1. salma

    salma عضو مهمّ

    988
    120
    43
    الدّولة:
    تونس
    الولاية:
    نابل
    المستوى الدّراسي:
    جامعي
    الاختصاص:
    علوم
    المهنة:
    طالبة

    التقليد والتجديد في الأدب الأندلسي

    الموضوع في 'بحوث و دراسات' بواسطة salma, بتاريخ ‏28 مايو 2016.

    التقليد والتجديد في الأدب الأندلسي
    الأندلس /هذا البلد الجميل؛ المحبوب بلد أحبهُ المشارقة عامة، ووجد عناية خاصة من الأدباء ومؤرخي الأدب والمثقفين؛ المهتمين بالشأن العام من جهة، والمعنيين بالشأن الأندلسي خاصة من جهة أخرى وعلى حب الجميع لهذا البلد، فقد حرمهُ الكثير من الباحثين؛ من فضل الإبداع، بينما نسب إليه بعض الباحثين الكثير؛ من التجديد، وكان كل من الطرفين على طرف من التطرف.
    لقد وضع الدكتور باقر سماكة كتاباً سماه:- (التجديد في الأدب الأندلسي)؛ ينسب فيه الكثير من التجديد /في الشعر والنثر للأندلسيين، وسيكون هذا الكتاب أهم الكتب التي سنحاورها بشأن التجديد في الأدب الأندلسي، وإن لم يكن الدكتور باقر سماكة؛ أول من قال بالتجديد في الأدب الأندلسي، لكنه كان أهم من قال بهذا الأمر، فقد سبقه إلى ذلك الدكتور محمد مهدي البصير حين قال:- ‘‘وقد تفرد الأندلسيون بنظم الموشح نحواً من ثلاثة قرون أنتقل بعدها إلى الشرق‘‘، في حين قال الدكتور باقر سماكة:- ‘‘وقد ظل هذا التقليد زمناً طويلاً حتى استطاع الشعراء الأندلسيون التحلل من قيود الالتزام به والسير على منواله ونظموا وجددوا بكثير من الأغراض الشعرية المستمدة من الواقع الأندلسي وجددوا حتى بطريقة بناء القصيدة فيما يتعلق بالوزن والقافية كما يتضح ذلك في شعر الموشحات.‘‘ و إلى جانب التجديد في الموشحات والأزجال /الذي نسبه الدكتور باقر سماكة إلى أهل الأندلس نص على أنهم أنشؤوا فنوناً أخرى حين قال:- ‘‘لقد تميز الأدب الأندلسي فيما تميز بظهور فنون شعرية عديدة مثل الدوبيت والقوما والكان وكان والموال ولكن أكبر تلك الفنون وأهمها الموشحات والأزجال.‘‘ أما الموشحات، فما يزال في النفس من نشأتها شيء، وأما الدوبيت والقوما والكان وكان والموال، فهي جميعاً من الفنون التي سبق المشرق إلى معرفتها، ومما يدل على ذلك، ما قاله صفي الدين الحلي عن المواليا هي الفن الثاني من فنون كتاب العاطل الحالي:- ‘‘المواليا وله وزن واحد، وأربع قواف على روي واحد، ومخترعوه أهل واسط‘‘ وأهل واسط من أهل العراق في المشرق /كما هو معروف كذلك قال الحلي عن (الكان وكان) /وهو الفن الثالث في كتاب العاطل الحالي بعد أن وصفه:- ‘‘ومخترعوه البغداديون، ثم تداوله الناس في البلاد فلم يجارهم فيه مجار ولم يدخل لهم مبار في غبار‘‘
    كذا قال عن (القوما) /وهو الفن الرابع في الكتاب بعد أن وصفه: ‘‘ومخترعوه البغداديون أيضا، في دولة الخلفاء من بني العباس رضي الله تعالى عنهم، برسم السحور في شهر رمضان‘‘، وبغداد عاصمة المشرق عدة قرون كما هو معروف، وقال صفي الدين الحلي في العاطل الحالي عن (القوما) و(الكان وكان):- ‘‘وهذا الفن وما قبله من الكان وكان لا يعرفه أهل البلاد سوى أهل العراق‘‘ وهكذا يتبين أن هذه الفنون؛ فنون مشرقية؛ لم يعرفها قبل أهل العراق أحد، فإن عرفها غيرهم، فإنما أخذها منهم.
    وإنما اعتمدْتُ (العاطل الحالي)، لقدمهِ ولأهميتهِ التي قررها الدكتور باقر سماكة حين قال عن مصادر الزجل ومراجعهِ:-
