحق، ولا يلتوون في السير، وإنما كانوا على محجة الخير. وسبيل البر، وصراط الله، يبتغون الفضل، وينشدون الحب، ويحاولن الإحسان، ويحلقون في سماء من الهدوء الشامل، والأمن الكامل، والرجاء الخالص، والسعادة الحقة، والطموح المنشود، والأمل المرتقب، وكانت قصائدهم التي نظموها، وأوزانهم التي صنعوها، وألفاظهم التي رددوها، من هذا الكلام الذي لا يبليه تَكرار، ولا تبتذله إعادة، ولا يرخصه قرب، ولا ينقص من قدره طول ولا قصر، وكانت لهم مزايا، جعلتهم نسيج وحدهم، لا من حيث الثروة التي تركوها، والأبواب الكثيرة التي طرقوها، ولكن من حيث الألفاظ والأساليب، والمعاني والأخيلة.
    وهذا هو حديث الأستاذ أحمد ضيف عنه ننقله هنا لتمام الفائدة.. قال: "البلاغة من نظم ونثر، لها غرضان غرض فني، وهو ما بها من الجمال الذي يدعو الإنسان إلى السرور والإعجاب، وارتياح النفس إلى المعاني الجزلة، والألفاظ المختارة، وتناسق العبارات، وحسن الأساليب، وتأنق التراكيب، وغير ذلك مما ذكره العرب ونقادهم من أنواع المعاني والبديع والبيان، ويدخل في هذا النوع قدرة الكاتب أو الشاعر على الافتنان في الصناعة، ومقدار ما له من التصرف في الكلام، وما يدركه من أسرار هذا الفن، مما يدل على عبقريته، وهذا الجزء الفني من البلاغة هو أحد أركانها، وأكبر دعائمها، إذ بدون ذلك لا تعد البلاغة من فنون الجمال في شيء.
    والغرض الثاني هو الحقيقة المنطوية في غضون ذلك الكلام، التي يكشف بها الفني عن كثير من المعاني الخفية في النفوس، وأسرار الكون، وحقائق الموجودات، والآراء الاجتماعية والفلسفية، وصور الإنسان والإنسانية، فغرض الكاتب أو الشاعر البليغ أن يتسرب في النفوس، ويستولي عليها بجمال الافتنان، وينعشها ويوقظها بأسلوبه وبيانه، ويهذبها بمعانيه وما فيها، ليرشدها إلى حقيقة من الحقائق الإنسانية، ولقد يدرك الفني ما لا يدركه غيره؛ لأنه دقيق الإدراك، قوي الملاحظة، سريع الخاطر، تخترق نفسه الحجب فيرى ما لا يراه غيره، لذلك يمكن أن يكون مساويًا للفلاسفة أو الحكماء في الإفاضة على الإنسان من أسرار الكون وحقائقه.
    والعرب يميلون إلى جمال القول، ويقصدون إلى حسن العبارة، والاستيلاء على النفوس بسحر الكلام، فكان الشعر فنًا عربيًّا جميلًا، وكان العربي شاعرًا بطبيعته، ونصيبه من أنواع الجمال قول الشعر الجميل، وكانت الفصاحة والبلاغة مظهر الحياة النفسية العربية، ودليلًا على جهود العقول وآثارها.
    ولقد جاء الشعر إلى بلاد الأندلس بصبغته الأولى البدوية، وما لبث أن أخذ صبغة جديدة باتساع التصور واختلاف المناظر، والاطلاع على كثير من العلوم والآراء، والميل إلى مزج الحركة العقلية بالحركة الاجتماعية، فشمل كل مظاهر الأفكار، ومرافق الحياة، ولكن كثيرًا ما كان الشعراء يرجعون في أساليبهم وأفكارهم إلى الأساليب والأفكار البدوية؛ لأن العرب من أشد الأمم عصبيةً وحنينًا إلى وطنهم وعيشتهم الأولى، إذ رغم ما كان في نفوسهم من الأثر الذي اكتسبوه من تلك البلاد، وما حصل لهم من الحياة التي لم يكن لهم عهد بها في بدلاهم، كانوا لا يزالون يميلون إلى أخيلتهم الأولى، ولم يكن لهم أن يهجروا عاداتهم؛ لأن العجب والخيلاء اللذين كانَا لهما السلطان على عقولهم، جعلاهم -حتى في تلك البلاد البعيدة، وحتى بعد عدة قرون من انتجاعهم إياها- يتغنون بذكر بلادهم، ويتخذون الشعر القديم نموذجًا لهم في الصناعة والخيال.. والذي يقرأ الشعر الأندلسي يجده أخًا للشعر في بغداد، بل وفي البلاد العربية نفسها من حيث الصفات العامة، والموضوعات التي كانت عند القدماء..
