1. salma

    salma عضو مهمّ

    988
    120
    43
    الدّولة:
    تونس
    الولاية:
    نابل
    المستوى الدّراسي:
    جامعي
    الاختصاص:
    علوم
    المهنة:
    طالبة

    الأدب الأندلسي بين التقليد و التجديد

    الموضوع في 'بحوث و دراسات' بواسطة salma, بتاريخ ‏28 مايو 2016.

    الأدب الأندلسي بين التقليد و التجديد
    د- سامية جباري
    من القضايا المهمة التي تستوقف الباحث في التراث الأندلسي لاسيما ما تعلّق منه بالدراسات الأدبية، قضية ظلت محل جدل بين النقاد، والمتمثلة في حقيقة المنتوج الأدبي في الأندلس، هل أساسه أندلسي محض أم أنه عبارة عن منتوج موروث عن المشارقة في أغراضه ومعانيه وصوره وأخيلته؟
    لا يستغني دارس الأدب الأندلسي عن الاطلاع على ما قيل في قضية التقليد والتجديد؛ وذلك لتعدّد وجهات النظر فيها سواء في كتابات العرب أنفسهم أو المستشرقين الذين لا يرون في أغلبهم أحقية العرب في بناء الحضارة بالأندلس، بل يردون الفضل في ذلك إلى الثقافات الأجنبية كاليونانية والرومانية وغيرها؛ على أن لهذه الأخيرة الأثر البالغ في توجيه الفكر الأندلسي واصطباغه بمقومات غربية رائدة جعلته يحتل الصدارة بين الآداب الأخرى.
    ومن العرب من يرجع الفضل إلى نظرائهم المشارقة الذين رسموا خطى اقتفى الأندلسيون آثارها في تنويعهم الأساليب والمضامين، وبقيت ملازمة لهم دونما أي إبداع شخصي لا من حيث المشاعر ولا من حيث المناهج.
    والذي يستوقفنا في هذا المجال أن الحضارة الأندلسية كان لها الفضل الكبير في تطور الحضارة الغربية في نواحيها المختلفة من فكر وفن وأدب وعلوم وعمارة، والتاريخ أكبر شاهد على ذلك إلى جانب المخلصين من المستشرقين الذين يقرّون بهذا التأثير، كإشارتهم في صحيفة مدرسة "أدنبرج": "إنا لمدينون للعرب كثيرا ولو قال غيرنا خلاف ذلك فإنهم الحلقة التي وصلت مدنية أوربا قديما بمدنيتها حديثا وبنجاحهم وسمو هممهم تحرّك أهل أوربا إلى إحراز المعارف واستفاقوا من نومهم العميق في العصور المظلمة، ونحن مدينون لهم أيضا بترقية العلوم والفنون النافعة") (.
    واستطاعت نظرة هؤلاء أن تفرض نفسها على ساحة الفكر وأن تصحح الكثير من الأخطاء والأفكار الثابتة وتتلخص هذه النظرة في "مدى الغنى الفكري والحضاري الذي بلغته الأندلس في القرون الوسطى") ( والذي يهمنا في هذا المقام إبراز أثر المشارقة في شعر الأندلسيين ثم الوقوف عند بواعث التجديد لديهم.
    لا يخفى علينا ونحن نتحدث عن الأندلس أثر الفاتحين الأولين الذين دخلوا الأندلس حاملين معهم كل مقومات الشخصية الإسلامية عربا كانوا أم بربرا، فقد دخلوا ومعهم ثقافتهم الخاصة، ولغتهم المحلية، معهم عاداتهم وتقاليدهم، ويتمثل فيهم الموروث المشرقي في بيئة جديدة غريبة عنهم لم تتمكن من نفوسهم بعد، وكان الشعر أحد هذه الموروثات التي دخلت الأندلس مع هذا الجيل من الفاتحين الذي وعى في تربيته المشرقية النشاط الفكري والأدبي، "فظل يتطلع من موطنه الجديد إلى الروافد المشرقية مع وجود المؤثرات المحلية ومسوغات القول فيها") ( .
    وهنا نجد أنفسنا أمام تساؤل مهّم، هل ظل الشعر الأندلسي في كامل فترة وجود المسلمين والمقدرة بقرابة ثمانية قرون، مشرقيا في أغراضه ومعانيه؟ أم سار خطوات نحو تحقيق ذاته واكتمال شخصيته؟
    لقد اتفقت معظم الدراسات على أن الأدب الأندلسي لم ينشأ مستقلا مكتملا، بل مرّ بمراحل مهدت التأسيس له، وهي أربع: التقليد والمحاكاة، ثم النشّوء والارتقاء، ثم المعارضة والابتكار، وأخيرا الاستقلالية وتحقيق الذات.