    ‘‘من المراجع الهامة القليلة كتاب (العاطل الحالي) للشاعر صفي الدين الحلي وكتاب (ملح الزجالين) لابن الدباغ الأندلسي ويعتبر ديوان ابن قزمان الذي يضم 149 زجلية أهم مصدر لدراسة الزجل والتعرف عليه.‘‘
    و إذ يعترف الدكتور باقر سماكة بأهمية العاطل الحالي في دراسة هذه الفنون، يبدو العاطل الحالي مناسباً لمناقشتهِ وتصحيح ما ذهب إليه.
    والدكتور باقر سماكة يُعَرِّفُ بابن قزمان قائلاً:-
    ‘‘فمن هو ابن قزمان؟ انه محمد ابن عبد الملك المكنى بأبي بكر ولد في قرطبة.‘‘
    لم يكتفِ الدكتور باقر سماكة بما تقدم، بل نسب إلى أهل الأندلس التجديد بنظم الأراجيز التاريخية حين قال:- ‘‘وهكذا كان الشعر في عهد الإمارة يسير بين التقليد والتجديد ومن الملاحظ في هذا العصر ظهور بعض الأراجيز التاريخية التي أصبحت مصدراً من مصادر الدراسات الأندلسية والتي اعتمد عليها كثير من الباحثين فقد تضمنت الحوادث والمضاعفات والتطورات التي تخللت أوضاع الأندلس.‘‘ ولعل الدكتور باقر سماكة /فيما سبق يشير إلى أأرجوزة ابن عبد ربه ت328 التاريخية /التي ذكرناها سابقاً وليس في ظهور الأراجيز التاريخية الأندلسية؛ تجديد في الشعر الأندلسي، فقد سبق ابن المعتز ت296 /من أهل المشرق إلى مثل هذه الأراجيز، حيث نظم أرجوزته التاريخية المزدوجة التي مطلعها:-
    بِاِسمِ الإِلَهِ المَلِكِ الرَحمَنِ ذي العِزِّ وَالقُدرَةِ وَالسُلطانِ
    وهي مزدوجة من بحر الرجز في 418 بيتاً، قال الدكتور يونس السامرائي
    عن وقت نظمها:- ‘‘إن نظمه للمزدوجة التأريخية كان بعد وفاة المعتضد ولم تكن في أثناء حياته‘‘وهكذا يتبين سبق ابن المعتز /من أهل العراق في المشرق إلى هذا الفن.
    ليس هذا فحسب، بل ذهب الدكتور باقر سماكة إلى أن شعر النساء من مميزات الشعر الأندلسي حين قال:-
    ‘‘مما تميز به الشعر الأندلسي ظهور عدد غير قليل من النساء الأندلسيات نظمن الشعر وأكثرهن من الجواري الحسان، وكانت قيمة الجارية تقاس بقدر ما لها من الجمال وحسن الصوت والاهتمام بالشعر وقد اقتصرت أشعارهن على الغزل والنوازع الوجدانية الأخرى تقريباً مما أضفى على الشعر الأندلسي حلاوة وطلاوة التجديد.‘‘
    العرب /في كل زمان و مكان عرفوا النساء الشواعر، فهذه المسألة ليست مقصورة على الأندلس.
    فليس دقيقا ما تصوره البعض /ومنهم الدكتور باقر سماكة من أن شعر النساء مقصور على الأندلس أو كان خصيصة من خصائصه، فقد عرف العرب شعر النساء في جاهليتهم وبعد إسلامهم، ومن يتتبع هذا الأمر، يجد نَصَبا، فكتب الأدب والتاريخ؛ ملأى بهذا الشعر النسائي الإنساني، ولا يجادل أحد في الخنساء وشعرها من المخضرمات، كما لا يجادل أحد في ليلى الأخيلية وشعرها من الأمويات، وبالرجوع إلى كتاب واحد هو:- (نزهة الجلساء في أشعار النساء) للسيوطي مثلا؛ نجد جملة من الشواعر المشرقيات اللاتي عشن في العصر العباسي، فبعضهم من بنات الخلفاء والكبراء، وبعضهن معروفة بمدينتها المشرقية، ومن هاتيك الشاعرات المشرقيات:-
    1. ‘‘بوران بنت الحسن بن سهل‘‘
    2. ‘‘خديجة بنت أمير المؤمنين عبد الله المأمون‘‘
    3. ‘‘سلمى البغدادية الشاعرة‘‘
    4. ‘‘شمسة الموصلية‘‘
    5. ‘‘صفية البغدادية‘‘
    6. ‘‘طيف البغدادية‘‘
    7. ‘‘عائشة بنت الخليفة المعتصم‘‘
    8.‘‘عائشة الإسكندرانية‘‘
    9. ‘‘العباسة بنت الخليفة المهدي‘‘
    10. ‘‘علية بنت الخليفة المهدي‘‘