    على أن شعر الأندلس يمتاز في جملته عن الشعر العربي بما فيه من المعاني المبتكرة الجميلة التي كان يعالجها الشعراء هناك من الوصف البديع، والكلام الرشيق والذوق النقي، والافتنان في أساليب الخيال، ولأنه يدل على حياتين، ويرسم صورتين من أحوال العربي، فبينما ترى الشاعر يصبو إلى ذكر بلاده الأولى من حياته البدوية، تجده يذكر الرياض والبساتين والأزهار والأنهار والمياه الجارية، وظلال الشجار، والنسيم العليل، والآراء العامة والخاصة وأحوال الاجتماع والعادات.
    هذا العقل المزدوج من البدو والحضر ظهر فيه جمال الفطرة، ونضارة الحضارة، ظهر هذا كله في الشعر؛ لأن الشعر كان مسرح العقول من جد وهزل، وعلم وفلسفة، ولبث منتشرًا زُهاء ثمانية قرون بين الخاصة والعامة من العرب وسكان البلاد الأصليين كالقوط وغيرهم، وقال الشعر كثيرٌ من الأمراء، وسابق النساءُ الرجالَ في ذلك، فكُنَّ أحيانًا يسبقهم، وعنى الناس هناك بالعشر عناية عظيمة، فكانوا ينقشونه على جدران المساكن وأبنية الحكومة، واتصل بالحوادث العامة الاجتماعية، وكان من وسائل الرقي، ومن دواعي السلم والحرب، وفك أسر المسجونين، والعفو عن المجرمين.
    ولم تكد تخلو رسالة نثرية من الشعر حتى سرت عدوى الوزن والقافية إلى النثر، وانتشرت طريقة السجع في جميع المكاتبات، وهي محلاة بأبيات من الشعر، حتى في الكتب العلمية، ومكاتبات الحكومة، وإجازات السفر، وكانت صناعة الشعر لازمة، وروايته واجبة، لمن يريد أن يندمج في حواشي الملوك فقد كان الأدباء يجتمعون في حضرتهم للإنشاد والمسابقة في ذلك، كما كانت الحال في حضرة عبد الرحمن الأول ومَن جَرَى على سنته ممن جاء بعده من الملوك والأمراء الذين كانوا يجرون المرتبات والجوائز على الشعراء.
    وقد كان لنشاط العرب العقلي وصفاء قرائحهم في قول الشعر ما كان لهم من العلوم والفنون، بل زاد ذلك في الشعر لِمَا لهم من ميلهم الفطري إليه، والافتنان فيه، فقد وسع كل شيء من أحوالهم الاجتماعية والنفسية، فكانوا يصفون الكبراء والعلماء، ويمدحونهم بعبارات جميلة رقيقة، أكثرها خالٍ من المبالغات، ويبثونه في شكواهم وآلامهم، ولهم قصائد في التقرب إلى الله ومدح الرسول -عليه السلام- والزهد والتصوف والرثاء، ولهم أشعار رقيقة في المزح والتهكم والمجون، وقد نظموا التاريخ وحوادثه، وبرعوا في وصف الأبنية الفخمة وما فيها من الصور والأشكال والزينة، ونعت القصور والحدائق، ومجالس الشراب، والسمر والغناء والرقص، ووصفوا التنزه بالليل في ضَوْء القمر، والأشجار وغصونها، والرياح وهي تعبث بها وظلها الظليل، وأشعة القمر على الجداول، وصفاء الجو، والفاكهة، والأثاث والمساك، والقصور والصور والتماثيل، وبرك المياه وأواني الأزهار، والحمامات الرخامية والسباحة والنوافير والحدائق والمياه، وتكلموا عن الغِلمان والخدم ومجالس الخلفاء، والاجتماعات العامة، ومجالس اللهو والشراب والرقص، وتكلموا عن آلات الطرب، وكل أنواع السرور والفرح، ووصفوا ميادين الحروب، وأهوال القتال والنضال، والشجاعة والجبن والإقدام، والنصر والخذلان، ووصفوا النفوس وما يول بها من الميول والأهواء، وما يحدث فيها من لذة وألم.