    أولا: التقليد والمحاكاة:
    وهي مرحلة يشملها القرن الثاني للهجرة، حيث استقرت الدولة الأموية باعتلاء عبد الرحمن الداخل عرش ملكه ومحاولته إحياء مجد آبائه على أرض الأندلس، حيث عمد هو وأبناؤه من بعده إلى مضاهاة الخلافة العباسية في مناحي الحياة المختلفة، فكانوا مقلدين لها في كل شيء؛ ذلك لأن "الخلافة الأموية بالأندلس كانت تبحث عن صورة اكتمالها في الخلافة العباسية المشرقية ومنها استمدت نظم الدواوين وطرق تنظيمها وأبهتها وفخامتها وبذخها") )، ولم يكن الأدب بمنأى عن هذا التأثير لاسيما وأنه لسان حال الدولة، فبالرغم من أن البيئة الجديدة لها مسوغات القول والإبداع إلا أنها لم تسرِ في نفوس المبدعين من الشعراء، فالتطلع إلى المشرق كان أحد المقومات التي ترقى بالشعر خصوصا، فيحتل صاحبه الصدارة؛ ونجد ذلك ملموسا عند بعضهم؛ فعبد الرحمن الداخل عندما أحس بالغربة مثلا وحنّ إلى وطنه الأول صادف نخلة فألهمته القول وحركت شجونه ليبدع شعرا مبعثه الألم والحنين:
    يا نخلَ أنتِ فريدةُ مِثلـي في الأرض نائيةُ عن الأهـلِ
    فأبْكي وهلْ تبْكِي مٌكمََّمةُ عَجْمَاءُ لم تجبلْ على خَـبْلِ
    لو أنهـا عقلت إذا لَبَكتْ ماءَ الفُراتِ ومَنْبَتَ النَّـخْلِ
    لكِنَّها حُرمتْ وأأخرجني بُغْضِي بني العباسَ عنْ أَهْلِي) (
    والأديب في هذه المرحلة حين كان يحاول أن يكتب أو ينظم يريد أن يكون مثل الأدباء العباسيين، فهو إن أراد أن ينظم شعرا نسج على منوال البحتري وأبي تمام وابن الرومي والمتنبي، وإن شغف بالكتابة فهو ينهج أثر ابن المقفع أو الجاحظ أو ابن العميد؛ ممّا جعل بعض النقاد يحكمون على الشعراء الأندلسين بتقليدهم المشارقة في الفنون والمذاهب الأدبية وأن الأندلس "لم تؤسس لنفسها نهضة مستقلة") (.
    ويؤكد بعضهم على الصلة القائمة بين الأندلس والمشرق حيث ظل "المشرق دائما مطلب الأندلسين ومحط تقليدهم، وقد تنكروا في البداية لعلمائهم وأدبائهم وشعرائهم") (.
    في حين ذهب ابن بسام إلى الاعتراف بمنافسة الأندلسيين للمشارقة في مظاهر الملك ومستلزمات الحياة العلمية والأدبية؛ نستشف ذلك من قوله: "إلا أن أهل هذا الأفق أبوا إلاّ متابعة أهل المشرق، يرجعون إلى أخبارهم المعتادة رجوع الحديث إلى قتادة، حتى لو نعق بتلك الآفاق غراب أو طنّ بأقصى الشام أو العراق ذباب، لجثوا على هذا صنما وتلوا ذلك كتابا محكما") ( .
    لكن مع إعلان الخلافة الأموية في عهد الناصر وبنيه من بعده صيغت عقلية أندلسية جديدة لم يعد يشغلها التقليد بقدر ما شغلتها المنافسة في مناحي الحياة المختلفة، فازداد البلاط وجاهة وفخامة مكنته من لفت الأنظار إليه، وأصبح المشرقي يتطلع بدوره إلى الأندلس باذلا ما في وسعه لأجل بلوغ مراده في هذا القطر الغربي الذي ما انفك يرحب بكل ذي علم وفن وأدب.
    فقد دخل زرياب أحد أعمدة الغناء ثم دخل أبو علي القالي قرطبة سنة 330هـ جالبا "معه دواوين الجاهلين والإسلاميين مقروءة مصححة على الأئمة، وأخذ الطلاب يتتلمذون عليه في دراستـها") (.
    وقد ساعدت البيئة الأندلسية على استقطاب عدد كبير من "ذوي المعارف والعلوم الذين أثروا في ثقافة الأندلس وعاداتها ومهدوا لتثبيت المثل المشرقية في الفكر والأدب وكثير من نواحي الحضارة") (.

    ثانيا: النشوء والارتقاء:
    إن الاضطرابات السياسية التي عاشتها الدولة الأموية وهي تلفظ أنفاسها الأخيرة كان لها أثر بالغ في توجيه الأدب، فحتى لو أقررنا من الناحية التاريخية بالآثار السلبية التي نجمت عن الانقسامات والثورات المتأججة هنا وهناك سواء عن طريق المولدين أوالنصارى في حروبهم وإغاراتهم الاستردادية، أو حتى من العرب أنفسهم الذين حاولوا الاستقلال بمناطق نفوذ، فإن هذه الصراعات جعلت من الأدب لاسيما شعره أداة تلهب العواطف، وتدعو إلى الفروسية، ونبل النضال، فخلّد المواقف وسجّل المعارك فأنتج شعرا سياسيا يحمي العصبية القبلية متمثلة فيه أوجه الاعتزاز بالانتماء والثورة على الأوضاع، وتظهر في هذا الشعر السياسي جوانب واقعية في التأثر بالبيئة ومجريات الأحداث فيها، ومن ثم التفاعل معها تفاعلا واعيا.
    هذا وإن بدا في الشعر الأندلسي نوع من الالتزام من حيث الوقوف عند هموم الجماعة إلا أن هذا التفاعل "لم يكن ليخرج عن حدود الاتجاه المحافظ من حيث إطاره العام وأغراضه") (.