    وحين يتطرف الباحث كل هذا التطرف لا يُستغرب منهُ أن يقول:-
    ‘‘لقد مرت الإشارة إلى أن أغراض الشعر الأندلسي كان منها المقلد المترسم للشعر المشرقي ومنها الأصيل المستمد من بيئتي الأندلس الطبيعية والاجتماعية وأهم تلك الأغراض الأصلية هي:-
    أ‌. وصف الطبيعة.
    ب‌. الغزل .
    ج .الخمريات .
    د. رثاء الدول. ‘‘
    كذلك لا يُستغرب قوله:-
    ‘‘أن الأندلسيين لم يقتصر تجديدهم على ناحية معينة من نواحي العطاء الفكري في مختلف مجالاته.‘‘
    وهو يفصل مسائل من تجديد الأندلسيين في مختلف الجوانب حين يقول:- ‘‘أهتم الأندلسيون بالنثر وتفننوا وجددوا به.‘‘
    ولا شك أن الأندلسيين اهتموا بالنثر وجددوا في جوانب منهُ، كذلك يقول:- ‘‘أن الأندلسيين قد جددوا في الشعر والنثر.‘‘
    ويأخذ أحد الشعراء الأندلسيين /ابن خفاجة مثالاً على التجديد الشعري في الأندلس حين يقول:-
    ‘‘أن أبن خفاجة /كما سبق الحديث عنه تناول أكثر الأغراض الشعرية فجود وجدد بكل ما تناوله متمثلاً بالمعنى الرقيق والأداء الرشيق.
    فمن شعره قصيدة نظمها بمدح الأمير أبي يحيى بن إبراهيم ويذكر فيها خروجه للصيد ويتعرض لوصف الكثير من الطير والوحش وهذه من المعاني التي جدد بها الشعراء الأندلسيون، إن القصيدة طويلة لا مجال لإثباتها كلها مادام الغرض هو التعرف على أغراض الشاعر وأسلوبه.
    وهذا القسم من القصيدة وهي بعنوان:-(سمح الخيال) ‘‘…الخ، وهي أبيات تتضمن أفكاراً جميلة مصوغة صياغة حسنة، لكنها لا تخرج عن كونها تشبيهات أو استعارات أو كنايات منفصلة؛ تجمع بينها روح القصيدة التي لا تبتعد كثيراً عن شعر الصيد في الأدب العربي /وهو كثير لولا حضرية هذه الألفاظ وبداوة تلك؛ هذا من ناحية القصيدة، أما أن يكون ابن خفاجة قد (جود وجدد بكل ما تناوله متمثلاً بالمعنى الرقيق والأداء الرشيق)، فأمر ينظر إليهِ بحذر شديد، إذ أين الشاعر الذي يجدد ويجود في كل ما يتناوله؟!
    قد تكون الرقة والرشاقة من طوابع شعرهِ، وحين ذاك، لا يكون تجديد ولا تجويد، فالرقة والرشاقة من طوابع هذا الشعر، ومن ذا الذي ينكر رقة الكثير من شعر شعراء المشرق ورشاقة ألفاظهم؟!
    عند ذاك يبدو عدم تميز الأندلسيين برقة الشعر ورشاقة ألفاظهِ، فهذه أمور تطبع شعر شعراء معينين؛ في المشرق والمغرب، وفي أوقات متعددة، لا يختص بها شاعر دون شاعر، وإقليم دون إقليم ولا زمان دون زمان، ففي كل إقليم، وفي كل زمان شعراء؛ يذوبون رقة ورشاقة، كما أن هناك شعراء آخرين؛ يوشكون أن يكونوا من الحديد أو الحجر الصوان قوة وصلابة، فكأنهم ينحتون الأحجار القاسية؛ من الجلامد الصلدة.
    وكما يتطرف الدكتور باقر سماكة في مسألة التجديد عند الأندلسيين، يتطرف الدكتور علي محمد سلامة حين يقول:- ‘‘فالشعر الأندلسي في جملتهِ يمتاز على الشعر العربي عامة بما فيه من المعاني المبتكرة الجميلة التي كان يعالجها الشعراء، بين الوصف البديع، والكلام الرشيق، والذوق الفني، والافتنان في أساليب الخيال، ولأنه يدل على الحياة الأندلسية ويرسم صورتين من أحوال العرب، فبينما نرى الشاعر يحن إلى ذكر بلاده الأولى من حياته البدوية،فنجده يذكر الرياض والبساتين والأزهار، والمياه الجارية، وظلال الأشجار، والنسيم العليل والآراء العامة والخاصة، وأحوال الاجتماع والعادات‘‘