    أما الأزجالُ والموشحاتُ وغيرها من الأوزان التي ابتكروها في الشعر العربي، والمقطوعات الشعرية جدية أو هزلية أو اجتماعية، فحدث عن البحر ولا حرج، فقد أظهروا من البراعة في ذلك ما لا يقدر عليه إلا نفوس خلقت شعرية بطبيعتها، وشاعرة بفطرتها، وقد سرت هذه الأنواع إلى المشرق، فأحدثت حركة جديدة في الشعر العربي.
    وأما حديث أصحاب كتاب "المفصل" عن الشعر في الأندلس فها هو ذا "مضى عصر الأمراء -الولاة- وشطر من عصر بني أمية دون أن يكون للأدب أثر يذكر؛ لأن العصر الأول كان عصر فتح واضطراب، لم تكن فيه حكومة منظمة تساعد على ذلك، وكانت حكومة بني أمية تعمل بادئ الأمر على تأييد الملك، فلما أخذ خلفاؤهم يعملون على نشر العلوم والآداب، وكان الشعر أظهر مميزات العرب العقلية، صاروا يقربون إليهم الشعراء ويجزلون لهم العطايا، محاكاة لخلفاء بني العباس في بغداد، وكان كثير منهم يميل إلى الشعر وقرضه، فنفقت سوق الأدب، وارتفعت منزلة الشعر والشعراء، وقد ظهر في هذا العصر جماعة من كبار الشعراء؛ منهم: محمد بن هانئ، وابن دراج القسطلي، وأحمد بن شهيد، وغيرهم.
    وكان عصر ملوك الطوائف من أزهى عصور الشعر والأدب، ظهر فيه كثير من فحول شعراء الأندلس كالوزير ابن زيدون، وابن خفاجة، وابن سهل، وعبد الجليل بن وهبون، والوزير ابن عمار، وملك قُرطبة وإشبيلية -المعتمد بن عباد- وظهر في دولة بني الأحمر لسان الدين بن الخطيب وغيره من كبار الشعراء، وبقي الشعر زاهيًا إلى خروج العرب من هذه البلاد، وقد كان الشعر أسبق أنواع الأدب ظهورًا؛ لأنه مظهر الثقافة العربية، ومِرآة لحياة العرب العقلية والاجتماعية، يتغنى به العربي حيثما نزل، وأينما ارتحل، فيذكر فيه ما يمر بخاطره من حب وبغض، ويرسم فيه ما يجول بنفسه من أثر ما يحيط به من جلال الطبيعة وجمالها، وما يلهم من خيال، فكان لجمال بلاد الأندلس أثر في نفسه، ولكن أخلاقه العربية كانت تسيطر عليه، وعزته القومية وذكريات بلاده وأهله ما فتئت تلازمه، فكان عقله يمثل حياتين، حياة البدو وحياة الحضر، وكان شعره أثرًا لذلك كله، فظهر فيه جمال الطفرة، ونضارة الحضارة، وجزالة البداوة، ورقة الخيال، والافتنان في الجد والهزل والمجون، ووصف النفوس والأهواء، وقد امتاز الشعراء بأنهم برعوا في الوصف بجميع أنواعه براعةً لا تجارَى، لتأثير الحضارة، وجمال الطبيعة في نفوسهم وانغماسهم في الترف، فوصفوا كل شيء وقع عليه نظرهم، وجال بخاطرهم، وكان ذلك من مميزات الشعر بالأندلس ومن أظهر خصائصه.