    ثالثا: المعارضة والابتكار:
    وقد اتسم بهذه المرحلة القرن الرابع خصوصا وهي عبارة عن ردّ فعل ورفض صارم للتقليد والثورة عليه.
    وكان ممّا أذكى هذا الاتجاه هو شعور بعض الأندلسيين النابغين بقيمتهم التي لم يقدرها غيرهم، "فظهرت الشكوى من اهتضام الحقوق ومن إغفال المبدعين") ( .
    لهذا كانت محاولات جادة من العلماء والمفكرين والأدباء والفنانين في إرساء دعائم حركة ثقافية وفكرية إبداعية في الأندلس، وهي صورة اكتملت بحلول القرن الخامس الهجري الذي يعرف بأنه أزهى العصور ثقافيا وإن وصم بالانحلال السياسي والتفكك الاجتماعي، فإنّ تشجيع الأمراء في مقاطعاتهم للحركة الأدبية جعل من الشخصية الأندلسية في نماء وتطوّر، فازداد عدد المبدعين الذين وقفوا بحزم وعزم في وجه تقليد المشارقة فظهرت المعارضات التي عكست النضج الثقافي والفني لدى الأندلسيين فنجد "ابن حزم يكتب رسالة في تفضيل أهل الأندلس أوردها المقري في نفح الطيب") (.
    وقد جاءت كرد فعل على رسالة أبي علي بن الربيب القروي التي ذكر فيها "تقصير أهل الأندلس في تخليد أخبار علمائهم ومآثر فضلائهم وسير ملوكهم") (.
    وكذلك أيضا رسالة الشقندي وهو أحد معاصري المرابطين الذي جاءت رسالته في تفضيل الأندلسيين على المغاربة ذاكرا سلسلة من العلماء المفكرين، وعدّد الأئمة في الفقه والسنة، والنحو واللغة والأدب مبرزا تفوقهم العلمي.
    ومن هؤلاء ابن حزم الذي أراد أن يتميز بمذهبه الظاهري كبديل عن المذهب المالكي السائد في الأندلس، وهي محاولة منه للتجديد، ثم نجد أبا الوليد الحميري الأشبيلي الذي "تعصب لأهل بلده ونبذ تقليد المشارقة بكل عنف") ( فأنتج كتابه "البديع في وصف الربيع" الذي جمع فيه أشعار أهل بلده فحفظها من الضياع، واصفا محاسن أهله وتفضيلهم على المشارقة.

    رابعا: الاستقلالية والتمايز:
    وهي مرحلة بدا فيها تمايز الأندلسين على المشارقة حيث اكتملت الشخصية الأندلسية الأدبية التي بدأت بالمماثلة، ووصلت إلى تحقيق التفوق والمباهاة فأنشأَت بذلك مدرسة فنية نظمت وأطرت العمل الأدبي والفني في الأندلس وقد وضعت أسسا فنية ونقدية حاولت من خلالها الحد من الاتجاهات الوافدة من المشرق، فكان الرائدان في ذلك ابن شهيد، وقرينه ابن حزم، فالأول في رسالته التوابع والزوابع التي أكد فيها معارضته، ومقارعته لأدباء المشرق نثرا وشعرا.
    وسار على الأسس نفسها ابن حزم في كتابه طوق الحمامة مغلبا الواقعية في التفكير، وعلى الرغم من اختلافهما حول غاية العمل الأدبي الذي هو جمال وإمتاع عند ابن شهيد وخلق وسلوك إنساني عند ابن حزم فإنهما "التقيا عند تحقيق الغاية وتطبيقها بنماذج أدبية رفيعة أخلصا فيها لتكون عونا لأدباء العصر في ترسم مبادئ المدرسة الأندلسية" ( ) التي استمرت إلى عصور لاحقة.
    وهكذا ساعدت عوامل كثيرة على ظهور الشخصية الأندلسية، حيث ظهر التمايز فنشطت حركة التأليف في تاريخ المدن الأندلسية وجغرافيتها، والترجمة لمشاهير الأعلام في شتى العلوم والفنون، كما ألفت الدواوين التي حفظت أشعار الأندلسيين، وكثرت التواليف والدراسات والمعارضات ولقيت هذه الحركة صداها حتى على صعيد الحياة الاجتماعية، إذ أصبح للأندلسي ذوقه الخاص في المأكل والملبس، وفي أنظمة الحكم والمعاملات في الفن والعمارة، لينبئ ذلك كله عن قيام حضارة أندلسية عريقة ومتميزة.