    وواضح أنهُ ليس فيما تقدم امتياز للأندلسيين بغير ذكر الأندلس، فقد كانت للعرب الآخرين معانٍ مبتكرة وكانوا يصفون وكانوا يذكرون الأطلال ويحنون إلى البداوة ويتفننون في وصف الحضارة، الشيء الوحيد الذي لم يذكره للأندلسيين ما اختلف الباحثون على أوليتهِ /وهو الموشح وإن كان خصه بفصلين /في كتابه المذكور سابقاً أما وصف الطبيعة والجهاد، فلم يحتكرهما الأندلسيون، فبقيت الفنون التقليدية التي ذكرها /فيما بعد وهي:-
    ‘‘المديح‘‘و‘‘الغزل‘‘و‘‘الرثاء‘‘و‘‘الزهد‘‘و‘‘الهجاء‘‘و‘‘اللهو والمجون‘‘.
    وإذ تطرف الدكتور (علي محـمد سلامة) في حديثهِ عن الامتياز الشعـري عند الأندلسيين، فقد تطرف في حديثهِ عن تقليدهم في النثر إذ قال:- ‘‘لم يقتصر تأثر الأندلسيين بالمشارقة على الشعر فحسب بل تعداه إلى النثر، فكل تطور إلى الأمام، أو رجعة إلى الوراء في النثر المشرقي سرعان ما يجد طريقه إلى الأندلس‘‘
    وقال كذلك:- ‘‘مر النثر الأندلسي بمراحل متأثرا فيها وخلالها بالنثر المشرقي‘‘
    وليت شعري:- ما الذي دفع الدكتور علي محمد سلامة /المندفع لتصور الامتياز في الشعر الأندلسـي، كما تقدم إلى التطرف كل هذا التطرف في تصور تقليد الأندلسيين للمشارقة في الشعر والنثر كما هو واضح في النصوص المتقدمة؟!
    إنني أشعر بأن لهذا الاندفاع في التطرف؛ سببين مهمين هما:-
    1. عدم التدقيق.
    2. التقليد الأعمى للسابقين، فقد قال الدكتور مصطفى الشكعة /وكتابه أسبق من كتاب الدكتور سلامة عن الكتابة الديوانية:- ‘‘كان النثر في الأندلس يقتفي أثر قرينه في المشرق وينسج على منواله ويسير على نهجه ويجري في مضماره، وكان في الأندلس كما كان في المشرق عد كبير من الكتاب المجيدين الذين رق أسلوبهم وراق نهجهم وأمسكوا في الكتابة بخير زمام وملكوا منها ناحية الإتقان وضروب البيان، غير أن الأمر الذي يدعو إلى الدهشة هو أن كبار كتاب الأندلس هم أنفسهم كبار شعرائها المرموقين من امثال ابن زيدون وابن شهيد وابن حزم وأبي حفص بن برد وابن دراج القصطلي ولسان الدين بن الخطيب وغيرهم.‘‘
    وقال كذلك عن الرسالة الأندلسـية:- ‘‘ولا تصيب الرسالة الديوانية الأندلسية أي تطور أو تغيير، بل تظل مصرة على السير في ركاب قرينتها المشرقية واقتفاء أثرها،‘‘
    وقد تبين أثناء دراسة النثر الأندلسي بعض تفصيل هذه المسائل، وواقع الحال أن الأندلسيين؛ لم يكونوا مقلدين كل التقليد، ولا مجددين كل التجديد، إذ أنهم يقررون عروبتهم وأخذهم عن أهل المشرق، لكننا نعرف تميزهم واختلافهم، عبر مسائل تجديدهم ووسائل هذا التجديد، من هنا يصح /عندي قول المستشرق إيميليو غرسيه غومس:- ‘‘و إنه لمن العسير أن نتبين الخيوط المشرقية من الخيوط المغربية في نسيج الشعر الأندلسي الدقيق‘‘ ، فمن الصواب أنهُ يعسر على الباحث غير المدقق أن يكتشف الخيوط المشرقية من الخيوط المغربية، لا أقول (في الشعر فقط) /كما قال (غومس) لكن أقول:- من العسير على الباحث غير المدقق أن يكتشف الخيوط المشرقية من الخيوط المغربية في مجمل الفكر الأندلسي /شعرهِ ونثرهِ لأن التداخل واسع وواضح؛ يتيح لمن ظنه تقليداً أن يجد ما يدل على رأيهِ، كما أن من اليسير على من يظنه تجديداً أن يجد أدلة على مذهبهِ، وأجد التقليد والتجديد واضحين في الأدب الأندلسي؛ متداخلين، لا يغني أحدهما عن الآخر، كما لا يستغني أحدهما عن الآخر.

    د . خليل محمد إبراهيم