    أما أغراض الشعر وأنواعه، فهي الأغراض والأنواع التي عرفت في بلاد المشرق، من المدح والهجاء والحماسة والنسيب والحكم والمواعظ والوصف والرثاء إلخ.. وكان من بين الشعراء كثير من العلماء والحكماء والكتاب، بل كان كل شاعر كاتبًا وكل كاتب شاعرًا، فنظموا قواعد العلوم والفنون، وحوادث التاريخ، وتكلموا في شعرهم عن الزهد والتقوى ومدحوا الرسول -عليه الصلاة والسلام- ونظم الفلاسفة بعض آرائهم، ولكن شعراء الأندلس على الرغم مما كان لهم من سعة الخيال وقوة الابتكار في المعاني الجزئية، والتشبيهات البديعة، والصناعة اللطيفة، من تنميق في العبارة كالمجاز والاستعارة، لم يزيدوا شيئًا جديدًا في أنواع الشعر العربي وأغراضه، ولم يخرجوا عما كان معروفًا عند شعراء المشارقة؛ ذلك لأن ثقافتهم الأدبية كانت عربية خالصة، فلم يطلعوا على شيء من آداب الأمم الأخرى، ولم يعرفوا من آداب اليونان والرومان شيئًا يوجههم إلى غير ما عرفوه من أساليب الشعر العربي القديم؛ لأنهم لم يعنوا بذلك.
    فلم يكن لديهم شيء من الشعر القصصي أو التمثيلي، بل بالغوا في محاكاة أهل المشرق، وانصرفوا عن الابتكار في الأنواع إلى الافتنان في الصناعة؛ لأن الشعر هناك كان في معظمه من دواعي التسلي والمجون، فلم يأبه للتفكير والنظر في الحياة، لذلك لا تكاد تجد منهم شاعرًا عالج الفلسفة في شعره، أو حاول الكلام على الصفات والأخلاق النفسية، أو النظر في الكون نظرة مفكر ناقد، كما ترى ذلك لدى بعض شعراء أهل المشرق كالمتنبي وأبي العلاء وغيرهما، بل كان ولوعهم بالصناعة اللفظية والافتنان في ضروب التعبير يفوق كل شيء، أما من حيث الأخيلة، فقد أتوا بالعجب العجاب في ذلك من تشيبهات بديعة وأوصاف جميلة، وضروب من الخيال امتلأ به شعرهم، ولا سيما أنواع الوصف والمجون، ووصف المباني والحدائق، ومجالس الشرب.
    أما أساليب الشعر في الأندلس من حيث نظم القصيد، فكانت جاريةً على ما هو معروف في بلاد المشرق من بدء المدح بالغزل أو الوصف وترادف المعاني، وتتابع الأخيلة، واستقلال كل بيت بمعناه..
    وأما من جهة الألفاظ والعبارات، فكانت تدل على ذوق سليم في الاختيار، وسلامة في لين الكلام، وجزالة اللفظ، إذ كانوا كثيرًا ما يختارون أحسنَ الألفاظ وقعًا على السمع، وأدعاها إلى تصوير الجمال، وإيقاظ النفوس، وإثارة العواطف، مما يناسب الموضوعات التي كانوا يذكرونها في شعرهم، وقد أمضوا في الصناعة اللفظية إمعانًا، جعل كلامهم لا يكاد يخلو من تشبيه أو استعارة أو كناية، وكثيرًا ما كانوا يأتون بالعجيب الغريب في ذلك.
    ومن هذا الذي سقناه من آراء العلماء في هذا الشعر، وحديثهم عنه، وتقديرهم له، وإعجابهم به، تستطيع أن تؤمن الإيمان الذي لا شك فيه، أن هذا الشعر قد أدى رسالته للبيان، ورفع لواءه في الأدب، وأثبت وجوده في الضاد، واكتسب له أنصارًا في قراء العربية، عاشوا مفتونين به، مدافعين عنه، إلى هذا الحد الذي جعل المكتبات تظفر منه بهذا التراث الذي يبدو دون سواه من أنواع النتاج الفكري الإنساني، شامخ الرأس، واضح الصلف، كثير التيه، بما توافر فيه من الخصائص والمزايا، ومن تلك الشواهد التي ستمر بك منه، أو الأمثلة التي تعثر عليها فيه، تطالعك شمائله، وتوجهك محاسنه، وتهجم عليك روائعه، فلا تنكر منه تصويرًا، ولا تعيب عليه تعبيرًا، ولا تتدارك عليه نقصًا أو تقول: "ليته كان، أو لو أنه لم يكن"؛ لأنه نظم لك النجوم، وسكب ماء الغيوم، وساق إليك هدأة الليل، وصحوة الفجر، وتنفس الصبح، وشمس الضحى.
    ع2:
    مظاهر التجديد والخصائص الدالة عليه في الشعر الأندلسي
    ج1:
    تاريخ الأدب العربي في الأندلس، لإبراهيم أبو الخشب.
    حال الشعر الأندلسي وخصائصه:
    ظل الشعر الأندلسي في أول أمره على مثال ما كان عليه في المشرق قبل أن يكون وطنًا للدخلاء، ومسرحًا للأجانب، وملتقًى للسلالات والفصائل، والجماعات والشعوب، إذ كانت تعبث الحوادث بلغته، وتعصف الأهواء بالأفكار فيه، والمعارف به، فلم يكن أسلوبه إلا بدوي الخيال، ضخم الجرس، قوي اللفظ، متين التراكيب، يجري أهله على سنن سكان الخيام، ومطاردي الآرام، ورعاة الإبل والشاه، حتى إذا ما أفاضت البلاد عليهم من خيرها العميم، وبركتها الشاملة، وكنوزها المخبوءة، وثروتها الطائلة، ونعمتها السابغة، وشعروا بأنهم يتقلبون في بحبوحة من اليسار والغنى، والحضارة والرقي، والتقدم والعمران، والانتعاش والازدهار، وأخذت أساليبهم في القول، وأذواقهم في الخيال، وأفكارهم في الترتيب، وألفاظهم في التأليف، وعقولهم في الإدراك، ووجداناتهم في الحكم على الأشياء، والتقدير للأمور، والفهم للحقائق، تأخذ شكلًا جديدًا، وتصورًا خاصًّا، إذ أثرت في عقول الأدباء المشاهد الطارئة، والمناظر المستحدثة، والطبيعة الساحرة، والمناخ الطيب، ولما كانت عصبيتهم للعروبة، وحرصهم على العربية، وغيرتهم على الضاد، وتمسكهم بأساليب آبائهم وأجدادهم، من المقدسات عندهم، أو المقومات لهم، لا يمكن أن يفرطوا فيها، أو يتخلوا عنها، فقد كان ذلك كله -مع الحرص عليها، والتمسك بها- باعثًا لهم على العناية التامة بالعمل بكل ما يملكون من طاقات أن يهتموا بتشذيبه وتهذيبه، وإبرازه في أكمل صورة من البهاء والحُسن، والجمال والرونق، والإبداع والروعة، حتى ليستطيع الدارس له، أو الممعن في النظر إليه، أن يضع يده على تلك الخصائص.
    أولًا: السهولة في الألفاظ، والاختيار لها والوضوح لمعناها، وانسجامها في التأليف -بعضها من بعض- بحيث يراعي فيها النسب والقربى، فلا تكون كلمة قلقة في مكانها، ولا نابيًا بها موضعها، ولا متنافرة مع سواها، ولا بحاجة إلى المعاجم اللغوية تكشف عنها، أو تحدد الغرض منها في سياق الكلام، لذلك كان شعرهم رقيق الديباجة، عذب الصوت، حلو الجرس، موسيقي النغمة، لا تمل الاستماع إليه، ولا المتابعة له، ولا الجري معه، ولا النظر فيه، ولا الاطلاع عليه، أو الاغتراف من بحره..
    يقول محمد بن البين البطليوسي:
    غصبوا الصباح فقسموه خدودًا واستنهبوا قضب الأراك قدودًا
    ورأوا حصى الياقون دون نحورهم فاستبدلوا منه النجوم عقودًا
    واستودعوا حدق المها أجفانهم فسبوا بهن ضراغمًا وأسودا
    لم يكفهم حمل الأسنة والظبا حتى استعاروا أعينا ونهودًا
    وتضافروا بضفائر أبدوا لنا ضوء النهار بليلها معقودًا
    ساغوا الثغور من الأقاحي بينها ماء الحياة لو اغتدى مورودًا
    وهي -كما نرى- صورة واضحة، ورسم ناصع، وبيان كفلق الصبح، لفتيات خدودهن من بياض النهار، أو أوراق العرار، وقد ودهن من قضب الأراك، وعقودهن أبين أن تكون من الياقوت فاتخذنها من النجوم، وعيونهن اللائي سبين الضراغم والأسود، لأنهن استود عن أجفانها حدق المها، وساعدهن على ذلك كله النهود المتصدية، ثم الضفائر المرسلة، والثغور التي أعراها الأفحوان شكله الجذاب، وفتنته الصارخة، وسحره الخلاب.. وهكذا كان تصويرهم روعة، وبيانهم بلاغة، وحديثهم جمالًا، وشعرهم معنى من متعة الخاطر، وراحة النفس والفؤاد...
    ثانيًا: الإبداع في التشبيهات، والروعة في عرض الكنايات، والإكثار من الغريب اللطيف منها، من ذلك قول بعضهم...
    فجاءت كما يمشي سنى الصبح في الدجى وطورًا كما مر النسيم على النهر
    فعطرت الآفاق حولي وأشعرت بمقدمها والعرف يشعر بالزهر
    ويقول ابن برد الأصغر في طلوع الصباح:
    وكأن الليل حين لوى ذاهبًا والصبح قد لاحا
    كلة سوداء احرقها عامل أسرج مصباحا
    ومن التشبيهات الغريبة قول قائل في ساق زنجي:
    وزنجي أتى بقضيب نور وقد زفت لنا بنت الكروم
    فقال فتى من الفتيان صفه فقلت الليل أقبل بالنجوم
    ويقول ابن شهيد يصف الليل في مضيه مع النجوم وإقبال الصبح في أثره:
    فكأن النجوم بالليل جيش دخلت للكمون في جوف غاب
    وكان الصباح قانص طير قبضت كفه برجل غراب
    وكذلك كانوا يرسمون الحقائق، ويصورون المعاني، ويبدعون التشبيه، ويتلاعبون بالألفاظ، ويفيضون في السحر، ويتأنقون في الأسلوب، فلا تعثر لهم في هذا الباب على إسقاف، ولا تجد لهم ما تجده للسوقة، أو تعثر عليه عند الدهماء، وإنما تهتز لقولهم، وتستريح إلى حديثهم، وتفتتن بروعة الطريف الغريب منهم.
    ثالثًا: غلب الخيال على شعرهم في جميع الأغراض التي سلكوها، والأبواب التي ولجوها، والموضوعات التي تناولوها، وتأنقوا في ذلك تأنقًا يشهد لهم بطول الباع والسبق، والمهارة وحسن التأتي، وساعدهم على ذلك ما وهبه الله إياهم من صفاء الخاطر، وقوة العقل، وجمال الطبيعة، واعتدال الأمزجة، ووفرة ما كان عندهم من محصول أدبي، ونتاج فكري تجمع لديهم من فراغ البال، وعدم الشواغل التي من شأنها أن تحول بينهم وبين الاستفادة، وأن جل همهم في الثقافة والعلم، والإدراك والمعرفة، كان مصروفًا -كما قدمنا- لعلوم الدين واللغة، وكل ما من شأنه أن يقوي اللسان، وينمي ملكة البيان.. قال ابن شرف القيرواني يصف ليلاً طال مداه، وتشكي نجمه استبداد الأرق به، قد زاره فيه طيف الحبيب:
    مطل الليل بوعد الفلق وتشكي النجم طول الرق
    ضربت ريح الصبا مسك الدجى فاستفاض الروض طيب العبق
    وألاح الفجر خدًا خجلًا جال من رشح الندى في عرق
    جاوز الليل إلى أنجمه فتساقطن سقوط الورق
    واستفاض الصبح فيها فيضة أيقن النجم لها بالغرق
    فانجلى ذاك السنا عن حلك وانمحى ذاك الدجى عن شفق
    بأبي بعد الكرى طيف سرى طارقًا عن سكن لم يطرق
    زارني والليل ناع سدفه وهو مطلوب بباقي الرمق
    ودموع الطل تمريها الصبا وجفون الروض غرقى الحدق
    فتأتى في إزار ثابت وتثنى في وشاح قلق
    وتجلى وجهه عن شعره فتجلى فلق عن غسق
    نهب الصبح دجى ليلته فحبا الخد ببعض الشفق
    سلبت عيناه حدى سيفه وتحلى خده بالرونق
    وأنت ترى أنها صورة أبدع الخيال في عرضها، وتأنق الرسم في شكلها، وحاول الفن بكل ما يملكه من إبداع أن يبرز لنا الليل المظلم في طوله المملول، ووحشته المخيفة، وسكونه المرعب، وهدوئه الشامل في شكل مخلاف يعنيه -إلى حد بعيد- أن يبني الناس على وعوده الزائفة قصورًا من الأماني حتى إذا ما ترقبوا أن تتحقق وانتظروا أن يفي لهم بما أطمعهم به من وعده وعلق قلوبهم به من رجاء، لم يجدوا إلا هباءً يتطاير، وسرابًا يتظاهر، وإذا كان المطل كريهًا إلى النفوس، بغيضًا إلى القلوب والأفئدة، فإن هذا المطل الذي حمل النجم على أن يشكو السهاد، ويضيق ذرعًا بالأرق، كان من حسناته على الطبيعة، وأياديه على الكون، أن هبت ريح الصبا على مسك الليل، فاستفاض الروق بعبقه، وامتلأت الأرجاء بعبيره... إلا أن هذا الضياء الذي انبعث، والنور الذي انبثق، كان فجره كاذبًا.
    فانجلى ذاك السنا عن حلك وانمحى ذاك الدجى عن شفق
    وهي صورة "الفجر الكاذب" الذي يتقدم الصحيح، ويظهر قبيل طلوع النهار، ثم يكون بعده الفجر الصادق الذي زاره حبيبه فيه، حيث كان ينعي للدنيا ظلمته التي ذهب بعضها، وهو مطلوب منها بباقي الرمق، حينما كانت دموع الندى تساقطها ريح الصبا عن جفون الروض الغرقى بها، وقد بدا الحبيب في ثوب ثابت -كناية عن امتلاء الجسم به- ووشاح قلق -كناية عن ضمور خصر الملابس له- وتجلى وجهه عن شعره كما يتجلى فلق الصبح عن غسق الليل، وكأن النهار الذي نهب ظلمة الليل حبا خد ذلك الحبيب ببعض الحمرة التي تبدو من الشفق عقب صحوة الشمس من نومها، وبروزها من خدرها.
    والخيال الذي يطوف بنا هذا التطواف، ويحلق بنا في تلك الجهات ويحدثنا هذه الأحاديث عن صراع النور والظلمة، والفلق والغسق، والندى المتساقط، والورق المتضاحك، والعبق المتضوع، لا يفوته أن يذكر الخليل الطارق، والصديق الزائر، الذي:
    سلبت عيناه حدى سيفه وتحلى خده بالرونق
    ولا يقرأ هذه القطعة قارئ دون أن يجد نفسه أمام هذه المعاني المتداعية، والرسوم المتلاحقة، يذهب وجدانه كل مذهب، وينتقل به إحساسه في نواح مختلفة، لا يكاد يتبين منها واحدة حتى تتكشف له أخرى وأخرى وهكذا، وهو شأن الشعر الناطق، والتعبير الصادق، والخيال اللعوب.
    رابعًا: التزموا القصد وعدم المغالان في المحسنات البديعية، فلم يكن في شعرهم منها إلا ما جاء عفو الخاطر، من غير عناء نفس، ولا كد ذهن، ولذلك تقرأ لشاعر ضخم كابن حمديس، أو ابن زيدون، أو ابن دراج القسطلي، أو ابن هانئ الأندلسي الملقب عندهم بمتنبئ الغرب، فلا تجد إلا القليل الذي لا تشعر وأنت تقرؤه بتكلف ولا معاناة، وليس لهم في شعرهم من تلك المحسنات كلها شيء يلفت النظر، ويسترعي الانتباه، كذلك المحسن المسمى بحسن التعليل، وهو اثر من صناعة الخيال عندهم، واختراع الصور لديهم، مثل قول القائل..
    أرى بدر السماء يلوح حينًا ويبدو ثم يلتحف السحابا
    وذاك لأنه لما تبدى وأبصر وجهك استحيا وغابا
    وقول بعضهم في رمد أصاب عين محبوبه:
    قالوا الحبيب شكا -جعلت فداءه- مرضًا أضر بعينه كالعندم
    فأجبتهم ما زال يفتك لحظه في مهجتي حتى تلطخ بالدم
    خامسًا:الإلماح إلى حوادث التاريخ، والأشخاص الذين كانت لهم يد في صنعه، وهي ظاهرة يشترك فيها النثر والشعر، وهي بارزة في نثر ابن زيدون وبخاصة في الرسالة الهزلية، وفي مثل شعر ابن عبدون في قصيدته المشهورة في رثاء دولة بني الأفطس:
    الدهر يفجع بعد العين بالأثر فما البكاء على الأشباح والصور
    أَنهاكَ أَنهاكَ لا آلوكَ مَوعِظَةً عَن نَومَةٍ بَينَ ناب اللَيثِ وَالظُفرِ
    فالدهر حرب وإن أبدى مسالمة والبيض والسود مثل البيض والمسر
    ولا هوادة بين الرأس تأخذه يد الضراب.. وبين الصارم الذكر
    فلا تغرنك من دنياك نومتها فما صناعة عينيها سوى السهر
    ما لليالي -أقال الله عثرتنا من الليالي وخانتها يد الغير -
    في كل حين لها في كل جارحة منا جراح وإن زاغت عن النظر
    تسر بالشيء لكن كي تغر به كالإيم ثار إلى الجاني من الزهر
    كم دولة وليت بالنصر خدمتها لم تبق منها -وسل ذكراك- من خبر
    هوت بدارًا وفلت غرب قاتله وكان عضبًا على الأملاك ذا أثر
    واسترجعت من بني ساسات ما وهبت ولم تدع لبني يونان من أثر
    وألحقت أختها طسمًا وعاد على عاد وجُرهم منها ناقض المرر
    وما أقالت ذوي الهيئات من يمن ولا أجارت ذوي الغايات من مضر
    ومزقت سبأ في كل قاصية فما التقى رائح منها بمبتكر
    وأنفذت في كليب حكمها ورمت مهلهلًا بين سمع الأرض والبصر
    ولم ترد على الضليل صحته ولا ثنت أسدًا عن ربها حجر
    ودوخت آل ذبيان وإخوتهم عبسًا وغصت بني بدر عن النهر
    وألحقت بعدي بالعراق على يد ابنه أحمر العينين والشعر
    وأهلكت إبرويزا بابنه ورمت بيزدجرد إلى مروفلم يحر
    وبلغت بزدجرد الصين واختزلت عنه سوى الفرس جمع الترك والخزر
    ولم ترد مواضي رستم وقنا ذي حاجب عنه سعدا في ابنة الغير
    يوم القليب بنو بدر فنوا وسعى قليب بدر بمن فيه إلى سقر
    ومزقت جعفرًا بالبيض واختلست من غيله حمزة الظلام للجزر
    وأشرفت بخبيب فوق فارعة وألصقت طلحة الفياض بالعفر
    وخضبت شيب عثمان دمًا وخطت إلى الزبير ولم تستحي من عمر
    ولا رعت لأبي اليقظان صحبته ولم تزوده إلا الضيح في الغمر
    وأجزرت سيف أشقاها أبا حسن وأمكنت من حسين راحتي شعر
    وليتها إذ فدت عمرًا بخارجة فدت عليًّا بمن شاءت من البشر
    والقصيدة مذكورة برمتها في كتاب "المعجب في أخبار أهل المغرب" وقد علق عليها المرحوم الأستاذ محمد سعيد العريان، بما يصلح أن يكون كتابَ تاريخ. فلم يترك عَلَمًا من الأعلام، ولا حادثة من الحوادث إلا وقد ذكر ما اقترن بها، أو عاش معها، وكل الأسماء التي وردت بها مثل: دارًا وبني ساسان وطسم، وعاد وجرهم ومضر وسبأ، وكليب ومهلهل والضليل، وعدي وأبرويزويزدجرد ورستم، ويوم القليب وجعفر وحمزة وخبيب وطلحة الفياض وعثمان والزبير، كلها تحتاج إلى إيضاح، ورجوع إلى التاريخ، واستلهام للحوادث، وهي ظاهرة تميز بها الشعر الأندلسي، وهي لا تدل على مهارة في البيان، ومقدرة في البلاغة، وبراعة في نظم الكلام وتفوق في تأليف الألفاظ، وصياغة الشعر، إلا أن صاحبها ينبئ بها عن تحصيله ووعيه، وعلمه وإحاطته، وإدراكه وبصره، وهي -في نظرنا- لا تدل في صاحبها على كفاية، ولا تنبئ عن جدارة، ولا صلة لها بروعة الشعر، ولا جلال النظم، ولا براعة الصياغة، ولا حسن التأليف؛ لأن الشعر أبعد الأشياء عن كل شيء من شأنه أن يقيده، بالقيود، أو يطوقه بالأغلال